هل یستفاد من الغیبه والإمام الغائب؟

0

 بل وغیبه البشر العادیین من ملوک وحکام لعلل یرونها، وطول عمر الإمام، ومقدرته على التغییر، وغیرها ذلک مما تعرض له کبار علمائنا الأقدمین والمعاصرین، فتطلب من مصادرها.
إن من یتأمل فی مسأله الغیبه بدقه ویعمل عقله فیها، ثم یراجع الأحادیث الوارده عن رسول الله(ص) والأئمه الهداه من بعده(ع)، یجد توافقا بین النتائج التی یتوصل إلیها من الطریقین. بل یجد أن غیبتی الإمام المهدی(عج) وما یرافقها من أمور هی من دلائل صدق عقیده شیعه أهل البیت(ع) فی أئمتهم، إذ تحقق ما أخبروا به قبل وقوع الغیبه بزمن طویل.
ونقدم هنا خلاصه سریعه لما یمکن أن نصل إلیه نتیجه هذا التأمل والبحث فی کتب علمائنا الأبرار الذین بحثوا هذه القضیه وأجابوا على الإشکالات المتعلقه بها منذ ما یزید عن الألف عام مستندین بأحادیث رسول الله(ص) وأهل بیته(ع)، عسى الله أن ینفع بها من یطرأ بباله هذا السؤال فتکون عونا له فی تقویه یقینه، أو تکون تذکره للمؤمنین الذین تنفعهم التذکره.
ورد عن رسول الله(ص) أنه قال للصحابی الجلیل جابر بن عبد الله الأنصاری(رض) حول غیبه المهدی: "یا جابر إن هذا الأمر (أمر) من أمر الله وسر من سر الله ، مطوی عن عباد الله ، فإیاک والشک فیه"(کمال الدین وتمام النعمه للشیخ الصدوق،ص۲۸۸). وجاء عن الإمام الصادق(ع): "..وجه الحکمه فی غیبته، وجه الحکمه فی غیبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذکره، إن وجه الحکمه فی ذلک لا ینکشف إلا بعد ظهوره، کما لا ینکشف وجه الحکمه لما أتاه الخضر(ع)من خرق السفینه، وقتل الغلام، وإقامه الجدار لموسى(ع) إلا وقت افتراقهما.."(علل الشرائع للشیخ الصدوق،ج۱ ص۲۸۷). فنحن لا ندعی هنا أن هذه النقاط هی إجابه وافیه عن هذا السؤال وهذا ما لا طاقه لنا به، فهی لا تعدو بعض ما تتمکن أفهامنا القاصره والمقصره من إدراکه.
 من فوائد الغیبه والإمام الغائب؟
۱) وجود الإمام(ع) فی حد ذاته هو ضمان بقاء البشریه أولا، ورحمتها ورفع العذاب عنها ثانیا.
قال تعالى مخاطبا نبیه الأکرم(ص): "وما کان الله لیعذبهم وأنت فیهم" (الأنفال:۳۳). وهذه الآیه تجری فی أهل بیته الطاهرین(ع) کما فی الحدیث المروی عند أهل السنه: "النجوم أمان لأهل السماء ، فإن طمست أتى السماء ما یوعدون ، وأنا أمان لأصحابی، فإذا قبضت أتى أصحابی ما یوعدون ، وأهل بیتی أمان لأمتی ، فإذا ذهب أهل بیتی أتى أمتی ما یوعدون" (المستدرک ۳ / ۴۵۷ ، ۲ / ۴۴۸ ، قال الحاکم : صحیح الإسناد ولم یخرجاه) .وکذلک الحدیث المذکور بصوره متکاثره فی کتب الإمامیه وبصیغ متقاربه: "لو خلت الأرض طرفه عین من حجه لساخت بأهلها" (علل الشرائع،ج۱ ص۲۳۴).
