التکبّر

0

وقال تعالى : ( وَلا تَمْشِ فِی الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّکَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً )( الإسراء :۳۷ ) .
وقال تعالى : ( إِنَّهُ لا یُحِبُّ الْمُسْتَکْبِرِینَ ) ( النحل : ۲۳ ) .
وقال تعالى : ( أَلَیْسَ فِی جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَکَبِّرِینَ )( الزمر : ۶۰ ) .
وقال الصادق (علیه السلام) : ( إنّ فی السماء ملَکَین موکَّلین بالعباد ، فمَن تواضع للّه رَفَعاه ، ومن تکبّر وضعاه )(۱) .
وقال (علیه السلام) : ( ما مِن رجل تکبّر أو تُجبَر ، إلاّ لذلهٍ وجدها فی نفسه )(۲) .
_____________________
(۱) الوافی ج ۳ ص ۸۷ عن الکافی .
(۲) الوافی ج ۳ ص ۱۵۰ عن الکافی .
 

وقال النبیّ (صلّى اللّه علیه وآله) : ( إنّ أحبّکم إلیّ ، وأقربکم منّی یوم القیامه مجلساً ، أحسنکم خُلُقاً ، وأشدّکم تواضعاً ، وإنّ أبعدکم منّی یوم القیامه ، الثرثارون ، وهُم المستکبرون )(۱) .

وعن الصادق عن آبائه (علیهم السلام) قال : ( مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) على جماعه فقال : على ما اجتمعتم ؟ فقالوا : یا رسول اللّه ، هذا مجنون یُصرع ، فاجتمعنا علیه . فقال : لیس هذا بمجنون ، ولکنّه المبتلى . ثمّ قال : ألا أخبرکم بالمجنون حقّ المجنون ؟ قالوا : بلى یا رسول اللّه ، قال : المُتَبختر فی مشیه ، الناظر فی عطفیه ، المحرّک جنبیه بمکنبیه ، یتمنّى على اللّه جنّته ، وهو یعصیه ، الذی لا یُؤمنُ شرّه ، ولا یُرجى خیره ، فذلک المجنون وهذا المبتلى )(۲) .
 _____________________
(۱) البحار مج ۱۵ ج ۲ ص ۲۰۹، عن قرب الإسناد ، وقریب منه فی علل الشرائع للصدوق( ره ) .
(۲) البحار م (۱۵) ج ۳ ص ۱۲۵ عن الخصال للصدوق .
 

وقال أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی خطبه له : ( فاعتبروا بما کان من فعل اللّه بإبلیس ، إذ أحبط عمله الطویل ، وجهده الجهید ؟ وکان قد عبد اللّه ستّه آلاف سنه ، لا یُدرى أمِن سنیّ الدنیا ، أم مِن سنیّ الآخره ، عن کِبر ساعه واحده ، فمَن بعد إبلیس یسلم على اللّه بمثل معصیته ، کلا ما کان اللّه سبحانه لیدخل الجنّه بشراً بأمر أخرج به منها ملکاً ، واستعیذوا باللّه من لواقح الکِبر ، کما تستعیذون من طوارق الدهر ، فلو رخّص اللّه فی الکبر لأحد من عباده لرخّص فیه لخاصّه أنبیائه ورُسُله ، ولکنّه سُبحانه کرّه إلیهم التکابر ، ورضی لهم التواضع )(۱) .

وعن الصادق عن أبیه عن جدّه (علیهم السلام) قال : ( وقع بین سلمان الفارسی وبین رجلٍ کلام وخصومه فقال له الرجل : مَن أنت یا سلمان ؟ فقال سلمان : أمّا أوّلی وأوّلُک فنطفهٌ قذره ، وأمّا آخِری وآخِرُک فجیفهٌ منتنه ، فإذا کان یوم القیامه ، ووِضِعَت الموازین ، فمن ثقُل میزانه فهو الکریم ، ومَن خفّ میزانه فهو اللئیم )(۲) .
وعن الصادق (علیه السلام) قال : ( جاء رجلٌ موسر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) نقیّ الثوب ، فجلس إلى رسول اللّه ، فجاء رجلٌ مُعسِر ، درن الثوب ، فجلَس إلى جنب الموسر ، فقبض الموسر ثیابه مِن تحت فخذیه ، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) : أخفت أنْ یمسّک مِن فقره شیء ؟ قال : لا . قال : فخِفتَ أنْ یوسّخ ثیابک ؟ قال : لا . قال : فما حملَک على ما صنعت ؟ فقال : یا رسول اللّه ، إنّ لی قریناً یُزیّن لی کلّ قبیح ویقبّح لی کلّ حسَن ، وقد جعلت له نصف مالی . فقال رسول اللّه (صلّى اللّه علیه وآله) للمعسِر : أتقبل ؟ قال : لا . فقال له الرجل : لِمَ  ؟ قال : أخاف أنْ یدخلنی ما دخلک ) .
_____________________
(۱) نهج البلاغه.
(۲) البحار م ۱۵ ج ۳ ص ۱۲۴ عن أمالی الصدوق.
 

