رذیله الریاء والتظاهر
أی أن من تظاهر فی صلاته وصومه واعطائه الخمس والزکاه وفی أعمال الخیر فقد أبطل عمله. وبالإضافه إلى بطلان العمل فان أیضاً من الذنوب الکبیره جداً. وقد اعتبر القرآن الشریف هذه المعصیه فی حد الکفر: قال تعالى: (یا أیها الذین آمنوا لا تبطلوا صدقاتکم بالمن والأذى کالذی ینفق ماله رئاء الناس ولا یؤمن بالله والیوم الآخر) [البقره، الآیه: ۲۶۴]. أی لا تبطلوا أعمالکم بالمنّ والأذى. فإذا أدیت خدمه إلى أحد فلا تمن علیه بذلک وتؤذیه، فإن مننت علیه وآذیته کان عملک أجوف. ثم یقول: کمثل الذی ینفق ماله فی سبیل الله ولکن ریاءً، فعمله هذا باطل، وبالإضافه إلى بطلان عمله یقول: (ولا یؤمن بالله والیوم الآخر). وذنب هذه العباده التی فیها الریاء مساوق الکفر. أولئک لا إیمان واقعی لهمویقول فی سوره الماعون: الذین لیس لهم إیمان واقعی على أربعه أصناف: الصنف الأول: هم الأشخاص الذین یستطیعون مساعده الفقراء والمساکین ولم یفعلوا ذلک. فهؤلاء لیسوا مسلمین واقعیین. الصنف الثانی: وهم الأشخاص الذین یصلون ولکن لا یعتنون بصلاتهم، مثل المرأه المحجبه ولکن تکون ردیئه الحجاب لا تعتنی بحجابها. وردئیه الحجاب إذا لم تکن أحیاناً أسوأ من السافره فهی لیست أقل منها. الصنف الثالث: وهم الأشخاص المراؤون، وهم الذین یتظاهرون فی أعمالهم، وهؤلاء مسلمون غیر واقعیین. الصنف الرابع: وهم الأشخاص الذین یستطیعون مساعده الآخرین، یستطیعون إقراض جیرانهم وإقراض الآخرین ولکنهم لا یفعلون. یستطیعون إعاره ملابسهم إلى جیرانهم ولکنهم لا یفعلون. وأخیراً یستطیع أن یقرض جاره أو صدیقه الشیء الذی یحتاجه ولکنه لا یفعل ذلک. یقول القرآن عن هؤلاء بأنهم مسلمون غیر واقعیین: (بسم الله الرحمن الرحیم * أرأیت الذی یکذب بالدین * فذلک الذی یدع الیتیم * ولا یحض على طعام المسکین * فویل للمصلین * الذین هم عن صلاتهم ساهون * الذین هم یراؤون * ویمنعون الماعون). المسلم لیس بالکلام، المسلم مسلم بعمله. إذا استطعت أن تقضی حوائج المسلمین ولم تفعل فهذه السوره وأمثالها تقول لک ان إسلامک ضعیف، وذهابک إلى الجنه أمر عسیر. ینقل المرحوم ثقه الإسلام الکلینی فی الکافی روایه عن الإمام الصادق (علیه السلام) تقصم ظهر الإنسان. یقول (علیه السلام): “أیما مؤمن منع مؤمناً شیئاً مما یحتاج إلیه وهو یقدر علیه من عنده أو من عنده غیره أقامه الله یوم القیامه مسوداً وجهه مزرقه عیناه مغلوله یداه إلى عنقه فیقال: هذا الخائن الذی خان الله ورسوله ثم یؤمر به إلى النار” [الکافی: ج۲ ص۳۶۷ ح۱]. وما هو محل بحثنا الآن هو أنه ربما یقضی أحدنا حوائج المسلمین ولکن یمن علیهم بذلک، فهذا العمل باطل، ویصیر عمله بلا محتوى. أحیاناً لا یمنّ علیهم ولکن یعمل ذلک من أجل أن یراه الناس، فیؤدی عمله ریاءً وتظاهراً، وحتى أنه لیشتری بیتاً لفقیر ولکنه حینما یجلس فی أی مکان تسمعه یقول أنا الذی اشتریت بیتاً لفلان، والخلاصه فهو ینجز هذه الأعمال لیقول له الناس “بارک الله فیک”. یأتی إلى المسجد ویصلی فی الصف الأول لیقول عنه الناس