۲) الإمام هو الرابطه بین الأرض والسماء فی هذا العصر، فالإمام هو "واسطه الفیض الإلهی"الذی لا ینقطع عن البشر أبدا. فإذا لم یکن الإمام موجودا فعلى من تتنزل الملائکه والروح کل عام فی لیله القدر بإذن ربهم من کل أمر؟ وکیف یتحقق حدیث الثقلین -الکتاب والعتره- وأنهما لا یفترقان حتى یردا على رسول الله(ص) الحوض؟
یقول الدکتور کربن -أستاذ الفلسفه فی جامعه السوربون-: "أعتقد أن مذهب التشیع هو المذهب الوحید الذی احتفظ دائماً بوجود رابطه الهدایه الإلهیه بین الله والخلق وجعل رابطه الولایه حیه قائمه بشکل مستمر..مذهب التشیع لوحده هو الذی یعتقد بختم بالرسول محمد(ص) ولکن الولایه وهی رابطه الهدایه والتکمیل ستبقى حیه و إلى یوم القیامه..نعم إن قیام هذه الحقیقه بین العالم الإنسانی والإلهی إلى الأبد إنما هو فی مذهب التشیع و حسب"(2).
۳) تکامل البشریه: ففتره الغیبه الطویله هی فتره ضروریه لتنضج البشریه وتصبح أکثر تقبلا للحق والعدل والتطور الحقیقی، فالمشاکل الاجتماعیه والفکریه والنفسیه فی المجتمع البشری تحتاج قرونا طویله من المجاهده. فلا تتبدل قناعات الإنسان المغتر بنفسه ولا یقبل الحق الذی یستثقله-وفیه راحته وسعادته- إلا بعد تجربه کل الخیارات التی تمیل نفسه إلیها ثم یثبت لدیه فشلها. فبعد آلاف السنین من الحروب الدامیه، لا تزال البشریه غیر مستعده للتخلی عن هذا الخیار لحل خلافاتها. وأیضا، قضیه إلغاء العبودیه هی أحد التحولات التی استغرقت قرونا طویله حتى أمکن تحقیقها، ومع ذلک لم تحدث بطریقه سلمیه واختیاریه مطلقه فی کثیر من الأماکن. وکذلک،"انتظرت السماء مرور خمسه قرون من الجاهلیه حتى أنزلت آخر رسالاتها على ید النبیّ محمد صلى الله علیه وآله; لأنّ الارتباط بالظروف الموضوعیه للتنفیذ کان یفرض تأخّرها"(بحث حول الإمام المهدی(عج) للسید محمد باقر الصدر، المبحث السادس).
وهذا لا یعنی أن البشریه یمکن لها أن تتکامل بدرجه تستغنی بها عن الإمام، وإنما یعنی أنه حتى تکون البشریه مستعده لتقبل ما سیأتی به الإمام(عج) لإنقاذها، لا بد من أن یثبت لدى جمیع البشر نقص وفشل الأطروحات البعیده عن طریق الله بالتجربه، فلا یخرج أحد عن طاعه الإمام مستقبلا زاعما أنه لو أعطی الفرصه المناسبه لجاء بأفضل مما جاء به الإمام. ففتره الغیبه تتیح الفرصه الکافیه لجمیع البشر لیبذلوا قصارى جهدهم، فیدرکوا بعد ذلک قیمه الأنبیاء والأوصیاء(ع) الذین فرط بهم عبر التاریخ، فیکونون أشد شوقا لآخر الأوصیاء والمنقذین ویستفیدون منه أکثر بعد ظهوره، فلا یتکرر الخطأ. ولعله یمکن استیحاء هذا المعنى من قول الإمام الباقر(ع): "إن دولتنا آخر الدول ولم یبقى أهل بیت لهم دوله إلا ملکوا قبلنا، لئلا یقولوا إذا رأوا سیرتنا، لو ملکنا سرنا بمثل سیره هؤلاء، وهو قول الله عز وجل (والعاقبه للمتقین)" (بحار الأنوار للمجلسی،ج۵۲ ص۳۰۸).
