الشیعه وشفاعه الأنبیاء والأئمه (علیهم السلام)
۱- حقیقه الشفاعه.
۲- تأثیر الشفاعه.
۳- لماذا شرعت الشفاعه؟ وما هی مبرراتها؟
۴- کلمات علماء الإسلام فی الشفاعه.
۵- الشبهات حول الشفاعه.
أولاً: حقیقه الشفاعه
إن الشفاعه حسبما یستفاد من القرآن الکریم وإن کانت تطلق على معان أو على أقسام إلا أننا نکتفی بذکر قسمین من تلک الأقسام رعایه للاختصار.
۱- الشفاعه القیادیه.
۲- الشفاعه المصطلحه.
والمراد من القسم الأول هو قیام قیاده الأنبیاء والأولیاء والأئمه والعلماء والکتب السماویه مقام الشفیع والشفاعه فی تخلیص البشر من عواقب أعماله وآثار سیئاته.
والمراد من القسم الثانی شفاعه الأنبیاء لأهل المعاصی کل یخفف أو یسقط عقابهم، فنتیجه الشفاعه المصطلحه هی تخلیص العصاه من عواقب أعمالهم، وآثار معاصیهم وأفعالهم، فإن قیاده الأنبیاء والأولیاء والکتب السماویه والعلماء وأقلامهم تقوم بنفس هذا العمل والفرق بین الشفاعتین واضح فإن الشفاعه توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له.
والشفاعه القیادیه توجب أن لا یقع العبد فی عداد العصاه حتى یستحق العذاب.
وبعباره واضحه إن الشفاعه القیادیه تمنع عن وقوع العبد فی المهالک فالأولى من قبیل الرفع والثانیه من قبیل الدفع، والفرق بینهما واضح فإن الرفع یمنع المقتضى عن التأثیر بعد وجوده، والدفع یمنع عن وجود المقتضى وتکوّنه.
ثم الشفاعه القیادیه إنما هی فی الحیاه الدنیویه فإن تعالیم الأنبیاء وقیادتهم الحکیمه وهدایه القرآن إنما تتحقق فی هذه الحیاه الدنیویه، وإن کانت نتائجها تظهر فی الحیاه الأخرویه، فمن عمل بالقرآن وجعله أمامه فی هذه الحیاه قاده إلى الجنه فی الحیاه الأخرویه، ولأجل ذلک نرى أن النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله) یأمر الأمه بالتمسک بالقرآن ویصفه بالشفاعه، ویقول: (فإذا التبست علیکم الفتن کقطع اللیل المظلم فعلیکم بالقرآن فإنه شافع مشفع وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنه ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدلیل على خیر سبیل، وهو کتاب فیه تفصیل وبرهان)(۲).
والحاصل أن الشفاعه القیادیه شفاعه بالمعنى اللغوی، فإن المکلفین بضم هدایه القرآن وتوجیهات الأنبیاء والأئمه إلى إرادتهم وطلباتهم، یفوزون بالسعاده ویصلون إلى أرقى المقامات فی الحیاه الأخرویه ویتخلصون عن تبعات المعاصی ولوازمها. فالمکلف وحده لا یصل إلى هذه المقامات ولا یتخلص من تبعات المعاصی کما أن خطاب القرآن والأنبیاء وحده من دون أن یکون هناک من یسمع قولهم ویلبی نداءهم لا یکون له أثر وإنما یؤثر إذا انضم عمل المکلف إلى هدایتهم وهدایتهم إلى عمل المکلف فعندئذ تتحقق هذه الغایه، ومن هنا تبین الفرق بین الشفاعتین من حیث الظرف لأن إتباع المکلف وقیاده الأنبیاء وهدایه القرآن فی الشفاعه القیادیه غیر متحققه إلا فی الظروف الدنیویه، وإن کانت تظهر النتیجه التامه فی الحیاه الأخرویه ولکن الشفاعه المصطلحه عباره عن تحقق الشفاعه فی الحیاه الأخرویه وظهور نتائجها فیها. والدلیل على أن ظرف الشفاعه المصطلحه هو الحیاه الأخرویه ما فی القرآن الکریم حیث عرف ظرفها الیوم الآخر، إذ قال تعالى: (واتقوا یوماً لا تجزی نفسٌ شیئاً ولا یُقبلُ منها شفاعهٌ)(۳). وقوله تعالى: (یومئذ لا تنفع الشفاعه)(۴). وقوله تعالى: (یا أیها الذین آمنوا أنفقوا مما رزقناکم من قبل أن یأتی یومٌ لا بیعٌ فیه ولا خلهٌ ولا شفاعه)(۵).
وإذا لاحظت هذه الآیه وأمعنت النظر فی کلمه یوم الذی ورد فی هذه الآیات مکرراً تعلم بأن ظرف أعمال الشفاعه وتحققها وظهور نتائجها جمیعاً إنما هو الحیاه الأخرویه أعنی الیوم الموعود الذی وعده الله لجمیع الناس وکیف کان فمحل البحث هی الشفاعه المصطلحه، وحقیقه هذه الشفاعه لا تعنی إلا أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته وفیضه إلى عباده عن طریق أولیائه وصفوه عباده، ولیس هذا بأمر غریب فکما أن الهدایه الإلهیه التی هی من فیوضه سبحانه تصل إلى عباده فی هذه الدنیا من طریق أنبیائه وکتبه فکذلک تصل مغفرته سبحانه وغفرانه إلى المذنبین والعصاه یوم القیامه عن ذلک الطریق.
ولا بد فی أن یصل غفرانه سبحانه إلى عباده یوم القیامه عن طریق خیره عباده وأولیائه تکریماً للأولیاء وإظهاراً لمقامهم فیکون هذا نوع مثوبه لهم بالنسبه إلى طاعتهم وتضحیاتهم فی طریق الحق وإبلاغ رسالاته وأوامره فإن الله سبحانه قد جعل دعاءهم فی الحیاه الدنیویه سبباً للمغفره، ونص بذلک فی بعض آیاته فنرى أن أبناء یعقوب لما عادوا خاضعین، رجعوا إلى أبیهم وقالوا له: (قالوا یا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا کنا خاطئین)(۶).
فأجابهم یعقوب بقوله: (قال سوف استغفر لکم ربی إنه هو الغفور الرحیم)(۷).
