خالد بن الولید
یقول عباس محمود العقاد : کان أغنى أبناء زمانه فی صفوف الثراء المعروفه بینهم کافه ، الذهب والفضه والبساتین والکروم والتجاره والعروض والخدم والجواری والعبید ، وسمی من أجل ذلک بالوحید (۱) .
وأبوه هذا هو الولید بن المغیره الذی نزل فیه القرآن یتوعده بالنار وبئس القرار ، فقال تعالى فی شأنه : «ذرنی ومن خلقت وحیداً * وجعلت له مالاً ممدوداً * وبنین شهوداً * ومهدت له تمهیداً * ثم یطمع أن أزید * کلا انه کان لآیاتنا عنیداً * سأرهقه صعوداً * انه فکر وقدر * فقتل کیف قدر * ثم قتل کیف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستکبر * فقال ان هذا الا سحر یؤثر * ان هذا الا قول البشر * سأصلیه سقر …» ( المدثر : ۱۱ـ۲۶ ) .
____________
(۱) عبقریه خالد : عباس العقاد ص ۲۴ .
ویروی أن الولید جاء للنبی (صلى الله علیه وآله) یغریه بالاموال لیترک الذین الجدید فأنزل الله فیه : «ولا تطع کل حلاف مهین * هماز مشاء بنمیم * مناع للخیر معتد اثیم * عتل بعد ذلک زنیم * أن کان ذا مال وبنین * اذا تتلى علیه آیاتنا قال أساطیر الاولین * سنسمه على الخرطوم» ( القلم : ۱۰ـ۱۶ ).
وکان الولید یعتمد بأنه أحق وأولى بالنبوه من محمد فکان یقول : أینزل القرآن والنبوه على محمد الفقیر وأترک أنا کبیر قریش وسیدها ؟
وعلى هذه ، مفیده تربى خالد بن الولید حاقداً على الإسلام وعلى نبی الإسلام الذی سفه أحلام أبیه وقوض عرشه فشارک خالد فی الحروب کلها ضد رسول الله (صلى الله علیه وآله) .
ولا شک بأن خالداً کان یشارک أباه فی اعتقاده بأنه أولى بالنبوه من محمد الفقیر الیتیم ولأن خالداً کأبیه من عظماء قریش إن لم یکن أعظمهم على الإطلاق ، فلو نزل القرآن والنبوه على أبیه لکان لخالد منهما النصیب الأوفر ولورث النبوه والملک کما ورث سلیمان داود .
وقد سجل الله سبحانه اعتقادهم هذا بقوله :
«ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به کافرون * وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القریتین عظیم» ( الزخرف : ۳۰ ـ ۳۱ ) .
فلا غرابه أن یعمل کل ما فی وسعه للقضاء على محمد ودعوته وقد رأیناه یجهز جیشاً کبیراً بما أتاح له الثراء فی غزوه أحد ویکمن للنبی (صلى الله علیه وآله) محاولاً القضاء علیه ، وقد حاول أیضاً عام الحدیبیه أن یغتال النبی (صلى الله علیه وآله) ولکن الله سبحانه أفشل مخططاته کلها فباءت بالفشل ونصر نبیه فی المواطن کلها .
ولما عرف خالد کغیره من عظماء قریش بأن رسول الله (صلى الله علیه وآله) لا یقهر ، ورأى الناس یدخلون فی دین الله أفواجاً ، عند ذلک استسلم للأمر الواقع وفی نفسه حسره ، فکان إسلامه متأخراً إلى السنه الثامنه للهجره وقبل فتح مکه بأربعه شهور .
ودشن خالد إسلامه بمخالفه أوامر الرسول (صلى الله علیه وآله) حیث نهاهم عن القتال فدخل خالد إلى مکه یوم الفتح بعد ما قتل أکثر من ثلاثین رجلاً أغلبهم من قریش وکان النبی (صلى الله علیه وآله) أوصاهم بأن لا یقتلوا أحداً .
ومهما اعتذر المعتذرون عن خالد بأنه صد عن الدخول إلى مکه ویأنه شهروا فی وجهه السلاح ، فهذا لا یبیح له القتال بعد نهی النبی عنه ، وکان بوسعه أن یرجع إلى باب آخر فیدخله بدون قتال ، کما فعل الآخرون ، أو أن یبعث للنبی (صلى الله علیه وآله) یستشیره فی قتال الذین منعوه الدخول .
