السیده المعصومه تفارق الحیاه
وأمر موسى بن خزرج بتغسیلها وتکفینها، وحملوها إلى مقبره « بابلان » ووضعوها على سرداب حفر لها، فاختلفوا فی من ینزلها إلى السرداب.
ثم اتفقوا على خادم لهم صالح کبیر السن یقال له « قادر » فلمّا بعثوا إلیه رأوا راکبین مقبلین من جانب الرمله وعلیهما لثام، فلما قربا من الجنازه نزلا السرداب وأنزلا الجنازه، ودفناها فیه، ثم خرجا ولم یکلما أحدا ، ورکبا وذهبا ولم یدر أحد من هما (۳). ونقل أنّها (علیها السلام) توفیت فی الثانی عشر من ربیع الثانی عام ۲۰۱ هـ (۴) .
ولکن هذا لا ینسجم مع ما نقله صاحب دعائم الإسلام فی کتابه « شرح الأخبار » من أن الإمام الرضا (علیه السلام) ادخل على المأمون فی العاشر من جمادی الآخر سنه ۲۰۱ هـ (۵) ، ومن المعلوم أنّ الإمام (علیه السلام) أرسل فی طلب أخته المعصومه (علیها السلام)بعد وصوله ، وما نقل من تاریخ وفاتها یکون قبل وصوله (علیه السلام) إلى « خراسان » ، وهذا معناه أنّ الإمام (علیه السلام) لم یطلبها ، وأنها لم تهاجر قاصده أخاها ، وهذا مما تنفیه الأخبار والتاریخ . وبناءً على ذلک یمکن أن یکون تأریخ وفاتها هو الثامن من شعبان سنه ۲۰۱ هـ ، کما نقله الشیخ المنصوری فی « حیاه الست » نقلاً عن کتاب مخطوط بإسم « ریاض الأنساب ومجمع الأعقاب » الذی نقله بدوره عن « الرساله العربیه العلویه » للشیخ الحر العاملی صاحب کتاب « وسائل الشیعه » .
وعلى کل حال فقد فارقت روح السیده المعصومه الحیاه بعد أن کابدت صنوف الألم والمشقه والعذاب فسلام علیها یوم ولدت ویوم ماتت ویوم تبعث حیه .
( ۵ | ب ) المأمون یعترف . . . ! !
ذکرنا احتمال أن یکون وفاه السیده المعصومه (علیه السلام) بسبب سم دس إلیها فی « ساوه » ، إما من أهلها المتعصبین ، وإما من أتباع وشرطه المأمون بأمر منه ، وکان من قبل قد قتل إخوتها فی « ساوه » و « شیراز » ، ثم قتل الإمام الرضا (علیه السلام) فیما بعد .
وللمأمون إعتراف بجنایاته وظلمه لأهل البیت (علیهم السلام) وأولادهم وموالیهم ، نسجله للتأریخ والأجیال بیاناً لحقیقه المأمون .
یقول المأمون فی کتاب له فی الجواب عن بنی هاشم : « . . . حتى قضى الله تعالى بالأمر إلینا ، فأخفناهم ، وضیقنا علیهم ، وقتلناهم أکثر من قتل بنی أمیه إیاهم .
ویحکم ! إن بنی أمیّه إنّما قتلوا منهم من سل سیفاً ، وإنا معشر بنی العباس قتلناهم جملاً .
فلتسالن أعظم الهاشمیه بأی ذنب قتلت ؟ !
ولتسألن نفوس اُلقیت فی « دجله » و « الفرات » .
ونفوس دفنت بـ « بغداد » و « الکوفه » أحیاء .
هیهات إنّه من یعمل مثقال ذره خیرا یره ، ومن یعمل مثال ذره شراً یره . . . » (6) .
فهل کانت الغلبه لبنی العبّاس والمأمون بقتلهم هذه النفوس الزکیّه . . ؟
إنٌ الحقیقه تأبى إلا أن تسفر عن وجهها . .
