عداله الصحابه بین العاطفه والبرهان

0

ویأتی ما هو المقصود ضمن أُمور:
۱
مَن هو الصحابی؟
اختلفت کلمه جمهور أهل السنّه فی تعریف الصحابی مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حکم(عداله الصحابی) لم یُحدَّد موضوعه سعه وضیقاً عندهم.وإلیک نصوصهم فی هذا الشأن:
۱٫ قال سعید بن المسیب: الصحابی، ولا نعدّه إلاّ من أقام مع رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) سنه أو سنتین وغزا معه غزوه أو غزوتین.
۲٫ قال الواقدی: رأینا أهل العلم یقولون: کلّ من رأى رسول اللّه وقد أدرک فأسلم وعقل أمر الدین ورضیه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّه، ولو ساعه من نهار، ولکن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم فی الإسلام.
۳٫ قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّه کلّ من صحبه شهراً أو یوماً أو ساعه أو رآه.
۴٫ قال البخاری: من صحب رسول اللّه أو رآه من المسلمین فهو من أصحابه.
۵٫ وقال القاضی أبو بکر محمد بن الطیب: لا خلاف بین أهل اللغه فی أنّ الصحابی مشتق من الصحبه، قلیلاً کان أو کثیراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّه عرف، فإنّهم لا یستعملون هذه التسمیه إلاّ فیمن کثرت صحبته، و لا یجیزون ذلک إلاّ فیمن کثرت صحبته لا على من لقیه ساعه أو مشى معه خطى، أو سمع منه حدیثاً، فوجب ذلک أن لا یجری هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقه الأمین عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلاّ حدیثاً واحداً.
۶٫ وقال صاحب الغوالی: لا یطلق اسم الصحبه إلاّ على من صحبه ثمّ یکفی فی الاسم من حیث الوضع، الصحبهُ ولو ساعه ولکن العرف یخصُّصه بمن کثرت صحبته.
قال الجزری بعد ذکر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّه على ما شرطوه کثیرون، فإنّ رسول اللّه شهد حنیناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إلیه«هوازن» مسلمین فاستنقذوا حریمهم وأولادهم، وترک مکه مملوءه ناساً وکذلک المدینه أیضاً، وکلّ من اجتاز به من قبائل العرب کانوا مسلمین فهؤلاء کلّهم لهم صحبه، وقد شهد معه تبوک من الخلق الکثیر ما لا یحصیهم دیوان، وکذلک حجه الوداع، وکلّهم له صحبه.( [۱])
إنّ التوسع فی مفهوم الصحابی على الوجه الذی عرفته فی کلماتهم ممّا لا تساعد علیه اللغه والعرف العام، فإنّ صحابه الرجل عباره عن جماعه تکون لهم خلطهومعاشره معه مدّه مدیده، فلا تصدق على من لیس له حظ إلاّ الرؤیه من بعید، أو سماع الکلام أو المکالمه أو المحادثه فتره یسیره، أو الإقامه معه زمناً قلیلاً.
وأعجب منه کما تقدّم انّهم اتّفقوا على عداله کل صحابی مع أنّهم اختلفوا فی مفهوم الصحابی اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العداله رهن اتّفاقهم على تعریف محدد وجامع للمفهوم الصحابی.
۲
الصحبه
وملاکات الاختلاف
لا شکّ انّ للصحبه تأثیراً فی النفوس من غیر فرق بین کون المصاحَب مصاحَب سوء أو غیره، فلذلک نرى أنّ المجرم یوم القیامه یتمنّى عدم اتخاذ فلان صدیقاً، یقول سبحانه حاکیاً عنه: ( یا وَیْلَتى لَیْتَنی لَمْ أَتّخذ فُلاناً خَلیلاً ) ( [۲]) ، ویقول أیضاً حاکیاً عن الخلّه والصحبه: ( الأَخلاّءُ یَومئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدوٌّ إِلاّ الْمُتَّقین ) ( [۳]) ، فإذا کان لصحبه السوء تأثیر فی تکوین شخصیه الإنسان، فلصحبه الأخیار تأثیر فی النفوس القابله المستعده، فربما ترفعه إلى منزله عالیه، وهذا شیء یلمسه کلّ إنسان فی واقعه العملی.
لا شکّ انّ لصحبه الأخیار أثراً تربویاً، ولکن مدى تأثیرها یختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثه، هی:
۱٫ السن.
۲٫ الاستعداد.
۳٫ مقدار الصحبه.
أمّا الأوّل فلا شکّ انّ الإنسان الواقع فی إطار التربیه إذا کان إنساناً یافعاً أو شاباً فی عنفوان السن یکون قلبه وروحه کالأرض الخالیه تنبت ما أُلقی فیها، فربما تُکوّن الصحبهُ شخصیه کامله تعدّ مثلاً للفضل والفضیله، وهذا بخلاف ما إذا کان طاعناً فی السن، واکتملت شخصیّته الروحیه والفکریه، فانّ النفوذ فی النفوس المکتمله الشخصیه والتأثیر علیها والثوره على أفکارها وروحیاتها واتجاهاتها أمر صعب، فیکون تأثیر الصحبه أقل بمراتب من الطائفه الأُولى. وأمّا الثانی ـ أعنی: الاختلاف فی الاستعداد ـ فهو أمر لا یحتاج إلى البیان، فکما أنّ البشر یختلفون فی تقبّل العلم، فهکذا هم یختلفون فی مقدار قبول الهدایه الإلهیه، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسه الرسول یختلفون إیماناً وإیثاراً وأخلاقاً و سلوکاً .