ولیس یعقوب وحیداً فی هذا الباب بل النبی الأکرم (صلى الله علیه وآله) أحد من یستجاب دعاؤه فی حق العصاه، قال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوک فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحیماً)(۸).
وهذه الآیات ونظائرها تدل على أن مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسیط واسطه کالأنبیاء وهناک آیات تدل على أن مغفرته سبحانه تصل إلى عباده بلا توسیط واسطه کقوله تعالى: (یا أیها الذین آمنوا توبوا إلى الله توبه نصوحاً)(۹)، وقوله تعالى: (واستغفروا ربکم ثم توبوا إلیه إن ربی رحیم ودود)(۱۰)، إلى غیر ذلک من الآیات التی تکشف عن أن توبه العبد تجلب المغفره بلا واسطه أحد.
وتتضح من الآیات المذکوره کیفیه تأثیر الشفاعه فی جلب الغفران ودفع العقاب فإن الله سبحانه هو مالک یوم الدین وله الملک وله الأمر، له أن یغفر من ذنوب عباده ما شاء لمن شاء وبما شاء إذ یقول: (إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء)(۱۱). فهذه الآیات تثبت الشفاعه بمعنى تأثیر دعاء النبی (صلى الله علیه وآله) ومسألته فی جلب الغفران أی تثبیت الشفاعه لعده من عباده من الأنبیاء والأولیاء والصالحین من بعد الإذن والارتضاء.
نکتفی بهذا المقدار من البحث فی حقیقه الشفاعه رعایه للاختصار، فیقع البحث فیما هو أثر الشفاعه.
ثانیاً: تأثیر الشفاعه:
واختلف المسلمون فیما هو أثر الشفاعه هل هو حط ذنوب المذنبین وإسقاط العقاب عنهم أو هو ازدیاد الثواب ورفع الدرجات للمؤمنین، وقد ذهب إلى الأول جمهور المسلمین وإلى الثانی المعتزله، والحق هو مع القول الأول، وذلک لوجوه:
۱- أن مفهوم الشفاعه لیس إلا إسقاط العقاب عن المذنبین.
۲- ما نُقل عن النبی (صلى الله علیه وآله) من قوله: (إدخرت شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی)(۱۲).
وقوله (صلى الله علیه وآله): (إن لله یخرج قوماً من النار بالشفاعه)(۱۳)، وقوله (صلى الله علیه وآله): (إنما شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی)(۱۴).
۳- أن الشفاعه هی للمحتاج الذی هو الفاسق، وأما المؤمن المستغنی فالشفاعه له عبث.
ویؤکد على ذلک أن الشفاعه لم تکن فکره جدیده ابتکرها الإسلام وانفرد بها، بل کانت فکره رائجه بین أمم العالم من قبل وخاصه بین الوثنیین والیهود، نعم أن الإسلام قد طرحها مهذبه من الخرافات وقررها على أسلوب یوافق أصول العدل والعقل وصححها تحت شرائط فی الشافع والمشفوع له التی تجر العصاه إلى الطهاره من الذنوب وکف الید عن الآثام والمعاصی ومن وقف على آراء الیهود والوثنیین فی أمر الشفاعه إن الشفاعه الدارجه بینهم کانت مبینه على رجائهم لشفاعه أنبیائهم فی حط ذنوبهم وغفران آثامهم ولأجل هذا الاعتقاد کانوا یقترفون المعاصی ویرتکبون الذنوب تعویلاً على ذلک الرجاء وفی هذا الموقف یقول سبحانه رداً على تلک العقیده الباعثه إلى الجرأه: (من ذا الذی یشفع عنده إلا بإذنه)(۱۵).
ویقول أیضاً رفضاً لتلک الشفاعه المحرره من کل قید: (ولا یشفعون إلا لمن ارتضى)(۱۶)، ونتیجه الآیتین أن أصل الشفاعه التی تدعیها الیهود ویلوذ بها الوثنیون وإن کان حقاً ثابتاً فی الشریعه السماویه غیر أن لها شروطاً أهمها إذنه تعالى للشافع ورضاؤه للمشفوع له، ومع هذه الوجوه لا یصح ما ذهب إلیه المعتزله، ثم إن الدافع الوحید للمعتزله کلهم أو أکثرهم إلى القول الثانی أی تخصیص آیات الشفاعه بأهل الطاعه دون العصاه هو الموقف الذی اتخذوه فی حق العصاه ومقترفی الذنوب فی أبحاثهم الکلامیه فإنهم قالوا بخلود أهل العصیان فی النار، ومن الواضح أن من یتخذ مثل هذا الموقف لا یصح له أن یعمم آیات الشفاعه إلى العصاه، وذلک لأن التخلید فی النار لا یجتمع مع التخلص عنها بالشفاعه.
وأوضح دلیل على عدم تخلید أهل المعاصی فی النار قوله تعالى: (إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء)(۱۷). وقوله تعالى: (وإن ربک لذو مغفره للناس على ظلمهم)(۱۸)، أی تشملهم المغفره مع کونهم ظالمین. وقوله تعالى: (قل یا عبادی الذین أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله یغفر الذنوب جمیعاً إنه هو الغفور الرحیم)(۱۹).
وغیر ذلک من النصوص المتظافره على العفو فی حق العصاه وعدم تخلیدهم فی النار.
ثالثاً: مبررات الشفاعه:
إن هناک مبررات لجعل الشفاعه من أسباب المغفره ورفع العقاب نکتفی بذکر بعضها:
۱- ابتلاء الناس بالذنب والتقصیر.
۲- سعه رحمته لکل شیء حیث أن التدبر فی الآیات القرآنیه یعطی أن رحمه الله سبحانه واسعه تسع کل الناس إلا من بلغ إلى حدٍ لا یقبل الغفران.
قال الله تعالى حاکیاً عن حمله العرش الذین یستغفرون للذین تابوا واتبعوا سبیله: (ربنا وسعت کل شیء رحمه وعلماً فاغفر للذین تابوا واتبعوا سبیلک وقهم عذاب الجحیم)(۲۰)، نرى أن حمله العرش یدللون طلب غفرانه سبحانه للتائبین والتابعین لسبیله ورحمته واسعه وسعت کل شیء.
کما نرى أنه سبحانه یأمر نبیه أن یواجه الناس کلهم حتى المکذبین لرسالته بقوله: (فإن کذبوک فقل ربکم ذو رحمه واسعه)(۲۱)، ونرى فی آیه ثالثه یعد الذین یجتنبون الکبائر بالرحمه والمغفره فیقول: (الذین یجتنبون کبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربک واسع المغفره هو أعلم بکم)(۲۲).
