أبو ذر الغفاری وضمیر الأمه السیاسی
والمتأمل لأحوال المسلمین من ناحیه وأحوال العالم غیر الإسلامی من ناحیه أخرى یدرک بوضوح شدید أن العالم غیر الإسلامی الذی لم یعرف شیئا عن دیننا ولا ینوی أن یعرف شیئا یمتلک منظومه من القیم السیاسیه الدیمقراطیه التی لا نمتلک نحن شیئا منها بالرغم من انتسابنا لهذا الدین العظیم فأین الخلل إذا هل هو فی دیننا؟؟ معاذ الله أن یقول مسلم شیئا من هذا أم أن الخلل فی نظریتنا السیاسیه التی یتصور البعض أنها التمثیل الصحیح للدین أم أن هناک خلل ضمیری وأخلاقی لدى المتصدین للشأن السیاسی سواء کانوا من الحکام أم من المعارضین؟؟ أغلب الظن أن الخلل هو مزیج من العاملین الأخیرین خلل التصور السیاسی الذی یفترض نسبته للإسلام وخلل ضمیری تطبیقی توارثته الأجیال المتعاقبه وهو خلل إذا امتد لأصحاب المشرع الإسلامی المعاصر (وقد امتد بالفعل) فإنه سیکون کفیلا بوأد هذا المشروع قبل أو حتى بعد قیامه.
فما هو الضمان ألا یتحول النظام السیاسی (الإسلامی) الذی تبشرنا به هذه الحرکات إلى نظام أموی جدید وهم یدرسون لنا فی خطب الجمعه ودروس المساجد تاره أن القاتل والمقتول (الظالم والمظلوم) فی النار وتاره أخرى أن کلاهما مجتهد المصیب منهم له أجران والمخطئ منهم له أجر واحد وکأن الله عز وجل لم یقل: (فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ خَیْراً یَرَهُ وَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ شَرّاً یَرَهُ) (الزلزله:۷، ۸)
حیث استوى عند هؤلاء الصواب والخطأ والقاتل والمقتول والمعتدی والمعتدى علیه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ کَالْمُفْسِدِینَ فِی الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِینَ کَالْفُجَّارِ) (صّ:۲۸)
وهل یعقل أن یمارس خطباء المنابر الندابون کل هذا الخلط تجنبا لإدانه رموزهم التاریخیه ولو کانت هذه الرموز هی ابن أبی سفیان وبقیه سلاله القتله من بنی أمیه.
إن هذا الخلل المنهجی هو خلل سیاسی واجتماعی قاتل ومدمر لأی مجتمع یتبنى أو یعتنق مثل هذا الأسلوب فی التفکیر الذی هو تجسید نموذجی للازدواجیه الأخلاقیه المقیته التی یتوجع منها المسلمون الآن حینما تتعامل معهم القوى الکبرى من خلال الکیل بمکیالین فما هو الفارق بین أن یترضى (جورج بوش) على السفاح شارون ویعتبره رجل سلام وأن یترضى ذلک الصنف من خطباء المنابر على معاویه بن أبی سفیان ویصفون جرائمه فی حق الأبرار والأخیار من أبناء وقاده ورموز هذه الأمه بأنها نوع من الاجتهاد الذی یثاب صاحبه وإن أخطأ؟؟.
لیس هناک فارق شکلی ولکن الفارق الحقیقی لیس لصالح هؤلاء الخطباء ولا مستمعیهم أو المعجبین بهم الذین لا هم لهم إلا مط الشفاه إعجابا أو أسفا لأن شارون وبوش لا یزعمان الانتماء لهذا الرساله الخاتمه ولا أنهم خیر من فهم الإسلام وخیر من یقدمه ویدافع عنه لأنهم أعداء صرحاء للإسلام والمسلمین وهنا تکمن الفاجعه …. الفاجعه أن هذا النهج اللاأخلاقی المتلبس بالدین حینما یملأ الساحه بفجاجته فإنه یمهد للاستقرار والإقامه والبقاء بعکس النهج المعادی.