وقد یرد إشکال وهو: لماذا لا یظهر الإمام(عج) حتى لأولیائه وشیعته؟
فنقول: إذا کان الإمام(عج) یظهر لهم وتقر أعینهم برؤیته ویحل لهم جمیع مشاکلهم، فإن ذلک یدفع الکثیر منهم إلى التراخی وعدم الاجتهاد الشدید فی التمهید لظهوره(عج) وتهیئه الأسباب لذلک، ولکنه إذا غاب یعلمون أن هنالک خللا عاما حتى فی أنفسهم تقع على عواهلهم مسؤولیه العمل لإصلاحه، وقد أجاب علماؤنا عن هذا السؤال بالعدید من الإجابات الأخرى، فراجعها فی محلها.
۴) القدوه والنموذج الحی (Exemplar): من المعروف أن القدوه المعاصره لجمهورها یکون تأثیرها على سلوکه أکبر من القدوه التی تفصل بینها وبینه عده قرون. بل إن من یعتقد أن إمامه حی حاضر بین الناس ولکنه لا یعرف شخصه، یراقب سلوکه -أکثر ممن یعرف إمامه الحی بشخصه- لأنه یدقق فی کل عمل من أعماله خشیه أن یکون الإمام(عج)ناظرا له وهو لا یعلم، ویحاول بأقصى جهده الاجتهاد فی الخیرات ومحاسن الأخلاق رغبه فی رضاه ورضى ربه تعالى لأنه یعلم أن الإمام مطلع على کل أحواله بإذن الله.
عن أمیر المؤمنین(ع): "اللهم إنه لابد لأرضک من حجه لک على خلقک، یهدیهم إلى دینک ویعلمهم علمک لئلا تبطل حجتک ولا یضل أتباع أولیائک بعد إذ هدیتهم به، إما ظاهر لیس بالمطاع أو مکتتم مترقب، إن غاب عن الناس شخصه فی حال هدایتهم، فإن علمه وآدابه فی قلوب المؤمنین مثبته، فهم بها عاملون" (کمال الدین وتمام النعمه،ص۳۰۲). وعن الإمام الکاظم(ع): "یغیب عن أبصار الناس شخصه، ولا یغیب عن قلوب المؤمنین ذکره" (نفس المصدر،ص۳۶۸-۳۶۹). وعن الإمام الصادق(ع) أیضا: "..یا فضیل اعرف إمامک، فإنک إذا عرفت إمامک لم یضرک تقدم هذا الامر أو تأخر.." (الغیبه للنعمانی، ص۳۲۹).
إن کون ظهور الإمام(عج) کما قال رسول الله(ص): "مثله مثل الساعه التی (لا یجلیها لوقتها إلا هو ثقلت فی السموات والأرض لا تأتیکم إلا بغته)" (المصدر السابق، ص۳۷۳)، یجعل المؤمن به فی حاله استعداد دائم محافظا على الفضیله والأوامر الإلهیه رغبه أو رهبه، لأنه یتوقعه فی کل لحظه.
۵) الإمام(عج) عامل الوحده الذی لا یمکن تجاوزه بحال من الأحوال، فالشیعه مهما مزقتهم الخلافات، ومهما تضاربت مصالحهم وآراؤهم، فإن الذی یجمعهم فی نهایه المطاف هو الإیمان بإمام حی ینضوون تحت رایته ویجمعهم الولاء له. وقد یقول قائل: حتى غیر الشیعه تجمعهم رموزهم الحیه أو المیته، فما الفرق؟
نقول: هذا صحیح، ولکن کما ذکرنا فی النقطه السابقه، فإن کون الإمام حیا یزرع نوعا خاصا من التمسک به والتقید بالمنهج الذی یمثله إما رغبه أو رهبه. کما أن صفات هذا الإمام(عج) ومقامه یختلف عن کل الرموز الحیه الأخرى من ناحیه القداسه والقدره والمهمه، وبالتالی فإن استشعار وجوده ومراقبته یؤثر أکثر من غیره.
