الأسبابُ البعیده للثوره الحسینیه
ولعلّ خیر وصف للأُسْرَتَین ذلک الذی قاله نفیل بن عدی لمّا تنافر له عبد المطّلب وحرب بن اُمیّه ، فقال لحرب :
أبوک مُعاهرٌ وأبوه عفٌّ وذادَ الفیلَ عن بلدٍ حرامِ
وکان نفیل یشیر إلى فیل أبرهه الذی أغار به على مکّه ، ویعنی عن اُمیّه بـ( معاهر ) لِما عُرف عنه من تعرّضه للنساء ، وما أشیع من أنّه ضُرب مرّه بالسیف لتعرّضه لامرأه من بنی زهره .
ولعلّ اختلاف الأمزجه والأخلاق هو الذی حدّد مسار أجیال أبناء هاشم وأبناء عبد شمس ، فقد عُرف عن بنی هاشم تعلّقهم وعملهم فی القیاده الدینیّه، وعُرف عن عبد شمس عملهم فی التجاره والسیاسه .
وإذا اختلفت الأمزجه والطبائع بین البشر فلا بدّ من اختلاف النظره إلى الاُمور ، وإلى کیفیّه أخذها تبعاً لذلک ؛ لذا کان من المحتّم أن تقوم المواجهه السافره حیناً ، والمبطّنه حیناً آخر بین فروع العائلتَین المنحدرتَین من عبد مناف .
وطبیعی إذا ما تفجّرت مثل هذه المواجهه وتفاقم بین الأُسْرَتَین الخلاف أن یعرف المطّلع ـ وقد خَبُر فارق الطبائع والأمزجه ـ مَن سیکون المعتدی ، ومَن سیکون المعتدى علیه ، ومَن یأخذ جانب الباطل ، ومَن یأخذ جانب الحقّ .
ولو عرضنا هذا الأمر على مطلق إنسان لأجاب : بأنّ النفعی هو ممثّل الباطل ، والأریحی هو ممثّل الحقّ . وعلى نفس المقیاس یجیب أیضاً : بأنّ التاجر والسیاسی هو مشعل فتیل الخلاف ، على القائد الدینی وداعیه الأخلاق .
وإذا کان من غیر المناسب أن نخوض فی الأسباب التاریخیّه لخلاف بنی هاشم وبنی اُمیّه فی متن کتابنا التحلیلی هذا ، تارکین هذه المهمّه لکتب التاریخ الصرفه التی تهتمّ بسرد الحوادث دونما تحلیلها وإبداء الرأی حولها ، فإنّ ذلک لن یمنعنا من تقدیم نبذه بسیطه عن هذا الخلاف مذ تفجّر حتّى وصلت نتائجه إلى عهد الحسین ویزید ، وما کان من الحوادث التی تلت .
وما دمنا لا نبغی الترکیز على تلک الفترات التاریخیّه إلاّ فیما ینفعنا لمادّه هذا الکتاب الذی نتوجّه به للفکر المسیحی العربی والغربی أوّلاً ، وللفکر الإسلامی ثانیاً ، فإنّ فی تعریجنا السریع على تلک الفتره من شأنه إکمال الصوره المجزّأه لملحمه کربلاء ، وما سبقها من أسباب وبواعث وأحداث ، ما دمنا قد أکملنا الأجزاء التی تلتها ، فصار لزاماً علینا وضع الأجزاء التی سبقتها لإکمال صورتها النهائیّه .
صراعُ موروث
جذور الخلاف الاُولى تمتدّ إلى صراع موروث وتخاصم حاد منذ عهد الجاهلیّه الاُولى بشراره بدأت بین هاشم واُمیّه ، وامتدّت بین محمّد (صلّى الله علیه وآله) وأبی سفیان ، واستمرّت إلى عهد علی ومعاویه ، وانتهت بعهد الحسین ویزید .
وقد جاءت وفاه النبی (صلّى الله علیه وآله) لتکشف عن استمراریّه تمکّن روح القبلیّه بین المسلمین ، إذ لم تمضِ ساعات على وفاه الرسول الأعظم حتّى بدأت المداولات هنا وهناک بمعزل عن جموع اُمّه الإسلام العریضه ، وکلّها تبحث فی مسأله الخلافه بعد النبی (صلّى الله علیه وآله) .
