مرض أبی بکر
ثم أغمی علیه من شده الوجع فکتب عثمان اسم عمر (إنی قد ولیت علیکم عمر) فلما أفاق أبو بکر من غیبوبته طلب من عثمان أن یقرأ علیه ما کتب، فقرأ عثمان، فسر أبو بکر وقال لعثمان (لو کتبت اسمک لکنت أهلا لها) (۱) .لقد أتاح المسلمون لأبی بکر الفرصه لیکتب وصیته وتوجیهاته النهائیه، وعاملوه أثناء مرضه بکل التقدیس والاحترام، ولم یقولوا له أنت تهجر، ولا قالوا له : إن المرض قد اشتد به، ولا قالوا له : حسبنا کتاب الله، ولا کسروا بخاطره ولا أساؤوا کما أساؤوا إلى رسول الله (صلّى الله علیه وآله).
ــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الطبری ج ۲ ص ۴۲۹ : وسیره عمر لابن الجوزی ص ۳۷، وتاریخ ابن خلدون ج ۲ ص ۸۵، وکتابنا النظام السیاسی ص ۱۵۹، وکتابنا المواجهه ص ۵۴۰ . ( * )
الموقف المناقض لعمر بن الخطاب عندما أراد أبو بکر أن یکتب توجیهاته النهائیه ووصیته کان عمر یجلس مع الصفوه التی اختارها أبو بکر لتشهد کتابه وصیته وتوجیهاته النهائیه، وکان معه شدید مولى أبی بکر . فکان عمر یقول: (أیها الناس اسمعوا وأطیعوا قول خلیفه رسول الله إنه یقول : إنی لم آلکم خیرا) ( ۱ ) .
قارن بربک بین موقف عمر وحزبه من رسول الله (صلّى الله علیه وآله)عندما أراد أن یکتب وصیته وتوجیهاته النهائیه أثناء مرضه، وبین موقف عمر وحزبه من أبی بکر یوم کتب أبو بکر وصیته وتوجیهاته النهائیه ! ! ! لم یقل عمر إن أبا بکر قد اشتد به الوجع، مع أن وجع أبی بکر کان أشد من وجع الرسول ! ! ولم یقل عمر إن أبا بکر قد هجر کما قال ذلک لرسول الله مع أن أبا بکر قد أغمی علیه قبل أن یتم الجمله ! ! ولم یجمع عمر الجموع ویقتحم بیت أبی بکر، کما جمع الجموع واقتحم بیت النبی، واتفق مع ذلک الجمع الذی جمعه على تردید ( اللازمه ) القول ما قال عمر، ولم یختلف الحضور ولم یتنازعوا، ولم یکثر اللغط واللغو، ولم تتدخل النساء، لقد وفرت زعامه بطون قریش المناخ الملائم لوصیه وتوجیهات أبی بکر النهائیه لماذا لأن أبا بکر وعمر وزعامه بطون قریش من حزب واحد وعلى خط واحد، أما رسول الله فلیس من حزبهم ولا على خطهم ! !
ـــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ الطبری طبعه أوروبا ج ۱ ص ۲۱۳۸ . ( * )
مرض عمر بن الخطاب وکتابه وصیته وتوجیهاته النهائیه
طعن عمر بن الخطاب، قال طبیبه لا أرى أن تمسی، فما کنت فاعلا فافعله واشتد به المرض، وأخذ یتذکر ویتوجع فیقول : ( لو أن لی ما طلعت علیه الشمس لافتدیت به من هول المطلع، الویل لعمر ولأم عمر إن لم یغفر الله لعمر )، وقال لابنه عبد الله : ( ضع خدی على الأرض لا أم لک ) ( ۱ ) .
ومع هذا فقد کتب عمر وصیته وتوجیهاته النهائیه وعهد عمر للسته نظریا ولعثمان عملیا، وأمر بضرب عنق من یخالف تعلیماته ( ۲ ) ! !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) الإمامه والسیاسه لابن قتیبه الدینوری والطبقات الکبرى لابن سعد ج ۲ ص ۶۴، وکتابنا الخطط السیاسیه ص ۳۶۷ – ۳۶۹، وکتابنا المواجهه ص ۵۱۱ وما فوق .
