هل کان بکاء الزهراء (علیها السلام) جزعا

0

 والجواب : إننا لا نتصور أن بکاءها (علیها السلام) على أبیها هو الذی أزعج المعترضین ، وأثار حفیظتهم ، وإنما الذی أحفظهم وأزعجهم هو ما یثیره وجود الزهراء (علیها السلام) إلى جانب قبر أبیها على حاله من الحزن والکآبه والانکسار الذی یذکر الناس بالمأساه التی تعرضت لها (علیها السلام) فور وفاه أبیها ، حیث إن ذلک یمثل حاله إثاره مستمره للناس الطیبین والمؤمنین والمخلصین ، وهو إدانه لکل ذلک الخط الذی لم یتوقف عن فعل أی شیء فی سبیل ما یریده .
فلم یکن البکاء على شخص الرسول ، بقدر ما کان تجسیدا للمأساه التی حاقت بالإسلام وبرموزه بمجرد وفاته وفقده (صلى الله علیه وآله وسلم).
فالبکاء إذن لم یکن بکاء الجزع من المصاب ، واستعظام فقد الشخص ، لکی یتنافى ذلک مع الانفتاح على قضاء الله وقدره . کما یرید هذا القائل أن یوحی به .
إلا إذا کان هذا القائل یعتبر الاستسلام للقضاء والقدر والسکوت عن وعلى الظلم انفتاحا على القضاء والقدر .
بیت الأحزان ، وإزعاج الناس بالبکاء
ولا یجد البعض حاجه إلى بیت الأحزان ، لتبکی الزهراء (علیها السلام) فیه ، فهو لا یتصورها تبکی على أبیها بحیث تزعج أهل المدینه حتى یطلبوا منها السکوت ؟ لأن ذلک یعنی أنها کانت تصرخ بصوت عال فی الطرقات ؟ ! وهذا الصراخ والازعاج لا یتناسب مع مکانتها (علیها السلام) ؟ !
ونقول فی الجواب :
 أولا : هناک روایه ذکرها المجلسی ( ۲ ) ، مضعفا لها ، لأنه لم ینقلها – کما قال – عن أصل یعول علیه ، وهی عن فضه ، وفیها : أن فاطمه (علیها السلام) قد خرجت لیلاً فی الیوم الثانی لوفاه أبیها ، وبکت ، وبکى معها الناس ، ولما رأى أهل المدینه مدى حزنها طلبوا من علی (علیه السلام) أن تبکی إما لیلا أو نهارا ، فبنى لها بیت الأحزان فی البقیع . وقد تقدمت الإشاره إلى مصادر أخرى لهذه المقوله .
ومن الواضح : أن روایه فضه لا یصح الاعتماد علیها کما ذکره المقدسی رحمه الله . لا من حیث السند ، ولا من حیث المضمون کما یظهر لمن راجعها .
أما بالنسبه لبیت الأحزان ، فهو " باق إلى هذا الزمان ، وهو الموضع المعروف بمسجد فاطمه ، فی جهه قبه مشهد الحسن والعباس ، وإلیه أشار ابن جبیر بقوله : ویلی القبه العباسیه بیت فاطمه بنت رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم)، ویعرف ببیت الحزن ، یقال : إنه هو الذی آوت إلیه ، والتزمت الحزن فیه منذ وفاه أبیها (صلى الله علیه وآله وسلم)" ( 3) .
 ثانیا : إن بکاءها (علیها السلام) فی اللیل أکثر إزعاجا للناس الذین یتفرقون فی النهار إلى متابعه أعمالهم فی مزارعهم ، والاهتمام بمواشیهم ، وقضاء حوائجهم ، فکان الأولى أن تقیم فی بیت الأحزان فی اللیل دون النهار .
 ثالثا : إن الحقیقه هی أن بکاء الزهراء لم یزعج أهل المدینه ، وإنما ازعج الهیئه الحاکمه التی کانت بحاجه إلى أن تتواجد فی مسجد الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) إلى جانب منبره الشریف ، الذی یبتعد أمتارا یسیره تکاد لا تتجاوز عدد أصابع الید الواحده . فکان أن منعها الحکام من ذلک ( ۴ ) .
وکان الناس یتوافدون إلى هذا المسجد بالذات ، ویتواجدون فیه منذ الفجر إلى وقت متأخر من اللیل ، من أجل الصلاه ، ومن أجل متابعه ما یجری من أحداث . فالمسجد هو مرکز البلد ، الذی کان صغیرا نسبیا ، حیث قد لا یصل عدد سکانه إلى بضعه آلاف ، لأن مکه التی هی أکبر من المدینه بکثیر ، وکانت تسمى أم القرى کانت تجند أربعه آلاف مقاتل على الأکثر ، حسبما ظهر فی غزوه الأحزاب ، التی جندت فیها مکه کل طاقاتها ( ۵) .
