الجبر والتفویض والأمر بین الأمرین

0

أکَّد القرآن الکریم على إناطه الظواهر الطبیعیه بإذن الله ومشیئته وإرادته وقضائه وقدره. أولئک الذین حُرموا الرشد العقلی اللازم ، أو لم یحاولوا الاستفاده والاقتباس من تعالیم الأئمه المعصومین علیهم السلام ، ومن المفسرین الحقیقیین للقرآن الکریم، عَرَضت لهم الکثیر من الانحرافات والشبهات ، ففسَّروا ذلک بحصر کلِّ تأثیر وعلیَّهٍ بالله تعالى ، و إنَّهم – خلافا لصراحه الکثیر من الآیات القرآنیه المحکمه – نَفَوا أی تأثیر وعلیه للأسباب والوسائط.

نتائج الجبر:

۱-من النتائج الخطیره لهذا الانحراف الفکری ، هو القول بجبریه الإنسان ، ونفی المسؤولیه عنه وکذلک نفی الوظیفه والأمر والنهی والتکلیف والجزاء والثواب والعقاب . ۲-وکذلک استلزم عبثیه النظام التکوینی وعدم غائیته . عوامل الجبر: إن أهم العوامل التی أدّت إلى اتساع هذا الاتجاه الخطیر والمنحرف ، هو المطامع السیاسیه للحکومات الجائره المجرمه ، لتبرِّر تصرُّفاتها ومواقفها المنکَره .

التفویض:

وهناک من تنبَّه لنقاط الضعف فی هذا الاتجاه واتجه إلى الاعتقاد بالتفویض ، وقال بخروج الأفعال الاختیاریه للإنسان عن نطاق الفاعلیه والقدره الإلهیه.

الأمر بین الأمرین:

ولکن أولئک الذین اتبعوا المفسرین الحقیقیین للقرآن الکریم اعتقدوا بأن فاعلیتهم الاختیاریه مستمدَّهٌ من القدره التی منحها الله تعالى لهم وأدرکوا أیضاً التأثیر الاستقلالی الإلهی فی مرتبه أعلى وأسمى. ونجد فی الأحادیث التی وصلتنا من أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله أحادیث معتبره فی هذا المجال ضمن عناوین مختلفه مثل الاستطاعه و نفی الجبر و التفویض ، وکذلک الإذن و المشیئه و الإراده و القضاء و القدر الإلهی.

الاختیار:

إن الاختیار و القدره على اتخاذ القرار من الصفات النفسیه التی یدرکها الإنسان ویجزم بها، فإن کلَّ واحد منّا یدرکها فی ذاته وباطنه بعلمه الحضوری الذی لا یخطیء ولا یشتبه. وفی الواقع إنما تظهر قیمه الإنسان حینما تتعارض وتتزاحم الرغبات المختلفه ، فیعرض عن الرغبات الحیوانیه المنحطَّه الوضیعه و ذلک من أجل الوصول إلى الفضائل الأخلاقیه والکمالات الروحیه والأبدیه والقرب والرضوان الإلهی. ولو لم نعتقد بوجود الإختیار ، فلا یبقى مجال للوظیفه والتکلیف والذمِّ والمدح والعقاب والثواب.

مناقشه شبهات الجبریّین:

الذی أدى إلى الشکّ والتردید فی هذه الحقیقه البیّنه، و الاتّجاه إلى الجبریّه ، هو وجود بعض الشبهات ، نتعرّض و بإیجاز لمناقشه أهمها: ۱- انّ إراده الإنسان إنّما یتحدد شکلها وصورتها بفعل إثاره المیول الداخلیّه وتنبیهها ، لا أن وجود هذه المیول خاضع لاختیار الإنسان ، ولا أنّ إثارتها إنما هی بفعل العوامل الخارجیّه. إذن فلا یبقى مکان للإراده والاختیار. والجواب: انّ المیول معدِّه للإراده ، لا أنّ التصمیم على القیام بعملٍ ، نتیجهٌ حتمیّه لإثاره المیول ، بحیث تسلب منه القدره على المخالفه والمقاومه، والشاهد علیه، أنّه تحدث فی الکثیر من المجالات حاله التردید والشکّ فی الإنسان ، بحیث یحتاج فی اتّخاذ القرار إلى التأمّل وموازنه النفع والضرر فی العمل، وأحیاناً لا یتمّ اتّخاذ القرار إلا بصعوبه. ۲- لقد ثبت فی سائر العلوم أن هناک عوامل عدیده لها تأثیرها فی تحدید شکل الإراده وصورتها: أمثال الوراثه، وإفرازات الغدد (التی تحدث نتیجه لتأثیر الموادّ الغذائیه أو الأدویه الخاصّه)، وکذلک العوامل المحیطیه والاجتماعیه. والجواب: أنه بالرغم من وجود کل هذه العوامل، فإنّ للإنسان الخیار والقدره على المقاومه والمخالفه. ۳- ومن شبهات الجبریین، أن الله تعالى عالم بکل ظواهر العالم والکون، ومنها أفعال الإنسان قبل وقوعها، والعلم الإلهی لا یقبل الخطأ والتخلُّف، إذن فلا بدّ أن تتحقّق کلُّ الظواهر وفق العلم الإلهی الأزلی ، ولا یمکن تخلفها عنه ، إذن فلا یبقى مجال لاختیار الإنسان. والجواب: أن العلم الإلهی متعلّق بکل ظاهره بما هی علیه فی الواقع ، والأفعال الاختیاریه معلومه لله تعالى بما هی علیه فی الواقع، وبوصف اختیاریتها وإرادیتها. فمثلاً: ان الله یعلم بأن الشخص الفلانی وفی ظروف معینه سیقرر القیام بعمل ما، وانه سیحقق ذلک العمل. والعلم الإلهی لم یتعلق هنا بمجرد وقوع العلم وبغض النظر عن صدوره بإراده الفاعل واختیاره، بل تعلّق بالفعل بما أنه یصدر عن اختیار الإنسان. إذن فالعلم الإلهی الأزلی لا ینافی اختیار الإنسان وإرادته الحرّه. (الجبر والتفویض والأمر بین الأمرین) حیث أنَّ مسأله الأمر بین الأمرین لها أهمیَّه کبیره وتشتمل على أبعادٍ دقیقه لا یعرفها إلاّ الراسخون فی العلم فلهذا أرى من المناسب أن أعتمد على إمام العرفاء قدس سرُّه الشریف وأنقل نصَّ کلامه من کتابه القیِّم الطلب والإراده مع تلخیص وشرح موجز : قال الإمام قدِّس سرُّه: ( فصل: إن هذا البحث العقلى أوسع من بین السماء والأرض ولعله إلیه الإشاره فیما ورد أن بین الجبر والتفویض منزله أوسع مما بین السماء والأرض تأمَّل) یشیر الإمام إلى الحدیث المنقول فی الکافی (عن على بن إبراهیم عن محمد بن عیسى عن یونس بن عبد الرحمن عن غیر واحد عن ابى جعفر و ابى عبد الله علیه السلام قالا ان الله ارحم بخلقه من ان یجبر خلقه على الذنوب ثم یعذبهم علیها و الله اعز من ان یرید امراً فلا یکون قال فسئلا علیهم السلام هل بین الجبر و القدر نزله ثالثه قالا نعم اوسع مما بین السماء و الارض) أقول: الظاهر أن أوَّل مسأله وقع النزاع فیها بین المسلمین هی مسأله الجبر و الاختیار وهذا النزاع طبیعی وذلک: أولاً : إن هذه المسأله لها علاقه وثیقه بمصیر الإنسان فمن الواضح ان یرغب فیها کل من وصل إلى مستوى البلوغ فى الفکر. ثانیاً : إن القرآن الکریم بصوره تفصیلیَّه یُثیر هذه المسأله ثمَّ إنَّ هذا البحث من حیث أنه متعلقٌ بالإنسان یطلق علیه “الجبر والاختیار” ومن حیث ارتباطه بالله فهو یرتبط بمبحث “القضاء والقدر” وایضا هناک بحث آخر هو فرع لهذا البحث وهو مساله “العدل” لأنَّ من لوازم الجبر هو الظلم ، والحدیث عن العدل سوف یجرُّ الباحث إلى مسأله أخرى وهی “الحسن والقبح الذاتیان للأفعال” وهذا البحث یستلزم بحثا آخر وهو مبحث “المستقلات العقلیه” وکلها تقع تحت ظل “الحکمه” ای الغایه والغرض الإلهی وبالنتیجه یرجع إلى “التوحید الأفعالی” .