فهذا قبر السیده المعصومه وقبر أخیها الإمام الرضا محجه ومزار . .
. . . اعدالهم لا تعرف ، لا تزل
بل تصب علیهم اللعائن مدى الأیام والأعصار . .
۶ـ الجنه لمن زارها
ثلاثه من المعصومین (علیهم السلام) یبشرون من زارها بالجنه .
۱ ـ فهذا الإمام الصادق (علیه السلام) یبشر زوارها بالجنه قبل ولادتها .
قال (علیه السلام) : « إن لله حرما وهو مکه ، وإن للرسول (صلى الله علیه وآله)حرماً وهو المدینه ، وإن لأمیر المؤمنین (علیه السلام) حرما وهو الکوفه ، وإن لنا حرماً وهو بلده قم . وستدفن فیها امرأه من أولادی تسمى فاطمه ، فمن زارها وجبت له الجنه » (7) .
۲ ـ وعن سعد بن سعد ، قال : سألت أبا الحسن الرضا (علیه السلام) عن زیاره فاطمه بنت موسى (علیه السلام) .
فقال : من زارها فله الجنه (۸) .
۳ ـ وعن الإمام الجواد (علیه السلام) أنه قال : « من زار عمتی بقم فله الجنه » (9) .
والسؤال الآن هل : کل من زارها تجب له الجنه حتى لو کان فاسقاً فاجراً مخالفاً ؟
یجیب الإمام الرضا (علیه السلام) على ذلک فیقول : یا سعد ! عندکم لنا قبر (۱۰) . ؟
قال سعد : جعلت فداک ، قبر فاطمه بنت موسى (علیهما السلام ) .
قال : نعم ، من زارها عارفاً بحقها فله الجنه (۱۱) .
فلیس کل من زارها تجب له الجنه ، وإنما العراف بحقها وحق آبائها وأبنائهم الطاهرین تجب له بزیارتها الجنه . وأنى یکون ذلک للمخالف لهم فی العقیده والعمل ؟ !
وقد قال الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله):« . . . والذی نفسی بیده لا ینتفع عبد بعمله إلا بمعرفه حقنا » (12) .
۷ ـ یا فاطمه إشفعی لی فی الجنه
هذه جمله شریفه من زیاره السیده المعصومه (علیها السلام)(۱۳) ، تشهد بشفاعتها یوم القیامه ، فهی تشفع کشافعه آبائها فی شیعتهم .
ولکی نعرف عظمه الشفاعه ودرجه الشفیع یوم القیامه لا بدّ لنا من التحدث عن الشفاعه ولو قلیلاً ، حتى یتسنى لنا معرفه شیء من عظمه السیده المعصومه (علیها السلام): ـ
الآیات القرآنیه المبارکه التی تتحدث عن الشفاعه یمکن تقسیمها إلى مجموعات ثلاثه .
المجموعه الأولى : آیات ترفض الشفاعه بشکل مطلق ، کقوله تعالى : ( یا أیها الذین آمنوا انفقوا مما رزقناکم من قبل أن یأتی یوم لا بیع فیه ولا خله ولا شفاعه) (۱۴) .
وقوله تعالى : ( ولا یقبل منها شفاعه ) (۱۵) .
المجموعه الثانیه : آیات تحصر الشفاعه فی الله تعالى ، کقوله سبحانه : ( ما لکم من دونه من ولی ولا شفیع ) (۱۶) .
وقوله تعالى : ( قل لله الشفاعه جمیعاً ) (۱۷) .
والمجموعه الثالثه : آیات تثبت الشفاعه لغیر الله تعالى ، ولکنها منوطه بإذنه ، کقوله تعالى : ( ولا تنفع الشفاعه عنده إلا لمن أذن له ) (۱۸) .
وقوله سبحانه : ( من ذا الذی یشفع عنده إلا بإذنه ) (۱۹) .
وهذه الآیه الأخیره تشتمل على رفض وقبول .
