التواضع

0

قال الصادق (علیه السلام) : ( إنّ فی السماء ملکین موکّلین بالعباد ، فمن تواضع للّه رَفَعاه ، ومن تکبّر وضَعَاه )(۱) .
وقال النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) : ( إنّ أحبّکم إلیّ ، وأقربکم منّی یومّ القیامه مجلساً ، أحسنکم خُلُقاً ، وأشدّکم تواضعاً ، وإنّ أبعدکم منّی یوم القیامه ، الثرثارون وهُم المستکبرون )(۲) .
_____________________
(۱) الکافی .
(۲) کتاب قرب الإسناد ، وقریب من هذا الخبر ما فی علل الشرائع للشیخ الصدوق .
وقال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : ( ما أحسن تواضع الأغنیاء للفقراء ، طلباً لما عند اللّه ، وأحسن منه تیه الفقراء على الأغنیاء اتّکالاً على اللّه )(۱) .
وقال الصادق (علیه السلام) : ( مِن التواضع أنْ ترضى بالمجلس دون المجلس ، وأنْ تُسلّم على مَن تَلقى . وأنْ تترک المراء وإنْ کُنت محقّاً ، ولا تحب أنْ تُحمَد على التقوى )(۲) .
وجدیر بالذکر أنْ التواضع الممدوح ، هو المتّسم بالقصد والاعتدال الذی لا إفراط فیه ولا تفریط ، فالإسراف فی التواضع داع إلى الخسّه والمهانه ، والتفریط فیه باعثٌ على الکِبر والأنانیّه .
وعلى العاقل أنْ یختار النهج الأوسط ، المبرّأ مِن الخسّه والأنانیّه ، وذلک : بإعطاء کلّ فرد ما یستحقّه من الحفاوه والتقدیر ، حسب منزلته ومؤهّلاته .
لذلک لا یحسن التواضع للأنانیّین والمتعالین على الناس بزهوهم وصلَفِهم . إنّ التواضع والحاله هذه مدعاه للذلّ والهَوان ، وتشجیعٌ لهم على الأنانیّه والکِبَر ، کما یقول المتنبی :
إذا أنت أکرمت الکریم ملکته    وإنْ أنت أکرمت اللئیم تمرّدا
 وممّا قیل فی التواضع قول المعرّی :
 یا  والی المصر لا iiتظلمنّ      فکم جاء مثلک ثُمّ iiانصرف
تواضع إذا ما رُزقت العُلا      فـذلک مـمّا یزید iiالشرَف
_____________________
(۱) نهج البلاغه .
(۲) الکافی .
وفی المثل :
تواضع الرجل فی مرتبته ، ذبّ للشماته عند سقطته .
وقال الطغرائی :
ذریـنی  عـلى أخـلاقی الشوس iiإنّنی      عـلـیم بـإبـرام الـعزائم iiوالـنقض
أزیـد  إذا أیـسرت فـضل iiتـواضع             ویزهى إذا أعسرت بعضی على بعضی
فـذلـک عـند الـیسر أکـسب iiلـلثنا          وهـذاک عـند الـعسر أصوَن للعرض
أرى  الـغصن یعرى وهو یسمو iiبنفسه      ویـوقر  حـملاً حین یدنو مِن iiالأرض 
 والیک طرفاً من فضائل أهل البیت ، وتواضعهم المثالی الفرید :
کان النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) أشدَّ الناس تواضعاً ، وکان إذا دخل منزلاً قعد فی أدنى المجلس حین یدخل ، وکان فی بیته فی مهنه أهله ، یحلب شاته ، ویرقع ثوبه ، ویخصف نعله ، ویخدم نفسه ، ویحمل بضاعته من السوق ، ویُجالس الفقراء ، ویواکل المساکین .
وکان (صلّى اللّه علیه وآله) إذا سارّه أحد ، لا یُنحّی رأسه حتّى یکون الرجل هو الذی ینحّی رأسه ، وما أخذ أحد بیده فیرسل یده حتّى یرسلها الآخر ، وما قعد إلیه رجل قط فقام (صلّى اللّه علیه وآله) حتّى یقوم ، وکان یبدأ من لقیه بالسلام ، ویبادئ أصحابه بالمصافحه ، ولم یُرَ قطّ مادّاً رجلیه بین أصحابه ، یُکرم من یدخل علیه ، وربّما بسَط له ثوبه ، ویؤثره بالوساده التی تحته ، ویکنّی أصحابه ، ویدعوهم بأحبِّ أسمائهم تکرِمهً لهم ، ولا یقطع على أحدٍ حدیثه ، وکان یُقسِّم لحظاته بین أصحابه ، وکان أکثر الناس تبسّماً ، وأطیبهم نفساً(۱) .