( ۲ ) الطبقات الکبرى لابن سعد ج ۳ ص ۳۴۷ وأنساب الأشراف للبلاذری ج ۵ ص ۱۸، وتاریخ الطبری ج ۵ ص ۲۳ . ( * )
لقد کتب عمر أثناء مرضه ما أراد ولم یعترضه أحد، لم یقل أحد بأن المرض قد اشتد بعمر، ولم یقل أحد بأن عمر قد هجر کما ردد عمر وزعماء حزبه ومرتزقته هذا القول الفاحش أمام رسول الله (صلّى الله علیه وآله)! ولم یقل أحد عندنا کتاب الله وهو یغنینا عن وصیتک یا عمر وعن توجیهاتک النهائیه ! ! إنما قوبل عمر بکل التوقیر والتقدیس والاحترام ونفذت وصیته وتعلیماته النهائیه حرفیا کأنها کتاب منزل من عند الله بل وأکثر ! ! فهل لعمر وأبی بکر قداسه عند القوم أکثر من رسول الله ! ! وبأی کتاب قد أنزل الله بأن الاثنین أولى بالاحترام والطاعه من رسول الله ؟ ! لن تجرؤ على القول بأن فعلهما هذا یستحق اللوم على الأقل لأن العامه والخاصه من أولیاء الخلافه التاریخیه الذین أشربوا ثقافه التاریخ سیدفنوک حیا إن فعلت ذلک ! ! فهم یعتقدون أن الولاء للخلفاء جزء لا یتجزأ من الولاء لله، فلو قمت اللیل وصمت النهار أبدا، وکنت غیر موال للخلفاء، لأحلوا سفک دمک حتى بالأشهر الحرم ! ! فمن الممکن أن یخطئ النبی بعرفهم فهو بشر ! ! لکن من غیر الجائز أن تقول أن أبا بکر أو عمر أو عثمان أو معاویه أو غیرهم قد أخطأ ! ! أولیاء الخلافه التاریخیه یعتقدون أن أبا بکر وعمر وعثمان وغیرهم قد فعلوا ذلک برسول الله لحکمه کانت خافیه على الناس ! ! أو فعلوا ذلک ( اجتهادا ) وبالتالی فإنهم – الخلفاء – مأجورون أجرا واحدا على إهانتهم لرسول الله وعقوقهم له ومعصیتهم لأوامره ! ! إن هذا لهو البلاء المبین ! ! فمع أن معاویه قد هلک، وزال ملکه إلى غیر رجعه، إلا أنه ما زال للآن یحکم الأکثریه الساحقه من المسلمین من خلال ثقافه الانحراف التی أوجدها، وأرسى قواعدها، وجذورها فی نفوس المسلمین، وزینها لهم، فتوارثها المسلمون جیلا بعد جیل، فإنا لله وإنا إلیه راجعون، لأن هذه لیست مصیبه فحسب بل إنها أکبر المصائب ! ! فما قیمه سنه الرسول عند من یعاملون الرسول أثناء مرضه بهذه المعامله القاسیه والغاشمه ! !
لم یصدف طوال التاریخ البشری
لم یصدف طوال تاریخ البشر أن عومل ولی أمر سواء أکان نبیا، أو خلیفه، أو ملکا، أو والیا أو عاملا وهو مریض بالقسوه والجلافه والظلم الذی عاملوا به رسول الله أثناء مرضه .
ولم یصدف طوال التاریخ السیاسی للمسلمین أن اعترض المسلمون على أی خلیفه أو وال أو عامل أو مسلم أراد أن یکتب وصیته أو توجیهاته أثناء مرضه بل على العکس فقد اعتبروا أن کتابه الوصیه، وإصدار التوجیهات النهائیه، والاستخلاف حق للخلیفه القائم وواجب علیه .
قال ابن خلدون الذی أشرب ثقافه التاریخ، وآمن بفلسفه معاویه وأساتذته : ( إن الخلیفه ینظر للناس حال حیاته وتبع ذلک أن ینظر لهم بعد وفاته ویقیم لهم من یتولى أمورهم من بعده ) ( ۱ ) ! !
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) مقدمه ابن خلدون ص ۱۲۷ . ( * )
ولکن ابن خلدون لا یعترف بهذا الحق لرسول الله، لأن الرسول لیس خلیفه ! لقد اخترع ابن خلدون هذا الحق خصیصا للخلفاء الذین أشرب ثقافتهم، فی الوقت الذی کان فیه یجهل تاریخ الرسول، وتاریخ الإسلام وثقافتهما الحقیقیه ! ! لقد أعلنوا فی ما بعد بکل صراحه أن مکانه الخلیفه أعظم من مکانه النبی ( ۱ )
وتمت مکافأه من جهر بهذه الآراء الفاسده، فتقلدوا أعظم مناصب دوله الخلافه التاریخیه ! ! فهل بعد هذا العجب من عجب ! ! ألا بعدا لهم کما بعدت ثمود ! !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ۱ ) تاریخ ابن کثیر ج ۱۰ ص ۷ – ۸، وسنن أبی داود ج ۴ ص ۲۰۹ – ۲۱۰ ح ۴۶۴۲، ومروج الذهب للمسعودی ج ۳ ص ۱۴۷، والعقد الفرید ج ۵ ص ۵۱ – ۵۴، وتاریخ الطبری ج ۵ ص ۲۱ . ( * )