وهذه الآیات توضح مفاد ما ورد فی الأدعیه الإسلامیه من قوله (علیه السلام): (یا ما سبقت رحمته غضبه)، فحینئذ علمنا من القرآن والأخبار إن الله سبحانه ذو رحمه واسعه تفیض على کل شیء فعند ذلک لا مانع من أن تفیض رحمته وغفرانه عن طریق أنبیائه ورسله وأولیائه فیقبل أدعیتهم وطلباتهم فی حق عباده بدافع أنه سبحانه ذو رحمه واسعه فرحمته تشمل کل شیء إلا من بلغ من الخبث والردائه درجه لا یقبل معها التطهیر کما قال تعالى: (إن الله یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک)(۲۳).
۳- الأصل هو السلامه:
دلت التجارب والبراهین العقیله على أن الأصل الأولی فی الخلیقه هو السلامه، وأن المرض والانحراف أمران یعرضان على المزاج ویزولان بالمداره والمعالجه، ولیس هذا الأصل مختصاً بالسلامه من حیث العیوب الجسمانیه، بل الأصل هو الطهاره من الأقذار والأدران المعنویه فقد خلق الإنسان على الفطره النقیه السلیمه من الشرک والعصیان التی أشار إلیها القرآن بقوله: (فطره الله التی فطر الناس علیها)(۲۴)، وقال النبی (صلى الله علیه وآله): (کل مولود یولد على الفطره ثم أبواه یهودانه أو ینصرانه أو یمجسانه)(۲۵)، وعلى ذلک فلا غرو أن یزول آثار العصیان عن الإنسان بالعلاج والمداواه الخاصه فی مواقف شتى حتى تظهر الخلیقه الأولى التی فطر علیها.
فقد جعل الله سبحانه المواقف التی یمر بها الإنسان بعد موته فی البرزخ ویوم القیامه وسائل لتطهیر الإنسان وتصفیته من آثار الذنوب وتبعاتها ولا غرو فی أن یکون الشفعاء المرضیون عند الله أطباء یعالجون أولئک المرضى بتصرفاتهم ونفوسهم القویه حتى یزیلوا عنهم غبار المعصیه، ودرن الذنب حتى تعود الجوهره الإنسانیه نقیه صافیه ناصعه فیستحق الإنسان نعیم الآخره ودخول الجنه إلا من بلغ إلى حدٍ لا یقبل العلاج والتداوی کمن اتخذ لربه شریکاً فاستحق الخلود فی النار.
۴- الآثار البناءه والتربویه للشفاعه:
إن تشریع الشفاعه والاعتراف بها فی النظام الإسلامی إنما هو لأجل غایات تربویه تترتب على ذلک التشریع والاعتقاد به، وذلک لأن الاعتقاد بالشفاعه المقیده بشروط معقوله من شأنه بعث الأمل فی نفوس العصاه وأفئده المذنبین، یدفعهم إلى العوده عن سلوکهم الإجرامی، وإعاده النظر فی منهج حیاتهم الشریره، یمسکهم عن الاستمرار والتمادی فی ما هو علیه من التمرد والعصیان وذلک لأنهم إذا رأوا أن الرجوع عن منتصف الطریق إلى طریق الصواب والحق، سینقذهم من ما یترتب على أفعالهم السیئه التی ارتکبوها مده من عمرهم، اغتنموا الفرصه بتغییر وضعهم وتعدیل سلوکهم إلى ما فیه رضا ربهم، وهذا الاعتقاد یتسبب فی إصلاح سلوکه المجرم، وإنابته والتخلی عما یرتکبه من آثام ویقترفه من ذنوب وتظهر حقیقه الحال إذا لاحظنا مسأله التوبه التی اتفقت علیها الأمه ونص علیها الکتاب والحدیث فإنه لو کان باب التوبه موصداً فی وجه العصاه والمذنبین واعتقد المجرم بأن عصیانه مرهً واحده أو مرات سیخلده فی عذاب الله، ولا مناص له منه، فلا شک أن هذا الاعتقاد یوجب الاستمرار فی اقتراف السیئات وارتکاب الذنوب ولأنه یعتقد بأنه لو غیّر وضعه وسلوکه فی مستقبل أمره لا یقع ذلک مؤثراً فی مصیره وخلوده فی عذاب الله فلا وجه لأن یترک العاصی، ویغادر اللذه المحرمه ویتحمل عناء العباده والطاعه، بل یستمر على وضعه حتى الموت وهذا بخلاف ما إذا وجد الجو مشرقاً والطریق مفتوحاً واعتقد بأنه سبحانه سیقبل توبته إذا کان نصوحاً وأن رجوعه هذا سیغیر مصیره فی الآخره، وینقذه من تبعات أعماله وألیم العذاب علیها فعند ذلک سیترک العصیان ویرجع إلى الطاعه. فهذا الاعتقاد له الأثر البناء فی تهذیب الناس والشباب خاصه.
وکم من شباب اقترفوا السیئات وأمضوا اللیالی فی اللذه المحرمه ثم عادوا إلى خلاف ما کانوا علیه فی ظل التوبه والاعتقاد بأنها تجدی المذنبین وبأن أبواب الرحمه والفلاح مفتوحه، فعادوا یسهرون اللیالی فی العباده والطاعه.
ولیس هذا إلا أثر ذلک الاعتقاد وذاک التشریع، فالاعتقاد بالشفاعه مثل الاعتقاد بتأثیر التوبه فی الغفران.
رابعاً: کلمات علماء الإسلام فی الشفاعه:
۱- قال المفید: اتفقت الإمامیه على أن رسول الله (صلى الله علیه وآله) یشفع یوم القیامه لجماعه من مرتکبی الکبائر من أمته وأن أمیر المؤمنین (علیه السلام) یشفع فی أصحاب الذنوب من شیعته وأن أئمه آل محمد یشفعون کذلک، وینجی الله بشفاعتهم کثیراً من الخاطئین، وأجمعت المعتزله على خلاف ذلک وزعمت أن شفاعه رسول الله (صلى الله علیه وآله) للمطیعین دون العاصین وأنه لا یشفع فی مستحق العقاب من الخلق أجمعین(۲۶) .