وعن أبی ذرّ الغفاری : کان رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) یجلس بین ظهرانیّ أصحابه ، فیجئ الغریب فلا یدری أیُّهم هو حتّى یسأل ، فطلبنا إلیه أنْ یجعل مجلساً یعرفه الغریب إذا أتاه ، فبنینا له دکّاناً من طین فکان یجلس علیها ، ونجلس بجانبه .
ورُوی أنّه (صلّى اللّه علیه وآله) کان فی سفر ، فأمر بإصلاح شاه ، فقال رجلٌ : یا رسول اللّه ، علیّ ذبحها ، وقال آخر : علیّ سلخها ، وقال آخر : علیَّ طبخها ، فقال (صلّى اللّه علیه وآله) : ( وعلیَّ جمع الحطب ) . فقالوا : یا رسول اللّه ، نحن نکفیک .
 فقال : ( قد علمت أنّکم تکفونی ، ولکن أکره أنْ أتمیَّز علیکم ، فإنّ اللّه یکره مِن عبده أنْ یراه متمیَّزاً بین أصحابه ) ، وقام فجمع الحطب(۲) .
ورُوی أنّه خرج رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) إلى بئرٍ یغتسل ، فأمسک حذیفه بن الیمان بالثوب على رسول اللّه وستره به حتّى اغتسل ، ثُمّ جلس حذیفه لیغتسل ، فتناول رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) الثوب ، وقام یستر حذیفه ، فأبى حذیفه ، وقال : بأبی وأُمّی أنت یا رسول اللّه لا تفعل ، فأبى رسول اللّه إلاّ أنْ یستره بالثوب حتّى اغتسل ، وقال : ( ما اصطحب اثنان قطُّ ، إلاّ وکان أحبّهما إلى اللّه أرفقهما بصاحبه )(۳) .
_____________________
(۱) سفینه البحار المجلّد الأول ص ۴۱۵ بتصرّف وتلخیص .
(۲) سفینه البحار ج ۱ ص ۴۱۵ .
(۳) سفینه البحار ج ۱ ص ۴۱۶ .
وهکذا کان أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی سموّ أخلاقه وتواضعه ، قال ضرار وهو یصفه (علیه السلام) :
( کان فینا کأحدنا ، یدنینا إذا أتیناه ، ویُجیبنا إذا سألناه ، ویأتینا إذا دعوناه ، وینبئنا إذا استنبأناه ، ونحن واللّه مع تقریبه إیّانا ، وقُربه منّا ، لا نکاد نکلّمه هیبهً له ، فإنْ تبسَّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، یُعظّم أهل الدین ، ویقرّب المساکین ، لا یطمع القویّ فی باطله ، ولا ییأس الضعیف من عدله ) .
وقال الصادق (علیه السلام) : (  خرَج أمیر المؤمنین (علیه السلام) على أصحابه ، فمشوا خلفه ، فالتفت إلیهم فقال : لکم حاجه ؟ فقالوا : لا یا أمیر المؤمنین ، ولکنّا نحبُّ أنْ نمشی معک . فقال لهم : انصرفوا ، فإنّ مشی الماشی مع الراکب ، مَفسدهٌ للراکب ، ومذلّه للماشی )(۱) .
وهکذا یقصّ الرواه طرفاً ممتعاً رائعاً مِن تواضع الأئمّه الهداه (علیهم السلام) ، وکریم أخلاقهم .
فمِن تواضع الحسین (علیه السلام) : أنّه مرّ بمساکین وهُم یأکلون کِسراً لهم على کساء ، فسلَّم علیهم ، فدعوه إلى طعامهم ، فجلس معهم وقال : ( لولا أنّه صدقه لأکلت معکم ) . ثُمّ قال : ( قوموا إلى منزلی ، فأطعمهم وکساهم وأمر لهم بدراهم )(۲) .
ومن تواضع الرضا (علیه السلام) :
_____________________
(۱) محاسن البرقی .
(۲) مناقب ابن شهر آشوب .
قال الراوی : کنت مع الرضا (علیه السلام) فی سفره إلى خراسان ، فدعا یوماً بمائده ، فجمع علیها موالیه من السودان وغیرهم ، فقلت : جُعلت فداک لو عزلت لهؤلاء مائده ، فقال : ( مَه ، إنّ الربَّ تبارک وتعالى واحد ، والأُمّ واحده ، والأبُ واحد ، والجزاء بالأعمال )(۱) .
_____________________
(۱) الکافی . 

Leave A Reply

Your email address will not be published.