ولکن شیئاً من ذلک لم یکن ، واجتهد خالد برأیه مقابل النص الذی سمعه من رسول الله (صلى الله علیه وآله) .
وما دمنا نتحدث عن الاجتهاد مقابل النص والذی أصبح له أنصار ومؤیدون ، أو قل أصبحت له مدرسه قائمه تخرج منها عظماء الصحابه والمشرعون وسمیت فیما بعد بمدرسه الخلفاء ، لابد لنا من الإشاره هنا بأن الاجتهاد بهذا المعنى هو معصیه الله ورسوله لا غیر ، ولأننا الفنا اصطلاح الاجتهاد مقابل النص فأصبح وکأنه أمر مشروع ، وفی الحقیقه یجب أن نقول : وعصى خالد أمر النبی بدل أن نقول : واجتهد خالد برأیه مقابل النص کما علمنا القرآن عندما قال : «وعصى آدم ربه فغوى» ( طه : ۱۲۱ ) ، لأن الله نهاه عن الأکل من الشجره ولأن آدم أکل منها ، فلا تقول : فاجتهد آدم برأیه مقابل النص .
ویجب على المسلم أن یقف عند حده ولا یقول برأیه فی مسأله ورد فیها امر أو نهی من الله أو من رسوله ، لأن ذلک هو الکفر الصریح .
قال الله للملائکه : «اسجدوا لآدم» ، فهذا أمر ، «فسجدوا» (طه / ۱۱۶ ) ، وهذا إیجاب وامتثال وطاعه .
إلا إبلیس فإنه اجتهد برأیه فقال : أنا خیر منه فکیف أسجد له ؟ وهنا عصیان وتمرد ، بقطع النظر عمن هو خیر ، آدم أم إبلیس ؟
ولذلک قرر سبحانه : «ما کان لمؤمن ولا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمراً أن یکون لهم الخیره» ( الأحزاب : ۳۶ ) .
وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق عندما قال لأبی حنیفه : لا تقس فإن الشریعه إذا قیست محقت ، وإن أول من قاس إبلیس عندما قال : أنا خیر منه خلقنی من نار وخلقته من طین .
وقوله : إن الشریعه إذا قیست محقت هو أحسن تعبیر للدلاله على فساد القیاس ، فلو استعمل الناس آراءهم المختلفه مقابل النصوص فلا ولن یبق للشریعه أثر ، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض .
ونعود بعد هذا العرض الوجیز للاجتهاد لنقول فی هذه المره بأن خالد بن الولید عصى أمر رسول الله (صلى الله علیه وآله) مره أخرى عندما بعثه إلى بنی جذیمه یدعوهم إلى الإسلام ولم یأمره بقتال .
فذهب إلیهم وأوقع فیهم وغذر بهم بعدما أعلنوا إسلامهم وقتلهم صبراً ، حتى أتهمه عبد الرحمان بن عوف ـ الذی حضر معه تلک الوقعه ـ بأنه إنما قتلهم لیثأر لعمیه اللذین قتلهما بنو جذیمه (۱) .
ولما سمع رسول الله (صلى الله علیه وآله) بتلک الوقعه الشنیعه تبرأ إلى الله مما صنع خالد ثلاث مرات ، ثم أرسل إلیهم علی بن أبی طالب بأموال کثیره فودى لهم کل الدماء التی أهرقها خالد .
ومهما یعتذر المعتذرون من « أهل السنه والجماعه » عن خالد بن الولید ، فإن صفحات تاریخه حافله بالمآسی والمعاصی لکتاب الله وسنه رسوله ، ویکفی الباحث أن یقرأ تاریخه وما فعله فی الیمامه أیام أبی بکر ، وغدره بمالک بن نویره وقومه وکیف قتلهم صبراً وهم مسلمون ودخل بزوجه مالک ونکحها فی لیلتها ولم یراع فی ذلک شرع الإسلام ولا مروءه العرب .
حتى أن عمر بن الخطاب مع تساهله فی الأحکام إلا أنه شنع علیه وسماه عدو الله وتوعده بالرجم .