فجمله المستثنى منه ترفض شفاعه کل أحد .
ولکن جمله المستثنى تقبل الشفاعه المقترنه بإذن من الله تعالى .
فالشفاعه أمر لا ینکر فی القرآن المجید ، إذ فیه آیات متعدده تدل أو تصرح بها .
ولا توجد أی شائبه شرک فی الشفاعه ، فلسنا کأهل الجاهلیه ( الذین اتخذوا من دونه أولیاء ، ما نعبدهم إلا لیقربونا إلى الله زلفى ) (۲۰) ، فهم قد عبدوا أصنامهم بزعمهم أنّها تقربهم إلى الله تعالى ، ونحن لا نعبد الشفیع ، وإنّما نجعل الشفیع المأذون من قبل الله تعالى ، نجعله وسیله لنا عند الله وإلى الله تعالى ، لمکانته ووجاهته عنده ، وفرق بین جعل الولی والشفیع معبوداً ـ کما علیه أهل الجاهلیه ـ ، وبین جعله وسیله إلى الله وحده لا شریک له .
فالشفاعه لا تکون إلا بإراده منه تعالى ، ومنوطه بإذنه ، ولیس لأحد أن یجعل من مخلوق شفیعاً لمخلوق آخر فی حضره الله عزّ وجلّ ، وما من شفیع یحق له أن یتشفع بغیر إذن من ا لله تعالى . فقل لی بربک : أین الشرک فی ذلک ؟
ولا تستلزم الشفاعه تغییراً فی حکم وإراده الله تعالى کما هو حال « المشفوع عنده » من الناس ، کالسلطان الذی یحکم بقتل شخص ، فیرید قتله ، فیأتی المقرب عنده ویشفع له ، فیقبل شفاعته ، ویغیر حکمه من القتل إلى العفو ، فلیس الأمر کذلک فی محکمه العدل الإلهی .
وللتوضیح نبسط القول أکثر .
لدینا ثلاثه أمور :
۱ ـ المشفوع عنده : وهو الله سبحانه وتعالى .
۲ ـ الشفیع : کالرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله) ، وأهل بیته الکرام (علیهم السلام) .
۳ ـ المشفوع له : وهو المذنب .
وموضوع الشفاعه هو ذلک المذنب الذی یستحق العقوبه بذنبه ، فیأتی الشفیع فیشفع له عند ا له تعالى فیعفوا عنه. فهل یتغیر حکم الله تعالى وعلمه کما یتغیر حکم سلاطین أهل الدنیا ؟ حاشا لله ذلک.
إن الشفیع عند السلطان یغیر ویؤثر فی إراده وحکم السلطان ، ولکن الشفیع عند الله تعالى لا یغیر ولا یؤثر فی إراده وعلم الله تعالى ، بل یکون تأثیر الشفیع على المذنب ـ الذی هو موضوع علم الله وإرادته ـ ، فالمذنب حکمه العقوبه قبل الشفاعه ، ولکنه بضمیمه شفاعه الشفیع یصیر حکمه العفو ، فالذی تغیر هو الموضوع ، وحکم الله وإرادته لم تتغیر ، إذ إن إرادته کانت منذ البدایه هی عقوبه المذنب غیر المشفوع له ، وهذا مشفوع له فلا یعاقب ، کالتّائب المقبوله توبته ، فهو قبل التوبه مستحق للعقوبه ، وبالتوبه یشمله العفو والغفران الإلهی ، فالمذنب لم یغیر بتوبته علم الله تعالى ولا إرادته ، بل غیر نفسه وبدل سلوکه وصار کمن لا ذنب له ، فتغیر لذلک الحکم الإلهی بتغیر الموضوع ، فالحکم الإلهی ثابت لم تیغیر وإنما تغیر الموضوع ، ولکل موضوع حکمه الخاص .
وبکلمه موجزه : شفاعه الشَّفیع عند السلطان تغیر الموضوع ، وتغیر حکم السلطان ، ولکن شفاعه الشفیع عند الله تعالى تغیر الموضوع فقط ، وحکمه تعالى وإرادته وعلمه ، کل ذلک ثابت لا یتغیر .