وأمّا الثالث أی مقدار الصحبه فقد کانوا مختلفین فیه، فبعضهم صحب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) من بدء البعثه إلى لحظه الرحله، وبعضهم أسلم بعد البعثه وقبل الهجره، وکثیر منهم أسلموا بعد الهجره وربما أدرکوا من الصحبه سنه أو شهراً أو أیّاماً أو ساعه فهل یصحّ أن نقول: انّ صحبه ما، قلعت ما فی نفوسهم جمیعاً من جذور غیر صالحه وملکات ردیه، وکوّنت منهم شخصیات ممتازه أعلى وأجل من أن یقعوا فی إطار التعدیل والجرح.
وهذه العوامل تؤید الاتجاه الثانی القائل بأنّ تأثیر الصحبه فی صحابه الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) لم یکن على نحو یجعل الجمیع على حدّ سواء من الإیمان والفضل والتقوى والإیثار والزهد والخیر، ومادامت هذه الاختلافات سائده علیهم فمن البعید أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الکل بصاع معیّن، ونحکم على الکلّ بصفاء النفس، والتجافی عن زخارف الدنیا .
إنّ صحبه الصحابه لم تکن أشدّ ولا أقوى ولا أطول من صحبه امرأه نوح وامرأه لوط، فقد صحبتا زوجیهما الکریمین، ولبثتا معهما لیلاً ونهاراً ولکن هذه الصحبه ـ للأسف ـ ما أغنت عنهما من اللّه شیئاً، قال سبحانه:( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلّذِینَ کَفَرُوا امرأهَ نُوح وَامرأهَ لُوط کانَتا تَحْتَ عَبْدَیْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَیْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ یُغْنیا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَیئاً وَقِیلَ ادْخُلا النّار مَعَ الدّاخِلین ) .( [۴])
إنّ التشرّف بصحبه النبی لم یکن أکثر امتیازاً وتأثیراً من التشرّف بزوجیه النبی، وقد قال سبحانه فی شأنها : ( یا نِساءَ النَّبیّ مَنْ یَأْتِ مِنْکُنَّ بِفاحِشَه مُبَیّنه یُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَین وَکانَ ذلِکَ عَلى اللّهِ یَسیراً ) .( [۵]) وأنت ترى الکتاب العزیز یندّد بنساء النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) لأجل کشف سره ویعاتبهنّ فی ذلک.
یقول سبحانه: ( وَإِذ أسرّ النبیّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حدیثاً فَلَما نَبّأت بِهِ وَأَظهرهُ اللّه عَلیهِ عَرّف بعضه وَأعرض عَنْ بَعض فَلَما نبّأها به قالَتْ مَنْ أنْبأک هذا قال نبّأنی العَلیمُ الخبیرُ * إِنْ تَتُوبا إِلى اللّه فقَدْ صَغَتْ قُلُوبکُما وَإِن تَظاهرا علیه فَإِنّ اللّه هُوَ مَولاهُ وَجِبریلُ وَصالحُ المُؤْمنین والْمَلائکهُ بَعْد ذلک ظهیر * عسى ربُّهُ إِنْ طلَّقکنَّ أن یُبْدله أزواجاً خیراً منکنّ مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثیبات وأبکاراً ) .( [۶])
فأی عتاب أشدّ من قوله سبحانه: ( ان تَتُوبا إلى اللّه فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبکما ) أی مالت قلوبکما عن الحقّ، کما أنّ قوله: ( وإِنْ تَظاهرا علیه ) یعرب عن وجود أرضیه فیهن للتظاهر ضدّ النبیوخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنیتهنّ، لأنّ اللّه ناصر النبی وجبرئیل وصالح المؤمنین والملائکه.
کلّ ذلک ینبئ عن أنّ الصحبه لیست علّه تامه لتحویل المصاحب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّه، ناء عن اقتراف السیّئات حقیره کانت أو کبیره، بل هی مقتضیه لصلاح الإنسان إذا کان فیه قابلیه للاستضاءه، وعزم للاستفاضه.
ومعنى هذا انّ للصحبه تأثیراً متفاوتاً ولیست على وتیره واحده.
۳
الصحبه
ونفی البعد الإعجازی لها
إنّ دعوه الأنبیاء ـ لاسیّما دعوه رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ـ ابتنیت على أُسس رائجه فی میادین الدعوه، فکانوا یدعون بالقول والعمل والتبشیر والتنذیر، ومثل هذا النوع من الدعوه یؤثر فی طائفه دون طائفه ، کما أنّه عند التأثیر یختلف تأثیره عند من یلبّی دعوته، ولم تکن دعوته دعوه إعجازیه خارجه عن قوانین الطبیعه، فالرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) لم یقم بتربیه الناس وتعلیمهم عن طریق الإعجاز، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعیناً بالأسالیب التربویه المتاحه والإمکانیات المتوفره، والدعوه القائمه على هذا الأساس یختلف أثرها فی النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلیاتها ، ولم یکن تأثیر الصحبه فی تکوین الشخصیه الإسلامیه کماده کیمیاویه تستعمل فی تحویل عنصر کالنحاس إلى عنصر آخر کالذهب حتّى تصنع الصحبهُ الجیلَ الکبیر الذی یناهز مائه ألف، أُمّه عادله مثالیه تکون قدوه وأُسوه للأجیال المستقبله، فانّ هذا ممّا لا یقبله العقل السلیم.