وبالتالی فإن من "یوقن" بهذا الإمام(عج)، لابد له أن ینصاع لصوت الحق والعقل، ویسعى نحو الوحده وإنهاء الصراع والنزاع، إذا ذکّره أحدهم بمراقبه الإمام(عج) لتفرق شیعته لما لا یجدر التفرق بسببه، وما یمکن أن یؤدی له ذلک من سخطه(عج). وهذا السلاح الفعال لابد من تفعیله فی واقعنا أکثر، لاسیما عند الأخیار، لحل الخلافات التی لا مسوغ عقلی ولا شرعی لها، فهل یوجد أحد لا یبالی بسخط الله وولی الله علیه؟!
نکتفی بهذا المقدار من الفوائد الدینیه والدنیویه المباشره من الغیبه ومن الإمام المهدی(عج) أثناء غیبته الکبرى، و فی الجزء الثانی سنذکر خمس فؤائد أخر تکون أکثر مباشره من هذه الخمس الأولى بحول الله وقوته، وبرکات ودعاء صاحب العصر والزمان(عجل الله تعالى فرجه الشریف).
ــــــــــــــ
(۱) دراسه وثائقیه عن الإمام المنتظر، رحیم حسین مبارک، عنوان (علماء أهل السنّه الذین ذکروا غیبه الإمام المهدی علیه السّلام): http://www.m-mahdi.com/book/009/004.htm#00030
(۲) الکتاب السنوی "مکتب تشیع " السنه الثانیه ص ۲۰–21
قبل أن نکمل الحدیث عن ما ابتدأنا به من ذکر بعض الصور التی یمکن لنا أن نستفید عبرها من وجود الإمام المهدی الغائب(ع)، نذکر مره أخرى أن هذه النقاط هی نتیجه المزاوجه بین التأمل العقلی والدلیل النقلی الوارد عن رسول الله(ص) وعترته المیامین(ع). وبعد هذا البیان نکمل النقاط السابقه:
۶) استمرار توقد شعله العزه والکرامه والسعی لتغییر الواقع الفاسد وإصلاح الخلل فی الأمه التی تؤمن بهذا الإمام، فالأمه التی لا ینقطع ارتباطها بالسماء و بوصی السماء، لا ینقطع رجاؤها وأملها فی التغییر والإصلاح مهما قست الظروف واستحال النجاح، فلا مستحیل عند الله وعند أولیاء الله. هذه النقطه أصبحت نقطه جلیه و واضحه عبر ما رآه ویراه العالم من تاریخ شیعه أهل البیت(ع) فی مجال مقارعتهم للباطل ومجاهدتهم للظلم والفساد، وبذلک لا نرى الآن من أعداء الشیعه -إلا السفیه- من یحتج علیهم بأن الغیبه سببت لهم العجز والفشل والخنوع أو أن عقیدتهم بالإمام الغائب هی ناتجه عن هذا السبب، ولکن للأسف یخرج علینا أحد أبناء هذه الطائفه من یقول بذلک متغافلا عن کل ما کتبه العلماء والمثقفون الإسلامیون فی ذلک! فلا أدری أین هذا من الثقافه والإنصاف والأمانه العلمیه؟! ألم یعلم هذا أن مجرد ذکر اسم الإمام المهدی(عج) کان کافیا لنجاح ثوره التنباک بقیاده المیرزا حسن الشیرازی(قده) ضد مطامع الاستعمار البریطانی؟!
