الإراده الإلهیه
هناک تساؤلات حول الإراده منها:
ألف: هل هی من الصفات الذاتیه أم من الصفات الفعلیه؟ ب: هل هی قدیمه أم حادثه؟ ج: هل هی واحده أم متعدده؟
الإراده الإلهیه:
تستعمل الکلمه عند العرف فی معنیین: الأوَّل: المحبه و هی شامله: ألف: للأشیاء الخارجیه. ب: أفعال الشخص نفسه. ج: أفعال الآخرین. مثال:قوله تعالى(تریدون عرض الدنیا و الله یرید الآخره). و المحبه لها معنیان: ۱-(معنى خاص) من الأعراض و الکیفیات النفسانیه و هی فی الإنسان. ۲- (معنى عام) من الجواهر حیث یجردها العقل فیتصور لها مفهوما عاما یصدق على الجواهر أیضا . و هذا المعنى للإراده یطلق على الله أیضا و حینئذ تعنی محبه الله لذاته و حب الکمال المتعلق: ۱- بکمالاته تعالى . ۲-بکمالات سائر الموجودات ، و هی من الصفات الذاتیه القدیمه و هی عین الذات الإلهیه. قال صدر المتالهین قدس سره: (الإراده رفیق الوجود و الوجود فی کل شیء محبوب لذیذ فالزیاده علیه أیضا لذیذ فالکامل من جمیع الوجوه محبوب لذاته و مرید لذاته بالذات و لما یتبع ذاته من الخیرات اللازمه بالعرض) الثانی:التصمیم على القیام بعمل: و هی من الصفات الفعلیه لأنها تتعلق بالأمور الحادثه قال تعالى (إنما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له کن فیکون) و قد أنتزع هذا المفهوم الإضافی أی الإراده من: أن کل مخلوق إنما یخلق من جهه توفره على الخیر و الکمال و المصلحه، فیکون وجوده فی زمان و مکان معینین و بکیفیه خاصه متعلقا للعلم و المحبه الإلهیه و قد خلقه الله باختیاره من غیر أن یقهره أحد علیه. و هی حادثه و محدوده باعتبار المخلوق لا الخالق.
الإراده التکوینیه و الإراده التشریعیه:
۱- الإراده التکوینیه: منشأها تصور الشیء المراد و التصدیق بالفائده و النتیجه و وجود المیل و الرغبه ثم النیه و العزم ثم الإندفاع و إراده الشیء…. و أما إراده الله تتعلق بعین المرید فلا یتخلف المراد عن الإراده فإرادته تعالى عین فعله.
نماذج قرآنیه:
۱- الله یدخل الذین آمنوا و عملوا الصالحات جنات تجری من تحتها الأنهار إن الله یفعل ما یرید ۲- إنما أمره إذا أراد شیئا أن یقول له کن فیکون ۳- ذو العرش المجید، فعال لما یرید ۲- الإراده التشریعیه: هو الشوق المؤکد الذی یستتبعه الأمر و النهی، و إرادته تعالى التشریعیه هی أوامره و نواهیه الشرعیه.
نماذج قرآنیه:
۱- یا أیها الذین آمنوا إذا قمتم إلى الصلاه فاغسلوا وجوهکم و أیدیکم إلى المرافق و امسحوا برؤوسکم و أرجلکم إلى الکعبین و إن کنتم جنبا فاطهروا و إن کنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منکم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتیمموا صعیدا طیبا فامسحوا بوجوهکم و أیدیکم منه ما یرید الله لیجعل علیکم من حرج و لکن یرید لیطهرکم و لیتم نعمته علیکم لعلکم تشکرون ۲- شهر رمضان الذی أنزل فیه القرآن هدى للناس و بینات من الهدى و الفرقان فمن شهد منکم العسر و لتکملوا العده و لتکبروا الله على ما هداکم و لعلکم تشکرون.