المصطلحات:

وقبل الغور فی البحث ینبغی أن نتطلَّع على المصطلحات الثلاثه والسر فی تبنِّی البعض نظریه الجبر فنقول: ۱-الجبر: هو الإعتقاد أنَّ جمیع أفعال الإنسان مستنده إلى قدره الله وحدها. قالوا :الإنسان لا یقدر على شیء ولا یوصف بالإستطاعه وإنما هو مجبور فی أفعاله ، لا قدره له ولا إراده ولا اختیار وانَّما یخلق الله الأفعال فیه کما یخلق فی الجمادات وتنسب الأفعال الیه مجازاً کما تنسب إلى الجمادات کما یقال “أثمرت الشجره” و”جرى الماء” و “تحرک الحجر” وطلعت الشمس و غربت ” و ” تغیَّمت السماء وأمطرت ” و “اهتزَّت الأرض وانبتت” إلى غیر ذلک” وهو مذهب الأشاعره. ۲-التفویض:هو الاعتقاد بأن جمیع أفعال الإنسان واقعه بقدره الإنسان نفسه ولیس لقدره الله أی دور فیها وهو مذهب المعتزله. ۳-الإختیار: إنَّ افعال الإنسان الإرادیه تصدر عن الإنسان نفسه باختیاره وإرادته إن شاء فعل وإن شاء لم یفعل ، ومع ذلک لا یمکن للإنسان أن یأتی بها إلاّ بحول الله وقوَّته وهو مذهب الإمامیه ویطلق علیه الأمر بین الأمرین.

تنبیه:

إن نظریه الجبر یتبناها اولئک الذین یریدون ان یتحرًّروا من التکالیف والقوانین والقیود والاخلاقیات فیسندوا کلَّ الامور إلى الله او یعتقدوا بجبر التاریخ وأن الجوّ الحاکم والظروف الموضوعیَّه هى التى جرّتهم إلى ارتکاب تلک الاعمال. معاویه والجبر: یقول: ابو على محمد بن عبد الوهاب الجبائى (المتوفى سنه ۳۰۳ هـ.ق و هو من کبار المعتزله) إنَّ أوَّل من قال بالجبر هو معاویه ، کما ان القاضى عبد الجبار المعتزلی (المتوفى سنه ۴۱۵ هـ.ق) قال: ذکر شیخنا ابو على رحمه الله “إنّ اول من قال بالجبر وأظهره هو معاویه وأنًّه أظهر أن ما یاتیه بقضاء الله ومن خلقه لیجعله عذراً فیما یأتیه ویوهم أنَّه مصیب فیه وأن الله جعله إماماً وولاه الأمر، وفشى ذلک فى ملوک بنی أمیّه” وقال الشیخ البهائى فى کشکوله:”خطب معاویه یوما فقال إن الله تعالى یقول وما من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم فلم نلام نحن؟ فقام الیه الأحنف فقال: انا لا نلومک على ما فى خزائن الله ولکن نلومک على ما أنزله الله علینا من خزائنه فأغلقت بابک دونه یا معاویه” محلُّ النزاع: هناک علاقه وإرتباط بین کثیر من الأشیاء بحیث أنَّها توجد متعاقبهً فنسأل ( هل :

المعلولات الصادره من عللها.
والآثار والخواص المترتبه على الأشیاء.
والمسببات المربوطه بالأسباب.
والأفعال الصادره عن الفواعل.