۷) الاختبار والتمحیص: قال تعالى: "أحسب الناس أن یترکوا أن یقولوا آمنا وهم لا یفتنون ولقد فتنّا الذین من قبلهم فلیعلمن الله الذین صدقوا ولیعلمن الکاذبین" (العنکبوت:۲-۳)، وقال سبحانه: "ما کان الله لیذر المؤمنین على ما أنتم علیه حتى یمیز الخبیث من الطیب وما کان الله لیطلعکم على الغیب"(آل عمران:۱۷۹). وعن الإمام موسى بن جعفر(ع): "لا بد لصاحب هذا الأمر من غیبه حتى یرجع عن هذا الأمر من کان یقول به إنما هی محنه من الله عز وجل امتحن بها خلقه.." (کمال الدین،للشیخ الصدوق،ص۳۶۰ ح۱) . 
ولعل من فلسفه هذا الاختبار والتمحیص هو معرفه مقدار ولاء الأتباع لکیلا ینقلبوا بسبب الاغراءات والترغیب أو الضغوط الکبیره والترهیب فی اللحظات الحاسمه، وهو ما قد یؤدی لنتائج خطیره تفتک بآخر خلفاء الله على أرضه أو بقسم کیبر من أنصاره ویُفشل حرکته النهضویه العالمیه عند انطلاقها إذا لم تتحقق درجه مطلقه من الولاء فی الغالبیه العظمى من الأتباع لهذا القائد مهما کانت الظروف. هذا أمر ضروری لکل قائد ناجح، وتزداد درجه الضروره کلما ازدادت أهمیه القائد وحساسیه مهمته وحجمها. 
۸) التدخل العملی للإمام(عج): إضافه لما للإمام من ولایه تکوینیه –على الکون- والتی لا تنقطع سواء کان الإمام حاضرا أم غائبا، فإنه(ع) یتدخل کذلک فی بعض أمور العباد والبلاد بنفسه عندما تفرض الضروره ذلک. فقد ورد فی الروایات أنه(عج) یحضر الموسم-أی الحج- کل عام، وبالطبع فإنه یقوم ببعض المهمات عندما یحضر للحج کما ورد فی الکثیر من القصص المنقوله فی الکتب المعتبره عن إغاثته للمحتاجین، ودفعه للشبهات عن المرتابین، ولقائه ببعض العلماء والتقاه فی الحج وغیره. کما ثبت أنه(عج) کان له الدور الرئیسی فی بعض القرارات والتحرکات التی کان لها الأثر البالغ والمستمر حتى الیوم، وسنأتی على ذکر بعضها فی النقطه التالیه إن شاء الله. وأیضا، لا ننسى أن نبی الله یوسف(ع) کان قد عاش فی مصر وتولى أمرها وأنقذها من مستقبل مأساوی عبر سیاساته الحکیمه لتلافی القحط وإداره موارد الدوله بشکل متطور لم یعهد تلک الأیام وخلص شعبها من قبضه المتجبرین، وکل ذلک کان فی أیام غیبته عن أهله وقومه وکان أهل مصر رغم قربها من موطنه الأصلی لا یعرفون أنه نبی الله یوسف ابن نبی الله یعقوب(ع)لعشرات السنین حتى کشف لهم بنفسه عن شخصیته الحقیقیه، فهل یستبعد بعد هذا قیام الإمام المهدی(عج)بأدوار عملیه مهمه أثناء غیبته؟
ورد عنه(عج)مخاطبا شیعته: "إنّا غیر مهملین لمراعاتکم، ولا ناسین لذکرکم، ولولا ذلک لنزل بکم اللأواء واصطلمکم الأعداء"( تهذیب الأحکام۱: ۳۸). وعنه(عج)أیضا: "وبی یدفع الله البلاء عن أهلی وشیعتی"(غیبه الطوسی:۲۴۶)، فلا ننسى أن غیبه الإمام(عج) هی غیبه العنوان لا المعنوَن، مما یعنی أنه حاضر بشخصه ولکننا نجهل شخصیته، وهذا ما نقرؤه فی دعاء الندبه: "بنفسی أنت من مغیّب لم یخل منا، بنفسی أنت من نازح ما نزح عنا". وعن أبی جعفر(ع): "لن تخلو الارض إلا وفیها رجل منا یعرف الحق فإذا زاد الناس فیه قال قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال قد نقصوا،وإذا جاؤوا به صدقهم،ولو لم یکن ذلک کذلک لم یعرف الحق من الباطل"(کمال الدین،ص۲۲۳ ح۱۲).