فبالنظر إلى ما ذکرنا نخرج بالنتیجه التالیه:
إنّ الأُصول التربویه تقضی بأنّ بعض الصحابه یمکن أن یصل فی قوه الإیمان و رسوخ العقیده إلى درجات عالیه، کما یمکن أن یصل بعضهم فی الکمال والفضیله إلى درجات متوسطه، ومن الممکن أن لا یتأثر بعضهم بالصحبه وسائر العوامل المؤثره إلاّ شیئاً طفیفاً لایجعله فی صفوف العدول وزمره الصالحین.
ویقول بعض المعاصرین تحت عنوان: «هل للصحابی خصوصیه مسأله العداله»:
وأرى أنّ أوّل الخلل یکون عندما نتعامل مع الصحابه وکأنّهم جنس آخر غیر البشر، والقرآن الکریم والسنّه المطهره لا یوجد فیها أبداً هذا التفریق بین الصحابه وغیرهم إلاّ میزه الفضل للمهاجرین والأنصار الذین کانت لهم میزه الجهاد والإنفاق أیّام ضعف الإسلام وذلّه أهله، أمّا بقیه الأُمور کطروء النسیان والوهم والخطأ وارتکاب بعض الکبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقین ومن کثیر من اللاحقین.
ولم أجد دلیلاً مقنعاً صحیحاً صریحاً یفرق بین شروط العداله بین جیل وآخر، لا استثنی من ذلک صحابه ولا تابعین.( [۷])
وما ذکرناه هو نتیجه التحلیل على ضوء الأُصول النفسیه والتربویه غیر أنّ البحث لا یکتمل ولا یصحّ القضاء الباتّ إلاّ بالرجوع إلى القرآن الکریم حتّى نقف على نظره فیهم، کما تجب علینا النظره العابره إلى کلمات الرسول فی حقّهم ثمّ ملاحظه سلوکهم فی زمنه(صلى الله علیه وآله وسلم) وبعده. وسیوافیک بیانه فی الفصول المستقبله.
۴
الصحابه أبصر بحالهم من غیرهم
إنّ من سبر تاریخ الصحابه بعد رحیل رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، یجد فیه صفحات ملیئه بألوان الصراع والنزاع بینهم، حافله بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفک الدماء، فکم من بدری وأُحدی انتُهکت حرمته، وصُبّ علیه العذاب صبّاً، أو أُریق دمه بید صحابی آخر.
وهذا ممّا لا یختلف فیه اثنان، بید أنّ الذی ینبغی التنبیه علیه، هو أنّ کلاً من المتصارعین ، کان یعتقد أنّ خصمه متنکّبٌ عن جاده الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن کان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه یکشف عن أنّ کلاً من الفئتین المختلفتین لم تکن تعتقد بعداله الفئه الأُخرى.
فإذا کان الصحابی یعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشریعه اللّه ورسوله، وهو على أساس ذلک یبیح سلّ السیف علیه وقتله، فکیف یجوز لنا نحن أن نحکم بعدالتهم ونزاهتهم جمیعاً، وأن نضفی علیهم ثوب القدسیّه على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من کل زیغ وانحراف؟
أو لیس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحیّاته؟
أو لیس الصحابه أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسیات أبناء جیلهم؟
هذا وراء ما دار بینهم کلمات تکشف عن اعتقاد بعضهم فی حق بعض، فالاتّهام بالکذب والنفاق والشتم والسب کان من أیسر الأُمور المتداوله بینهم، فهذا هو سعد بن عباده سیّد الخزرج، یخاطب سعد بن معاذ، وهو سید الأوس وینسبه إلى الکذب کما حکاه البخاری فی صحیحه عن عائشه أنها قالت: فقام سعد بن عباده وهو سید الخزرج فقال لسعد ] بن مـعاذ [ کـذبت لعمـر اللّه… فقـام أُسیـد ابن حضیر وهو ابن عم سعد ] بن معاذ [ فقال لسعد بن عباده: کذبت لعمر اللّه لنقتلنّه فإنّک منافق تجادل عن المنافقین، فتثاور الحیّان حتّى همّوا أن یقتتلوا ورسول اللّه قائم على المنبر، فلم یزل رسول اللّه یخفِّضهم حتّى سکتوا وسکت.( [۸])
ولیست هذه القضیه فریده فی بابها فلها عشرات النظائر فی الصحاح والمسانید وفی غضون التاریخ. وإنّما ذکرته لیکون کنموذج لما لم أذکر، وسیوافیک فی الفصول التالیه نماذج من أفعالهم وأقوالهم التی یکشف عن اعتقادهم فی حقّ مخالفیهم.