سواء فى عالم الملک(وهو عالم الکثرات والتزاحمات) او الملکوت(وهو عالم البرزخ) او المجردات او المادیات. وسواء صَدَر عن:

الفواعل الطبیعیه کإشراق الشمس وإحراق النار.
او الحیوانیه والإنسانیه.
او الآثار والخواص المترتبه على الأشیاء کحلاوه العسل ومراره الحنظل.
وسواء کان الفاعل مختارا أولا

وبالجمله کل ما یترتب على شیء بأى نحو کان ، هل هو یترتب علیه وصادر منه على سبیل الإستقلال والإستبداد بحیث لا یکون للحق جل شأنه تأثیر فیها وإنما شأنه تعالى خلق المبادى فقط ونسبته إلى العالم کالبناء والبناء بحیث یکون بعد الإیجاد منعزلا عن التأثیر والتدبیر ویکون الشمس فى إشراقها والنار فى إحراقها والإنسان فى أفعاله والملائکه فى شئونها مستقلات ومستبدات ویکون وجود البارى وعدمه والعیاذ بالله فى فاعلیه العبد ومنشأیه الوجودات للآثار على السواء وأنه تعالى أوجد العقل مثلا وفوض الأمر إلیه أو أوجد المکلف و فوض أفعاله إلیه.) وهذه عقیده المفوِّضه. أو أنه تعالى کما هو فاعل المبادى فاعل الآثار بلا وسط ولا فاعلیه ولا تأثیر لشیئ من الأشیاء ولا علیَّه لموجود بالنسبه إلى غیره ولا خاصیه لموجود بل الأشیاء کلها منعزله عن العلیه والتأثیر والخواص والآثار لکن جرت عاده الله بإیجاد أشیاء عقیب أشیاء کالإشراق عقیب وجود الشمس والإحراق عقیب النار والإراده والقدره فى الإنسان والفعل عقیب الإراده والأشیاء کلها على السواء فى عدم التأثیر لکن الجاهل بالواقع یرى ترتب الآثار على المؤثرات غفله من حقیقه الأمر ) والحاصل انَّ ( التفویضى یرى إنعزاله تعالى عن التأثیر مطلقاً إلا فى المبادى والجبرى یرى إنعزال الخلق عنه واستناد الکل إلیه تعالى بنحو مباشر ) دلیل الرأیین (امَّا التفویض) فقد استدلَّ الإمام على بطلانه بأدلَّه ثلاثه نذکرها بتوضیح : الأوَّل:(فلأن استقلال موجود فى الإیجاد إنما یعقل إذا سدت العله جمیع الأعدام الممکنه على المعلول والالم یکن مستقلا فیه الخ…)

توضیحه:

لو اراد موجود ما أن یحقق شیئاً بنفسه من غیر أن تتدخَّل ایَّهُ جهه اخرى فی فعله فینبغی له ان یسدَّ جمیع الثغور من نفسه ویملأ جمیع الفراغات بحیث لا یکون لأیِّ موجودٍ آخر دورٌ فی تحقُّقه وایجاده ، وإذا لم یتمکَّن من ذلک فلیس بامکاننا القول بأن هذا الفعل قد صدر عنه مستقلاً مادام انَّه یستمدُّ من الآخرین فی أموره بل فی وجوده ! وهذا أمرٌ بدیهی وللتوضیح نذکر مثالاً: لو أنَّنا اردنا ان نضیء حجرتنا المظلمهً فأوقدنا مصباحها و فتحنا النافذه الصغیره لیدخلها نور الشمس ، فحینئذٍ لا یمکننا أن نُسند الضیاء إلى المصباح بنحوٍ مستقلٍّ مادامت النافذه مفتوحه . ثم یقول: (ومن الأعدام الممکنه على المعلول عدمه بعدم فاعله و مقتضیه ولیس فى شأن ممکن من الممکنات مجرداً کان أو مادیا سدّ هذا العدم وإلا انقلب الممکن بالذات إلى الواجب بالذات) ولا شک انَّ ممکن الوجود یتوقف فی وجوده وتحقُّقه إلى الفاعل والعلَّه الموجده ولا یمکنه ان یستغنی منه فی لحظه من اللحظات فکیف یمکنه ان یدَّعی صدور أفعاله من نفسه مستقلاً من غیر أن یتدخَّل عاملٌ آخر فی ذلک ؟ وبعباره أخرى إنَّ الأفعال الصادره عن الأشیاء لا یمکنها أن تصدر إلاّ بعد أن تکون تلک الأشیاء موجوده فعدم وجودها لا یعقل صدور فعلٍ منها فما دام أنَّ الفعل من آثار الذات وهی مستنده إلى خالقها وموجدها ففعلها أیضاً کذلک من غیر فرقٍ بین الموجودات المجرَّده والموجودات المادیه. وبالنسبه إلى أفعال الإنسان خاصَّه نذکر مثالاً توضیحیاً : فلو أردنا أن نأخذَ کتاباً لنقرأه فینبغی لنا أن ننظر الیه ثمَّ نمدَّ ایدینا فنأخذه فهذه أفعالنا ولکن ینبغی أن نعلم أنَّ من أهم العوامل والأسباب لصدور هذا الفعل هو وجودُ ذاتنا ومن الواضح أنَّ ذاتنا غیر معتمدهٍ الینا بل هی ترتبط بالله تعالى ( أنتم الفقراء إلى الله ) فلا استقلالیَّه فی أفعالنا..وعلى حدِّ تعبیر الإمام فی درسه ( المستقل فی فعله یستلزم الإستقلال فی ذاته وهو على حدِّ الشرک ). الثانی 🙁 المعلول بالذات فى الفاعل الإلهى أى فاعل الوجود بتمام هویته وحاق حقیقته وذاتیته متعلق ومفتقر إلى العله … ولو استغنى فى حیثیه من الحیثیات ینقلب من الإمکان والإفتقار الذاتى إلى الوجوب والإستغناء وهو مستحیل بالضروره ) وقد ذکر لذلک أمثله مختلفه: منها:ماذکره العلامَّه الطباطبائی قدِّس سرُّه قال: لو فرض أنَّ قطرات الماء تقطر وبهدوء على أرض صحراویه فما دام أن تلک القطرات مستمرَّهٌ تکون تلک الأرض رطبه وبمجرَّد أن ینقطع عنها الماء ترجع إلى جفافها السابق . فعالم الوجود مادام أنَّ فیض الوجود مستمرٌّ علیه فی کلِّ لحظه فهو موجودٌ وبمجرَّد انقطاع ذلک الفیض ولو لحظه واحده فسوف ینقلب عدماً . منها: نور المصباح المستمد من مولِّد الکهرباء فمع انقطاعه لا یبقى ذلک النور. منها:ما ذکره الإمام فی کثیر من کتبه و خطبه أنَّ عالم الوجود کموج البحر فهو معتمدٌ فی کیانه على البحر فلولا البحر لا یکون للموج اسم ولا رسم. ثالثاً : ( فلأنَّ المستقل فى الإیجاد لابد وأن یکون مستقلا فى الوجود لأن الایجاد فرع الوجود ولا یمکن أشرفیته عنه )

توضیحه: إنَّ هناک أموراً ثلاثه متسلسله: الذات ثمَّ الوصف ثمَّ الفعل و الفعل دائماً هو اضعف من الوصف کما انَّ الوصف اضعف من الذات وذلک لأنَّ الفعل یعنی الإیجاد والخلق وهو فرع الوجود فالإیجاد لا یمکن إلاّ بعد الوجود لأنَّ الفعل لیس هو إلاّ تجلٍّ للذات وظهورٌ له وذلک بواسطه الوصف فلو أردت أن ترفع حجراً من مکانه ففعلک هذا یتوقَّف على قوَّتک وهی تتوقَّف على ذاتک.