فرأى الأنصار بأنّ الخلافه من حقّهم ، ونازعهم فریق قریشی هذا المنطق . وکان عامل الذهول الذی أصاب المسلمین بوفاه النبی (صلّى الله علیه وآله) قد جعلهم یتناسون عهد النبی إلى علی بن أبی طالب (علیه السّلام) . وکانت هذه الروح القبلیّه التی تأجّجت یوم السقیفه هی البذره الاُولى للفتنه التی نشبت بین المسلمین .
وحینما تولّى عمر الخلافه فرض العطاء على مبدأ التفضیل ، ففضّل السابقین على غیرهم ، وفضّل المهاجرین على الأنصار ، والعرب على العجم ، والصریح على المولى ، ومضر على ربیعه ، والأوس على الخزرج(۱) .
ـــــــــــــ
(۱) شرح نهج البلاغه ـ ابن أبی الحدید ۸ / ۱۱۱ ، وتاریخ الیعقوبی ۲ / ۱۰۶ ، وفتوح البلدان / ۴۳۷ .
ولکن عمر ما کاد یدرک أخطار مبدئه هذا ، السیاسیّه منها والاجتماعیّه والدینیّه ، ویرغب فی تغییره ، حتّى اغتیل(۱) ، وخلفه عثمان وسار على نفس نهجه السابق .
وما عتمت الأحداث أن تطوّرت ، وانقسمت الاُمّه الإسلامیّه إلى صفَّین ؛ فکانت قریش ـ عدا بنی هاشم ـ مع عثمان ، والأنصار مع علی . ولعلّ أصدق موقفَین یصوّران حاله الجدل التی تفشّت وقتذاک هذان الموقفان : فقد قال عبد الله بن سعد بن أبی سرح الاُموی : أیّها الملأ إذا أردتم ألاّ تختلف قریش فیما بینها فبایعوا عثمان(۲) .
وقال عمّار بن یاسر: إن أردتم ألاّ یختلف المسلمون فیما بینهم فبایعوا علیّاً(۳). ولمّا کان علی (علیه السّلام) مرشّح الأکثریّه المسلمه، وعثمان مرشّح الأرستقراطیّه القرشیّه، فقد فاز عثمان بالبیعه دون علی .
ومنذ ذلک الیوم دخل الاُمویّون فی الحکم ، وکان من نتیجه فوز عثمان أن صار أی مرشّح یرجو الخلافه لنفسه بعد أن رشّحه لها عمر . وقد وصف هذه النتیجه علی (علیه السّلام) بقوله : (( لأسلمن ما سلمت اُمور المسلمین , ولم یکن فیها جَور إلاّ علیَّ خاصّه ))(۴) .
ـــــــــــــــ
(۱) فی تاریخ الیعقوبی ، وشرح نهج البلاغه قال عمر : إن عشتُ هذه السنه ساویتُ بین الناس ، فَلَم أفضّل أحمر على أسود ولا عربیاً على عجمی ، وصنعتُ کما صنع رسول الله وأبو بکر .
(۲) و (۳) شرح نهج البلاغه ـ لابن أبی الحدید ۹ / ۵۹ ، وتاریخ الطبری ۴ / ۲۳۲ ـ ۲۳۳ .
(۴) نهج البلاغه ۱ / ۱۵۱ .
وقد تفاعلت هذه الأحداث مع سیاسه عثمان الفاسده فی المال والإداره والحکم فبدأ الانحراف الصریح فی العقیده ومبادئ الإسلام من یومها .
وقد ازداد الفساد فی عهده فضرب کلّ الولایات الإسلامیّه ، ممّا ألّب جموع المسلمین علیه فتنادوا إلى الثوره ضدّه بعد أن ضیق بأعمالهم ، وبعثهم إلى أرض العدو کجنود ـ وجمّرهم ـ أی جمّدهم هناک ، وحرم أعطیاتهم لیطیعوه ، ولکن هذه الأحداث انتهت بمقتل عثمان.