من هنا فمن المفید أن نسترجع بعض النماذج التاریخیه الأخلاقیه المضیئه لکی نعرف ونفهم أن التطبیق الدینی لا یمکن حصره فی إطار النصوص الدینیه المصمته بعیدا عن وجود الضمیر السیاسی الاجتماعی الفاعل وهو وحده الضمان لئلا یتحول المشروع الإسلامی المقبل إلى جسد بلا روح.
انتفاضه أبی ذر:
إنه أبو ذر ذلک الصحابی العظیم وهو عظیم بالرغم من أجهزه الإعلام الرسمیه لم تمنحه رخصه دخول الجنه ولم تدرج اسمه فی لائحه العظماء تلک اللائحه التی یکثر ذکرها فی خطب الجمعه ودروس الثلاثاء ذلک الرسالی الذی قضى نحبه ثابتا على نهج النبوه وهو الذی انتفض فی مواجهه التحول الأموی الکبیر الذی قام بعملیه تحریف وتشویه واسعه لملامح الدوله الإسلامیه التی أسسها رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) لقد قدم لنا ذلک الرسالی العظیم نموذجا بالغ الأهمیه فی التصرف وفقا لما یملیه المنهج لا ما تملیه المصالح واعتبارات التکتیک السیاسی تلک الإعتبارات التی تحکم فی کثیر من الأحیان اللاعبین على المسرح السیاسی أیا کان انتماؤهم.
فما هی قصه أبی ذر مع الدوله الأمویه الأولى؟؟.
یذکر ابن أبی الحدید شارح النهج تفاصیل القصه فیقول: (و اعلم أن الذی علیه أکثر أرباب السیره وعلماء الأخبار والنقل أن عثمان بن عفان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ثم استقدمه إلى المدینه المنوره لما شکى منه معاویه بن أبی سفیان ثم نفاه من المدینه إلى الربذه لما عمل بالمدینه نظیر ما کان یعمل بالشام وأصل هذه الواقعه أن عثمان لما أعطى مروان بن الحکم وغیره بیوت الأموال واختص زید بن ثابت بشئ منها جعل أبو ذر یقول فی الناس وفی الطرقات والشوارع بشر الکافرین بعذاب ألیم ویرفع صوته ویتلو قوله تعالى: (وَالَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّهَ وَلا یُنْفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِیمٍ)(التوبه: ۳۴) فرفع ذلک إلى عثمان مرارا وهو ساکت ثم أنه أرسل إلیه مولى من موالیه أن أنته عما بلغنی عنک فقال أبو ذر أینهانی عثمان عن قراءه کتاب الله وعیب من ترک أمر الله تعالى فوالله لأن أرضی الله بسخط عثمان أحب إلی وخیر لی من أسخط الله برضا عثمان فأغضب عثمان ذلک وأحفظه فتصابر وتماسک إلى أن قال عثمان یوما والناس حوله أیجوز للإمام أن یأخذ من المال شیئا قرضا فإذا أیسر قضى فقال کعب الأحبار لا بأس بذلک فقال أبو ذر یا ابن الیهودیین أتعلمنا دیننا فقال عثمان قد کثر أذاک لی وتولعک بأصحابی إلحق بالشام فأخرجه إلى الشام فکان أبو ذر ینکر على معاویه أشیاء یفعلها فبعث إلیه معاویه یوما ثلثمائه دینار فقا أبو ذر لرسوله (صلى الله علیه وآله وسلم): (إن کانت من عطائی الذی حرمتمونیه عامی هذا أقبلها وإن کانت صله فلا حاجه لی فیها وردها علیه).
ثم بنى معاویه قصرا أسماه الخضراء بدمشق فقال أبو ذر إن کانت هذه من مال الله فهی الخیانه وإن کانت من مالک فهی الإسراف و کان أبو ذر یقول بالشام والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها والله ما هی فی کتاب الله ولا سنه نبیه (صلى الله علیه وآله وسلم) والله إنی لأرى حقا یطفأ وباطلا یحیا وصادقا مکذبا وأثره بغیر تقى وصالحا مستأثرا علیه فقال حبیب بن مسلمه الفهری لمعاویه بن أبی سفیان: إن أبا ذر لمفسد علیکم الشام فتدارک أهله إن کان لک فیه حاجه) (۱).