وعلى هذا الأساس نقول: إنَّ وجود المخلوق لیس هو إلاّ الفقر والتدلِّی و الإرتباط بوجود الخالق وشأن من شئونه ومظهرٌ من مظاهره ولیس له استقلالیَّه اصلاً فکیف یمکننا اذاً ان نتصوَّر استقلالیته فی الإیجاد والحال أنَّ الإیجاد یعنی الفعل وهو تابعٌ للذات بواسطه الوصف !! وهل هذا إلاّ اشرفیَّهُ الفرع (اعنی الإیجاد و الفعل ) على الأصل ( اعنی الوجود ). ثمَّ قال الإمام رضوان الله تعالى علیه: ( فالتفویض بمعنى جعل ممکن مستقلاً فى الفاعلیه مستحیلٌ ومستلزم للإنقلاب المستحیل سواء فى ذلک المجرد والمادِّی والفاعل المختار وغیره فلا یعقل تفویض الإیجاد والفعل والأثر والخواص إلى موجود.. إن الذین تدعون من دون الله لن یخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن یسلبهم الذباب شیئا لا یستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزیز ) ( إبطال الجبر ) ثم إنَّ الإمام قدس سرُّه قد ذکر أدلَّهً أربعه لإبطال الجبر وهی: ۱-الإتقلاب الذاتی: أن الوجود لما کان أصلا فی التحقق وبسیطا لا جنس له و لا فصل ومن ذاته أن یکون ذا مراتب و مشککا بالتشکیک الخاص لا محاله یتعلق کل مرتبه ناقصه بالمرتبه المتلوه تعلقا ذاتیا غیر متجافیه عنها بحیث یکون تعلقها بمرتبه أخرى غیرها موجبا ومساوقا للإنقلاب الذاتی المستحیل. توضیحه: إنَّ الکثره الحاصله لم تتحقق إلاّ لأنَّ الوجود قد ظهر فبظهوره حدثت الکثره حیث الأرضیات المختلفه وهذا الإختلاف لیس حقیقیاً بل هو إعتباری بمعنى أنَّه لیس وراء الوجود موجودات مختلفه بل کلّ الإختلاف إنّما حدث جرّاء التسلسل المتواجد بین الموجودات ولتوضیح المقصود نستعین بمثال:الشلاّل النازل من قمَّه الجبل عند نزوله لا یمکن الإستفاده منه لیروی عطشه إلاّ بعد مروره من خلال أنهار مختلفه کبیره فأصغر حتى یصل الماء إلى حنفیه البیت . فالماء هو نفس الماء إلاّ أنَّه لم یملأ الکأس إلاّ بعد مروره من الوسائط المختلفه فالمرتبه النازله مرتبطه بالمرحله العالیه لا محاله وهکذا فمن المستحیل أن تُنسب المراحل النازله بالمراحل العالیه إلا من خلال الوسائط . فیقول الإمام:إنَّ الوجود هو الأصیل کما ثبت فلیس ورائه شیء أصلاً وکل موجود قد اکتسب حصَّهً من الوجود وهذه الموجودات لا تحدِّدْ الوجود حقیقهً بل یبقى الوجود على أصالته وبساطته حیث لا جنس له ولا فصل وهما یحدِّدان الشیء ، فالمراتب من المجردات إلى الحیوانات فالنباتات فالجمادات کلها تشکیکیه أی تختلف من ناحیه الوجود شدَّهً وضعفاً فکلُّ مرتبه ناقصه لها علاقه بالمرتبه العالیه بالذات من غیر انفصالها کیف وهی فقیره بالذات لیس لها تحقق إلا ببرکه إشراق الوجود علیها فلو قفزنا من المرتبه النازله إلى العالیه من غیر أن نمرُّ من الوسائط فهذا یعنی أن هذه المرتبه انقلبت إلى مرتبه أخرى فهی المرتبه النازله وهی المرتبه الأعلى فی آن واحد وهذا محال. ۲-التجدد والتصرُّم: أنه تعالى لما کان بسیطا فی غایه البساطه وجمیع صفاته وشئونه الذاتیه یرجع إلى الوجود الصرف البسیط فلا یتصور فی ذاته وصفاته التجدد والتصرم والتغیُّر وإلا لانقلب البسیط مرکَّباً والفعلیه الصرفه قوه و الوجوب بالذات إمکانا ولازم بساطه الذات والصفات أن ما یصدر منه یکون صادرا من حاق ذاته و تمام هویته وصرف حقیقته فلو صدر المتجددات والمتصرمات عنه تعالى من غیر وسط وبالمباشره والمزاوله یلزم منه التصرم والتغیر فی ذاته وصفاته التی هی ذاته. توضیحه: هذا الدلیل یتوقَّف على مقدَّمات : ألف:أنَّه لا بدَّ من التسانخ بین العلَّه والمعلول ، بمعنى أنَّ المعلول لیس هو إلاّ تجلٍّ ومظهراً للعلَّه بل هو العلَّه بعینها ولکن بعد تنزُّلها ، فالحراره غیر منفکَّه عن النار بل هی النار بعینها ولکن فی مرتبه نازله. ب:إنَّ ممکن الوجود یتَّصف بمواصفات منها التجدُّد والتصرُّم والتغیُّر وهذه الأمور تستلزم کون الممکن مرکَّبا و مشتملاً على القوَّه والفعل أی النقصان ثمَّ الوجدان . ج: إنَّ واجب الوجود بسیط بالذات و الصفات لا یعتریه الترکُّب والقوَّه بل هو بسیط فعلیُّ النتیجه: لوصدرت الأمور المتجدِّده کأفعال الإنسان من الأکل والشرب والمشی مثلاً عنه تعالى بنحوٍ مباشر وبلا واسطه فی البین فهذا یعنی أنَّه تعالى متجدِّدٌ فی ذاته وصفاته وهذا محال فإذاً یجب أن تکون واسطه ومنها إراده الإنسان نفسه وهذا یعنی بطلان الجبر. ۳-الترکیب والتکثیر: أن صدور الکثیر بلا وسط من الواحد البسیط من جمیع الجهات مستلزم للترکیب والتکثیر فیه وهو خلف .