ما أکثر تدینه. وتکون قبلته فی الحقیقه هی الناس لا بیت الله. یصلی للناس لا لله. ویکون عمله أحیاناً کله من أجل الناس ولیس فی ذهنه شیء أصلاً اسمه الله، فهذا کفر. ویکون فی أحیان أخرى من أجل الله ومن أجل الناس معاً وهذا شرک. المرائی مشرک: ومن هنا نقرأ فی الروایات بأن المرائی یخاطب: “یا مشرک” لأن صلاته التی صلاها وصیامه وحجه وانفاقه وخیراته التی فعلها لم تکن لله فقط بل کانت للناس أیضاً. فالتظاهر والریاء شرک حقیقه. ماذا کان یقول عبده الأصنام؟ ألم یکن عبده الأصنام یعبدون الله ویعبدون الصنم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [یونس، الآیه: ۱۸]. وأما إذا لم یکن فی قلبه لله اسم ولا رسم، وامصیبتاه، فالقرآن یعتبر هذا الشخص على حافه الکفر. والشیء الذی یجب أن نلتفت إلیه هو أن الریاء ربما کان خفیاً جداً. أی أن الإنسان یمکن أن یقضی مده من عمره وهو یرائی ولکنه غافل عن أنه مرائی. ومن هنا فقد شبه الشرک فی بعض الروایات بالنمله السوداء التی تمشی فی لیله ظلماء على صخره سوداء؟ [بحار الأنوار: ج۶۹ ص۹۳]. فخر خفی إلى هذا الحد. ومن أدهى الأسالیب التی یتبعها الشیطان لیحتال بها على الناس هی الریاء والتظاهر. فربما یأتی الشیطان عن طریق المعصیه مثل الغیبه والتهمه والکذب: وربما یأتی عن طریق العباده، أی یوجد العجب فی قلب العابد، وبهذه الوسیله یجعله یسلک طرق جهنم. یقول الإمام الصادق (علیه السلام): دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صدیق والعابد فاسق، وذلک لأنه یدخل العابد المسجد مدلاً بعبادته یدل بها فتکون فکرته فی ذلک وتکون فکره الفاسق فی التندم على فسقه ویستغفر الله عز وجل مما صنع من الذنوب [الکافی: ج۲ ص۳۱۴ ح۶]. هذا زمام الشیطان وحبله. فیسجل هدفه على الإنسان من طریق الدین. وقد قال بنفسه لله سبحانه: (فبما أغویتنی لأقعدن لهم صراطک المستقیم * ثم لآتینهم من بین أیدیهم ومن خلفهم وعن أیمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أکثرهم شاکرین) [الأعراف: ۱۶ ـ ۱۷]. قال: إلهی الآن وقد صرت من الضالین لأجلسن على طرق الناس وعلى أیمانهم وأحرفهم عن طریق السعاده. اجعل الآخره فی نظرهم أمراً تافهاً. وآتیهم من طریق الدنیا وأشغلهم بها. آتیهم من طریق الذنوب أجرهم إلى جهنم بواسطه الذنوب. کما آتیهم من طریق العباده فاجعلهم من أهل جهنم بواسطه الریاء والتظاهر والعجب. الطریق الرابع هو الطریق الذی یعشقه الشیطان کثیراً. یجب علینا جمیعاً رجالاً ونساءً أن نحذر من الریاء والتظاهر وان لا نکون من ذوی الوجهین لا نطلق على أنفسنا ـ والعیاذ بالله ـ فجأه بواسطه اللحیه والمسبحه بأننا حزب الله، فهذا ریاء وتظاهر. فإذا کنت من حزب الله وإذا کنت ثوریاً فلیکن ظاهرک وباطنک شیئاً واحداً. ففی بعض النساء یکون حجابها جیداً فی الشارع ولکنها تبقى بلا حجاب أصلاً أمام أخی زوجها وعائلتها وعشیرتها. أو أنها تکون راقصه من الدرجه الأولى فی حفله عرس فی الوقت الذی یکون مکانها فی الصف الأول فی المسجد. هذا یسمى ریاء وتظاهر. ویسر