عجیب أمر هذه الأمه کیف ینفى ذلک الآمر بالمعروف ویبعد من عاصمه الدوله الإسلامیه مره إلى دمشق ومره أخرى إلى صحراء الربذه لیهلک جوعا وعطشا ومرضا لمجرد أنه فعل ما تقاعس عن فعله القاده الکبار الذین حیکت بعد ذلک الأساطیر عن فضائلهم وعظم شأنهم ولا شک أن هذا المختصر الذی قدمه ابن أبی الحدید یکشف عن درجه عالیه من الوعی والفقه السیاسی الإسلامی الذی کان من المفید للأمه الإسلامیه کلها أن تحتفی به وتجعل منه نهجا سیاسیا یقودها إلى التقدم الذی هو القرین الأساسی للعداله السیاسیه والإجتماعیه بدلا من أن یمعن هؤلاء الخطباء فی محاولات التلفیق والإعتذار لیتسنى اعتبار الجمیع الظالم والمظلوم والقاتل والمقتول أصحاب اجتهاد یثابون علیه وربما مرشحون لنیل جائزه نوبل للسلام؟؟.
إن هذا النموذج الذی قدمه أبو ذر للمعارض السیاسی صاحب الفقه والجرأه والإقدام والتجرد من أطماع الدنیا هو الضامن الحقیقی لتطبیق الشریعه الإسلامیه تطبیقا حقیقیا یتخطى حدود الأمور الشکلیه التی تحرص بعض النظم الجائره على تزیین سیاساتها بها. فماذا لو اجتمع ذلک النهج الرقابی الداخلی الحریص على إقامه العدل مع النهج الحسینی الإستشهادی فی مواجهه الإستبداد السیاسی مع النهج العلوی الحضاری فی إطار أطروحه فکریه سیاسیه تتبناها الحرکات العامله لصالح الإسلام هل کان حالنا یبقى فی ذلک الإطار البائس الذی نحیاه ونستنقع فیه الآن؟؟.
کما روى ابن أبی الحدید عن أبی عثمان الجاحظ فی کتاب نقض السفیانیه عن جلام بن جندل الغفاری قال: (کنت غلاما لمعاویه بن أبی سفیان على قنسرین والعواصم فی خلافه عثمان بن عفان فجئت إلیه یوما أسأله عن عملی إذ سمعت صارخا على باب داره یقول أتتکم القطار بحمل النار اللهم العن الآمرین بالمعروف التارکین له اللهم العن الناهین عن المنکر المرتکبین له فغضب معاویه وتغیر لونه وقال یا جلام أتعرف من الصارخ فقلت لا قال من عذیری من جندب بن جناده یأتینا کل یوم فیصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم قال أدخلوه علی فجیء بأبی ذر بین قوم یقودونه حتى وقف بین یدیه فقال له معاویه یا عدو الله وعدو رسوله تأتینا کل یوم فتصنع ما تصنع أما إنی لو کنت قاتلا رجل من أصحاب محمد من غیر إذن أمیر المؤمنین عثمان لقتلتک ولکنی أستأذن فیک فقال أبو ذر (رضوان الله علیه) ما أنا بعدو لله ورسوله بل أنت وأبوک عدوان لله ورسوله أظهرتما الإسلام وأبطنتما الکفر ولقد لعنک رسول الله (صلى الله علیه وآله) ودعا علیک مرات أن لا تشبع سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول: (إذا ولی الأمه الأعین الواسع البلعوم الذی یأکل ولا یشبع فلتأخذ الأمه حذرها منه)، فقال معاویه ما أنا بذاک الرجل فقال أبو ذر بل أنت ذلک الرجل أخبرنی بذلک رسول الله (صلى الله علیه وآله) وسمعته یقول وقد مررت به: (اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب)، وسمعته (صلى الله علیه وآله) یقول: (إست معاویه فی النار) فضحک معاویه وأمر بحبسه