وهنا ینبغی أن نشیر إلى نقطه مهمه للغایه، وهی أنه متى ما وجد من یقوم بوظیفه ما غیر الإمام(ع)-ولو کان شخصا واحدا فقط أو عده أشخاص- فإنه لا یشترط أن یقوم الإمام(ع)بنفسه بهذه الوظیفه طالما أن الوظیفه مؤداه والنقص مسدود، وهذا یکون فی زمن ظهور الأئمه(ع)أیضا، فمثلا کان هناک من ینوب عن الأنبیاء والأئمه(ع) فی إقامه الحدود والجهاد وتصحیح العلماء وغیرها من الأمور ولم یکونوا یقوموا بها بأنفسهم دائما، ولأن الغیبه فی هذا الزمن مشدده، ففعل ذلک أولى. نعم، إذا لم یقم أحد بهذه الواجبات، فإنه لابد للإمام(ع) من أن یتدخل سواء بنفسه أو بتوکیل أحد الأشخاص مباشره للقیام بها. وهذا ما ذهب إلیه الشیخ المفید(قده): "فمن وجد منهم]أی من الخلق[ قائماً بذلک ]أی حفظ الشرع ومراعاه الخلق فی أداء ما کلّفوه [فهو ]أی الإمام[ فی سعه من الإستتار والصموت، ومتى وجدهم قد أطبقوا على ترکه، وضلّوا عن طریق الحقّ فیما کلّفوه من نقله، ظهر لتولّی ذلک بنفسه ولم یسعه إهمال القیام به" (المسائل العشر فی الغیبه،الفصل السابع:هل وجود الإمام مغیّباً کعدمه؟).
هذا إضافه إلى أن الناس فی زمن الغیبه الکبرى قد تراکمت لدیهم أحادیث الأئمه من أهل البیت(ع) وهیئ العلماء لتولی "النیابه والوکاله" عن الإمام المعصوم(ع) من قبَل الإمامین العسکریین(ع) ومن ثم الإمام المهدی(عج)فی زمن الغیبه الصغرى بشکل مکثف، فصارت لدیهم آلیات توصلهم إلى حل الکثیر من المسائل دون الحاجه للتواصل مع الإمام(عج)للاستیضاح منه بشکل مباشر إلا فی حالات قلیله. عن علی بن الحسین(ع)متحدثا عن معاصری زمن الغیبه القائلین بإمامه المهدی(عج): "..الله تبارک وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفه ما صارت به الغیبه عندهم بمنزله المشاهده" (کمال الدین،ص۳۲۰ ح۲).
۹)  الدعاء والتسدید: وهذه النقطه أیضا تقع ضمن التدخل العملی للإمام(عج) إلا أنی ارتأیت فصلها فی نقطه مستقله لبعض الأسباب. لقد کثرت الأخبار الموثوقه عن تسدید الإمام(عج) لکثیر من الأحداث والقرارات التی ترکت بصمتها الواضحه على الواقع حتى أصبحت من المسلَّمات التی لا یتطرق لها الشک. ونحن هنا نستعرض القلیل منها من باب المثال لا الحصر أو التفصیل ومن أراد ذلک فلیطلبها من مصادرها الکثیره.