ثم إن الشفاعه أمر متعارف بین الناس ، وعلیه سیره العقلاء ، وهی ما تسمى الیوم بـ « الوساطه » ، فالضعیف یجعل القوی یتوسط له فی قضاء حاجته عند الحاکم والسلطان وفی الدوائر الحکومیه ، ولکن هناک فرق بین شفاعه أهل الدنیا وشفاعه الأولیاء الصالحین .
فالشفاعه فی عالم الناس الیوم قد تکون وسیله إصلاحیه تربویه ، یعود بها المشفوع له إلى جاده الصواب ، وقد تکون وسیله لارتکاب المزید من المعاصی والتشجیع علیها .
ولکن الشفاعه بمفهومها الدینی لا تکون إلا وسیلهً إصلاحیه تدعو إلى الخیر وعدم الیأس من رحمه الله بارتکاب معصیه قد سولت له نفسه جنایتها فی وقت من الأوقات .
فالشفاعه عامل إیجابی یدفع الخلق إلى الصلاح ، ولا یجرئهم على ارتکاب المزید من المعاصی .
وعند استعراض روایات أهل بیت العصمه والطهاره تبرهن لک إیجابیه الشفاعه ، فإنّ أصنافاً من الناس لا تنالهم الشفاعه ، وإنّ بعض الأعمال لتحجب الشفاعه .
وأما الأصناف التی لا تنالهم الشفاعه فمنها :
۱ ـ السلطان الظالم .
۲ ـ المغالی فی الدین .
۳ ـ الناصبی .
فقد قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « صنفان لا تنالهما شفاعتی : سلطان غشوم عسوف .
وغال فی الدین مارق منه غیر تائب ولا نازع » (21) .
وقال الإمام الصادق (علیه السلام) : « ولو أن الملائکه المقربین والأنبیاء والمرسلین شفعوا فی ناصب (۲۲) ما شفعوا ».
وسمع الإمام الباقر (علیه السلام) أنّه قال : « من أبغض علیاً دخل النار ، ثم جعل الله فی عنقه إثنتی عشره ألف شعبه ، على کل شعبه منها شیطان یبزق فی وجهه ویکلح (۲۳) » (24) .
وأما الأعمال التی تحجب الشفاعه ، ویحرم فاعلها نعمه الشافعه فمنها : ۱ ـ عدم الإیمان بالشفاعه : فعن الإمام الرضا عن أبیه عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « من لم یؤمن بشفاعتی فلا أناله الله شفاعتی » (25) .
۲ ـ التعرض لذریه الرسول الاقدس (صلى الله علیه وآله) بأذى وغیره : « والله لا تشفعت فیمن آذى ذریتی » (26) .
۳ ـ الإستخفاف بالصلاه : عن الإمام الباقر (علیه السلام) ، قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « لا ینال شفاعتی من استخف بصلاته ، ولا یرد علیٌ الحوض لا والله » (27) .
وعن أبی بصیر ، قال : دخلت على « أم حمیده » (28) أعزیها بأبی عبدالله (علیه السلام) ، فبکت وبکیت لبکائها .
ثم قالت : یا أبا محمد لو رأیت أبا عبدالله (علیه السلام) عند الموت لرأیت عجباً . فتح عینیه ، ثم قال : إجمعوا إلیٌ کل من کان بینی وبینه قرابه .
قالت : فما ترکنا أحداً إلا جمعناه .
قالت : فنظر إلیهم .
ثم قال : إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفاً بصلاته (۲۹) .
۴ ـ شرب المسکر : عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله): « . . . لا والله لا ینال شفاعتی من شرب المسکر ولا یرد علیٌ الحوض لا والله » (30) .
