بیعه الإمام الرضا (علیه السلام) بولایه العهد

0

وقد کان فی تصوّر المأمون أنّ المَخرج من الأزمه السیاسیه التی أحاطت به هو مخاطبه الإمام(علیه السلام) بقبول ولایه العهد والمشارکه فی إداره شؤون الدوله؛ لکی یستطیع المأمون من ضَمِّ قوى المعارضه وجمع جناحی القوّه العلویه والعبّاسیه بیده.
عرض المأمون ولایه العهد على الإمام الرضا(علیه السلام)
عن أبی الصلت الهروی قال: إنّ المأمون قال للرضا(علیه السلام): یابن رسول الله، قد عرفت فضلک وعلمک وزهدک وورعک وعبادتک، وأراک أحقّ بالخلافه منّی.
فقال الرضا(علیه السلام): «بالعبودیه لله عزّ وجلّ افتخر، وبالزهد فی الدنیا أرجو النجاه من شرّ الدنیا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع فی الدنیا أرجو الرفعه عند الله عزّ وجلّ».
فقال له المأمون: إنّی قد رأیت أن أعزل نفسی عن الخلافه وأجعلها لک وأبایعک.
فقال له الرضا(علیه السلام): «إن کانت الخلافه لک وجعلها الله لک، فلا یجوز أن تخلع لباساً ألبسک الله وتجعله لغیرک، وإن کانت الخلافه لیست لک، فلا یجوز لک أن تجعل لی ما لیس لک».
فقال له المأمون: یابن رسول الله، لابدّ لک من قبول هذا الأمر، فقال: «لست أفعل ذلک طائعاً أبداً». فما زال یجهد به أیّاماً حتّى یئس من قبوله.
فقال له: فإن لم تقبل الخلافه ولم تحب مبایعتی لک، فکن ولی عهدی لتکون لک الخلافه بعدی.
فقال الرضا(علیه السلام): «والله لقد حدّثنی أبی عن آبائه، عن أمیر المؤمنین، عن رسول الله(صلى الله علیه وآله): إنّی أخرج من الدنیا قبلک مقتولاً بالسمّ مظلوماً، تبکی علیّ ملائکه السماء وملائکه الأرض، وأُدفن فی أرض غربه إلى جنب هارون الرشید».
فبکى المأمون، ثمّ قال له: یابن رسول الله، ومن الذی یقتلک، أو یقدر على الإساءه إلیک وأنا حیّ؟
فقال الرضا(علیه السلام): «أما إنّی لو أشاء أن أقول من الذی یقتلنی لقلت».
فقال المأمون: یابن رسول الله، إنّما ترید بقولک هذا التخفیف عن نفسک ودفع هذا الأمر عنک لیقول الناس: إنّک زاهد فی الدنیا.
فقال الرضا(علیه السلام): «والله ما کذبت منذ خلقنی ربّی عزّ وجلّ، وما زهدت فی الدنیا للدنیا، وإنّی لأعلم ما ترید».
فقال المأمون: وما أُرید؟ قال: «لی الأمان على الصدق»؟ قال: لک الأمان.
قال: «ترید بذلک أن یقول الناس: إنّ علی بن موسى لم یزهد فی الدنیا، بل زهدت الدنیا فیه، ألا ترون کیف قبل ولایه العهد طمعاً فی الخلافه».
فغضب المأمون، ثمّ قال: إنّک تتلقانی أبداً بما أکرهه، وقد أمنت سطواتی، فبالله أقسم لأن قبلت ولایه العهد وإلّا أجبرتک على ذلک، فإن فعلت وإلّا ضربت عنقک.
فقال الرضا(علیه السلام): «قد نهانی الله عزّ وجلّ أن ألقی بیدی إلى التهلکه، فإن کان الأمر على هذا فافعل ما بدا لک، وأنا أقبل ذلک، على أنّی لا أولّی أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنّهً، وأکون فی الأمر من بعید مشیراً» فرضی منه بذلک، وجعله ولی عهده على کراهه منه(علیه السلام) لذلک(۱).
سبب قبول الإمام(علیه السلام) ولایه العهد
عن الریان بن الصلت قال: «دخلت على علی بن موسى الرضا(علیه السلام)، فقلت له: یابن رسول الله، إنّ الناس یقولون: إنّک قبلت ولایه العهد مع إظهارک الزهد فی الدنیا!
فقال(علیه السلام): "قد علم الله کراهتی لذلک، فلمّا خیّرت بین قبول ذلک وبین القتل، اخترت القبول على القتل، ویحهم أما علموا أنّ یوسف(علیه السلام) کان نبیّاً رسولاً، فلمّا دفعته الضروره إلى تولّی خزائن العزیز قال له: اجعلنی على خزائن الأرض إنّی حفیظ علیم، ودفعتنی الضروره إلى قبول ذلک على إکراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاک، على أنّی ما دخلت فی هذا الأمر إلّا دخول خارج منه، فإلى الله المشتکى وهو المستعان"»(2).
إعلان البیعه
کان إعلان البیعه للإمام الرضا(علیه السلام) بولایه العهد فی السادس من شهر رمضان ۲۰۱ﻫ.
کیفیه البیعه
جلس المأمون، ووضع للإمام الرضا(علیه السلام) وسادتین عظیمتین، وأجلس الرضا(علیه السلام) علیهما فی الخضره وعلیه عمامه وسیف، ثمّ أمر ابنه العباس أن یبایع له أوّل الناس، فرفع الرضا(علیه السلام) یده فتلقّى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم، فقال له المأمون: ابسط یدک للبیعه؟
فقال الإمام الرضا(علیه السلام): «إنّ رسول الله(صلى الله علیه وآله) هکذا کان یبایع»، فبایعه الناس ویده فوق أیدیهم(۳)، وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا یذکرون فضل الرضا(علیه السلام) وما کان من المأمون فی أمره.