أو لیس من العجب العجاب، انّ الصحابی یصف صحابیاً آخر ـ فی محضر النبی ـ بالکذب، والآخر یصف خصمه بالنفاق، وکلا الرجلین من جبهه الأنصار وسنامهم؟! ولکن الذین جاءوا بعدهم یصفونهم بالعدل والتقوى، والزهـد والتجافی عن الدنیا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.( [۹])
۵
ما هی الغایه من نقد
آراء الصحابه وأفعالهم؟
قد أثبتت البحوث السابقه انّ الصحابه من جنس البشر ولیسوا من جنس الملائکه المعصومین الذین ( لا یَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَیَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ ) ( [۱۰]) فهم کالتابعین وتابعی التابعین فی کلّ ما یجوز ومالا یجوز، فتحریم البحث عن حیاتهم ونقد آرائهم وأفعالهم، تخصیص بلا جهه.
وقد تذرّعوا فی تحریم نقدهم «بأنّ الصحابه هم المصدر لأخذ الدین والمسلمون متطفّلون على موائدهم حیث أخذوا عنهم دینهم، فنقد آرائهم وأفعالهم ینتهی إلى تقویض دعائم الدین» ولکن هذا التذرّع لا یثبت أمام الآیات الصریحه والأحادیث النبویه والتاریخ الصحیح الوارده فی نقد آراء الصحابه وأفعالهم.
أضف إلى ذلک: انّ المسلمین کما أخذوا دینهم عن الصحابه أخذوا عن التابعین أیضاً، فلو ثبت ما تذرّعوا به لسرى التحریم إلى التابعین أیضاً، وقد اتّفق المسلمون على خلافه فی مورد التابعین.
إنّ البحث حول الصحابه لا یؤول إلى انهیار الدین وتصدّع الشریعه، مادام یعیش بین ظهرانیهم علماء ربّانیّون هم أُسوه فی الحیاه، أُمناء على الدین والدنیا، فلا یضرّ جرح طائفه أو فئه خاصه بثبات الدین وقوامه.
ومع ذلک کلّه، نرى أنّ علماء الرجال وأصحاب الجرح والتعدیل یحذرون من نقد حیاه الصحابه أشدَّ الحذر ویعدّون ذلک من عمل المبتدعه، یقول الحافظ ابن حجر فی الفصل الثالث من «الإصابه»: اتّفق أهل السنّه على أنّ الجمیع عدول، ولم یخالف فی ذلک إلاّ شذوذ من المبتدعه، وقد ذکر الخطیب فی الکفایه فصلاً نفیساً فی ذلک، فقال: عداله الصحابه ثابته معلومه بتعدیل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم واختیاره لهم، ثمّ نقل عدّه آیات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جمیعاً، إلى أن قال: روى الخطیب بسنده إلى أبی زرعه الرازی قال: إذا رأیت الرجل ینتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زندیق، وذلک انّ الرسول حقّ والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلینا ذلک کلّه الصحابه، وهؤلاء یریدون أن یجرحوا شهودنا لیبطلوا الکتاب والسنّه، والجرح بهم أولى وهم زنادقه.( [۱۱])
أقول: إنّ نقد الصحابی عقیده وفعلاً لیس لغایه إبطال الکتاب والسنّه، ولا لإبطال شهود المسلمین، وإنّما الغایه من البحث فی عدالتهم هی الغایه ذاتها من البحث فی عداله غیرهم، فالغایه فی الجمیع هی التعرف على الصالحین والطالحین، حتّى یتسنّى لنا أخذ الدین عن الصلحاء واجتناب أخذه عن غیرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقیل، لما کان علیه لوم، فلو قال أبو زرعه مکان هذا القول:«إذا رأیت الرجل یتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغایه العلم بصدقه أو کذبه، أو خیره أو شرّه، حتّى یأخذ دینه عن الخیره الصادقین ویتحرز عن الآخرین، فاعلم أنّه من جمله المحقّقین فی الدین والمتحرین للحقیقه»، لکان أحسن وأولى، بل هو الحق والمتعیّن.
ومن غیر الصحیح أن یتهم العالم أحداً، یرید التثبّت فی أُمور الدین، والتحقیق فی مطالب الشریعه، بالزندقه وانّه یرید جرح شهود المسلمین لإبطال الکتاب والسنّه، وما شهود المسلمین إلاّ الآلاف المؤلّفه من أصحابه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فلا یضرّ بالکتاب والسنّه جرح لفیف منهم وتعدیل قسم منهم، ولیس الدین القیم قائماً بهذا الصنف من المجروحین«ما هکذا تورد یا سعد الإبل».
۶
هل الصحابه الکرام
فوق الأنبیاء؟
إنّ من سبر کتب الحدیث والتفسیر یجد انّ السلف الصالح ینسبون إلى الأنبیاء قصصاً خرافیه ویلهجون بأکاذیب شنیعه بلا اکتراث ولا تکذیب، ولکنّهم یتورّعون عن دراسه حیاه الصحابی ونقد أفعاله وآرائه وأقواله، وربما یتّهمون الناقل بالزندقه وإبطال شهود المسلمین، فما هذا التبعیض؟! فهل یحظى الصحابه بالتکریم أکثر ممّا یحظى به الأنبیاء؟! وهل هم فوق رجال السماء فی النزاهه وکرامه النفس؟! وإلیک بعض الأکاذیب الشنیعه التی ملئت بها کتب التفاسیر .