۲- قال الشیخ الطوسی: حقیقه الشفاعه عندنا أن یکون فی إسقاط المضار دون زیاره المنافع، والمؤمنون عندنا یشفع لهم النبی (صلى الله علیه وآله) فیشفعه الله تعالى ویسقط بها العقاب عن المستحقین من أهل الصراط لما روى من قوله (صلى الله علیه وآله): (ادخرت شفاعتی لأهل الکبائر من أمتی) وإنما قلنا: لا تکون فی زیاده المنافع لأنها لو استعلمت فی ذلک لکان أحدنا شافعاً فی النبی إذا سأل الله أن یزید فی کراماته وذلک خلاف الإجماع فعلم بذلک أن الشفاعه مختصه بما قلناه، والشفاعه ثبت عندنا للنبی (صلى الله علیه وآله) وکثیر من أصحابه ولجمیع الأئمه المعصومین وکثیر من المؤمنین الصالحین(۲۷).
۳- یقول القاضی عیاض من أهل السنه بجواز الشفاعه عقلاً ووجوبها سمعاً بصریح الآیات وبخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التی بغلت بمجموعها التواتر بصحه الشفاعه فی الآخره لمذنبی المؤمنین، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنه علیها(۲۸).
۴- قال الإمام أبو حفص النسفی: (والشفاعه ثابته للرسول والأخیار فی حق أهل الکبائر بالمستفیض من الأخبار خلافاً للمعتزله)(۲۹).
۵- قال الإمام ناصر الدین أحمد بن محمد بن المنیر المالکی فی کتابه (الإنصاف): (وإما من جحد الشفاعه فهو جدیر أن لا ینالها، وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنه والجماعه فأولئک یرجون رحمه الله ومعتقدهم أنها تنال العصاه من المؤمنین وإنما ادخرت لهم إلى أن قال وأدله ثبوتها لا تحصى کثره ورزقنا الله الشفاعه)(۳۰).
۶- قال نظام الدین القوشجی فی شرحه على (تجرید الاعتقاد): (اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعه) لقوله تعالى: (عسى أن یبعثک ربک مقاماً محموداً)(۳۱).
۷- قال الفاضل المقداد فی شرحه لـ(منهج المسترشدین): (وإما ثبوت الشفاعه فلوجوه: الأول الإجماع والثانی قوله تعالى: (استغفر لذنبک وللمؤمنین والمؤمنات)، والفاسق مؤمن فوجب دخوله فی من یستغفر له النبی (صلى الله علیه وآله))(۳۲).
۸- قال المحقق الدوانی: الشافعه لدفع العذاب ورفع الدرجات حق لمن إذن له الرحمن من الأنبیاء والمؤمنین بعضهم لبعض لقوله تعالى: (یومئذ لا تنفع الشفاعه إلا من أذن له الرحمن ورضی له قولاً)(۳۳، ۳۴) .
وهنا أقوال ترکنا ذکرها تجنباً عن التطویل الممل فأجمعت الأمه الإسلامیه على ثبوت الشفاعه فی الآخره.
خامساً: شبهات حول الشفاعه:
الشبهه الأولى:
إن الشفاعه لا تشمل جمیع ألوان الجرائم والمعاصی وعامه أنواع العصاه والمجرمین وإنما الشفاعه فی بعض ألوان الجرم، وفی حق بعض المجرمین دون بعض.
هنا سؤال یطرح نفسه وهو: إن حقیقه کل جرم هی التجاوز على الحدود وکل مجرم یتعدى على حدود الله، فإذن لا معنى أن یقع بعض أقسام الجرم والمجرمین فی إطار الشفاعه دون البعض، ولیس هذا إلا الترجیح بلا مرجح مع اشتراک الجمیع فی هدم الحدود والتجاوز والعدوان.
والجواب عنها: أن ما زعمه المستشکل من استلزم الشفاعه الترجیح بلا مرجح والتفریق فی القانون إنما یتم إذا کان جمیع ألوان الجرم وأنواع المجرمین فی درجه واحده فی الآثار والتبعات والکشف عن النفسیات.
وأما إذا کان للمجرم مراتب أو کان المجرمون على درجات فی النفسیات والروحیات فلا تستلزم الشفاعه تأیید ما ذکره المستشکل إذ لا یستوی من أحرق مندیل أحد عدواناً، ومن أحرق مصنعاُ کبیراً تعیش به مئات من العمال فکلا العملین تجاوز وعدوان ولکن الفرق بینهما بعد المشرقین.
ولأجل ذلک تکون العقوبات والتبعات متفاوته حسب تفاوت مراتب الحرام وحسب کشف العمل عن روحیات المجرم ونفسیاته. وحینئذٍ فإذا کان المجرمون مختلفین ومتفاوتین فی مراتب الجرم فلا تعد الشفاعه فی حق من کان أخف جرماً دون الآخر ترجیحاً بلا مرجح ولا تفریقاً فی القانون، فتشریع الشفاعه فی حق الأول وقبولها فی شأنه دون الثانی لا یعد تفریقاً فی القانون ولا عملاً مخالفاً للتسویه فیه.
الشبهه الثانیه:
إن تشریع الشفاعه یجر الناس إلى التمادی فی العصیان والتعدی والاستمرار فی العدوان، وإن المجرم حسب اعتقاده بالشفاعه سیستمر على المعاصی رجاء غفران ذنوبه بالشفاعه.
والجواب عنها: أن ما ذکره من الشبهه لیس إلا خلطاً بین الشفاعه السائده فی المجتمع المادی فی الدنیا عند الرؤساء والمتنفذین فیهم والشفاعه التی جاء بها القرآن الکریم، ولولا هذا الخلط من البعض وکان واقفاً على الفرق الجوهری بینهما لما صح منه عد الشفاعه عاملاً للجرأه وذریعه للعصیان فکون الشفاعه سبباً للجرأه فی المعصیه مردود بوجوه:
الأول: لو کان تشریع الشفاعه عاملاً للجرأه فی المعصیه لکان الوعد بالمغفره عاملاً للجرأه أیضاً مع أنه سبحانه قد وعد بها فی قوله: (إن الله لا یغفر أن یشرک به ویغفر ما دون ذلک لمن یشاء)(۳۵) ولاحظ قوله تعالى: (وإن ربک لذو مغفره للناس على ظلمهم وإن ربک لشدید العقاب)(۳۶) فإن لفظ: (على ظلمهم) جمله حالیه تبین شمول المغفره للناس فی حال کونهم معتدین ومجرمین، فلو کان الوعد بالشفاعه عاملاً للجرأه لکان الوعد بالمغفره فی هذه الآیات عاملاً لها أیضاً.