توضیحه:

هذا الدلیل کسابقه فالممکنات کثیره والواجب واحد بسیط فلو صدر الکثیر من الواحد لزم أن یکون الواجب الواحد کثیراً وهل هذا إلاّ الخلف المحال ؟ ۴-سلب الآثار عن الوجود: أن حقیقه الوجود ذاتها عین منشأیه الآثار ولا یمکن سلب الآثار مطلقاً عن ذاته لمساوقته لسلب ذاته فلا یمکن أن یکون موجود مسلوباً عنه الآثار بل سلب الأثر عن وجود مستلزم لسلبه عن کافه الوجودات حتى وجود الواجب لبساطه حقیقه الوجود واشتراکه المعنوى فتدبر جیداً.

توضیحه: إنَّ الوجود واحدٌ أصیل مطلق قد ظهر فی الموجودات فکلُّ موجودٍ یشتمل على جمیع خصوصیّات الوجود ومن جمله تلک الخصوصیّات هی الإراده ولهذا یقول سبحانه (ولله یسجد ما فی السماوات ومن فی الأرض ) (یسبح لله ما فی السماوات ) (وإن من شئ إلا یسبح بحمده) وأیضاً الموجود بما هو موجود هو منشأ الآثار فلا یمکن سلب الأثر عنه کما یدَّعیه القائل بالجبر فلو قلنا بأنَّ هذا الوجود الخاص لیس له أی أثر وکلُّ الآثار إنَّما تنشأ عن الله تعالى فهذا یعنی أنَّ هذا الوجود لیس منه تعالى !! والحال أنَّ الوجود هو واحد بسیط فسلب الأثر عن أحد الموجودات یعنی سلب الأثر عن الوجود المطلق.
علاج الجبرى:

قال ابن سینا فى الشفاء:الحل الوحید لهؤلاء الجبریین هو الطریقه العملیه فمثلاً یضربون ضرباً شدیداً ویقال لهم أنَّ الضرب وعدمه واحدٌ. قال جلال الدین الرومی :إن رجلاً صعد النخله واخذ یسرق ویأکل من ثمارها فجاء صاحبها وقال له أیها الرذیل أما تستحیى من الله ؟ ماذا تفعل ؟ قال السارق: إنَّ عبداً من عباد الله یأکل التمرَ من نخله من نخیل الله و لیس هو إلاّعطاءٌ الهی. فمسکه وربطه بالنخله وأخذ یضربه بشده فقال: ألا تستحى من الله انت سوف تهلک هذا العبد البرئ . فقال له: إنَّ أحدَ عباد الله یضرب عبدَه الآخر فالعصا لله والمضروب هو عبد الله وأنا غلامه تعالى . فصرخ وقال: قد تبت من الجبر أیّها الکَیِّس واقول بالاختیار .

الاختیار:

إنّ الإختیار أمرٌ بدیهی وجدانی وذلک لأنَّ الإنسان یُدرک بالعلم الحضوری أنه على أیِّ حالٍ وتحت أیِّ ظرفٍ من الظروف هو مختارٌ ، ویعلم أنَّه یختلف مع الجمادات والنباتات والحیوانات إختلافاً واضحاً ولو کان الإنسان لا یرى نفسَه مختاراً لم یکن یفکّر أصلاً عندما یرید أن یأتی بفعل ما، فالتروِّی والفکر هو دلیل على اختیار الإنسان. وکما یقول جلال الدین الرومی.. ” أنّ قولک افعل هذا أو ذاک هو دلیل على إختیارک أیُّها الإنسان ” دور سائر العوامل فی أفعال الإنسان: إنّ العوامل الخارجیه والفیزیولوجیه تحرِّک الإنسان نحو الفعل غیر أنَّها لا تجبره علیه أی أن الإنسان لا یسلب قدرتَه لمقاومه الفعل بل هو المختار فربَّما یفعل وربَّما لا یفعل ومن هنا نقول إنَّ الإنسان یمتلک شخصیه وهویه تسمى:

الهویه الأخلاقیه:

وهذه الشخصیه الأخلاقیه ترتبط بمقدار مقاومته تجاه التحرکات الغریزیه وبمقدار وقوفه فی قبالها ، ولو فرض أن إراده الإنسان کانت تابعه لهذه التحرکات فلا معنى إذا للشخصیه الأخلاقیه. وههنا مسأله مهمه تتعلق بعلم النفس وهى:إن الإنسان عندما یقاوم التحرکات الشهویه وذلک على أساس خُلُقی فهو یحسّ بالانتصار والتوفیق ویشعر أنه قد فاق ونجح فی صراعه على عدوّه حیث استطاع تحطیمه ولهذا نراه یحسُّ بالسرور والفرح فی انتصاره هذا. وعکس ذلک عندما یترک هدفه الخُلُقی لأجل هدف شهوی فیحس بالضعف والانکسار وکأنه مغلوب قد تغلب علیه رقیبه فحطَّمَه والحال أنَّ الفاعل فی الصورتین هو شخص واحد والإراده هی إراده واحده فما هو السر فی ذلک ؟ أقول السر والدلیل هو أن الإنسان یمتلک حیاتین: ۱-الحیاه المعنویه والأخلاقیه . ۲-الحیاه المادیه. والحیاه المعنویه والأخلاقیه هی أشدُّ أصالهً من الحیاه المادیه ، ولهذا نرى بأنَّ الشخصیه الحقیقیه للإنسان ترتبط بحیاته المعنویه والأخلاقیه . والجانب الحیوانی والشهوانی هو جانب فرعی فی شخصیه الإنسان. والدلیل على ذلک هو أنَّه یحس بالانتصار لأنَّ قد نجحت وانتصرت شخصیتُه الواقعیه أی “نفسُه” على الجانب الفرعی من وجوده . وعندما یحس بالسقوط والانکسار فهو یرى إن شخصیته الواقعیه قد حُطِّمت.. وهذا الإحساس سواء بالنصر أو الهزیمه ینبع من غریزه العلاقه بالشخصیه الأخلاقیَّه. فى بیان المذهب الحق وهو (الأمر بین الأمرین والمنزله بین المنزلتین) قال الإمام فی حقیقه الأمر بین الأمرین:( إن فهم هذه الحقیقه ودرک سرها وحقیقتها لا یتیسر إلاّ لمن کان له قلب او ألقى السمع وهو شهید ، فإنه یرى بعین البصیره والتحقیق بلا غشاوه التقلید وحجاب العصبیّه أنّ کلَّ موجودٍ من الموجودات بذواتها وقواها الظاهریه والباطنیه من شئون الحق وأطواره وظهوره وتجلیاته ، وهو تعالى وتقدَّس مع علوِّ شأنه وتقدُّسه عن مجانسه مخلوقاته وتنزّهه عن ملابسه التعینات بایِنٌ فی المظاهر الخَلقِیه ظاهرٌ فی مرآت العباد وهو الأول والظاهر والباطن کذلک الأفعال والحرکات والتأثیرات کلُّها منه فی مظاهر الخلق فالحق فاعل بفعل اللّه وقوه العبد ظهور قوه الحق . ( وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلَکِنَّ اللَّهَ رَمَى ) فجمیع الذوات والصفات والمشیئات و الإرادات والآثار والحرکات من شئوون ذاته وظلُّ صفه مشیئته وارادته وبروز نوره وتجلیه وکلٌ جنوده ودرجات قدرته ، والحق حق والخلق خلق ، وهو تعالى ظاهر فیها وهى مرتبه ظهوره . ظـهور تـو بمن است و وجود من از تو و لسـت تـظهر لـولاى لـم أکـن لـولاک .فمن نسب الفعل إلى الخلق وعزل الحق عنه بزعم التنزیه والتقدیس فهو قاصر وظالم لنفسه وحقه ، محجوب عن الحق مطرود عن الرب ، تنزیهه وتقدیسه تقصیر وتحدید وتقلید ، فهو داخل فی قوله مغضوب علیهم عاکف فی الکثرات بلا توحید . ومن نسبه إلى الحق مع عدم حفظ الکثره فهو ضالٌّ متجاوز عن الاعتدال وداخل فی قوله الضالین . والصراط المستقیم والطریق المستبین الخروج عن التعطیل والتشبیه وحفظ مقام التوحید والتکثیر واعطاء حق الحق والعبد ) .
 
 

توضیح الأمر بین الأمرین:

إنَّ أفعال الإنسان لا أنها مستنده إلى الإنسان نفسه بمعنى ان الارتباط بین فعل الإنسان والذات الالهیه منقطعٌ ولا أنَّها مستندهٌ إلى اراده الله مباشره بل هناک حاله وهى “أمر بین الأمرین” فالفعل رغم کونه منسوبا للإنسان فهو مستند إلى اراده الله غایه ما هناک الارادتان طولیه لا عرضیه. فالموجودات لها التأثیر بمعنى أنَّ أفعالها صادرهٌ منها ولکن لا بالاستقلال و هی علَّهٌ لمعلولاتها ولکن لا بالاستبداد ولیس فی دار التحقق فاعل مستقل سوى الله تعالى وسائر الموجودات بما أنَّها فی وجودها لا استقلال لها بل هی عین الربط وعین الفقر والتعلق والفاقه فصفاتها وأفعالها وآثارها أیضاً کذلک وهل هی إلاّ من شئون الوجود ؟ فجمیع العالم هو ظهور قدرته الله وإرادته وعلمه وفعله. ومن هنا نشاهد أنَّ الله تعالى فی قوله ( وَمَا رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلَکِنَّ اللَّهَ رَمَى ) أثبت الرمی للإنسان وفی نفس الوقت نفاه حیث أنَّ الرمی وإن کان من الإنسان ولکنَّه لم یکن بقوَّته بل کان بقوَّه الله وحوله وکذلک فی قوله تعالى ( وما تشاؤن الا أن یشاء الله رب العالمین ) فالمشیئه هی مشیئه الله ومع ذلک هی مشیئتهم حیث أنّها مرتبطه فی حقیقتها بمشیئه الله وهذا لا یعنی أنَّ الفعل الصادر من العبد قد صدر منه ومن الله بمعنى أن یکون المؤثرُ فعلین بنحو الاشتراک بل بمعنى أنَّها ظهورٌ لمشیئه الله ..تأمَّل تعرف.  ثمَّ إنَّ إمامنا قدِّس سرُّه بیَّن نتائج التفویض والجبر فقال : ۱-التوحید: التفویضى: أخرج الممکن عن حده إلى حدود الواجب بالذات فهو مشرک. والجبرى: حطَّ الواجب تعالى عن علوِّ مقامه إلى حدود بقعه الإمکان فهو کافر ، لقد سمَّى مولینا على بن موسى الرضا علیهما السلام القائل بالجبر کافراً والقائل بالتفویض مشرکا على روایه صدوق الطائفه کما عن عیونه. والأمر بین الأمرین: هو الطریقه الوسطى التى للأمه المحمدیه صلى الله علیه و آله و هى حفظ مقام الربوبیه وحدود الإمکانیه. ۲-إعطاء کلِّ ذی حقٍّ حقَّه: الجبرى:ظلم الواجب حقَّه بل الممکنات حقها. والتفویضى: کذلک والقائل بالأمر بین الأمرین أعطى کل ذى حق حقه. ۳-ذو العینین: الجبرى: عینه الیمنى عمیاء فسرى عماه منها إلى الیسرى. والتفویضى: عینه الیسرى عمیاء فسرى منها إلى الیمنى. والقائل بالمنزله بین المنزلتین ذو العینین. ۴-الحنفیَّه الإسلامیه: الجبرى: مجوس هذه الامه حیث نسب الخسائس والنقائص إلى الله تعالى. والتفویضى: یهود هذه الامه حیث جعل یدالله مغلوله غلت أیدیهم ولعنوا بما قالوا بل یداه مبسوطتان. والقائل بالامر بین الأمرین: على الحنفیه الإسلامیه. (الحسنات من الله والسیِّئات من العبد والکلُّ من عند الله) على ضوء ما ذکر عرفنا أنّ الأفعال کلَّها منسوبهٌ إلى الله تعالى ومع ذلک الخیرات والحسنات والکمالات کلُّها من الله وهو تعالى أولى بها منها. والشرور والسیئات والنقائص والشقاوات فهی منسوبه إلى الأشیاء بما هی أشیاء وهى أولى بها منه تعالى وذلک حیث أنَّ الوجود المطلق هو الکمال والجمال والخیر المطلق ، وکلُّ ما یصدر منه فهو کاملٌ لا نقص فیه وجمیلٌ لا قبح فیه والشرور کلُّها من لوازم نفس المعلولات وسبب ظهورها إنَّما هو دار الطبیعه المظلمه و ضیقها وتصادم المسجونین فیها و کلُّها ترجع إلى الممکن ومن هنا نعرف عمق ما بیَّنه سبحانه حیث قال: ( ما أصابکم من حسنه فمن الله وما أصابک من سیئه فمن نفسک ) فالخیرات من الله بالذات ومنسوب إلى الممکنات بالعرض والشرور من الممکنات بالذات ومنسوب الیه تعالى بالعرض فحینئذ یصح أن یقال ( قل کلٌ من عند الله ) فإنه لولا الإیجاد والإفاضه وبسط الخیرات لم یکن وجودٌ ولا طبیعه ولا ضیقها ولعل تغییر الاسلوب فلفظه عند التی وقعت بین من و الله تشیر إلى أنَّ الشرور مجعوله بالعرض فهی لیست من ذاته تعالى بل من فعله ولهذا قال لرسوله صلى الله علیه و آله (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق) فالشر راجع إلى عالم الخلق لا عالم الأمر . ثمَّ :یقول سبحانه ( فمال هؤلاء القوم لا یکادون یفقهون حدیثا ) حیث أنَّ معرفه هذا الأمر یحتاج إلى التفقُّه . تمثیل :والمثال یقرب من وجه لا من جمیع الوجوه. إذا أشرقت الشمس على مرآه ووقع النور منها إلى جدار فنور الجدار لیس من المرآه لأنَّها کمرآه لا نور لها ولیس النور من الشمس بنحو مطلق أى بلا واسطهٍ وبلا قیدٍ بل هو نور شمس المرآه ، فمن نظر إلى المرآه وحدها غافلاً عن الشمس یزعم أنَّ النور منها ومن نظر إلى الشمس غافلاً عن المرآه یزعم أنَّ النور من الشمس من غیر واسطه وأمّا من کان ذا العینین بحیث یرى الشمس وفی نفس الوقت یرى المرآه یعلم أن النور من شمس المرآه. فیحکم بأن النور للشمس بالذات وللمرآت بالعرض ومحدودیه النور حسب حدِّ المرآه للمرآه بالذات وللنور بالعرض و معذالک لولا الشمس وإشراقُها لم یکن نورٌ ولا حدٌّ فالنور وحدُّه من عند الشمس . فالأنوار الطالعه من افق عالم الغیب انما هى لنور الأنوار ومن لم یجعل الله له نورا فماله من نور الله نور السموات والأرض ولا نور إلا نوره ولا ظهور إلا ظهوره ولا وجود إلا وجوده ولا إراده إلا إرادته ولا حول ولا قوه إلا به.