وکان النفر للحرب یطال کل قادر على حمل السلاح من سن المراهقه إلى سن الشیخوخه . أما المدینه فغایه ما جندته فی حرب الأحزاب هو ما یقرب من ألف مقاتل ، بل أقل من ذلک أیضا (۶) .
وقد أحصی عدد المسلمین فی سنه ست للهجره ، وهو الوقت الذی لم یعد فیه لغیر المسلمین فی المدینه أیه قواعد بشریه تذکر ، فکان عددهم ألفا وخمس مئه أو ألفا وست مئه .
وفی روایه أخرى : ونحن ما بین الألف والست مئه إلى السبع مئه ، وذلک حینما قال لهم رسول الله (ص) : اکتبوا لی کل من تلفظ بالإسلام ، قال الدمامینی : قیل کان هذا عام الحدیبیه (۷) .
ولنفرض أن جمیع الذی أحصوهم کانوا رجالا ، وأنهم کلهم متزوجون ! ! وکلهم له أولاد ، فکم یا ترى یکون عدد أهل المدینه بکل أفرادها .
وقد کان کل أهل المدینه یأتون إلى المسجد للصلاه خلف رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) صباحا ، وظهرا ومساء . بل کان الناس یأتون للصلاه من خارج المدینه ، من مسافه أمیال مشیا على الإقدام ، وکان المسجد یستوعبهم ، ثم وسعه رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) فی الفتره الأخیره . فالمسجد هو مرکز هذا البلد الصغیر ، الذی کانت شوارعه عباره عن أزقه ضیقه ، وأبنیه متقاربه ، لا سعه ولا انتشار فیها ، لأن ذلک هو ما تقتضیه حاله الأمن للناس ، الذی کانوا بسبب الحروب الداخلیه لا یضعون السلاح لا باللیل ولا بالنهار (۸) .
وقد أقام سکان المدینه حول شطر کبیر من هذا البلد خندقا منع المشرکین فی حرب الأحزاب من الوصول إلیهم ، وقد استغرق حفره سته أیام رغم سعته وعمقه . وذلک کله یدل على عدم صحه ما ذکره ابن مردویه وهو یتحدث عن زواج فاطمه (علیها السلام) : أن النبی دعاهم جمیعا فأجابوا : " وهو أکثر من أربعه آلاف رجل " (9) ، فإن المدینه لم یکن فیها نصف هذا العدد .
ویدل على عدم صحه هذا الرقم : أن روایه أخرى قد تحدثت عن نفس هذه القضیه . وذکرت أن الذین حضروا کانوا ثلاثه آلاف وثلاث مئه فی مجموع ثلاثه أیام (۱۰) .
فالقول بالأربعه آلاف ، لعله یرید هذا المعنى أیضا . فالمدینه التی بهذا الحجم حین یموت فیها أی إنسان عادی فسیکون فیها ما یشبه حاله طوارئ ، حیث سیتوافد أهلها لتعزیه وتسلیه أصحاب المصاب ، وسیهتمون بالتخفیف عنهم ، وإبعادهم عن أجواء الحزن ، فإذا کان المتوفى له موقع اجتماعی ، فإن الاهتمام سیکون أعظم ، فکیف إذا کان المتوفى هو أعظم إنسان خلقه الله ، وأفضل موجود ، وأکرم نبی ، وهو الذی أخرجهم من الظلمات إلى النور ، فإن البلد سینقلب ، وسیعطل الناس أعمالهم وزراعتهم ، ویعیشون جوا مشحونا بالعاطفه ، والترقب والخوف ، وسیکون مرکز التجمع والقرار ، وکل التحرکات هو المسجد ، منه الانطلاق إلى الحرب ، وفیه تحل المشاکل ، وتستقبل فیه الوفود ، ومنه یکون السفر ، وإلیه العوده . .
فالمسجد مرکز الحکم ، والقیاده ، والقضاء الخ . . ومنبر الرسول هو موقع الحاکم ، وهو على بعد أمتار یسیره من مدفن الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) .