____________
(۱) أخرج الیعقوبی فی تاریخه ج ۲ ص ۶۱ أن عبد الرحمان بن عوف قال : والله لقد قتل خالد القوم وهم مسلمون ، فقال خالد : إنما قتلتهم بأبیک عوف بن عبد عوف ، فقال له عبد الرحمان : ما قتلت بأبی ولکنک قتلت بعمک الفاکه بن المغیره .
أنظر رعاک الله : إن خالداً لم ینکر قتله للقوم وهم مسلمون بل اعترف بأنه قتلهم بعوف والد عبد الرحمان فهل یحق فی دین الله أن یقتل قوم برجل واحد وهل یجوز قتل المسلمین برجل کافر .
وعلى الباحثین أن یراجعوا التاریخ بعین البصیره ومن وجهه النقد البناء الذی یوصلهم إلى الحقیقه بکل تجرد وحیاد ولا تأخذهم العصبیه المذهبیه فیقوموا الأشخاص من خلال الأحادیث المکذوبه على النبی (صلى الله علیه وآله) ، لأن « أهل السنه والجماعه » وهم بنو أمیه فی الواقع یمسحون الأحداث التاریخیه بحدیث واحد یضعونه من عندهم لیقطعوا به الطریق على الباحثین فلا یصلون إلى الحقیقه .
وما أسهل أن یقول أحدهم : قال رسول الله لخالد بن الولید : « مرحباً بسیف الله » : فیأخذ هذا الحدیث المکذوب مأخذه من نفوس المسلمین الأبریاء الذین یحسنون الظن ولا یعرفون خفایا الأمور ودسائس الأمویین ، فیتأولون بعد هذا الحدیث الموضوع کل ما یقال فی خالد من حقائق ویلتمسون لها أعذاراً .
وهذا ما یسمى بالتأثیر النفسی على الأشخاص وهو الداء العضال الذی یحجب الإنسان عن الحق ویقلب الواقع تماماً .
خذ لذلک مثلاً ، أبا طالب عم النبی (صلى الله علیه وآله) قیل إنه مات على الکفر وإن النبی قال فیه : أبو طالب فی ضحضاح من نار یغلی منها دماغه .
ومن أجل هذا الحدیث المکذوب یعتقد « أهل السنه والجماعه » بأن أبا طالب مشرک وهو فی النار ولا یتقبلون بعد ذلک التحلیل العقلی الذی یوصلهم إلى الحقیقه وبهذا الحدیث تنسف کل حیاه أبی طالب وجهاده فی سبیل الإسلام من أجل دعوه ابن أخیه حتى عافاه قومه وعاداهم إلى أن رضی بالحصار فی شعب مکه لمده ثلاث سنین مع ابن أخیه یأکل خلالها أوراق الشجر ، وتنسف کل مواقفه البطولیه واشعاره العقائدیه فی نصره دعوه النبی ، وکذلک یعفى کل ما فعله النبی فی حق عمه وکیف غسله وکفنه فی قمیصه ونزل فی قبره وسمى ذلک العام بعام الحزن وقال : والله ما نالت منی قریش إلا بعد موت أبی طالب ، وإن الله أوحى إلی أن أخرج منها فقد مات ناصرک ، فهاجر من مکه فی یومه .
وخذ لذلک مثلاً أبا سفیان بن حرب والد معاویه ، قیل إنه أسلم بعد فتح مکه وقال النبی فیه : « من دخل دار أبی سفیان فهو آمن » .
ومن أجل هذا الحدیث الذی لیس فیه فضل ولا فضیله یعتقد « أهل النسه والجماعه » بأن سفیان أسلم وحسن إسلامه وهو فی الجنه لأن الإسلام یجب ما قبله .
ولا یتقبلون بعد ذلک التحلیل العقلی الذی یوصلهم إلى الحقیقه ، وبهذا الحدیث أیضاً یعفى کل ما فعله أبو سفیان تجاه صاحب الرساله ودعوته ، وتنسى کل الحروب التی قادها ومولها للقضاء على محمد ، وینسى حقده وبغضه للنبی حتى أنه لما جاؤوا به وقالوا له أسلم وإلا ضربنا عنقک قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقالوا : قل : أشهد أن محمدا رسول الله فقال : أما هذه ففی نفسی شیء منها .