إراده الإنسان فی طول إراده الله:
قال تعالى:و أن إلى ربک المنتهى، و أنه هو أضحک و أبکى، و أنه هو أمات و أحی، و أنه خلق الزوجین الذکر و الأنثى، من نطفه إذا تمنى، و أن علیه النشأه الأخرى، و أنه هو أغنى و أقنى فإراده الله قد تعلق بالضحک الإرادی الإختیاری للإنسان فالآیات لا تنافی دور الأسباب الطبیعیه و غیر الطبیعیه حیث أن إراده الإنسان فی طول إراده الله فهذه الأفعال قائمه بالإنسان رغم أن وجودها منسوب إلى الله، و القیام غیر الإیجاد. فالأفعال الإختیاریه لیست مخلوقه لله (کما یقول الجبری) و لیست مخلوقه للإنسان (کما یقول المعتزلی) بل هناک أمر بین الأمرین. (الحکمه) الحکمه فی أفعال الإنسان: الحرکات المختلفه التی تصدر من الإنسان على قسمین: ۱-مالا تتعلَّق بإرادته کالصحه و المرض و الحرکات الاضطراریه فهی لیست بأفعاله. ۲-ما تتعلَّق بإرادته نوعاً من التعلق کشرب الماء والنوم والإستیقاظ فهی أفعال الإنسان. ثمَّ إنَّ إراده الفعل تتبع : ألف) العلم برجحانه ،أی فعله خیرٌ من ترکه. ب) والإذعان بکونه کمالا له و نفعه غالبا على ضرره. غایه الفاعل: هی الخیر المترتب على الفعل و هو الذی یبعث الإنسان نحوه وهذا ما یسمَّى بغایه الفاعل و غرضه فی فعله.
المصلحه العقلائیَّه: المصلحه التی یعدها العقلاء مصلحهً هی الباعثهُ للفاعل على فعله، وهی سبب إتقان الفعل الموجب لعدِّ الفاعل حکیماً فی فعله، و لولاها لکان الفعل لغواً لا أثر له أو خطأً. ففی الحدیث (الحکمه ضدها الخطاء) الوجود العلمی للمصلحه: ومن الواضح أن المصلحه المترتبه على الفعل لا وجود لها قبل وجود الفعل، فکونها باعثه للفاعل نحو الفعل داعیه له إلیه إنما هو بوجودها علماً لا بوجودها خارجاً وشأنُ الفاعل الإرادی هو تطبیقُ حرکاته الخاصه على ما عنده من العلم. فإن أصاب فی تطبیقه الفعل على العلم کان حکیما فی فعله متقناً فی عمله. وإن لم یصب لقصور أو تقصیر لم یسم حکیما بل لاغیاً و جاهلاً وخاطئاً.
صحَّه السؤال عن الفعل:
وکل فاعل غیره تعالى یُسأل عن فعله لم فعلت کذا ؟ والمطلوب بهذا السؤال هو أنَّه هل یتطابق ما أوجده من الفعل مع تلک الصوره المُثلى التی کانت هی الغایه أم لا؟ فیصح السؤال عن سبب وجودها فنقول: لماذا وجدُ فلان؟ کما یصح الاستفهام عن أفعالها فنقول: لماذا فعل زیدٌ هذا الفعل؟
الحکمه فی أفعال الله:
ولإثبات حکمه الله تعالى ینبغی تقدیم مقدَّمات: ۱-إنَّ الله هو الکمال المطلق والواجب بالذات الذی هو واجب من جمیع الجهات. ۲-أنَّه تعالى لما کان ذاته المقدس کاملاً مطلقا و جمیلا مطلقا، صار کعبه لآمال کافه الموجودات و هدفا منشودا لجمیع الکائنات، لأن جمیع الموجودات الأخرى ناقصه بالذات، و کلُّ ناقص مهروب عنه بالفطره کما أن کل کامل مرغوب فیه، فالذات المقدس غایه جمیع الحرکات و الأفعال الصادره من سائر الموجودات. ۳-حیث أن الإراده، و المشیئه، و القدره عین ذاته المقدس، کانت الفاعلیه بالذات عین الفاعلیه بالإراده و القدره. ۴-إنَّ هناک فرق کبیر بین أفعال الناس وسائر الموجودات، وبین أفعال الله تعالى، فکلُّ ما یصدر من وجوده المقدس، فهو صادر من حقیقه ذاته و أصل حقیقته، بینما لیست الکائنات الأخرى کذلک، فهو فاعل بالذات، أما الموجودات الأخرى فهی فاعله بالعرض و یصح السؤال عن فعلها.