تمثیل أقرب :

انظر قوى النفس المنبثقه فی البدن فانَّها بما هى متعلقات بذات النفس وروابط محضه به فعلُها فعلُ النفس بل هى ظهورها وأسمائها وصفاتها فمع صحه نسبه الرؤیه إلى البصر والسماع إلى السمع وهکذا ، تصح نسبتها إلى النفس فبالسمع تسمع وبالبصر تبصر فلا تصح سلب الانتساب عن القوى ولا عن النفس. (تأییدات نقلیه) وهى أکثر من أن تذکر فالآیات الکریمه و الأحادیث الشریفه مشحونه بذکر هذه اللطیفه الربانیه والحقیقه الإلهیه تصریحاً وتلویحاً تنصیصاً وکنایهً نذکر بعضها: القرآن الکریم:

الآیات دالَّه على أنَّ الخیر من الله دون الشرّ:

۱-(کتب على نفسه الرحمه) فغیر الرحمه لا یصدر منه تعالى بالذات . ۲-(بیدک الخیر) وأمّا الشر فلم یتعرَّض الیه. ۳-(وأنّا لاندری أشر أرید بمن فی الارض أم أراد بهم ربهم رشدا) فالشر نسب إلى غیر الله وأمّا الخیر والرشد فقد نسب الیه. ۴-(الذی خلقنی فهو یهدین والذی هو یطعمنی ویسقین وإذا مرضت فهو یشفین) فلم یضف المرض إلى نفسه لأنَّ المرض یعنی عدم الصحَّه و العدم لیس من الله. ۵-( و لایرضى لعباده الکفر) و الکفر هو عدم التصدیق بما جاء به الرسول صلى الله علیه و آله ۶-(إذ أوى الفتیه إلى الکهف فقالوا ربنا آتنا من لدنک رحمه وهیئ لنا من أمرنا رشدا) فالرحمه والرشد من الله تعالى

الآیات الداله على الأمر بین الأمرین:

۱-إنّا هدیناه السبیل إمّا شاکراً وإمّا کفوراً إنَّ الهدایه الإلهیَّه هی هدایهٌ بسواء السبیل الذِّی هو سبیل الرشد والإیمان. ومن هنا ینسب الإضلال والصدّ عن السبیل إلى الکفّار والمشرکین وأهل الکتاب کما فی قوله تعالى (ولاتتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا کثیرا وضلوا عن سواء السبیل) وربَّما نسب ذلک إلى الشیطان حیث یقول سبحانه:(..وزین لهم الشیطان أعمالهم فصدهم عن السبیل فهم لایهتدون) وقال تعالى(وعلى الله قصد السبیل ومنها جائر ولو شاء لهداکم أجمعین) فالله هو القیِّم للناس لأجل وصولهم إلى المقصد الصحیح و الغایه النهائیه وسبیل السعاده وأمّا سبیل الضلال فهو لیس بسبیل بل هو خروج وإنحراف عن السبیل ومع ذلک یقول (ولو شاء الله لهداکم أجمعین) لأن الله هو الذی یضلّ من یشاء و یهدى من یشاء ،ومایضل به إلا الفاسقین فإذا فسق الإنسان و خرج بسوء اختیاره عن زى العبودیه بأن عصى فهو قد إنحرف عن الطریق.