وفی أجواء وفاه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) سیتضاعف الذهاب والایاب إلى المسجد ، وحین یأتی الناس إلى المسجد ، فإن أول ما یبدأون به هو زیاره قبر نبیهم ، والسلام علیه وعلى من فی البیت ، حیث إنه (صلى الله علیه وآله وسلم) قد دفن فی بیت فاطمه (۱۱) ، وکانت کل الأبواب قد سدت سوى بابها ، وسیسألون الصدیقه الطاهره عن حالها ، وهم یعلمون أنها کانت البنت الوحیده لأعظم نبی ، وهی لیست امرأه عادیه ، بل هی سیده نساء العالمین من الأولین والآخرین ، یرضى الله لرضاها ویغضب لغضبها ، ولسوف تذکرهم أجواء الحزن ، والانکسار المهیمنه على جو ذلک البیت وعلى الزهراء (علیها السلام) بما ارتکبه الحکام وأعوانهم فی حقها فور دفن أبیها الذی لم یحضر المهاجمون دفنه ، ولم یهتموا بتجهیزه ، وهو الذی أخرجهم من الظلمات إلى النور ، ومن الموت إلى الحیاه ، فقد قال لهم علی (علیه السلام): " کنتم على شر دین وفی شر دار ، تشربون الکدر ، وتأکلون الجشب (۱۲) " ، فهم بدلا من تعزیتها ، والتکریم والتعظیم لها ، واجهوها لا بالکلمه اللاذعه وحسب ، بل بالقول وبالفعل الکاسر والجارح ، إذن ، فلن تکون رؤیه الناس للزهراء فی کل یوم حزینه منکسره فی صالح الهیئه الحاکمه فی أی حال حتى ولو سکتت الزهراء ، ولم تبک ولم تندد بمن ظلمها ، وهتک حرمتها .
إن کل من یأتی إلى المسجد فیراها مکبوته ومتألمه ، وغیر مرتاحه ومنزعجه ، ثم یذهب لیجلس فی مجلس الخلیفه على بعد أمتار یسیره منها سیبقى یشعر بأذاها وبمأساتها ، وبما جرى علیها ، وسوف یستیقظ ضمیره فی نهایه الأمر .
إذن فجلوسها الحزین ومرارتها (علیها السلام) ستقض مضاجع هؤلاء الحکام ، وسیربکهم ذلک إلى درجه کبیره وخطیره وسیندم الکثیرون على ما فرط منهم من تقصیر فی حقها (علیها السلام) ، لأن بکاءها ومرارتها وحزنها یوقظ الضمائر ویثیر المشاعر ، ویهیج بلابل الناس ، وللناس عواطفهم وأحاسیسهم ، وسیضعف ذلک من سلطه الحکام ونفوذهم ، وهم إنما یحکمون الناس باسم أبیها ، ومن خلال تعالیمه فیما یزعمون . وإذا کان عمر بن سعد قد بکى حین کلمته الحوراء الزینب ، وهو کان قد قتل الحسین (علیه السلام)قبل لحظات ، فکیف اللواتی لم تکن قلوبهم قاسیه کما هو الحال فی قلب حرمله والشمر بن ذی الجوشن ( قاتل الحسین ) وابن سعد ، وإن کانت درجات إیمانهم تتفاوت بحسب الفکر والوعی والعمل ، وهم وإن لم یتکلموا حین الحدث المفجع لسبب أو لآخر لکن قد تأتی ساعه الصحوه ، وقد یجدون الفرصه للتعبیر عن حقیقه مشاعرهم ، وما یدور فی خلدهم ، فکان لا بد من إخراج الزهراء من هذا الموقع وإبعادها عن أعین الناس ، الذین سوف یزداد وعیهم وسیشتد ندمهم بعد أن تهدأ الأمور ، ویعودوا إلى أنفسهم ، ویفکروا بما جرى ، ویتذکروا أقوال الرسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) لهم فی حق الزهراء وعلی (علیهما السلام) . . فلا حاجه إذن إلى صراخها (علیها السلام) فی الشوارع ، ولا إلى إزعاج الناس بذلک .
ولیس من البعید أن یکونوا قد دفعوا بعض الناس لمطالبه الزهراء بالخروج من بیتها متذرعین بأکثر من ذریعه ، ثم استولوا على البیت بعد ذلک بصوره نهائیه .
بین الأحزان أضرهم ولم ینفعهم : ولکن هل کان بیت الأحزان هذا فی صالح الحکام ؟ !
وهل استطاع أن یحقق بعض ما أرادوا تحقیقه أو ظنوا أنه سیتحقق ؟ !