وکان إذا اجتمع بالنبی بعد استسلامه یقول فی نفسه : بأی شیء غلبنی هذا ؟ فیقول له النبی (صلى الله علیه وآله) بالله علیک یا أبا سفیان .
فهذان مثلان ضربتهما من واقعنا الإسلامی حتى یتبین للباحثین مفعول التأثیر النفسی على الناس وکیف یحجبهم عن الحق ، ومن هذا نفهم بأن « أهل السنه والجماعه » غلفوا الصحابه بهاله من الأحادیث المکذوبه أکسبتهم حصانه وقدامه فی نفوس الغافلین فلم یعودوا یتقبلون فیهم نقد الناقدین ولومه اللائمین .
وإذا اعتقد المسلم بأن هؤلاء بشرهم رسو الله بالجنه فلا یتقبل بعد ذلک فیهم أی قول وکل ما فعلوه یهون ویلتمس لهم فیه أعذار أو تأویلات هذا إذا لم یغلق الباب من أوله .
ولذلک وضعوا لکل واحد من کبرائهم لقباً نسبوه للرسول (صلى الله علیه وآله) فهذا صدیق وهذا فاروق وهذا ذو النورین ، وهناک حب رسول الله وهناک حواری رسول الله وهناک حبیبه رسول الله ، وهناک أمین الأمه وهناک راویه الإسلام ، وهناک کاتب الوحی ، وهناک صاحب النعلین ، وحجام الرسول وسیف الله المسلول ، وغیر ذلک .
وکلها فی الحقیقه لا تسمن ولا تغنی من جوع فی میزان الحق عند الله إن هی إلا أسماء سمیتموها أنتم وأباؤکم ما أنزل الله بها من سلطان إنما الذی ینفع عند الله ویضر هو الإعمال .
والتاریخ هو خیر شاهد على الأعمال وبها نقیم شخصیه الإنسان وقیمته ولا نقیم الإنسان مما یقال فیه کذباً وبهتاناً .
وهی بالضبط مقوله الإمام علی : إعرف الحق تعرف أهله . وبما أننا درسنا التاریخ وعرفنا ما فعله خالد بن الولید وعرفنا الحق من الباطل فلا یمکن لنا أن نسمیه سیف الله ، ویحق لنا أن نسأل متى لقبه رسول الله بذلک ، هل سماه سیف الله عندما قتل أهل مکه یوم الفتح وقد عرفنا بأنه (صلى الله علیه وآله) نهاه عن القتال ؟ أم عندما بعثه مع سریه زید بن حارثه إلى مؤته وقال : إذا قتل زید ، فجعفر بن أبی طالب وإذا قتل جعفر فعبد الله بن رواحه ، ولم یعینه حتى فی المرتبه الرابعه لقیاده الجیش ، وبعد مقتل الثلاثه لاذ خالد بالفرار من المعرکه بمن بقی من الجیش ؟
أم لقبه بسیف الله عندما خرج معه إلى غزوه حنین صحبه اثنی عشر ألف مقاتل فأعطى بالأدبار وولى هارباً تارکاً رسول الله فی المعرکه ومعه اثنا عشر رجلاً ؟
وإذا کان الله یقول : «ومن یولهم یومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحیزا إلى فئه فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئیس المصیر» ( الأنفال : ۱۶ ) .
فکیف یسمح لسیفه بالهروب ؟ إنه حق أمر عجیب !
وأنا أعتقد أن خالداً لم یکن یعرف هذا اللقب فی حیاه النبی أصلاً ولم یقله رسول اله أبداً ، وغایه ما هناک أن أبا بکر هو الذی أعطى لخالد هذا الوسام عندما بعثه لإسکات الثائرین علیه من أجل الخلافه وفعل بهم ما فعل ونقم علیه عمر بن الخطاب وقال لأبی بکر : « إن سیف خالد لرهقاً » وهو أعرف الناس به وأقربهم إلیه ، عند ذلک قال أبو بکر لعمر : إن خالداً سیف من سیوف الله سله على أعدائه ، إنه تأول فأخطأ ، ( ومن هنا جاء هذا اللقب ) .