أیها القارىء الکریم : تلک بعض الأصناف التی تحرم الشفاعه ، وهذه کانت بعض الأعمال التی تحجب الشفاعه . ففیمن تکون الشفاعه إذن ؟
قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « إنّما شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی » (31) .
ولکن کیف یستحق أهل الکبائر (۳۲) الشفاعه ؟ وبماذا یستوجبونها ؟
إنّما استحقوها واستوجبوها بإتیانهم عملاً أهلهم للشفاعه .
فمن ذلک :
۱ ـ زیاره المعصومین (علیهم السلام) : فعن الإمام أبی عبدالله (علیه السلام)قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « من أتانی زائراً کنت شفیعه یوم القیامه » (33) .
وقال الإمام الحسین (علیه السلام) لرسول الله (صلى الله علیه وآله) : یا أبتاه ! ما لمن زارک ؟
فقال (صلى الله علیه وآله): یا بنی ! من زارنی حیا أو میتاً ، أو زار أباک ، أو زار أخاک ، أو زارک ، کان حقا علیٌ أن أزوره یوم القیامه ، واخلصه من ذنوبه » (34) .
وروى البزنطی عن الإمام الرضا (علیه السلام) قال : « ما زارنی أحد من أولیائی عارفاً بحقی ، الا شفعت فیه یوم القیامه » (35) .
۲ ـ موده وإکرام ذریه الرسول الأکرم (صلى الله علیه وآله) : فعن الإمام أبی عبدالله الصادق (علیه السلام)قال : قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) : « إنّی شافع یوم القیامه لأربعه أصناف لو جاءوا بذنوب أهل الدنیا : رجل نصر ذریتی .
ورجل بذل ماله لذریتی عند المضیق .
ورجل أحب ذریتی باللسان والقلب .
ورجل سعى فی حوائج ذریتی إذا طردوا أو شردوا » (36) .
۳ ـ صنع المعروف : عن الإمام أبی عبدالله الصادق (علیه السلام) . قال : « إن المؤمن منکم یوم القیامه لیمر علیه بالرجل وقد أمر به إلى النار . فیقول له : یا فلان أغثنی ، فقد کنت أصنع إلیک المعروف فی الدنیا .
فیقول المؤمن للملک : خل سبیله .
فیأمر الله الملک أن أجز قول المؤمن .
فیخلی الملک سبیله » (37) .
وتاره یدخل المشفوع له الجنه بسبب ذلک العمل الذی رجح علی معصیته من دون أن یرى العذاب ، وتاره لا تناله الشفاعه حتى یدخل جهنم ویذوق ألم العذاب .
فعن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال : « . . . . شفاعه محمد (صلى الله علیه وآله) وشفاعتنا تحیط بذنوبکم یا معشر الشیعه ، فلا تعودوا ، ولا تتکلوا على شفاعتنا ، فوالله لا ینال أحد شفاعتنا إذا فعل هذا (۳۸) حتى یصیبه ألم العذاب ، ویرى هول جنهم » (39) .
فبعض العصاه لا تطهرهم إلا جنهم ، ثم تنالهم الشفاعه .
وبعد هذا کله ، هل یبقى شک أو ریب فی أن الشفاعه عامل إیجابی یدعو إلى الصلاح ، ویحفز على ترک الذنوب والمعاصی ؟
واتضح أن الشفاعه فیها إظهار لعظمه الخالق ، وعظمه الشافع ، وعظمه العمل المشفوع به ، فهی :
۱ ـ إظهار لعظمه الخالق جل وعلا : أرأیت الملک کیف ینصب الوزراء والقواد والحجّاب ، فیقومون بالوظائف والأعمال ، وتکون له جهه الإشراف والمراقبه ؟
فکذلک الأمر مع ملک الملوک والملک الحقیقی ، فهو تعال اسمه أوکل الوحی إلى جبرائیل ، وقبض الأرواح إلى عزرائیل ، وأمر الریاح والأمطار إلى ملائکه آخرین ، وأوکل هدایه الناس إلى الرسل ، مع قدرته تعالى على کل ذلک بمجرد إراده منه فیقول کن فیکون . ومن ذلک أن جعل الشفاعه لرسله وأولیائه ، وکله إظهاراً لعظمته ، وتجلّیا لقدرته ، وتبییناً لجلالته .