 مساوئ التکبّر:

من الواضح أن التکبر من الأمراض الأخلاقیه الخطیره، الشائعه فی الأوساط الاجتماعیّه ، التی سرت عدواها ، وطغت مضاعفاتها على المجتمع ، وغدا یعانی مساوئها الجمّه .
فمن مساوئ التکبّر وآثاره السیّئه فی حیاه الفرد :
أنّه متى استبدّ بالإنسان ، أحاط نفسه بهالهٍ من الزهو والخیَلاء ، وجُنّ بحبِّ الأنانیّه والظهور ، فلا یسعده إلاّ الملِق المزیف ، والثناء الکاذب ، فیتعامى آنذاک عن نقائصه وعیوبه ، ولا یهتمّ بتهذیب نفسه ، وتلافی نقائصه ، ما یجعله هدفاً لسهام النقد ، وعرضه للمقت والازدراء .
هذا إلى أنّ المتکبّر أشدّ الناس عُتوّاً وامتناعاً عن الحقّ والعدل ، ومقتضیات الشرائع والأدیان .
ومن مساوئ التکبّر الاجتماعیّه :
أنّه یُشیع فی المجتمع روح الحقد والبغضاء ، ویعکّر صفو العلاقات الاجتماعیّه ، فلا یسیء الناس ویستثیر سخطهم ومقتهم ، کما یستثیره المتکبّر الذی یتعالى علیهم بصلفه وأنانیّته .
إنّ الغطرسه داء یُشقی الإنسان ، ویجعله منبوذاً یعانی مراره العزله والوحشه ، ویشقی کذلک المرتبطین به بصنوف الروابط والعلاقات .
 بواعث التکبّر :
الأخلاق البشریّه کریمه کانت أو ذمیمه ، هی انعکاسات النفس على صاحبها ، وفیض نبعها ، فهی تُشرق وتُظلم ، ویحلو فیضها ویمرّ تبعاً لطیبه النفس أو لؤمها ، استقامتها أو انحرافها . وما مِن خُلُق ذمیم إلاّ وله سببٌ من أسباب لؤم النفس أو انحرافها .
فمن أسباب التکبّر : مغالاه الإنسان فی تقییم نفسه ، وتثمین مزایاها وفضائلها ، والإفراط فی الإعجاب والزهو بها ، فلا یتکبّر المتکبّر إلاّ إذا آنَس من نفسه عِلماً وافراً ، أو منصباً رفیعاً ، أو ثراءً ضخماً ، أو جاهاً عریضاً ، ونحو ذلک من مثیرات الأنانیّه والتکبّر .
وقد ینشأ التکبّر من بواعث العِداء أو الحسَد أو المباهاه ، ممّا یدفع المتّصفین بهذه الخلال على تحدّی الأماثل والنُبلاء ، وبَخس کراماتهم ، والتطاول علیهم ، بصنوف الازدراءات الفعلیّه أو القولیّه ، کما یتجلّى ذلک فی تصلّفات المتنافسین والمتحاسدین فی المحافل والندوات .
 درجات التکبّر :
وهکذا تتفاوت درجات التکبّر وأبعاده بتفاوت أعراضه شدّهً وضعفاً .
فالدرجه الأُولى : وهی التی کَمِن التکبّر فی صاحبها ، فعالجه بالتواضع ، ولم تظهر علیه أعراضه ومساوئه .
والدرجه الثانیه : وهی التی نما التکبّر فیها ، وتجلّت أعراضه بالاستعلاء على الناس ، والتقدّم علیهم فی المحافل ، والتبختر فی المشی .
والدرجه الثالثه : وهی التی طغى التکبر فیها ، وتفاقمت مضاعفاته ، فجُنَّ صاحبها بجنون العظمه ، والإفراط فی حبّ الجاه والظهور ، فطفق یلهج فی محاسنه وفضائله ، واستنقاص غیره واستصغاره . وهذه أسوأ درجات التکبّر ، وأشدّها صَلفَاً وعتوّاً .
 أنواع التکبّر:
وینقسم التکبر باعتبار مصادیقه الى ثلاثه أنواع :
(۱) – التکبّر على اللّه عزَّ وجل :
وذلک بالامتناع عن الإیمان به ، والاستکبار عن طاعته وعبادته . وهو أفحش أنواع الکفر ، وأبشع أنواع التکبّر ، کما کان علیه فرعون ونمرود وأضرابهما مِن طغاه الکفر وجبابره الإلحاد .
(۲) – التکبّر على الأنبیاء .
وذلک بالترفّع عن تصدیقهم والإذعان لهم ، وهو دون الأوّل وقریب منه .
(۳) – التکبّر على الناس :
وذلک بازدرائهم والتعالی علیهم بالأقوال والأفعال ، ومن هذا النوع التکبّر على العلماء المخلصین ، والترفّع عن مسائلتهم والانتفاع بعلومهم وإرشادهم ، ممّا یفضی بالمستکبرین إلى الخُسران والجهل بحقائق الدین ، وأحکام الشریعه الغرّاء .
 علاج التکبّر :
وحیث کان التکبّر هَوَساً أخلاقیّاً خطیراً ماحقاً ، فجدیر بکلّ عاقل أنْ یأخذ حذره منه ، وأنْ یجتهد – إذا ما داخلته أعراضه – فی علاج نفسه ، وتطهیرها مِن مثالبه ، وإلیک مُجملاً من النصائح العلاجیّه :
(۱) – أنْ یعرف المتکبّر واقعه وما یتّصف به مِن ألوان الضعف والعجز : فأوّله نطفهٌ قذره ، وآخره جیفهٌ منتنه ، وهو بینهما عاجز واهن ، یرهقه الجوع والظمأ ، ویعروه السقم والمرض ، وینتابه الفقر والضُّر ، ویدرکه الموتُ والبِلى ، لا یقوى على جلب المنافع وردّ المکاره ، فحقیق بمن اتّصف بهذا الوهن ، أنْ ینبذ الأنانیّه والتکبّر ، مستهدیاً بالآیه الکریمه : ( تِلْکَ الدَّارُ الآخِرَهُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوّاً فِی الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ  )( القصص : ۸۳ ) .
فأفضل الناس أحسنهم أخلاقاً ، وأکثرهم نفعاً ، وأشدّهم تقوى وصلاحاً .
(۲) – أنْ یتذکّر مآثر التواضع ومحاسنه ، ومساوئ التکبّر وآثامه ، وما ترادف فی مدح الأوّل وذمّ الثانی من دلائل العقل والنقل ، قال بزر جمهر : ( وجدنا التواضع مع الجهل والبخل ، أحمد عند العقلاء من الکِبَر مع الأدب والسخاء ، فأنبِل بحسنه غطّت على سیئتین ، وأقبح بسیّئهٍ غطّت على حسنتین )(۱) .
(۳) – أنْ یروّض نفسه على التواضع ، والتخلّق بأخلاق المتواضعین ، لتخفیف حدّه التکبّر فی نفسه ، وإلیک أمثلهٌ فی ذلک :
أ – جدیرٌ بالعاقل عند احتدام الجدل والنقاش فی المساجلات العلمیّه أنْ یذعن لمناظره بالحقّ إذا ما ظهر علیه بحجّته ، متفادیاً نوازع المکابره والعناد .
_____________________
(۱) محاضرات الأُدباء للراغب .
 

ب – أنْ یتفادى منافسه الأقران فی السبْق إلى دخول المحافل ، والتصدّر فی المجالس .

ج – أنْ یخالط الفقراء والبؤساء ، ویبدأهم بالسلام ، ویؤاکلهم على المائده ، ویجیب دعوتهم ، متأسیّاً بأهل البیت ( علیهم أفضل الصلاه والسلام ) . 
 

شبکه الإمامین الحسنین

Leave A Reply

Your email address will not be published.