وکتب إلى عثمان فیه فکتب عثمان إلى معاویه أن احمل جندبا على أغلظ مرکب وأوعره فوجه به من سار به باللیل والنهار وحمله على شارف لیس علیها إلا قتب حتى قدم به المدینه وقد سقط لحم فخذیه من الجهد وفی روایه الواقدی أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له لا أنعم الله بک عینا یا جنیدب فقال أبو ذر أنا جندب وسمانی رسول الله (صلى الله علیه وآله) عبد الله فاخترت اسم رسول الله (صلى الله علیه وآله) الذی سمانی به على اسمی فقال له عثمان أنت الذی تزعم أنا نقول ید الله مغلوله وإن الله فقیر ونحن أغنیاء فقال أبو ذر لو کنتم لا تقولون هذا لأنفقتم مال الله على عباده ولکنی أشهد أنی سمعت رسول الله (صلى الله علیه وآله) یقول إذا بلغ بنو العاص ثلاثین رجلا اتخذوا مال الله دولا وعباده خولا ودینه دخلا فقال عثمان لمن حضر أسمعتموها من رسول الله فقالوا لا قال عثمان ویلک أتکذب على رسول الله فقال أبو ذر لمن حضر أما تدرون أنی صدقت قالوا والله لا ندری فقال عثمان ادعوا لی علیا فلما جاء قال عثمان لأبی ذر اقصص علیه حدیثک فی بنی العاص فأعاده فقال عثمان لعلی أسمعت هذا من رسول الله (صلى الله علیه وآله) قال لا وقد صدق أبو ذر قال فکیف عرفت صدقه قال لأنی سمعت رسول الله ص یقول ما أظلت الخضراء ولا أقلت السماء من ذی لهجه أصدق من أبی ذر فقال من حضر أما هذا فسمعناه کلنا من رسول الله (صلى الله علیه وآله) فقال أبو ذر أحدثکم أنی سمعت من رسول الله (صلى الله علیه وآله) فتکذبوننی ما کنت أظن أنی أعیش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد (صلى الله علیه وآله) .
ثم ازداد انفعال عثمان بن عفان فقال لمن حوله أشیروا علی فی هذا الشیخ الکذاب إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرق جماعه المسلمین أو أنفیه عن أرض الإسلام فتکلم علی بن أبی طالب (علیه السلام) وکان حاضرا فقال أشیر علیک بما قال مؤمن آل فرعون : (فإن یک کاذبا فعلیه کذبه وإن یک صادقا یصبکم بعض الذی یعدکم إن الله لا یهدی من هو مسرف کذاب).
فأجابه عثمان بجواب غلیظ وأجابه علی (علیه السلام) بمثله (و لم نذکر الجوابین تذمما منهما هکذا قال ابن أبی الحدید) ثم ذکر الواقدی أن عثمان حظر على الناس أن یکلموا أبا ذر أو یقاعدوه فمکث کذلک أیاما ثم أتى به فوقف بین ید یه فقال أبو ذر ویحک یا عثمان أما رأیت رسول الله علیه وآله ورأیت أبا بکر وعمر هل هدیک کهدیهم أما إنک لتبطش بی بطش جبار فقال عثمان اخرج عنا من بلادنا فقال أبو ذر ما أبغض إلى جوارک فإلى أین أخرج قال حیث شئت قال أخرج إلى الشام أرض الجهاد قال إنما جلبتک من الشام لما قد أفسدتها أفأردک إلیها قال اخرج إلى العراق قال لا إنک تخرج إلیها تقدم على قوم أولی شقه وضغن على الأئمه والولاه قال فأخرج إلى مصر قال فأین أخرج قال اخرج إلى البادیه قال أبو ذر أصیر بعد الهجره أعرابیا قال نعم قال عثمان بل إلى الشرق الأبعد الأقصى امض على وجهک هذا فلا تعدون الربذه فخرج إلیها) (۲).