إن الإجابه الصریحه والواضحه على هذا السؤال ستکون بالنفی ، فإنه کان فی الحقیقه وبالا علیهم أکثر مما توقعوه ، فلم یکن من السهل أن یقبل الناس بإخراج الزهراء من بیتها ، ومنعها من إظهار الحزن ، ومن الجهر بالمظلومیه ، لأن ذلک ظلم آخر أشد أذى ، وأعظم تأثیرا وخطرا ، وأصرح دلاله على مدى الظلم الذی تعانی منه (علیها السلام) .
ومما یزید فی وضوح ذلک أن الناس سیرون : أن کل ما جرى علیها إنما کان بمجرد وفاه أبیها ، فبدلا من المواساه ، ومحاوله تخفیف المصاب علیها وهی الوحیده لأبیها وسیده نساء العالمین ، تجد نفسها أمام مصاب أمر وأدهى ، وهو أن من یعتبرون أنفسهم من اتباع هذا الدین ، ویعترفون بنبوه أبیها ، ویفترض فیهم أن یعظموه ویوقروه ، ویقدسوه إن هؤلاء قد بلغ بهم الظلم حدا ضیقوا فیه حتى على أقرب الناس إلیه وهی ابنته وهی امرأه لها عواطفها ، ومنعوها من إظهار الحزن على أب فقدته حرصا على عدم الجهر بظلمهم لها .
ــــــــــــــــــــ
(۱) راجع عن تأذی أهل المدینه ببکاء الزهراء ( ع ) : الخصال : ج ۱ ص ۲۷۲ ، وأمالی الصدوق : ص ۱۲۱ ، والعوالم : ج ۱۱ ص ۴۴۹ . وفی هامشه عمن تقدم وعن البحار : ج ۴۳ ص ۱۵۵ و ۱۷۷ و ۳۵ و ج ۴۶ ص ۱۰۹ و ج ۱۱ ص ۳۱۱ و ۲۰۴ و ج ۱۲ ص ۲۶۴ و ج ۸۲ ص ۸۶ ، وإرشاد القلوب : ص ۹۵ ، وتفسیر العیاشی : ج ۲ ص ۱۸۸ ، وروضه الواعظین : ص ۵۲۰ ، ومکارم الأخلاق : ص ۳۳۵ ، ومناقب آل أبی طالب : ( ط المطبعه العلمیه ) ج ۳ ص ۳۲۲ ، وکشف الغمه : ج ۲ ص ۱۲۴ . ( * ) 
 (2) البحار ج ۴۳ ص ۱۷۴ / ۱۸۰ . ( * ) 
( ۳)  أهل البیت ص ۱۶۷ – ۱۶۸ ، تألیف توفیق أبو علم . وراجع : وفاء الوفاء ج ۳ ص ۹۱۸ ، وراجع هامش ص ۴۸۹ من کتاب عوالم العلوم : ج ۱۱ ، وإحقاق الحق قسم الملحقات : ج ۱۰ ص ۴۷۶ ، وفاطمه الزهراء فی الأحادیث القدسیه : ص ۱۸۴ / ۱۸۵  . 
(۴)  ضیاء العالمین ( مخطوط ) : ج ۲ ق ۳ ص ۱۴۰ . ( * ) 
(۵) راجع : کتابنا الصحیح من سیره النبی الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم)ج ۹ .
(۶) راجع المصدر السابق.
(۷) راجع : صحیح البخاری : ج ۲ ص ۱۱۶ ، وصحیح مسلم : ج ۱ ص ۹۱ ، ومسند أحمد : ج ۵ ص ۳۸۴ ، وسنن ابن ماجه : ج ۲ ص ۱۳۳۷ ، والتراتیب الإداریه ج ۲ ص ۲۵۱ / ۲۵۲ ، و ج ۱ ص ۲۲۰ – ۲۲۳ . وعن المصنف لابن أبی شیبه : ج ۱۵ ، ص ۶۹ . ( * ) 
 (8) إعلام الورى : ص ۵۵ والبحار : ج ۴۳ ص ۸ و ۹ و ۱۰ .
 (9) عوالم العلوم : ج ۱۱ ص ۲۹۸ و ۳۴۰ ، وراجع : البحار : ج ۴۳ ص ۱۱۴ ، و ۹۴ ، وأمالی الطوسی : ج ۱ ص ۳۹ .( * ) 
(۱۰)  عوالم العلوم : ج ۱۱ ص ۳۴۵ ، ودلائل الإمامه : ۲۱ .
(۱۱)  راجع : مقالنا فی دراسات وبحوث فی التاریخ والإسلام : ج ۱ ص ۱۶۹ فما بعدها . ( * ) 
(۱۲) نهج البلاغه : خطبه رقم ۲۶ . ( * ) 

Leave A Reply

Your email address will not be published.