لم یدخلوا البیت، فکیف ضربوا الزهراء

0

والجواب :
 أولا : إن ما جرى على الزهراء من مصائب وبلایا ، لا یحتاج إلى دخول البیت ، فقد تعصر الزهراء بین الباب والحائط ، ثم یضربها المهاجمون دون أن یدخلوا البیت ، وهذا هو صریح النصوص التی تحدثت عن هذا الأمر . هذا إذا کان مراده بالدخول معناه المتبادر منه . ولو اعتذر عنه بأن مراده الهجوم ، فقول القائل . . . وددت أنی لم اکشف باب فاطمه . ثم النصوص الکثیره الداله على دخولهم إلى البیت یرد هذا القول ویدفعه .
 وثانیا : لماذا یقتصر هذا البعض على روایه عدم دخولهم البیت ، مع أنها لم تصرح بعدم الدخول ، بل اکتفت بالسکوت والاکتفاء بذکر جانب مما جرى . ولو سلمنا صراحه روایه ما بذلک ، فهی معارضه بالروایات الکثیره الأصح سندا ، والأکثر عددا ، التی تقول : إنهم قد دخلوا بیتها ، وانتهکوا حرمته وحرمتها
 وثالثا : إن ضرب الزهراء (علیها السلام) ، وإسقاط جنینها ، لیس أمرا عادیا ، بل هو حدث هائل ، لا یمکن أن یقبله منهم أی مسلم صادق الإیمان .
ولسوف یجهر بالاعتراض علیهم والتقریع لهم ، إذا لم یکن ثمه خوف من سیف أو سوط . فلیس من مصلحه الحکام ، ولا من مصلحه محبیهم أن یتناقل الناس هذه الواقعه ، ولا أن یعرفوا تفاصیلها ، فلم یکونوا یسمحون لأنفسهم ، ولا لغیرهم بنقلها وتداولها ، بل لقد رأینا البعض یعتبرون نقل هذه القضیه جریمه لها تبعاتها على ناقلها ، وننقل من شواهد ذلک الموارد التالیه :
 1 – لا تروه عنی : یقول ابن أبی الحدید المعتزلی : إنه قرأ على شیخه أبی جعفر النقیب قصه زینب حین روعها هبار بن الأسود ، فقال له أبو جعفر : " إن کان رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) أباح دم هبار ، لأنه روع زینب ، فألقت ذا بطنها ، فظاهر الحال أنه لو کان حیا لأباح دم من روع فاطمه حتى ألقت ذا بطنها . فقلت : أروی عنک ما یقوله قوم : إن فاطمه روعت ، فألقت المحسن ؟ ! فقال : لا تروه عنی ، ولا ترو عنی بطلانه ، فإنی متوقف فی هذا الموضع ، لتعارض الأخبار عندی فیه ( ۱ ) " .
فأبو جعفر النقیب یتراجع عن موقفه بسرعه عند توجیه المعتزلی هذا السؤال الحساس إلیه ، رغم أنه کان قد أطلق حکمه بصوره قاطعه فی أول الأمر . ولعل سبب تراجعه أنه رأى أن شیوع هذا الأمر عنه سوف یتسبب له بمشاکل هو فی غنی عنها .
 2 – أنا لا أقول ، بل علی (علیه السلام) ! ویشبه هذه الحادثه ، ما ذکروه فی مورد آخر یتمیز بحساسیته وخطورته أیضا ، من أن شیخا آخر للمعتزلی قد تراجع بنفس هذه الطریقه ، ومع المعتزلی نفسه أیضا ، لکی ینأى بنفسه عن مواجهه مشاکل لا یرید أن یواجهها .
فقد ذکر المعتزلی الشافعی : أن أستاذه ذکر له قول علی علیه السلام : أن عائشه هی التی أمرت أباها بالصلاه بالناس فی مرض النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) الذی توفی فیه ، قال : " فقلت له رحمه الله : أفتقول أنت : أن عائشه عینت أباها للصلاه ، ورسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) لم یعینه ؟ ! فقال : أما أنا فلا أقول ذلک ، ولکن علیا کان یقوله ، وتکلیفی غیر تکلیفه ، کان حاضرا ولم أکن حاضرا ، فأنا محجوج بالأخبار التی اتصلت بی ، وهی تتضمن تعیین النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) لأبی بکر فی الصلاه ، وهو محجوج بما کان قد علمه الخ . . " (2) .