وبعدما أصدر (الخلیفه الثالث) قراره الجائر المنافی لکل القیم والمعاییر الإسلامیه بل والإنسانیه بطرد صحابی جلیل لم یرتکب جرما إلا أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنکر أصدر قرارا أشد جورا من القرار الأول بفرض الخضوع والخنوع والصمت على کل أمه لا إله إلا الله فلیس من حق أحد أن یودع ذلک العظیم المظلوم أو یکلمه وقد روى ابن أبی الحدید شارح النهج تفاصیل هذه الواقعه عن أبی بکر أحمد بن عبد العزیز الجوهری فی کتاب السقیفه عن عبد الرازق عن أبیه عن عکرمه عن ابن عباس قال:
لما أخرج أبو ذر إلى الربذه أمر عثمان فنودی فی الناس أن لا یکلم أحد أبا ذر ولا یشیعه وأمر – وزیره الأول- مروان بن الحکم أن یخرج به وتحاماه الناس إلا علی بن أبی طالب (علیه السلام) وعمارا فإنهم خرجوا معه یشیعونه فجعل الحسن (علیه السلام) یکلم أبا ذر فقال له مروان إیها یا حسن ألا تعلم أن أمیر المؤمنین قد نهى عن کلام هذا الرجل فإن کنت لا تعلم فاعلم ذلک فحمل علی (علیه السلام) على مروان فضرب بالسوط بین أذنی راحلته ووقف أبو ذر فودعه القوم ومعه ذکوان مولى أم هانئ بنت أبی طالب قال ذکوان فحفظت کلام القوم فقال علی (علیه السلام) لأبی ذر: (یا أبا ذر إنک غضبت لله فارج من غضبت له إن القوم خافوک على دنیاهم وخفتهم على دینک فاترک فی أیدیهم ما خافوک علیه واهرب منهم بما خفتهم علیه فما أحوجک إلى ما منعتهم وما أغناک عما منعوک وستعلم من الرابح غدا والأکثر حسدا ولو أن السموات والأرضین کانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا لا یؤنسنک إلا الحق ولا یوحشنک إلا الباطل فلو قبلت دنیاهم لأحبوک ولو قرضت منهم لأمنوک).
ثم قال لأصحابه ودعوا عمکم وقال لعقیل ودع أخاک فتکلم عقیل فقال:(ما عسى أن نقول یا أبا ذر وأنت تعلم أنا نحبک وأنت تحبنا فاتق الله فإن التقوى نجاه واصبر فإن الصبر کرم واعلم أن استثقالک الصبر من الجزع واستبطاؤک العافیه من الیأس فدع الیأس والجزع).
ثم تکلم الحسن بن علی (علیه السلام) فقال:(یا عماه لولا أنه لا ینبغی للمودع أن یسکت وللمشیع أن ینصرف لقصر الکلام وإن طال الأسف وقد أتى القوم إلیک ما ترى فضع عنک دنیا بتذکر فراغها وشده ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبیک (صلى الله علیه وآله) وهو عنک راض).
ثم تکلم الحسین بن علی (علیه السلام) فقال: (یا عماه إن الله تعالى قادر على أن یغیر ما قد ترى والله کل یوم هو فی شأن وقد منعک القوم دنیاهم ومنعتهم دینک فما أغناک عما منعوک وأحوجهم إلى ما منعتهم فاسأل الله الصبر والنصر واستعذ به من الجشع والجزع فإن الصبر من الدین والکرم وإن الجشع لا یقدم رزقا والجزع لا یؤخر أجلا).
ثم تکلم عمار مغضبا فقال:(لا آنس الله من أوحشک ولا آمن من أخافک أما والله لو أردت دنیاهم لأمنوک ولو رضیت أعمالهم لأحبوک وما منع الناس أن یقولوا بقولک إلا الرضا بالدنیا والجزع من الموت ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم علیه والملک لمن غلب فوهبوا له دینهم ومنحهم القوم دنیاهم فخسروا الدنیا والآخره ذلک هو الخسران المبین).