وأخرج الطبری فی الریاض النضره أنه کان فی بنی سلیم رده فبعث إلیهم أبو بکر خالد بن الولید فجمع رجالاً منهم فی الحضائر وأضرم علیهم النار فأحرقهم ، فبلغ ذلک عمر بن الخطاب فأتى أبا بکر فقال : تدع رجلاً یعذب بعذاب الله عز وجل ؟
فقال أبو بکر : والله لا أشم سفاً سله الله على عدوه حتى یکون هو الذی یشیمه ، ثم أمره فمضى من وجهه إلى مسیلمه (۱) .
ومن هنا سمى « أهل السنه والجماعه » خالداً بـ « سیف الله المسلول » ولو أن خالداً عصى أمر الرسول وحرق الناس بالنار ضارباً بالسنه عرض الجدار .
فقد أخرج البخاری فی صحیحه أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال : « إن النار لا یعذب بها إلا الله » ، وقوله أیضاً : « لا یعذب بالنار إلا ربها » (2) .
وقد قدمنا أن أبا بکر کان یقول قبل موته : یا لیتنی لم أحرق الفجاءه السلمی !
ونحن نقول یا لیت سائلاً یسأل عمر بن الخطاب ویقول له : إذا کنت تعرف أنه لا یعذب بالنار إلا الله ، فلماذا أقسمت غداه وفاه الرسول لتحرقن بیت الزهراء بمن فیها أو یخرجوا للبیعه ؟ ولولا تلیم علی وأمره الجماعه بالخروج للبیعه لنفذت فیم مرادک .
وإن الشک یداخلنی بعض الأوقات فأستبعد أن یکون عمر یعارض أبا بکر فلا یلتفت إلیه وإلى معارضته ، فهذا غریب . وقد رأینا أبا بکر لا یقف بوجه عمر ولا یثبت أمام معارضته حتى قال له غیر مره : لقد قلت لک بأنک أقوى منی على هذا الأمر فغلبتنی ومره أخرى لما اشتکى إلیه المؤلفه قلوبهم فعل عمر بالکتاب الذی کتبه إلیهم وأنه بصق فیه ومزقه ، وسألوه : أأنت الخلیفه أم عمر ؟ فقاتل : بل هو إن شاء الله .
ولذلک أقول : لعل المعارض له فی أفعال خالد البشعه هو علی بن أبی طالب ، ولکن المؤرخین الأولین کانوا کثیراً ما یتحاشون ذکر اسمه فأبدلوه بعمر ، کما وردت بعض الروایات المسنده إلى أبی زینب أو إلى رجل ویقصدون به علیاً ولا یصرحون بذلک .
____________
(1) الریاض النضره للطبری ج ۱ ص ۱۰۰ .
(2) صحیح البخاری ج ۴ ص ۳۲۵ .
ولیس هذا إلا مجرد احتمال ، أو أننا نقبل قول بعض المؤرخین بأن عمر بن الخطاب کان یبغض خالداً ولا یطیق رؤیته لأنه یغار منه فقد استهوى خالد قلوب الناس بما حقه من انصارات ویقال أبن خالداً صارع عمر فی الجاهلیه فغلبه وکسر رجله .
والمهم أ، عمر عزل خالداً یوم تولى الخلافه ولکن لم یقم علیه الحد بالرجم کما وعده بذلک .
وبالنتیجه إن خالد بن الولید وعمر بن الخطاب کانا مترادفین فی الشده والغطرسه کل منهما غظ غلیظ القلب عمل کل منهما على مخالفه السنه النبویه وعصیان النبی (صلى الله علیه وآله) فی حیاته وبعد وفاته ، کما کان کل منهما یبغض وصی النبی ویعمل على إبعاده ، وقد تآمر خالد مع عمر وأبی بکر على أغتیال علی عقیب وفاه النبی (۱) ولکن الله سبحانه وتعالى نجاه منهم لیقضی أمراً کان مفعولاً .
ومره أخرى یتضح لنا بعد دراسه لشخصیه خالد بن الولید الذی یتغنى به «أهل السنه والجماعه » بأنهم أکثر بعداً عن السنه النبویه وهم یقتدون بمن خالفها ونبذها وراء ظهره ولم یراع لها ولا لکتاب الله حرمه ولا احتراماً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) یراجع فی ذلک کتاب الاحتجاج للطبرسی .