 3 – سماع روایه " ضرب فاطمه " أسقطه ! وقالوا عن أحمد بن محمد بن محمد بن السری بن یحیى بن أبی دارم المحدث : " کان مستقیم الأمر عامه دهره ، ثم فی آخر أیامه کان أکثر ما یقرأ علیه المثالب ، حضرته ، ورجل یقرأ علیه : " أن عمر رفس فاطمه حتى أسقطت بمحسن " (3) . إذن ، فقراءه هذه القضیه علیه أخرجته عن جاده الاستقامه التی لازمها عامه دهره ، وصار ذلک سببا للطعن علیه ، وجرحه ، وبالتالی إسقاطه عن الاعتبار .
 4 – الطعن على النظام : إنهم یعتبرون روایه ما جرى على فاطمه من أهم الطعون على النظام الذی کان أحد أعاظم شیوخ المعتزله ، حتى إن الشهرستانی یقول عنه : " وزاد فی الفریه ، فقال : إن عمر ضرب بطن فاطمه یوم البیعه حتى ألقت الجنین من بطنها ، وکان یصیح : أحرقوا دارها بمن فیها ، وما کان فی الدار غیر علی ، وفاطمه ، والحسن ، والحسین (علیهم السلام) (۴) " .
وعد البغدادی قول النظام عن عمر : " أنه ضرب فاطمه ، ومنع میراث العتره " من ضلالاته .
۵ – تحریف کتاب المعارف : بل إنهم لأجل قضیه إسقاط المحسن ، نجدهم لا یتورعون عن تحریف الکتب أیضا ، فقد حرفوا کتاب " المعارف " لابن قتیبه حسبما ذکره لنا ابن شهرآشوب المتوفى سنه ۵۸۸ ه‍ ، حیث قال : " . .
وفی معارف القتیبی : أن محسنا فسد من زخم قنفذ العدوی (۵ ) " .
وقال الکنجی الشافعی المتوفى سنه ۶۸۵ ه‍ ، عن الشیخ المفید : " وزاد على الجمهور ، وقال : إن فاطمه (علیها السلام) أسقطت بعد النبی ذکرا ، کان سماه رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) محسنا ، وهذا شئ لم یوجد عند أحد من أهل النقل إلا عند ابن قتیبه " (6) .
ویظهر : أنه یقصد بذلک : نقل ابن قتیبه له فی کتاب المعارف ، لا فی الإمامه والسیاسه ، وذلک بقرینه کلام ابن شهرآشوب المتقدم . لکن الموجود فی کتاب " المعارف " لابن قتیبه المطبوع سنه ۱۳۵۳ ه‍ ص ۹۲ هو العباره التالیه : " وأما محسن بن علی فهلک ، وهو صغیر " .
وهکذا فی سائر الطبعات المتداوله الآن ، فلماذا هذا التحریف ، وهذه الخیانه للحقیقه وللتاریخ یا ترى ؟ !
روایه " قنفذ " تعارض إجماع " الشیخ " :
یقول البعض : " إن الشیخ الطوسی ینقل اتفاق الشیعه على عباره النظام من أن عمر ضرب بطن فاطمه حتى أسقطت ، فی الوقت الذی جاءت الروایه عن دلائل الإمامه وغیره أن قنفذا هو الذی قام به " . وهو بذلک یرید أن یقول : إن هذه المنقولات متناقضه فتسقط عن الاعتبار .
والجواب :
 أولا : إن الشیعه قد اتفقوا على الأول ، ولکنهم لم ینفوا إقدام قنفذ على هذا الأمر أیضا ، فروایه دلائل الإمامه وغیرها مما سیأتی شطر کبیر منه تثبت مشارکته فی هذا الفعل أیضا ، کما أن المغیره أیضا قد شارک فی ضرب الزهراء حتى أدماها ، کما سیأتی فی قسم النصوص والآثار ، فلا مانع من أن یشارک الجمیع فی أمر کهذا ، ویتسببون فی الاسقاط ، فیصح نسبته إلیهم جمیعا ، وإلى کل واحد منهم أیضا ، لتسببهم به . فهذه النسبه لا تعنی أن کل واحد منهم کان عله مستقله فی الاسقاط .