الثانی: إنه سبحانه قد وعد بأن الاجتناب عن الکبائر یوجب التکفیر عن بعض السیئات حیث قال تعالى:
(إن تجتنبوا کبائر ما تنهون عنه نکفر عنکم سیئاتکم)(۳۷)، فهل یجد أحد فی نفسه أن هذا التشریع یوجب جرأه العباد على ارتکاب بعض السیئات رجاء غفرانها بالاجتناب من الکبائر؟!
الثالث: لو کان تشریع الشفاعه مستلزماً لما تقدم فی الشبهه لکان تشریع التوبه أیضاً من عوامل الجرأه والأسباب التی تجر العباد إلى العصیان والعدوان مع أنه سبحانه شرع التوبه حیث قال تعالى: (یا أیها الذین آمنوا توبوا إلى الله توبه نصوحاً)(۳۸).
الرابع: أنه قد تقدم أن الشفاعه لا تبعث على الجرأه بل تبعث أملاً فی نفس العاصی فیرجع عن التمادی فی المعصیه ویصلح حاله فیما یأتی من الزمان رجاءً من أن ینال الشفاعه.
الشبهه الثالثه:
إنه ربما یتخیل بأن الشفاعه نوع من الوساطه المتعارفه بین الناس ویجب تنزیه المقام الإلهی من هذا النوع من الوساطه، وتوضیح ذلک: أن الخارج على القانون فی الحیاه الاجتماعیه إذا حکم علیه بنوع من العقوبه المالیه أو البدنیه یبعث من له مکانه عند الحاکم حتى یقوم بالوساطه عنده ویبعثه على العفو والإغماض من معاقبته فتصبح النتیجه أن یجری القانون على من یفقد مثل هذه الوساطه ولا یجری على من یجدها، وهذا من الظلم الفظیع السائد فی الأنظمه البشریه ویجب تنزیه الشریعه الإسلامیه عن قوبل هذا النوع من الوساطه.
والجواب عنها: أن هذه الشبهه مبنیه على قیاس الشفاعه الوارده فی الکتاب العزیز على الشفاعه الرائجه فی الحیاه الاجتماعیه للبشر فیکفی فی ردها بطلان القیاس، لأن القرآن رفض الشفاعه المتعارفه بین الناس أشد الرفض فإن هذا النوع من الشفاعه کان من معتقدات عرب الجاهلیه حیث کانوا یعبدون الأصنام لهذه الغایه، قال سبحانه واصفاً لحالهم: (ویعبدون من دون الله ما لا یضرهم ولا ینفعهم ویقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(۳۹) فالعرب فی الجاهلیه کانوا یظنون أن مکانه الآلهه الباطله تکون سبباً لصرف إرادته تعالى عن معاقبه المجرمین والعصاه أو تکون سبباً لجلب عنایته بهم فرد الله تعالى علیهم بقوله: (قل أتنبئون الله بما لا یعلم فی السموات ولا فی الأرض سبحانه وتعالى عما یشرکون)(۴۰)، وقال فی آیه أخرى واصفاً حالهم أیضاً: (والذین اتخذوا من دونه أولیاء ما نعبدهم إلا لیقربونا إلى الله زلفى)(۴۱)، ثم رد علیهم بقوله: (إن الله یحکم بینهم فی ما هم فیه یختلفون إن الله لا یهدی من هو کاذب کفّار)(۴۲).
فالشفاعه بهذا المعنى مرفوضه فی منطق القرآن فإن الله هو الحق المطلق لا یؤثر فیه شیء لا یتأثر عن شیء ولا یجعل قانون الشفاعه لعبه الشفیع حتى یجری فی حق بعض دون بعض.
الشبهه الرابعه:
إن الاعتقاد بالشفاعه وتأثیر دعاء الشفیع وطلبه فی رفع العقوبه یتناقص مع الأصل الذی أسسه القرآن حیث جعل مصیر کل أحد قید عمله ورهن سعیه حیث قال تعالى: (وإن لیس للإنسان إلا ما سعى)(۴۳)، وقال تعالى: (هل تجزون إلا بما کنتم تکسبون)(۴۴)، وقال أیضاً: (یوم تجد کل نفس ما عملت من خیرٍ محضراً)(۴۵).
فهذه الآیات تجعل الجزاء قید العمل والسعی وأنه نتیجه ذلک فکیف یجتمع هذا مع الشفاعه التی لیست لها واقعیه کواقعیه السعی والعمل بل هو موجب لفوز الإنسان ونجاته بسبب دعاء الغیر، ووجاهته ومکانته من دون سعی صادرٍ من المشفوع له.
والجواب عنها: إن الجواب یمکن بأحد وجهین:
۱- بالنقص فإن القرآن یصرح بأن دعاء الغیر سبب لمغفره الذنوب، قال تعالى فی حق حمله العرش: (الذین یحملون العرش ومن حوله یسبحون بحمد ربهم ویؤمنون به ویستغفرون للذین آمنوا ربنا وسعت کل شیء رحمه وعلماً فاغفر للذین تابوا واتبعوا سبیلک وقهم عذاب الجحیم)(۴۶)، وقال تعالى: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذین سبقونا بالإیمان)(۴۷).
فحینئذٍ لو کان ما ذکر فی الشبهه صحیحاً فکیف یکون دعاء حمله العرش موجباً للمغفره، ومثله الآیه الثانیه، فبملاحظه هاتین الآتین وما ورد من الحث والتأکید على دعاء المؤمن فی الفرائض والنوافل یتضح أن لآیات السعی مفاداً غیر ما ذکره فی الشبهه کما یأتی فی الوجه الثانی.
۲- بالحل فإن الشفاعه فی الحقیقه فرع للسعی الذی قام به المشفوع له وتعد من آثاره وتوابعه إذ لولا عمله وسعیه وجده واجتهاده فی الإیمان بالله تعالى وإقامه الفرائض والاجتناب عن المحرمات فی الجمله لما نالته شفاعه الأولیاء فالسعی هو المصحح للشفاعه والموجب لمغفرته بدعاء الشفیع.