المصلحه فی الفعل الإلهی:
إنَّ فعلَ الله هو نفس الخارج فهو بنفسه الحکمهُ لا أنَّه قد فعله الله على أساس الحکمه وعلى أساس غایه متصوَّره فتطابق الفعل مع الغایه کیف والصور الذهنیه لیست هی إلاّ انعکاساً عمّا فی الواقع والعین الخارجی فلولا الحقائق الخارجیه لما کان هناک مجالٌ للتصوُّرات الذهنیه.
الحکمه من صفات الفعل:
ثمَّ: إن الأفعال الإلهیه إنما تنبع فی واقعها من صفاته الذاتیه کالعلم والقدره ،فمن البدیهی أنَّها تشتمل على المصلحه دائماً بمعنى أنَّه یترتب علیها الخیر و الکمال فإرادته تعالى تکون “إراده حکیمه” ومن هنا تنتزع هذه الصفه “الحکیم”، وهی کسائر الصفات الفعلیه تؤول و تنتهی إلى الصفات الذاتیه. فعندما نقول بأنَّ فعلَ الله مشتملٌ على المصلحه فلا نعنی بذلک أنَّه تابع للمصلحه أی أنَّ المصلحه تدعو الله إلى هذا الفعل و تبعثه نحوه لأنَّ ذلک محال علیه تعالى بل المقصود أنَّ الفعل متبوعٌ للمصلحه .
لا یُسأَلُ عمّا یفعل وهم یُسألون:
۱-الذی یطلب بالسؤال تطبیق الفعل على النظام الخارجی و فعله تعالى هو نفس النظام الخارجی ولا نظام خارجی آخر حتى یطبق هو علیه، وفعله هو الذی تکون صورته العلمیه مصلحه داعیه باعثه نحو الفعل و لا نظام آخر فوقه حتى تکون الصوره العلمیه المأخوذه منه مصلحه باعثه نحو هذا النظام. وبعباره أخرى لا مقصد له من خلقه و أفعاله ولا توجد غایه وراء ذاته المقدس (فلا یسأل عما یفعل و هم یسألون). ۲-هو الکمال المطلق وما یکون کمالا مطلقا وواجبا بالذات، کان واجبا من جمیع الجهات فکما لا یصح توجیه الاستفسار نحو ذاته المقدس فأفعاله أیضا بعیده عن توجیه السؤال نحوها
النظام الأحسن:
و أیضا لما کان ذاته المقدس فی المنتهى الأقصى من الجمال و الکمال، کان نظام دائره الوجود الذی هو ظل ذلک الجمال ، فی الغایه القصوى من الکمال الممکن، و علیه یکون هذا النظام الکلی الموجود أتم الأنظمه المتصوره، فیکون الاستفهام عن الغایه و الغرض و الفائده، منبعثا عن الجهل و النقص.
تبقى شبهه:
وهی هل الخیر والشر من الله تعالى؟ وهل ینسجم ذلک مع حکمته تعالى؟
أقول:
إنَّ الخیر بالأصاله من الله و بالتبع من الإنسان والشرّ بالأصاله من الإنسان وبالعرض و الإنجرار من الله تعالى حیث أنَّ عالم الماده هو عالم المحدودیَّه والنقص وهذا النقص هو الذی یولِّد الشر.