۱٫ أُکذوبه الغرانیق
قال ابن کثیر فی تفسیر قوله سبحانه: ( وما أَرسلنا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُول وَلا نَبیّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلقى الشَّیطان فی أُمْنِیّته فَینسخُ اللّهُ ما یُلقی الشَّیطانُ ثُمّ یُحکِمُ اللّهُ آیاتِه وَاللّه عَلیمٌ حَکیم * لِیَجْعَل ما یُلقی الشَّیطانُ فِتنَهً لِلّذینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِیَهِ قُلُوبُهُم وَإِنّ الظّالِمِین لَفی شِقاق بَعید * ولیعلَمَ الّذینَ أُوتُوا العِلمَ أَنّهُ الحَقُّ من رَبّک فَیُؤْمِنُوا بِهِ فَتخبِت لَهُ قُلوبهُم وَإِنّ اللّه لهاد الّذینَ آمنوا إِلى صراط مُستَقیم ) .( [۱۲])
قد ذکر کثیر من المفسّرین هاهنا قصه الغرانیق، وما کان من رجوع کثیر من المهاجره إلى أرض الحبشه ظناً منهم انّ مشرکی قریش قد أسلموا، ولکنّها من طرق کلّها مرسله، ولم أرها مسنده من وجه صحیح.
قال ابن أبی حاتم: حدّثنا یونس بن حبیب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبه، عن أبی بشر، عن سعید بن جبیر، قال:
قرأ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) بمکه النجم، فلمّـا بلغ هذا الموضع:( أفرأیتُم اللاّت والعُزّى * وَمَناه الثالثه الأُخرى ) ، قال: فألقى الشیطان على لسانه: تلک الغرانیق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذکر آلهتنا بخیر قبل الیوم، فسجد وسجدوا، فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآیه 🙁 وما أرسلنا من قبلک من رسول ولا نبیّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشیطان فی أُمنیته فینسخ اللّه ما یلقی الشیطان ثمّ یحکم اللّه آیاته واللّه علیم حکیم ) .( [۱۳])
لا یشکّ أی مسلم عارف بحقّ النبی الخاتم فی أنّ القصه مکذوبه، والأدلّه على نزاهه النبی عن هذه، کثیره، ویکفیک انّ سوره الحجّ مدنیه أمر فیها بالأذان بالحجّ وأذن فیها بالقتال وأمر فیها بالجهاد ولم یکن هذا الأمر وهذا الإذن إلاّ بعد الهجره بأعوام. وانّ الذی بین ذلک، و بین الوقت الذی یجعلونه لخرافه الغرانیق أکثر من عشره أعوام. ولو أغمضنا عن ذلک، إذ لا مانع من کون السوره مکیه وبعض آیاتها مدنیه، لکفى فی إبطالها ما أقمنا علیه فی محاضراتنا.( [۱۴])
والغرض الأسنى من ذکر هذه الأُکذوبه انّ القوم ینقلون هذه الأکاذیب الشنیعه المنسوبه إلى رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ولکنّهم یتورّعون عن دراسه حال الصحابی ونقد رأیه وفعله، فکأنّ الصحابه عندهم أرفع وأنزه من الأنبیاء المعصومین بنص الکتاب!!
وهذه القصه التی وردت فی کتب التفسیر لأهل السنّه صارت أساساً لکتاب «الآیات الشیطانیه» لسلمان رشدی المرتدّ حیث نشر کتابه هذا فی الملأ العام وأضاف إلى هذه القصه أضعافاً کثیره ممّا أوحى إلیه شیطانه. وقد حکم الإمام الخمینی رحمه اللّه بارتداده ووجوب قتله.
۲٫ اتّهام داود (علیه السلام) بقتل زوج أوریا و تزوّجها
إنّ نبی اللّه داود(علیه السلام) أحد الأنبیاء العظام الذی وصفه سبحانه بقوله: ( وَآتاهُ اللّه الْمُلک وَالحِکْمَه وعلّمه ممّا یَشاء ) ( [۱۵]) وقد بلغ من الکمال حدّاً، أن کانت الجبال تتجاوب معه فی التسبیح، یقول سبحانه: ( وَلَقَد آتَیْنا داود منّا فَضْلاً یا جِبالُ أوّبی مَعَهُ والطَّیر ) .( [۱۶])
کما سخّر له اللّه سبحانه الجبال والطیر، فقال: ( إِنّا سَخّرنا الجِبال مَعَهُ یُسَبِّحْنَ بِالْعَشِیّ وَالإشْراقِ * وَالطَّیْرَ مَحْشُورَهً کُلٌّ لَهُ أَوّابٌ ) .( [۱۷])
أفهل یتصوّر فی حق نبی بلغ من الکمال ما بلغ أن یعشق امرأه محصنه وهی أوریا، ثمّ یمهد الطریق لقتل زوجها لغایه التزوّج بها؟ ومع ذلک ملئت بهذه الخرافه، التفاسیر.