 ثانیا : لقد أوضحت النصوص کما سترى : أن الهجوم قد تکرر على بیت فاطمه (علیها السلام) ، کما أن مبایعات أبی بکر قد تکررت أیضا (۷) ، وقد حصلت إحدى هذه المرات وهی محاوله الإحراق ، فیما
کان أبو بکر جالسا على المنبر یبایع له ، ویرى ما یجری ولم ینکر ذلک ، ولم یغیره ، کما ورد فی أمالی المفید رحمه الله ، وحصول هجومات عدیده نجده فی العدید من الروایات بصوره صریحه حینا ، وهو مقتضى الجمع بین الروایات ، حیث تلاحظ خصوصیات الأشخاص والتصرفات التی میزت کل هجوم حینا آخر .
بل بعض الروایات تؤکد : أن أبا بکر نفسه کان یصدر الأوامر بالهجوم ، وقد سبق الهجوم تهدیدات بالاحراق ، وجمع للحطب . ثم أضرمت النار بصوره جزئیه ، ثم کسر الباب ، وضربت الصدیقه الطاهره ، من أکثر من شخص من المهاجمین ، وسقطت إلى الأرض ، ورفسها ذلک الرجل برجله أیضا . وکل ذلک سیأتی فی قسم النصوص الآتی إن شاء الله تعالى . . وبعض روایات إسقاط المحسن صحیحه السند . کما أن بعض الروایات المثبته للضرب وشبهه أیضا صحیحه . وقد أشار نفس المعترض إلى صحه روایه الطبری فی دلائل الإمامه .
والروایات بمجموعها متواتره عن أهل بیت العصمه ، فإذا ضم إلیها ما سواها من نصوص فإنها تفوق حد التواتر . مع أن ذکر غیر الشیعه لأمر کهذا یعتبر أمرا ملفتا ، بملاحظه أن ذلک الغیر یرغب فی تبرئه الفاعلین من ذلک کله .
وقد ورد هذا الأمر فی کلمات کثیر من أعلامهم ، کالجوینی ، والکنجی ، والمسعودی ، والنظام ، وأبی جعفر النقیب أستاذ المعتزلی ، وأحمد بن محمد بن السری وغیرهم ممن سنذکر کلماتهم فی الفصل المخصص لذلک إن شاء الله تعالى . وصرح بوجود هجومات عدیده ابن حمزه الزیدی ، وهو یجیب على اعتراض بعضهم بوجود تناقض بین الروایات . حیث إن واحده تقول : إن علیا قعد عن البیعه فی بیته ، وفر إلیه طلحه والزبیر ، ولم یخرجوا من البیت حتى جاء عمر ، وأراد إحراق البیت علیهم .
وأخرى تقول : إن أبا بکر خرج إلى المسجد یصلی ، فأمر أبو بکر خالد بن الولید بالصلاه إلى جنبه ، ثم قتله حینما ینطق أبو بکر بالتسلیم فی صلاته . وثالثه تقول : إنه أتی بعلی ملببا ، فبایع مکرها . فأجابه ابن حمزه بقوله : " إن ذلک کان فی أوقات مختلفه ، ولیس بین ذلک تناقض ، ولا تدافع " . وذلک یعنی : أن محاوله إحراق البیت قد کانت فی وقت وفی هجوم ، مستقل عن الهجوم الذی تم فیه إخراج علی ملببا للبیعه . .
ــــــــــــــــــ
(۱) شرح نهج البلاغه للمعتزلی الشافعی : ج ۱۴ ص ۱۹۳ ، والبحار : ج ۲۸ ص ۳۲۳ ، وإثبات الهداه : ج ۲ ص ۳۶۰ و ۳۳۷ / ۳۳۸ . ( * ) 
(۲) شرح النهج للمعتزلی : ج ۹ ص ۱۹۸ . ( * ) 
(۳) میزان الاعتدال : ج ۱ ص ۱۳۹ ، ولسان المیزان : ج ۱ ص ۲۶۸ ، رقم ۸۲۴ ، وسیر أعلام النبلاء : ج ۱۵ ص ۵۷۸ . (۴) الملل والنحل : ج ۱ ص ۵۷ ، وستأتی إنشاء الله مصادر أخرى فی قسم النصوص . ( * ) 
 (5)مناقب آل أبی طالب : ج ۳ ص ۴۰۷ ( ط دار الأضواء ) ، والبحار ج ۴۳ ص ۲۳۳ . (۶) ایه الطالب : ص ۴۱۳ . ( * ) 
 (7)الشافی لابن حمزه : ج ۴ ص ۱۸۸ . ( * ) 

Leave A Reply

Your email address will not be published.