الشبهه الخامسه:
إن طلب الشفاعه من الأولیاء والأولیاء شرک بالله تعالى أو محرم، وهذه الشبهه إنما هی من الوهابیه حیث ذهب ابن تیمیه، وهو خریج مدرسه محمد بن عبد الوهاب إلى أنه لا یجوز طلبها من غیره سبحانه لأن طلبها من غیره عباده له، أو لا أقل من أنه محرم.
یقول ابن تیمیه: لا یجوز للمؤمن إلا أن یقول: اللهم شفع نبینا محمداً فینا یوم القیامه، أو اللهم شفّع فینا عبادک الصالحین أو ملائکتک، أو نحو ذلک مما یطلب من الله لا منهم، فلا یقال: یا رسول الله أو یا ولی الله أسألک الشفاعه وطلب ذلک أقسام الشرک(۴۸).
ویمکن الاستدلال على جواز طلب الشفاعه بوجوه:
الأول: إن حقیقه الشفاعه لیست إلا دعاء النبی والولی فی حق المذنب وحینئذٍ فلا مانع من طلبها من الأنبیاء والصالحین لأن غایه هذا الطلب هو طلب الدعاء، ولا شک فی جواز طلب الدعاء من الغیر فحقیقه الشفاعه هی الدعاء ولأجل ذلک نرى أن العلامه نظام الدین النیسابوری صاحب (التفسیر الکبیر) ینقل فی تفسیره قوله تعالى:
(من یشفع شفاعه حسنه یکن له نصیب منها)(۴۹) عن مقاتل قوله: الشفاعه إلى الله إنما هی دعوه المسلم(۵۰).
وهذا دلیل واضح على أن الدعاء فی حق المؤمن شفاعه فی حقه وطلبه منه طلب الشفاعه، ویؤیده ما رواه مسلم فی (صحیحه) عن النبی (صلى الله علیه وآله): (ما من میت یصلى علیه أمه من المسلمین یبلغون مائه کلهم یشفعون له إلا شفعوا فیه)(۵۱).
وفسر الشارح قوله (صلى الله علیه وآله): (یشفعون له) أی یدعون له کما فسر قوله (صلى الله علیه وآله): (إلا شفعوا فیه) بقوله أی قبلت شفاعتهم فی حق ذلک المیت.
وعلى ذلک فلا وجه لمنع الإستشفاع من الصالحین إذا کان مآله إلى طلب الدعاء إذ طلب الدعاء من الصالحین لیس من الشرک.
الثانی: إن الأحادیث الإسلامیه وسیره المسلمین تکشفان عن جواز هذا الطلب، ووجوده فی زمن النبی (صلى الله علیه وآله)، فقد روى الترمذی فی (صحیحه) عن أنس قوله: (سألت أن یشفع لی یوم القیامه، فقال: أطلبنی أول ما تطلبنی على الصراط)(۵۲).
فإن السائل یطلب بصفاء ذهنه، وسلامه فطرته من النبی الأعظم الشفاعه من دون أن یخطر بباله أن فی ذلک الطلب نوع عباده النبی (صلى الله علیه وآله) کما یزعم الوهابیون.
وروى المفید عن ابن عباس أن أمیر المؤمنین (علیه السلام) لما غسل النبی (صلى الله علیه وآله) وکفنه کشف عن وجهه، وقال: (بأبی أنت وأمی طبت حیاً وطبت میتاً اذکرنا عند ربک)(۵۳).
روى أنه لما توفی النبی (صلى الله علیه وآله) أقبل أبو بکر فکشف عن وجهه، ثم أکب علیه فقبّله وقال: بأبی أنت وأمی طبت حیاً ومیتاً أذکرنا یا محمد عند ربک)(۵۴).
وهذا استشفاع من النبی (صلى الله علیه وآله) فی دار الدنیا بعد موته.
فإذاً.. هذه النصوص تدل على أن طلب الشفاعه من النبی (صلى الله علیه وآله) کان أمراً جائزاً ورائجاً.
الثالث: إنه قد عقد الکاتب محمد نسیب الرفاعی مؤسس الدعوه السلفیه والمدافع القوی عن الوهابیه باباً تحت عنوان: (توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخیه المؤمن له)، واستدل بالقرآن والسنه الصحیحه.
فإذا کان ذلک جائزاً فلم لا یجوز طلب الشفاعه من النبی وآله بعد کون الجمیع مصداقاً لطلب الدعاء.
وقد استدل القائلون بحرمه طلب الشفاعه بوجوه:
۱- إن طلب الشفاعه من الشفعاء عباده لهم وهی موجبه للشرک أی الشرک فی العباده، فإنک إذا قلت: یا محمد اشفع لنا عند الله فقد عبدته بدعائک، والدعاء مخُّ العباده، فیجب علیک أن تقول: اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعه محمد (صلى الله علیه وآله).
والجواب عن هذا الاستدلال واضح کل الوضوح بعد الوقوف على ما هو معنى العباده، فإن العباده لیست مطلق الدعاء ولا مطلق الخضوع ولا مطلق طلب الحاجه بل حقیقه العباده عباره عن الدعاء أو الخضوع أمام من یعتقد بألوهیته وروبیته وأنه الفاعل المختار والمتصرف بلا منازع فی الکون.
وبعباره أخرى: العباده هی الخضوع عن اعتقاد بألوهیه المسؤول وربوبیته واستقلاله فی ذاته، وعلى ذلک فطلب الشفاعه إنما تعد عباده للشفیع إذا کان مقروناً بالاعتقاد بألوهیته وربوبیته وأنه مالک لمقام الشفاعه، وأما إذا کان الطلب مقروناً باعتقاد أنه عبد من عباد الله الصالحین یتصرف بإذنه سبحانه للشافعه وارتضاء للمشفوع له فلا یعد عباده للشفیع.
۲- إن طلب الشفاعه یشبه عمل عبده الأصنام فی طلبهم الشفاعه من آلهتهم الباطله قد حکى القرآن ذاک العمل منهم حیث قال سبحانه: (ویعبدون من دون الله ما لا یضرهم ولا ینفعهم ویقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(۵۵) وعلى هذا فالأستشفاع من غیره تعالى عباده لهذا الغیر.