یروی المفسرون فی تفسیر قوله سبحانه: ( وَهَلْ أَتاکَ نَبأ الخَصم إِذ تسوّرُوا المحرابَ * إِذ دَخَلُوا عَلى داودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فَاحْکُمْ بَیْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنّ هذا أَخی لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَهً وَلیَ نَعْجَهٌ واحِدَهٌ فَقالَ أَکْفِلْنیهَا وَعَزَّنی فِی الخطاب * قالَ لَقَدْ ظَلَمَکَ بِسُؤالِ نَعْجَتِکَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ کَثیراً مِنَ الخُلَطاءِ لَیَبْغی بَعْضُهُمْ عَلى بَعْض إِلاَّ الَّذینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلیلٌ مَا همْ وَظَنَّ داوُدُ إنّّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راکِعاً وَأَنابَ ) .( [۱۸])
…جاءه الشیطان قد تمثل فی صوره حمامه حتّى وقع عند رجلیه، وهو قائم یصلّی، فمدّ یده لیأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتّى وقع فی کوّه، فذهب لیأخذها، فطار من الکوّه، فنظر أین یقع، فذهب فی أثره، فأبصر امرأه تغتسل على سطح لها، فرأى امرأه من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها التفاته فأبصرته، فالتَفّت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلک فیها رغبه، فسأل عنها، فأُخبر أنّ لها زوجاً غائباً بمسلحه کذا وکذا. فبعث إلى صاحب المسلحه یأمره أن یبعث إلى عدوّ کذا وکذا… فبعثه ففتح له أیضاً، فکتب إلى داود(علیه السلام) بذلک، فکتب إلیه أن ابعثه إلى عدوّ کذا وکذا… فبعثه فقتل فی المره الثالثه، وتزوّج امرأته.
فلمّا دخلت علیه لم یلبث إلاّ یسیراً حتّى بعث اللّه له ملکین فی صوره أُنسیّین، فطلبا أن یدخلا علیه، فتسوّرا علیه المحراب، فما شعر وهو یصلّی إذ هما بین یدیه جالسین، ففزع منهما فقالا: ( لا تَخَف ) إنّما نحن ( خَصْمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْض فاحْکُمْ بَیْنَنا بِالحَقِّ وَلا تُشْطِط ) یقول: لا تخف( واهدِنا إِلى سواءِ الصِّراط ) إلى عدل القضاء فقال: قُصّا علیَّ قصتکما، فقال أحدهما( إِنَّ هذا أَخی لَهُ تِسعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَهً وَلی نَعْجَهٌ واحِدَه ) قال الآخر: وأنا أُرید أن آخذها فأکمل بها نعاجی مائه، قال: وهو کاره، قال: إذاً لا ندعک وذاک، قال: یا أخی أنت على ذلک بقادر، قال: فإن ذهبت تروم ذلک ضربنا منک هذا وهذا. یعنی طرف الأنف والجبهه.
قال: یا داود أنت أحقّ أن یضرب منک هذا وهذا. حیث لک تسع وتسعون امرأه، ولم یکن لأُوریا إلاّ امرأه واحده، فلم تزل تعرضه للقتل حتّى قتلته. وتزوّجت امرأته، فنظر فلم یر شیئاً، فعرف ما قد وقع فیه، وما قد ابتلى به.( [۱۹])
ومعنى ذلک انّه کان لداود ۹۹ زوجه وأراد أن یتمّها بامرأه غیره وبذلک ظلم أخاه، فبعث اللّه ملکین یطرحان عمله بصوره أُخرى وانّ هناک أخوین لأحدهما ۹۹ نعجه وللآخر نعجه واحده فأراد صاحب النعاج الکثیره أن یتملّک النعجه الوحیده.
وهذه القصه الخرافیه وأمثالها تُنسب إلى الأنبیاء بلا اکتراث ومع ذلک لایرضون لأحد أن ینقد حیاه صحابی حتى یأخذ دینه من عین صافیه ومن رجال صلحاء، أعنی: الذین خامر الدین والإیمان أنفسهم وأرواحهم.
ما هکذا تورد یا سعدُ الابل.
۷
مظاهر الغلو فی الصحابه
الغلو هو تجاوز الحدّ، ومنه غلا السعر: إذا تجاوز حدّه، قال سبحانه:( یا أَهْل الکِتاب لا تَغْلُوا فی دِینِکُمْ وَلا تَقُولُوا عَلى اللّه إِلاّ الحَق إِنّما المَسیحُ عیسَى بن مَرْیَم رَسُول اللّه وَکَلمته أَلقاهَا إِلى مَرْیَم وَرُوحٌ مِنْهُ ) .( [۲۰])
فالغلو فی الدین فی الآیه ، کنایه عن الغلو فی رسوله، أعنی: المسیح عیسى بن مریم.
فذکر سبحانه أوّلاً واقعَ المسیح وانّه کان بشراً رسولاً، لا یختلف عمّن تقدّم من الرسل، وهو کلمه اللّه التی حملتها مریم وولدتها. ثمّ أشار ثانیاً إلى أنواع غلوهم فحُلّت الآلهه الثلاثه مکان الإله الواحد، وُعّد المسیح أحد الآلهه تاره، وابن الإله أُخرى، فهذا کلّه غلو وإفراط، قال: ( فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَهٌ انْتَهُوا خَیْراً لَکُمْ إِنّما اللّهُ إِلهٌ واحدٌ سُبْحانَهُ أَنْ یَکُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِی السَّمواتِ وَ مَا فِی الأَرْضِ وکَفى بِاللّهِ وَکیلاً ) .( [۲۱])
فکما أنّ الإفراط غلو وتجاوز للحد فهکذا التفریط والتقصیر، والداعی إلى الأخیر إمّا عجز الإنسان وعیّه عن أداء الحقّ، أو حسده وحقده.