فبکى أبو ذر (رحمه الله) وکان شیخا کبیرا وقال:(رحمکم الله یا أهل بیت الرحمه إذا رأیتکم ذکرت بکم رسول الله (صلى الله علیه وآله) ما لی بالمدینه سکن ولا شجن غیرکم إنی ثقلت على عثمان بالحجاز کما ثقلت على معاویه بالشام وکره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرین فأفسد الناس علیهما فسیرنی إلى بلد لیس لی به ناصر ولا دافع إلا الله والله ما أرید إلا الله صاحبا وما أخشى مع الله وحشه).
ورجع القوم إلى المدینه فجاء علی (علیه السلام) إلى عثمان فقال له ما حملک على رد رسولی وتصغیر أمری فقال (علیه السلام) أما رسولک فأراد أن یرد وجهی فرددته وأما أمرک فلم أصغره قال أما بلغک نهیی عن کلام أبی ذر قال أو کلما أمرت بمعصیه أطعناک فیه قال أقد مروان من نفسک قال مماذا؟؟ قال من شتمه وجذب راحلته قال أما راحلته فراحلتی بها وأما شتمه إیای فوالله لا یشتمنی شتمه إلا شتمتک مثلها لا أکذب علیک فیها وقال لم لا یشتمک؟؟ کأنک خیر منه قال علی إی والله ومنک (۳).
انتهى ذلک السجال وذهب أبو ذر إلى المنفى الربذی یعانی الجوع والعطش والوحده والمرض ولا ندری کیف یمکن تبریر مثل هذا التصرف من الخلیفه الثالث وکیف طاوعه قلبه أن یفعل هذا بواحد من خیره أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله) کل جریمته أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنکر وقام فی وجه سنن ظالمه ونهب لثروات المسلمین ومخالفه واضحه لصحیح الدین الذی أمر بالعدل والإحسان وإیتاء ذی القربى والذی حذر أن یکون المال دوله بین الأغنیاء منکم فضلا عن مخالفه کل ذلک لسنه رسول الله ص الذی ساوى بین الناس فی العطاء ولم یفضل أحدا على أحد لسابقه فی دین ولأی اعتبارات قبلیه أو طبقیه أو عنصریه.
احتاج أبو ذر (رضوان الله علیه) أن یدلل على صدقه بذکر الحدیث النبوی: (ما أظلت السماء وأقلت الخضراء من ذی لهجه أصدق من أبی ذر) ولکن الدلیل الأکبر على صدقه هو تلک الوقفه النادره التی عز على الکثیرین غیره القیام بها.
لقد لخص أبو ذر محامی المسلمین المستضعفین الحاله التی آلت إلیها أوضاع الأمه بعد سنین قلیله من رحیل رسول الله (صلى الله علیه وآله) : (إنی لأرى حقا یطفأ وباطلا یحیی وصادقا مکذبا وأثره بغیر تقى وصالحا مستأثرا علیه).
إن الأمم الحیه لا تلقی بتجاربها فی سله المهملات ولا تتجاهل رموز الإصلاح والأبطال الحقیقیین بل تحرص على استخلاص العبر من تاریخهم مهما کانت مراره الحقیقه فالخیر کل الخیر فی استخلاص الدروس والعبر والعمل على تصحیح الأخطاء والأهم من هذا کله تقدیم صوره حقیقیه واقعیه لتجربه الأمه فی التطبیق الإسلامی تلافیا لتکرار الأخطاء وعملا على تحسین الأداء أما الذین یصرون على أن ماضینا کان أحلى من السکر وأشهى من العسل وأن کل ما هو مطلوب هو العوده إلى هذا الماضی من دون أن یقول لنا هؤلاء کیف نعود عندها یصبح الحدیث عن التطبیق الإسلامی مجرد خداع للنفس.
إن الأمه تحتاج من دون أدنى شک إلى تلک النماذج الرسالیه المضیئه التی یقدمها السائرون على نهج الحق مثل أبی ذر الغفاری (رضوان الله علیه) .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین.
______________
۱ـ شرح النهج ج۲ ص ۳۷۶٫
۲ـ شرح النهج ج۲ ۳۷۶-۳۷۷٫
۳ـ شرح النهج ج۲ ص ۳۷۴-۳۷۶٫
مجله الفرات