فمن ذلک: نقل أنه خرج توقیعه(عج) للمیرزا حسن الشیرازی(قده) فی فتوى أو کما تسمى ثوره التنباک الشهیره، وتسدیده(عج) للشیخ المفید(قده) بعد تردده فی الفتیا فترکت کتبه بعد ذلک أثرا کبیرا على المیادین العلمیه لا زال ممتدا حتى الیوم بعد مرور أکثر من ألف عام! کما کانت له رسائل کثیره للشیخ المفید یخبره فیها عن بعض الأحداث التی تحققت قبل وقوعها وکیف یتصرف الشیعه فیها وإجابات عن بعض المسائل الفکریه والفقهیه وغیر ذلک. وکذلک دعاؤه المبارک الذی نتجت عنه ولاده الشیخ الصدوق(قده) الذی ترکت کتبه أثرا کبیرا أیضا وأمره(عج)لهذا الشیخ بکتابه کتاب محدد بطریقه إبداعیه حول الغیبه أسماه الشیخ فیما بعد "کمال الدین وتمام النعمه". وأیضا، یقول السید محمد رضا الشیرازی(قده) فی محاضرته المطبوعه بعنوان"الإمام المهدی(عج)إمام الرحمه" والتی نقلنا منها قصه الشیخ الصدوق السابقه: " السید محمد تقی الاصفهانی رأى فی عالم الرؤیا الإمام المهدی(صلوات الله علیه) یقول له: اکتب عنی کتابًا باللغه العربیه وسمه(مکیال المکارم فی فوائد الدعاء للقائم).. نقل أحد العلماء الکبار عن السید الوالد(رضوان الله تعالى علیه)أنه تشرف بلقاء الإمام الحجه(عج) فی مسجد السهله فقال له: (اکتب)، وعندما عاد الوالد تفرغ للتألیف وترک کل البحوث التی کان یلقیها على طلابه،رغم الضغوط الشدیده علیه للعوده إلى التدریس"، وکان لأمره(عج) للإمام الشیرازی الراحل(قده) أثره الکبیر حیث تمکن من تألیف قرابه الألف والثلاثمائه کتاب فی مختلف المجالات والعلوم، ویستحق بذلک أن یعدًّ صاحب رقم قیاسی عالمی فی التألیف والنبوغ العلمی. وکذلک تقویمه(عج) لأستاذ الفلسفه المیرزا مهدی الأصفهانی(قده) عندما أخطأ. ونقل أیضا أن الشیخ الأعظم الشیخ مرتضى الأنصاری(قده) کان یلتقی بالإمام(عج) بشکل مستمر، وغیر ذلک الکثیر والکثیر.
نرید أن نذکر هنا أن تسدید الإمام ولقاءاته(عج) لا تقتصر على علماء الدین فقط، بل حصل الکثیر منها لأناس عادیین کبائع الأقفال مثلا، ولکن الصفات المشترکه بینهم جمیعا کانت التقوى والإخلاص والیقین وصفاء القلب. وقد نقل المحدّث الثقه الشیخ حسین الطبرسی النوری(قده) ۱۰۰ قصه عن من التقى بالإمام(عج) فی زمن الغیبه فی الجزء الثانی من کتابه النفیس "النجم الثاقب فی أحوال الإمام الحجه الغائب(ع)"، وذکر أیضا ۵۹ قصه فی کتابه القیم "جنه المأوى فی مَنْ فاز بلقاء الحجه(ع)فی الغیبه الکبرى" فراجعهما. وهذا الشیخ هو أستاذ الکثیر من العلماء الفطاحل ومنهم: الشیخ عباس القمی، السید عبد الحسین شرف الدین، الشیخ محمد حسین کاشف الغطاء، وآغا بزرک الطهرانی وهذا یکفی لمعرفه مدى علمه وعظمته ووثاقته(قده).