۲ ـ وإظهار لعظمه العمل المشفوع به : وقد مرّ علیکم مثل تلک الأعمال کزیاره المعصومین (علیهم السلام) ، وإکرام ذراریهم .
۳ ـ وإظهار لعظمه الشافع : درجه الشفاعه درجه سامیه ، وکلما تعاظمت منزله الشفیع عند الله ، کلما کانت شفاعته أکبر . فالشفعاء یوم القیامه على درجات ومراتب .
فمنهم من یشفع فی جاره وحمیمه .
قال الامام الصادق (علیه السلام) : « إنّ الجار یشفع لجاره ، والحمیم لحمیمه » (40) .
وسئل الإمام الصادق (علیه السلام) عن المؤمن هل یشفع فی أهله ؟
قال : نعم المؤمن یشفع فیشفع » (41) .
وعن الإمام الباقر (علیه السلام) : « . . . وإن ادنى المؤمنین شفاعه لیشفع لثلاثین إنساناً ، فعند ذلک یقول أهل النار : « فمالنا من شافعین ولا صدیق حمیم (۴۲) » (43) .
ومنهم من تصل منزلته لیشفع فی مثل ربیعه ومضر .
قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : « من مات یوم الخمیس بعد زوال الشمس إلى یوم الجمعه وقت الزوال ، وکان مؤمناً ، أعاذه الله عز وجل من ضغطه القبر ، وقبل شفاعته فی مثل ربیعه ومضر » (44) . إلى أن تصل المنزله إلى منزله المقام المحمود ، وهی منزله رسول الله (صلى الله علیه وآله) وهی أعلى منزله .
قال الإمام الباقر ( علیه السلام) : « إن لرسول الله (صلى الله علیه وآله) شفاعهً فی اُمته » (45) .
بل عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال : « ما أحد من الاولین والآخرین إلا وهو یحتاج إلى شفاعه محمد (صلى الله علیه وآله) یوم القیامه » (46) .
واما السیده المعصومه ، حفیدته (صلى الله علیه وآله) هی الأخرى لها درجه مرموقه من الشفاعه .
فقد روی عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال : « ألا إن قم الکوفه الصغیره ، ألا إن للجنه ثمانیه أبواب ، ثلاثه منها إلى قم ، تقبض فیها امرأه من ولدی ، إسمها فاطمه ، بنت موسى ، وتدخل بشفاعتها شیعتی الجنه بأجمعهم » (47) .
وهذا مما یدل على مدى عظمه السیده المعصومه (علیها السلام)، وعلو شأنها عند الله تعالى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) ترجمه تاریخ قم : ص ۲۱۳ .
(۲) الحیاه السیاسیه للإمام الرضا : ص ۴۲۸ ، عن قیام سادات علوی : ص ۱۶۸ .
(۳) ترجمه تاریخ قم : ص ۲۱۳ و۲۱۴ .
(۴) مستدرک سفینه البحار : ج ۸ ص ۲۵۷ .
(۵) شرح الأخبار : ج۳ ص ۳۴۰ .
(۶) بحار الأنوار : ج۴۹ ص ۲۱۰ ، عن صاحب الطرائف عن ابن مسکویه .
(۷) ترجمه تاریخ قم : ص ۲۱۵ ، وعنه فی البحار : ج۶۰ ص ۲۱۶ ح۴۱ ، ومستدرک الوسائل : ج۱۰ ص ۳۶۸ ح۱ .
(۸) کامل الزیارات : ص ۳۲۴ ح۱ ، وثواب الأعمال : ص ۹۸ ، وعیون أخبار الرضا : ج۲ ص ۲۶۷ .
(۹) کامل الزیارات : ص ۳۲۴ ح۲ .