وللإمام أمیر المؤمنین حول الإفراط والتفریط کلمتان نأتی بهما:
۱٫ قال: الثناء بأکثر من الاستحقاق ملق، والتقصیر عن الاستحقاق عیّ أو حسد.( [۲۲])
۲٫ وقال: إنّ دین اللّه بین المقصر والغالی، فعلیکم بالنمرقه الوسطى، فیها یلحق المقصر، ویلحق إلیها الغالی.( [۲۳])
فالمسلم الحرّ، لایعدل عن النمرقه الوسطى، وهو یخضع للحق مکان خضوعه للملق والعاطفه، أو للبغض والحسد.
إنّ کثیراً من أهل السنّه، غالوا فی حقّ الصحابه وتجاوزوا الحد، خضوعاً للعاطفه، وإغماضاً عمّا ورد فی حقّهم فی الکتاب العزیز والسنّه النبویه والتاریخ الصحیح، فألبسوهم جمیعاً لباس العداله ـ بل العصمه من غیر وعی ـ فصاروا مصادر للدین، أُصوله وفروعه، دون أن یقعوا فی إطار الجرح والتعدیل، من غیر فرق بین من آمن قبل بیعه الرضوان وبعدها، ومن آمن قبل الفتح أو بعده، ومن غیر فرق بین الطلقاء وأبنائهم والأعراب، مع تفریق الکتاب العزیز بینهم فی الإیمان والإخلاص، فالکلّ فی نظرهم من أوّلهم إلى آخرهم عدول، لا یخطئون ولا یسهون، ولا یعصون.
ولیس هذا إلاّ نوعا من الغلو لم یعهد فی أُمّه عبر التاریخ.
مظاهر الغلو
و هنا ـ وراء القول بعدالتهم بل عصمتهم ـ مظاهر للغلو، نشیر إلیها:
۱٫ سنّه الصحابه
یرى غیر واحد من الباحثین انّ للصحابه سنّه، تُعتبر حجه یعمل بها، وإن لم تکن فی الکتاب الکریم ولا فی المأثور عن النبی، قال مؤلّف کتاب «السنّه قبل التدوین».( [24])
«وتطلق السنّه أحیاناً عند المحدّثین وعلماء أُصول الفقه على ما عمل به أصحاب رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، سواء أکان فی الکتاب الکریم أم فی المأثور عن النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) أم لا. ویحتج لذلک بقوله علیه الصلاه والسلام: «علیکم بسُنّتی وسنه الخلفاء المهدیین الراشدین تمسّکوا بها وعضّوا علیها بالنّواجذ». وقوله أیضاً: «تفترق أُمتی على ثلاث وسبعین فرقه کلّها فی النار إلاّ واحده»، قالوا: ومَن هم یا رسول اللّه؟ قال: «ما أنا علیه وأصحابی».
ومن أبرز ما ثبت فی السنّه بهذا المعنى (سنّه الصحابه) حد الخمر، وتضمین الصناع، وجمع المصاحف فی عهد أبی بکر برأی الفاروق، وحمل الناس على القراءه بحرف واحد من الحروف السبعه، وتدوین الدواوین… وما أشبه ذلک ممّا اقتضاه النظر المصلحی الذی أقرّه الصحابه ـ رضی اللّه عنهم ـ .
ثمّ قال:
وممّا یدلّ على أنّ السنّه هی العمل المتبع فی الصدر الأوّل قول علی بن أبی طالب(علیه السلام) لعبد اللّه بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعین جلده: «کفّ. جلد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) أربعین، وأبو بکر أربعین، وکمّلها عمر ثمانین وکلّ سنّه».( [25])
روى السیوطی: قال حاجب بن خلیفه شهدت عمر بن عبد العزیز یخطب وهو خلیفه فقال فی خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسول اللّه وصاحباه فهو دین نأخذ به، وننتهی إلیه وماسنّ سواهما فإنّما نرجئه.( [۲۶])
هذا وقد احتلّت فتوى الصحابه منزله الآثار النبویه یأخذ بها فقهاء السنّه، یقول الشیخ أبو زهره: ولقد وجدناهم (الفقهاء) یأخذون جمیعاً بفتوى الصحابی ولکن یختلفون فی طریق الأخذ، فالشافعی کما یصرح فی «الرساله» یأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالکاً (رضی الله عنه) یأخذ بفتواهم على انّها من السنّه . الخ
وهذا یعرب عن أنّ للصحابه حق التشریع وجعل الأحکام فی ضوء المصالح العامه، مع أنّ الکتاب العزیز دلّ بوضوح على أنّ حق التشریع خاص باللّه فقط، ولا یحق لأحد أن یفرض رأیه على الآخرین.
فدفعُ زمام التشریع إلى غیره سبحانه أشبه بعمل أهل الکتاب حیث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه. فلم یعبدوهم، بل خضعوا لهم فی التحریم والتحلیل فصاروا أرباباً فی مجال التقنین والتشریع.