خطبه الإمام الرضا(علیه السلام) یوم البیعه
قال المأمون للإمام الرضا(علیه السلام): اخطب الناس، وتکلّم فیهم، فحمد الله وأثنى علیه وقال: «إنّ لنا علیکم حقّاً برسول الله، ولکم علینا حقّاً به، فإذا أنتم أدّیتم إلینا ذلک وجب علینا الحقّ لکم»(4).
إخبار الإمام(علیه السلام) بعدم بقائه لزمان الخلافه
روی أنّ أحد خواصّ الإمام(علیه السلام) کان حاضراً مستبشراً فی الاحتفال الذی أقامه المأمون بمناسبه قبول الإمام(علیه السلام) بولایه العهد.
فنظر إلیه الإمام(علیه السلام) وأومأَ قائلاً: «أدنُ مِنِّی»، فلمّا دنا منه همس(علیه السلام) فی أُذنه قائلاً: «لا تشْغَل قلبَک بِهَذا الأمرِ، ولا تَسْتَبشِر لَهُ، فَإنّهُ شَیء لا یَتمُّ»(5).
التغیرات الحاصله بعد قبول ولایه العهد
لقد قام المأمون ببعض التغیرات، منها:
۱ـ أبدل لبس السواد الذی هو شعار للعبّاسیین بلبس الثیاب الخضر الذی هو شعار للعلویین.
۲ـ أمر بطبع اسم الإمام الرضا(علیه السلام) على الدراهم.
۳ـ أعلن عن عزمه على صرف مرتّب سنوی بهذه المناسبه السعیده.
أهداف المأمون من ذلک
کانت للمأمون عدّه أهداف من بیعته للإمام الرضا(علیه السلام) بولایه العهد، منها:
۱ـ الحصول على اعتراف من العلویّین، على شرعیه الخلافه العبّاسیه، بل لقد کان یرید أن یحصل من العلویین على اعتراف بأنّ الحکم حقّ للعبّاسیین فقط.
۲ـ الحصول على اعتراف ضمنی من الإمام(علیه السلام) بشرعیه تصرّفاته طیله فتره ولایه العهد، فیکون سکوت الإمام(علیه السلام) فی فتره ولایه العهد عن تصرّفات الهیئه الحاکمه دالاًّ على رضاه بها، ویعتبر إمضاء لها.
مدى جدّیه عرض الخلافه
عرض المأمون أوّلاً الخلافه على الإمام(علیه السلام) وألحّ علیه بقبولها، فلمّا یئس من قبوله الخلافه عرض علیه ولایه العهد، فامتنع(علیه السلام) أیضاً ولم یقبل إلّا بعد أن هدّده بالقتل، فهل کان المأمون جادّاً فی عرضه الخلافه على الإمام؟!
وإذا لم یکن المأمون جادّاً فی عرضه ذاک، فماذا ترى سوف یکون موقف المأمون لو أنّ الإمام(علیه السلام) قبل أن یتقلّد الخلافه؟
فی الحقیقه أنّ جمیع الشواهد والدلائل تدلّ على أنّ المأمون لم یکن جادّاً فی عرضه للخلافه، إذ کیف یمکن للمأمون أن یکون جادّاً وقد قتل من أجل الخلافه أخاه وأتباعه، بل وحتّى وزراءه هو وقوّاده وغیرهم.
وأهلک العباد وخرّب البلاد، فقد خرّب بغداد وأزال کلّ محاسنها من أجل الحصول على الخلافه، فکیف یتنازل عنها بهذه السهوله، بل ومع هذا الإلحاح والإصرار منه لرجلٍ غریب لیس له من القربى منه ما لأخیه، ولا من الثقه به ماله بقوّاده ووزرائه!.
وهل یمکن أن نصدّق أنّ کلّ ذلک ـ حتّى قتله أخاه ـ کان فی سبیل مصلحه الأُمّه ومن أجلها ولکی یفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافه وأحقّ بها من أخیه ومنه؟
وإذا کان قد نذر أن یولّیه الخلافه لو ظفر بأخیه الأمین ـ حسبما ورد فی بعض النصوص التاریخیهـ، فلماذا وکیف جاز له الاکتفاء بتولیته العهد؟!
وکیف استطاع إجباره على قبول ولایه العهد، ولم یستطع إجباره على قبول الخلافه؟ وهل یتّفق ذلک مع إرجاعه للإمام(علیه السلام) عن صلاه العید لمجرّد أنّه جاءه من ینذره بأنّ الخلافه سوف تکون فی خطر لو أنّ الإمام(علیه السلام) وصل إلى المصلى؟!
والنتیجه هی: إنّ المأمون لم یکن جادّاً فی عرضه للخلافه، وإنّما فقط کان جادّاً فی عرضه لولایه العهد.
ویبقى هنا سؤال: لو أنّ الإمام قبل عرض الخلافه، فماذا ترى سوف یکون موقف المأمون؟!
والجواب: إنّ المأمون کان قد أعدّ العدّه لأیّ احتمال من هذا النوع، وقد کان یعلم أنّه یستحیل على الإمام(علیه السلام) ـ خصوصاً فی تلک الظروف ـ أن یقبل عرض الخلافه من دون إعداد مسبق لها(۶).
ــــــــــــ
۱٫ الأمالی للصدوق: ۱۲۵٫
۲٫ المصدر السابق: ۱۳۰٫
۳٫ الإرشاد ۲/۲۶۱٫
۴٫ المصدر السابق ۲/۲۶۲٫
۵٫ المصدر السابق ۲/۲۶۳٫
۶٫ اُنظر: حیاه الإمام الرضا: ۲۸۶٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.