(۱۰) أی : هل عندکم لنا قبر فی قم ؟ فسؤاله (علیه السلام) طلب للتقریر فلحن السؤال یدل على أنه لیس أستفهاماً حقیقیاً بل إخبار وتقریر .
(۱۱) بحار الأنوار : ج۱۰۲ ص ۲۶۵ ح۴ ، ومستدرک الوسائل : ج۱۰ ص ۳۶۸ ح۳ .
(۱۲) المحاسن : ج۱ ص ۱۳۵ ح۱۶۹ .
(۱۳) زیاره السیده المعصومه (علیها السلام)مذکوره فی آخر الکتاب .
(۱۴) سوره البقره : الآیه (۲۵۴) .
(۱۵) سوره البقره : الآیه (۴۸) .
(۱۶) سوره السجده : الآیه (۴) .
(۱۷) سوره الزمر : الآیه (۴۴) .
(۱۸) سوره سبا : الآیه (۲۳) .
(۱۹) سوره البقره : الآیه (۲۵۵) .
(۲۰) سوره الزمر : الآیه (۳) .
(۲۱) قرب الإسناد : ص ۶۴ ح۲۰۴ .
(۲۲) لقد مر علیک معنى الناصبی فی ص ۵۴ فراجع .
(۲۳) یکلح : یکشر فی عبوس .
(۲۴) المحاسن : ص ۲۹۷ ح۲۰۲ .
(۲۵) أمالی الصدوق ، المجلس الثانی : ص ۱۶ ح ۴ .
(۲۶) أمالی الصدوق ، المجلس التاسع والاربعون ب ص ۲۴۲ ح۳ .
(۲۷) المحاسن : ج۱ ص ۱۵۹ ح۶ .
(۲۸) الظاهر أن المراد السیده « حمیده المصفاه » زوجه الإمام الصادق (علیه السلام) ، بقرینه تعزیتها
بشهاده الإماء (علیه السلام) .
(۲۹) المحاسن : ج۱ ص ۱۵۹ ح۸ .
(۳۰) الکافی : ج۶ ص ۴۰۰ ح۱۹ .
(۳۱) من لا یحضره الفقیه : ج۳ ص ۵۷۴ ح۴۹۶۳ .
(۳۲) یستثنى منهم ما استثنته الروایات کشارب الخمر ـ مثلاً ـ والسلطان الظالم .
(۳۳) الکافی : ج۴ ص ۵۴۸ ح۳ .
(۳۴) المصدر السابق : ج۴ .
(۳۵) من لا یحضره الفقیه : ج۲ ص ۵۸۳ ح۳۱۸۴ .
(۳۶) الکافی : ج۴ ص ۶۰ ح۹ .
(۳۷) المحاسن : ص ۲۹۴ ح ۱۹۴ .
(۳۸) فعل هذا : أی إذا زنى وفجر بجاریه أخیه ، ولم یتب ، ولم یتحلل من صاحب الجاریه ـ کما فی
الروایه ـ .
(۳۹) من لا یحضره الفقیه ج۴ ص ۳۹ ح۵۰۳۴ .
(۴۰) المحاسن : ص ۲۹۴ ح۱۹۲ .
(۴۱) المصدر السابق : ح ۱۹۳ .,آق .
(۴۲) سوره الشعراء ، الآیه ( ۱۰۰ و۱۰۱ )
(۴۳) الکافی : ج۸ ص ۱۰۱ ح۷۲ .
(۴۴) من لا یحضره الفقیه : ج۴ ص ۴۱۱ ح۵۸۹۶ ، وقوله « فی مثل ربیعه ومضر » : أی بمثل عدد قبیلتی ربیعه ومضر .
(۴۵) المحاسن : ص ۲۹۴ ح ۱۹۰ .
(۴۶) المصدر السابق : ص ۲۹۳ ح ۱۸۸ .
(۴۷) بحار الأنوار : ج۶۰ ص ۲۱۶ ح۴۱ .