والنتیجه:

انَّ الهدایه إلى السبیل من الله سبحانه و تعالى و الإنسان هو الذی یکون إمّا شاکراً و إمّا کفوراً. ۲-( فلم تقتلوهم ولکن الله قتلهم وما رمیت إذ رمیت ولکن الله رمى ) ۳-( وما تشاءون إلا أن یشاء الله ) ۴- ما أصابک من حسنه فمن الله ..الایه .. وقد مرَّ تفصیلها. ۵-الآیات الوارده فى قضیه خضر وموسى على نبینا وآله وعلیهما السلام والصلوه فإن فیها إشاره لطیفه إلى هذه الحقیقه حیث قال تعالى (أما السفینه فکانت لمساکین یعملون فی البحر فأردت أن أعیبها وکان وراءهم ملک یأخذ کل سفینه غصبا وأما الغلام فکان أبواه مؤمنین فخشینا أن یرهقهما طغیانا وکفرا فأردنا أن یبدلهما ربهما خیراً منه زکاه وأقرب رحما وأما الجدار فکان لغلامین یتیمین فی المدینه وکان تحته کنز لهما وکان أبوهما صالحا فأراد ربک أن یبلغا أشدهما ویستخرجا کنزهما رحمه من ربک وما فعلته عن أمری ذلک تأویل ما لم تسطع علیه صبرا) فتلاحظ أنَّه قد نسب الشرَّ إلى نفسه فقال فأردت أن أعیبها والخیر إلى الله فأراد ربک أن یبلغا أشدهما وأمّا بالنسبه إلى الخیر الصادر بواسطه الإنسان فیقول فأردنا أن یبدلهما ربهما حیث ینسب إلى الله والى نفسه ، وهذا هو الأمر بین الأمرین. ۶-الآیات التى وردت فیها نسبه التوفى تاره إلى الله تعالى فقال (الله یتوفى الأنفس حین موتها ) و اخرى إلى ملک الموت فقال ( قل یتوفیکم ملک الموت الذی وکل بکم ) وثالثه إلى الملائکه فقال ( و لو ترى إذ یتوفى الذین کفروا الملائکه) ۷-الآیات التى تنسب الإضلال تاره إلى الله تعالى فقال ( ویضل الله الظالمین) واخرى إلى إبلیس فقال ( أنه عدوٌّ مضلٌّ مبین ) و ثالثه إلى العباد فقال ( وأضل فرعون قومه) وقال ( وأضلهم السامری ) الأحادیث الشریفه: قد جمع المحدِّث الکلینی أهم الأحادیث فی هذا المجال تحت عنوان باب الجبر والقدر والأمر بین الأمرین فراجع ونحن نکتفی بحدیثین من تلک الأحادیث: ۱-( محمد بن ابى عبد الله و غیره عن سهل بن زیاد عن احمد بن محمد بن ابى نصر قال قلت لابى الحسن الرضا علیه السلام ان بعض اصحابنا یقول بالجبر و بعضهم یقول بالاستطاعه قال فقال لى اکتب بسم الله الرحمن الرحیم قال على بن الحسین قال الله عز و جل یا ابن آدم بمشیئتى کنت انت الذی تشاء و بقوتى ادیت إلى فرائضى و بنعمتى قویت على معصیتى جعلتک سمیعا بصیرا ما اصابک من حسنه فمن الله و ما اصابک من سیئه فمن نفسک و ذلک انى اولى بحسناتک منک و انت اولى بسیئاتک منى و ذلک انى لا اسال عما افعل و هم یسالون قد نظمت لک کل شىء ترید) ۲-(على بن محمد عن سهل بن زیاد و اسحاق بن محمد و غیرهما رفعوه قال کان امیر المؤمنین علیه السلام جالساً بالکوفه بعد منصرفه من صفین اذ أقبل شیخ فجثا بین یدیه ثم قال له یا امیر المؤمنین اخبرنا عن مسیرنا إلى اهل الشام أ بقضاء من الله و قدرٍ فقال أمیر المؤمنین علیه السلام أجل یا شیخ ما علوتم تلعهً و لا هبطتم بطن وادٍ إلاّ بقضاءٍ من الله و قدرٍ فقال له الشیخ عند الله احتسب عنائی یا أمیر المؤمنین فقال له مه یا شیخ فوالله لقد عظَّم الله الأجر فى مسیرکم و أنتم سائرون و فى مقامکم و انتم مقیمون و فی منصرفکم و أنتم منصرفون و لم تکونوا فى شىءٍ من حالاتکم مکرهین و لا الیه مضطرِّین فقال له الشیخ و کیف لم نکن فى شىء من حالاتنا مکرهین و لا الیه مضطرین و کان بالقضاء و القدر مسیرُنا و منقلبُنا و منصرفُنا . فقال له و تظنُّ أنَّه کان قضاءً حتماً و قدراً لازماً إنَّه لو کان کذلک لبطل الثواب و العقاب و الامر و النهى و الزجر من الله و سقط معنى الوعد و الوعید فلم تکن لائمهٌ للمذنب و لا مَحمدهٌ للمُحسن و لکان المذنب أولى بالإحسان من المحسن و لکان المحسن أولى بالعقوبه من المذنب تلک مقاله إخوان عبده الاوثان و خصماء الرحمن و حزب الشیطان و قدریه هذه الامه و مجوسها ان الله تبارک و تعالى کلَّف تخییراً و نهى تحذیراً و أعطى على القلیل کثیراً و لم یُعصَ مغلوبا و لم یُطع مکرها و لم یملک مفوضاً و لم یخلق السماوات و الارض و ما بینهما باطلا و لم یبعث النبیین مبشرین و منذرین عبثاً ذلک ظن الذین کفروا فویل للذین کفروا من النار فانشأ الشیخ یقول انت الامام الذی نرجو بطاعته یوم النجاه من الرحمن غفرانا اوضحت من امرنا ما کان ملتبسا جزاک ربک بالاحسان إحسانا)

Leave A Reply

Your email address will not be published.