مقام العندیه:
وهناک فرق بین أن نقول “من عند الله” أو نقول “من الله” فکل ما یتحقق فی العالم من خیر وشر هو من عند الله ( قل کلٌ من عند الله فمال هؤلاء القوم لا یکادون یفقهون حدیثا ) و فی دعاء الجوشن الکبیر : ” یا ضار یا نافع ” فالله ضار للأعداء ونافع للأولیاء ، ولطیف بالعباد وقهار للمتمردین وفی نفس الوقت ( ما أصابک من حسنه فمن الله وما أصابک من سیئه فمن نفسک ) فالشر کلُّه من الإنسان (و من یکسب إثما فإنما یکسبه على نفسه و کان الله علیما حکیما) فالله سبحانه وتعالى لا یرید إلا الخیر ، بل کلُّ خیر نابع منه (بیده الخیر) وکلُّ حقٍّ فهو منه (الحق من ربِّک)(ذلک بأنَّ الله هو الحق). ولکن: حیث أن کل خیر فی عالم الدنیا ( عالم التضاد والمضایقات ) یتضمن شراً وذلک لأن الخیر فی عالم الدنیا لیس مطلقا بل هو محدودٌ ، ولیست محدودیه الخیر لأجل الخیر الذی هو الفیض ، بل لأجل الأرضیات التی لیست مهیأه لتقبُّل کلِّ الخیر فمحدودیَّهُ الخیر هو السبب لنشوء الشر ( إنّ مع العسر یسرا ) فالرحمه واسعه ولکن حیث أن القابل لا یتقبل جمیع رحمه الله فبطبیعه الحال سوف یکتسب نفحه من نفحات الرحمن ویکون مظهرا من مظاهر الله سبحانه وتعالى ، وعندما أصبح القابل مظهراً من مظاهر الله سبحانه وتعالى فی مجال خاص ؛ فی مجال الرحمه مثلاً فبطبیعه الحال سوف یفتقد المجالات الأخرى.
الفناء فی المطلق:
وإذا فنی الإنسان فی المطلق ، فسوف لا یعتریه أی شر ویکون قد وصل إلى ” مقام الاطمئنان ” ( یا أیتها النفس المطمئنّه ) حیث رجوعها إلى الکمال الواقعی الذی هو منشئها ( ونفخت فیه من روحی ) واتحادها معه فلا فراق بین العبد وبین المولى وهاهنا سوف تصل العبودیَّه إلى أرفع مستواها(فهی جوهره کنهها الربوبیه)
مجموع الخلق هو الخیر:
و لذلک فإن المحبه الإلهیه للکمال تقتضی أن یوجد المجموع بشکل یترتب علیه الخیر و الکمال الأکثر و الأغلب، و من ملاحظه هذه العلاقات و الروابط فیما بینها، یتوصل إلى مفهوم ” المصلحه “، و إلا فإن المصلحه لیس لها وجود مستقل عن وجود المخلوقات، له تأثیره فی وجودها، حتى یکون له تأثیره فی الإراده الإلهیه، أی لیس هناک وجود خارجی مستقل یسمى بالمصلحه یؤثر فی وجود المخلوقات فضلا عن القول بتأثیره فی الإراده الإلهیه. ویجب علینا أن نؤکد بأن القیام بفعل لأجل المصلحه ، لا یعنی أن المصلحه هی العله الغائیه لله تعالى، بل إن المصلحه تعتبر هدفا ثانویا تبعیا، و أما الغایه الأصلیه لأفعال الله فهی حبه للکمال اللامتناهی الذاتی، الذی یتعلق بالتبع بآثاره، أی بکمال الموجودات، و من هنا قالوا بأن العله الغائیه للأفعال الإلهیه هی العله الفاعلیه نفسها، و لیس لله غایه مستقله و زائده على ذاته، و لکن هذه الفکره لا تنافی أن یعتبر الکمال و الخیر و المصلحه فی الموجودات غایه فرعیه و تبعیه، و لذلک عللت الأفعال الإلهیه فی القرآن الکریم ببعض الأمور التی تنتهی فی واقعها إلى کمال المخلوقات و خیرها. فقد ذکرت الآیات القرآنیه أن الامتحان و الابتلاء و اختیار أفضل الأعمال، و عباده الله، و الوصول إلى الرحمه الخاصه الأبدیه الإلهیه، هی الأهداف و الغایات لخلق الإنسان. و کل واحده من هذه الغایات ممهده للغایه الأخرى، على الترتیب المذکور قال تعالى: (ولا تهنوا فی ابتغاء القوم أن تکونوا تألمون فانهم یألمون کما تألمون و ترجون من الله ما لا یرجون و کان الله علیما حکیما)