والجواب عن هذا بینٌّ أیضا، فإنک إذا أمعنت النظر فی مفاد الآیه لا تجد فیها أیه دلاله على أن شرکهم کان لأجل الإستشفاع بالأصنام وکان هذا هو المحقق لشرکهم وجعلهم فی عداد المشرکین، وتوضیح ذلک أن المشرکین کانوا یقومون بعملین (العباده) ویدل علیه قوله تعالى: (ویعبدون) و(طلب الشفاعه) ویدل علیه قوله تعالى: (ویقولون هؤلاء شفاؤنا)(۵۶) وکان عله اتصافهم بالشرک هو الأول لا الثانی، ولو کان الإستشفاع بالأصنام عباده لها فی الحقیقه لما کان هناک مبرر للإتیان بجمله أعنی قوله (ویقولون هؤلاء شفعاؤنا)(۵۷) بعد قوله: (ویعبدون) إذ لا فائده لهذا التکرار.
إذن لا دلاله للآیه على أن الإستشفاع بالأصنام کان عباده فضلاً عن کون الإستشفاع بالأولیاء المقربین عباده لهم. ثم ثبت بأدله أخرى لا من الآیه بأن طلب الإستشفاع بالأصنام یعد عباده لهم، وذلک عندما نقول من أن المشرکین کانوا یعتقدون بألوهیتها وبروبیتها.
۳- طلب الحاجه من غیره سبحانه حرام فإن ذلک دعاء لغیر الله وهو حرام قال تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً)(۵۸)، وإذا کانت الشفاعه ثابته لأولیائه وکان طلب الحاجه من غیره حراما فالجمع بین الأمرین بانحصار جواز طلبها عن الله تعالى خاصه. ویوضح ذلک قوله تعالى: ( وقال ربکم ادعونی استجب لکم إن الذین یستکبرون عن عبادتی سیدخلون جهنم داخرین)(۵۹).
فقد عبر عن العباده فی الآیه بلفظ الدعوه فی صدرها وبلفظ العباده فی ذیلها، وهذا یکشف عن وحده التعبیرین فی المعنى فالدعاء عباده فکما أن عباده غیر الله حرام فکذلک طلب الحاجه عن غیره تعالى حرام.
والجواب عن هذا الاستدلال یمکن بوجوه:
۱- إن المراد من الدعاء فی قوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحدا)(۶۰)لیس مطلق دعوه الغیر بل الدعوه الخاصه المترادفه للعباده ویدل علیه قوله تعالى فی نفس هذه الآیه: (وأن المساجد لله)(۶۱)، وعلى ذلک فیکون المراد من النهی عن دعوه الغیر هو الدعوه الخاصه المقترنه بالاعتقاد بکون المدعو اختیار تام فی التصرف فی الکون. فإذا کان طلب الشفاعه مقترناً بهذه العقیده یعد عباده وإلا فیکون طلب الشفاعه کسائر الطلبات من غیره تعالى الذی لا یشک أحد فی عدم کونها عباده.
۲- إن المنهی عنده هو دعوه الغیر بجعله فی رتبته تعالى کما یفصح عنه قوله: (مع الله) وعلى ذلک فالمنهی هو دعوه الغیر وجعله مع الله لا ما إذا دعا الغیر معتقداً بأنه عبد من عباده لا یملک لنفسه ولا غیره ضراً ولا نفعاً.
۳- إن الدعاء لیس مرادفاً للعباده وما ورد فی الآیه والحدیث من تفسیر الدعاء بالعباده لا یدل على الترادف لأن المراد بالدعاء المرادف للعباده فیها هو قسم خاص منه هو الدعاء المقترن باعتقاد الألوهیه والربوبیه فی الدعوه.
۴- إن الشفاعه حق مختص بالله سبحانه لا یملکه غیره فطلبها من غیر مالکها أمر غیر صحیح قال تعالى: (قل لله الشفاعه جمیعاً)(۶۲).
والجواب: إن المراد من قوله تعالى: (قل لله الشفاعه جمیعاًً) لیس أنه تعالى هو الشفیع دون غیره، بل المراد أن المالک لمقام الشفاعه هو الله تعالى وأنه لا یشفع أحد فی حق أحد إلا بإذنه للشفیع وارتضاءه للمشفوع له، ولکن هذا المقام ثابت لله تعالى بالإصاله والاستقلال ولغیره بالاکتساب والإجازه.
۵- إن طلب الشفاعه من المیت أمرٌ باطل فجعل الوهابیون طلب الشفاعه من الأنبیاء والصالحین أمراً لغواً لأنهم أموات غیر أحیاء لا یسمعون ولا یعقلون وهذا الاستدلال باطل من وجوه:
الأول: أن البراهین الفلسفیه قد أثبتت تجرد النفس وبقاءها بعد مفارقه الروح عن البدن فلیس المیت ممن لا یسمع ولا یعقل.
الثانی: أن الآیات صریحه فی أن المقتولین فی سبیل الله أحیاء یرزقون حیث قال تعالى: (ولا تحسبن الذین قتلوا فی سبیل الله أمواتاً بل أحیاءٌ عند ربهم یرزقون)(۶۳).
وهل یجد الوهابی مبرراً لتأویل الآیه مع هذه الصراحه حیث أخبرت الآیه عن حیاتهم ورزقهم عند ربهم، وعلى ذلک فلو کان الشفیع أحد الشهداء فی سبیل الله فهل یکون هذا الطلب لغواً؟!
الثالث: أن القرآن یعد النبی (صلى الله علیه وآله) شهیداً على الأمم جمعاء، ویقول سبحانه: (فکیف إذا جئنا من کل أمه بشهید وجئنا بک على هؤلاء شهیداً)(۶۴)، فهذه الآیه صریحه بأن النبی (صلى الله علیه وآله) شاهد على الشهود الذین یشهدون على أممهم فإذا کان النبی (صلى الله علیه وآله) شاهداُ على الأمم جمعاء أو على شهودهم فهل تعقل الشهاده بدون الحیاه وبدون الإطلاع على ما تجری فیهم من الأمور من الکفر والإیمان والطاعه والعصیان فیکون طلب الشفاعه من النبی الأکرم الذی هو حیٌ بنص القرآن أمراً صحیحاً معقولاً، وهناک آیات تدل على امتداد الحیاه إلى ما بعد الموت ترکنا ذکرها رعایهً للاختصار.
الرابع: أن القرآن یصرح بوضوح أن الموتى لا یسمعون ولا یبصرون فیکف یشفعون؟! قال تعالى: (إنک لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرین)(۶۵)، وقال تعالى: (إن الله یسمع من یشاء وما أنت بمسمع من فی القبور)(۶۶)، ومفاد الآیتین أن الأموات مطلقاً غیر قابلین للإفهام.