۱۰) رفع القتل عن نفسه وعن أنصاره وشیعته حتى وقت قیامه(عج): من الطبیعی أن أی قائد حکیم یحاول تقلیل الخسائر قدر الإمکان فی وقت الإعداد لحرکته، وهذا ما فعله الإمام الحسن والإمام الحسین(ع) عندما هادنا معاویه لمده عشرین عاما فحفظا بذلک عددا من الأنصار الذین ثاروا مع الإمام الحسین(ع) الذی زلزل دمه العرش الأموی وأزاله من الوجود، ولم یکن من الممکن الحفاظ على واحد منهم لولا  تلک الهدنه الاستراتیجیه. یکفی أن تراجع ما فعله معاویه والمنصور الدوانیقی وهارون والمتوکل وغیرهم من حکام بنی أمیه وبنی العباس بالشیعه لتعرف المصیر الذی کان ینتظر الشیعه لو لم یغب الإمام الذی یعرف هؤلاء الحکام أنه هو القائم والمزیل لسلطانهم. الإمام المهدی(عج) عندما غاب لفتره من الزمن أراد أن یوهم الحکام الظلمه الذین کانوا یفتشون عنه تحت کل حجر ومدر أن ذکره قد تلاشى من بین الناس وأنه ربما ابتعد إلى مکان ناءٍ ثم مات فیه، وتجنب بذلک حمله المطاردات الشرسه والاعتقالات المتعسفه والقتل لشیعته. ولعل هذا هو أحد أسباب ورود العدید من الروایات التی جاء فیها التشدید على النهی عن ذکر اسمه الصریح أو الإشاده به(عج) فی العلن والتی حمل المقصود فیها على أیام الغیبه الصغرى-حسب البعض-.
لعل إشکالا یرد فی المقام وهو: إذا کان الخوف على الدین من الفناء وعلى الأنصار من القتل بلا طائل یجیز للإمام أن یغیب، فلماذا لم یغب الأئمه السابقون رغم تحقق ذلک؟
فی الحقیقه ناقش علماؤنا هذا الإشکال منذ مئات السنین، ونلخص الإجابه علیه کالتالی:
أولا، الأئمه السابقون(ع) کانوا یعلمون أنهم إذا ذهبوا یأتی من بعدهم أئمه آخرون یکملون المسیره من بعدهم، ولکن الإمام المهدی(عج) هو آخر الأئمه ولا إمام بعده أبدا، فلا یمکن أن یتاح للأعداء الوصول إلیه وهو لم یتم مهمته بعد. ثانیا، الأئمه من بعد الحسین(ع) لم یکونوا یدعوون لأنفسهم فی العلن، بل کانوا یصرحون أنهم لیسوا أصحاب هذا الأمر وأن القائم على الظالمین لم یأت زمنه بعد، وکانوا یأمرون أصحابهم بالتقیه من السلاطین،ورغم ذلک لاقوا ما لاقوا وقاسوا ما قاسوا منهم، فکل ما لاقوه لا یعد شیئا فیما کان سیواجهه شیعه الإمام الثانی عشر الذی کان الحکام یکثرون البحث عنه وهو لم یولد بعد لقتله وإهدار دمه لما اشتهر بین الناس بأنه هو القائم من آل محمد(ص)وأنه یزیل عروش الظالمین. لذلک غاب الإمام مؤقتا لحفظ دماء أتباعه قبل النهضه التی قد تحتاج وقتا طویلا قبل انطلاقتها فیکون قتلهم قبل ذلک بلا طائل.
۱۱) ونضیف نقطه أخیره أشارت لها الروایات، وهی خروج القائم(عج) ولیس فی عنقه لأحد بیعه. ولعل أحد وجوه الحکمه فی ذلک هو إزاله الاعتراض الشرعی والأخلاقی فی الخروج على الحکام الظلمه والمزیفین، ولئلا یکون لهم حجه علیه یضلون بها الناس ویصدونهم بها عن اتباعه عندما یخرج(عج) لیملأ الأرض قسطا وعدلا کما ملئت ظلما وجورا، روحی وأرواح العالمین لتراب مقدمه الفداء.

Leave A Reply

Your email address will not be published.