الشیطان جداً أن یجر الناس إلى جهنم عن طریق العباءه واللحیه والمسبحه بدلاً من جرهم عن طریق اللاحجاب… الخ، ویسر أکثر بأن یجر الناس من أهل جهنم عن طریق الصلاه بدلاً من أن یجرهم عن طریق اللاصلاه. لا تجعلوا الناس غرضاً لکم فان هذا ذنب عظیم. وأما إذا جعلتهم هدفاً لک فلا تکن ملتویاً. فان الذنب سیکون أخطر وأعظم إذا جعلت الناس غرضاً لک عن طریق التظاهر بالتدین، عن طریق اللحیه والحجاب والثوریه. وهذا هو نفس ما یقول عنه القرآن. (فَوَیْلٌ لِلْمُصَلّینَ * الّذِینَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الّذِینَ هُمْ یُرَآءُونَ * وَیَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). الویل للمسلمین الذین یستخفون بصلاتهم، وویل لأهل الریاء. وکما قلت فان أغلب الناس لا یخلون من الریاء. ومن هذه الجهه فان أحداً لا یستطیع أن یدعی بأنه خالٍ من الریاء. الأمر محیر جداً. المرحوم العلامه بحر العلوم الذی کان من مراجع التقلید ومعلماً للأخلاق والعرفان والفقه، کتب کتاباً فی الأخلاق وبین الفقه بواسطه الشعر، وقد التقى مرات عدیده بالإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشریف. جاء یوماً إلى الدرس وهو مسرور جداً وقال: لقد استطعت ان أقلع جذور الریاء من قلبی. مما یدل على أن هذا الریاء والتظاهر شیء عام وخفی جداً. قصه البهلول: کان البهلول یعیش فی عصر هارون الرشید، وکان إنساناً عجیباً. قیل له تسنم مسؤولیه قاضی القضاه، فتظاهر بالجنون فراراً من القضاء. وکان یأمر الناس بالمعروف وینهاهم عن المنکر بأعماله. ولبهلول قصه حول الریاء. رأى یوماً رجلاً یبنی مسجداً، فکتب البهلول فی أعلى باب المسجد “مسجد بهلول” فلما رآه صاحب المسجد قال له: لماذا فعلت هذا؟ قال البهلول: إن کنت بنیت المسجد لله فلا یفرق حینئذٍ أن یکون المسجد باسمک أو باسم آخر. فقال صاحب المسجد: لقد جهدت حتى بنیت هذا المسجد وأخیراً یکون باسم غیری! ثم ذهب فمحا اسم بهلول وکتب اسمه. فقال البهلول: هذا یدل على أنه لم یبنِ المسجد لله. وکان الأئمه الطاهرون (علیهم السلام) وخصوصاً أمیر المؤمنین (علیه السلام) یذهبون فی اللیل إلى بیوت الفقراء ویعطونهم الصدقه. ولم یکن یعرف بذلک أحد. إلا بعد شهادتهم. وفی لیله العشرین من شهر رمضان عندما کان علیاً (علیه السلام) طریح الفراش علموا من کان یحمل الخبز والتمر إلى الفقراء. یقول الراوی: کنت أمشی فی المدینه أثناء اللیل وکان هناک رجل یمشی أمامی، فتعثر وسقط على الأرض وتبعثر ما کان یحمله، فتقدمت إلیه وإذا به الإمام الصادق (علیه السلام) وهو یجمع الخبز، فقلت له: اتسمح لی أن أحمل هذا الجراب عنک. فقال (علیه السلام): لا یجب أن أحمله بنفسی. ففهمت أنه کان یوزع هذا الخبز على بیوت الفقراء دون أن یعرفه أحد وقد کان جمیع الأئمه (علیهم السلام) کذلک. والخلاصه: أیها الرجال! وأیتها النساء! احذروا من وجود التظاهر والریاء فی حیاتکم. احذروا أن یجعلکم الریاء والتظاهر من أهل جهنم احذروا ان یجلب لکم التظاهر والریاء أکبر حسره فی یوم القیامه.