والجواب: أن مفاد الآیتین هو نفی السماع والإفهام عن الأموات المدفونین فی القبور، فإنهم أصبحوا بعد الموت کالجماد لا یفهمون ولا یسمعون، وهذا غیر القول بأن الأرواح المفارقه عن هذه الأبدان غیر قابله للإفهام ولا للإسماع والآیتان تدلان على عدم إمکان إسماع الأموات والمدفونین فی القبور، ولا تدلان على عدم إمکان تفهیم الأرواح المفارقه عن الأبدان العائشه فی البرزخ عند ربهم، ومن المعلوم أن خطاب الزائر النبی (صلى الله علیه وآله) بقوله: یا محمد اشفع لنا عند الله لا یشیر إلى جسده المطهر، بل إلى روحه الزکیه الحیه العائشه عند ربها.
ومما ذکرنا یظهر التمییز بین الشفاعه المقبوله والشفاعه المرفوضه، فالشفاعه المقبوله هی الشفاعه التی تکون مستجمعه لما یعتبر فی قبولها بأن یکون الشفیع ممن أذن له فی الشفاعه کالأنبیاء والأولیاء والأئمه المعصومین والمشفوع له ممن ارتضى فی حقه الشفاعه بأن یکون قابلاً للشفاعه، ثم الشفاعه ثابته فی الشریعه الإسلامیه بإجماع المسلمین فاتهام الشیعه الإمامیه لأجل قولهم واعتقادهم لیس إلا تضلیلاً إعلامیاً ضدهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
۱- الرسائل العملیه التسع: ص ۱۱۰ – ۱۱۴٫
۲- الکافی: ۲/۲۳۸٫
۳- سوره البقره: الآیه ۴۸٫
۴- سوره البقره: الآیه ۲۵۴٫
۵- سوره البقره: الآیه ۲۵۴٫
۶- سوره یوسف: الآیه ۹۷٫
۷- سوره یوسف: الآیه ۹۸٫
۸- سوره النساء: الآیه ۶۴٫
۹- سوره التحریم: الآیه ۸٫
۱۰- سوره الهود: الآیه ۹۰٫
۱۱- سوره النساء: الآیه ۴۸٫
۱۲- سنن ابن ماجه: ۲/۱۴۴، وکتاب الزهد: حدیث رقم: ۴۳۱۰، ومسند أحمد: ۳/۲۱۳، وسنن ابن داود: ۲/۵۳۷، وسنن الترمذی: ۴/۴۵، وکنز العمال:۱۴/ح ۳۹۰۵۵٫
۱۳- صحیح مسلم: ۱/۱۲۲، وصحیح البخاری: ۸/۱۴۳٫
۱۴- من لا یحضره الفقیه: ۳/۳۷۶٫
۱۵- سوره البقره: الآیه ۲۵۵٫
۱۶- سوره الأنبیاء: الآیه ۲۸٫
۱۷- سوره الأنبیاء: الآیه ۴۸٫
۱۸- سوره الرعد: الآیه ۶٫
۱۹- سوره زمر: الآیه ۵۳٫
۲۰- سوره غافر: الآیه ۷٫
۲۱- سوره الأنعام: الآیه ۱۴۷٫
۲۲- سوره النجم: الآیه ۳۲٫
۲۳- سوره النساء: الآیه ۴۸٫
۲۴- سوره الروم: الآیه ۳۰٫
۲۵- التاج الجامع للأصول: ۴/۱۸۰، وتفسیر البرهان: ۳/۲۱۶_الحدیث:۵٫
۲۶- أوائل المقالات: ص۱۵٫
۲۷- التبیان: للشیخ الطوسی ۱/۲۱۳-۲۱۴٫
۲۸- شرح صحیح مسلم: ۲/۵۸٫
۲۹- العقائد النسفیه: ص۱۴۸٫
۳۰- الانتصاف بهامش الکشاف: ۱/۲۱۴٫
۳۱- سوره الإسراء: الآیه ۷۹٫
۳۲- إرشاد الطالبین: ص۲۰۶٫
۳۳- سوره طه: الآیه ۱۰۹٫
۳۴- شرح العقائد العضدیه: ۲/۲۷۰٫
۳۵- سوره النساء: الآیه ۴۸٫
۳۶- سوره الرعد: الآیه ۶٫
۳۷- سوره النساء: الآیه ۳۱٫
۳۸- سوره التحریم: الآیه ۸٫
۳۹- سوره یونس: الآیه ۱۸٫
۴۰- سوره یونس: الآیه ۱۸٫
۴۱- سوره الزمر: الآیه ۳٫
۴۲- سوره الزمر: الآیه ۳٫
۴۳- سوره النجم: الآیه ۳۹٫
۴۴- سوره یونس: الآیه ۵۲٫
۴۵- سوره آل عمران: الآیه ۳۰٫
۴۶- سوره غافر: الآیه ۷٫
۴۷- سوره الحشر: الآیه ۱۰٫
۴۸- لهدیه السنیه: ص ۴۲٫
۴۹- سوره النساء: الآیه ۸۵٫
۵۰- تفسیر النیسابوری: ج۱، والمطبوع غیر مرقم.
۵۱- صحیح مسلم: ج ۳ / ص۵۳، طبعه مصر، مکتبه محمد علی صبیح وأولاده.
۵۲- صحیح الترمذی: ج۴/ص۶۲۱، الباب ۹، کتاب صفه القیامه.
۵۳- مجالس المفید: ص۱۰۳، المجلس الثانی عشر.
۵۴- کشف الارتیاب: ص۲۶۵٫
۵۵- سوره یونس: الآیه ۱۸٫
۵۶- سوره یونس : الآیه ۱۸٫
۵۷- سوره یونس الآیه ۱۸٫
۵۸- سوره الجن: الآیه ۱۸٫
۵۹- سوره غافر : (الآیه : ۶۰)
۶۰- سوره الجن : (الآیه :۱۸).
۶۱- سوره الجن: الآیه ۱۸٫
۶۲- سوره الزمر: الآیه ۴۴٫
۶۳- سوره آل عمران: الآیه ۱۶۹٫
۶۴- سوره النساء: الآیه ۴۱٫
۶۵- سوره النمل: الآیه ۸۰٫
۶۶- سوره فاطر: الآیه ۲۲٫