روى الثعلبی باسناده عن عدی بن حاتم قال: أتیت رسول اللّه وفی عنقی صلیب من ذهب، فقال لی: «یا عدی اطرح هذا الوثن من عنقک» قال: فطرحته، ثم انتصب إلیه وهو یقرأ هذه الآیه: ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرباباً ) ( [۲۷]) حتى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «ألیس یحرّمون ما أحله اللّه فتحرّمونه، ویحلّون ما حرّم اللّه فتحلّونه؟» قال: فقلت: بلى، قال: «فتلک عباده».( [28])
وأین هذا ممّا علیه أئمّه أهل البیت(علیهم السلام) روى جابر بن عبد اللّه عن أبی جعفر الباقرقال: «یا جابر إنّا لو کنّا نحدّثکم برأینا وهوانا، لکنّا من الهالکین، ولکنّا نحدّثکم بأحادیث نکنزها عن رسول اللّه».( [29])
وممّن وقف على خطوره الموقف، الشوکانی قال: والحق إنّ قول الصحابی لیس بحجّه، فانّ اللّه سبحانه وتعالى لم یبعث إلى هذه الأُمّه إلاّ نبیّنا محمّداً، ولیس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابه ومن بعدهم مکلّفون على السواء باتّباع شرعه والکتاب والسنّه، فمن قال: إنّه تقوم الحجّه فی دین اللّه بغیرهما فقد قال فی دین اللّه بما لا یثبت وأثبت شرعاً لم یأمر اللّه به.( [۳۰])
وممّن بالغ فی حجّیه قول الصحابی ـ غیر المسند إلى الرسول ـ ابن قیّم الجوزیه فی کتابه «اعلام الموقعین» وقد أوضحنا حال أدلّته البالغه إلى سته وأربعین دلیلاً، فی تقدیمنا لکتاب طبقات الفقهاء، القسم الأوّل، فلاحظ.( [۳۱])
والعجب انّ الصحابه لم یدّعوا لأنفسهم هذا المقام ولم یغالوا فی حقّهم ولم یتجاوزوا الحد، وهذا هو عمربن الخطاب یقول: وإنّی لعلی أنهاکم عن أشیاء تصلح لکم،وآمرکم بأشیاء لا تصلح لکم.( [۳۲])
وقد شاع وذاع عن الخلفاء قولهم: «أقول فیها برأیی فإن أصبتُ فمن اللّه، وإن أخطأت فمنّی أو من الشیطان» فکیف یمکن أن یکون الرأی المردد بین اللّه وغیره حکماً شرعیاً لازم الاتّباع إلى یوم البعث.
إن هذا إلاّ الغلو الواضح النابع من القول بعصمتهم من غیر وعی.
۲٫ العزوف عن نقد الصحابه
من مظاهر الغلو فی الصحابه هو العزوف عن نقد الصحابه، والمنع عن التکلم حول ما دار بینهم من النزاع والنقاش، یقول إمام الحنابله:
وخیر هذه الأُمّه بعد نبیّها(صلى الله علیه وآله وسلم) أبو بکر، وخیرهم بعد أبی بکر عمر، و خیرهم بعد عمر، عثمان، وخیرهم بعد عثمان علی ـ رضوان اللّه علیهم ـ خلفاء راشدون مهدیّون، ثمّ أصحاب محمّد بعد هؤلاء الأربعه لا یجوز لأحد أن یذکر شیئاً من مساویهم ولا یطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلک فقد وجب على السلطان تأدیبه وعقوبته، لیس له أن یعفو عنه، بل یعاقبه ثمّ یستتیبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم یتب أعاد علیه العقوبه، وجلده فی المجلس حتّى یتوب ویراجع.( [۳۳])
وقال الإمام الأشعری: ونشهد بالجنه للعشره الذین شهد لهم رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) بها ونتولّى بها ونتولّى سائر أصحاب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ونکفّ عمّا شجر بینهم…( [۳۴])
وقال أبو الحسین محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطی(المتوفّى ۳۷۷هـ) عند ما ذکر عقائد أهل السنّه ومنها: الکفّ عن أصحاب محمد.( [۳۵])
وعندما یقف الباحث على مصادر جمه وتظهر أمامه أفانین من اقتراف المعاصی وسفک الدماء الطاهره، وهتک الحرمات، ویجابههم بهذه الحقائق، فإنّهم یلتجئون إلى ما یُروى عن عمر بن عبد العزیز وأحیاناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساک عمّا شجر بین الصحابه من الاختلاف، وکثیراً ما یقولون حول الدماء التی أُریقت بید الصحابه ـ حیث قتل بعضهم بعضاً ـ تلک دماء طهّر اللّه منها أیدینا فلا نلوّث بها ألسنتنا.
غیر أنّ هذه الکلمه ـ من أیّ شخص صدرت ـ تخالف القرآن الکریم والسنّه النبویه والعقل الصریح.
أمّا القرآن الکریم فقد وصف طوائف من الصحابه بالأوصاف التی سوف تقف علیها عند تصنیف الصحابه والتی منها الفسق وقال فیما قال: ( یا أَیُّها الّذینَ آمَنوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبإ فَتَبیّنوا أَن تصیبُوا قَوْماً بِجَهاله فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمین ) .( [۳۶]) وأمّا السنّه النبویه فهی تصف قتله عمار بالفئه الباغیه حیث قال(صلى الله علیه وآله وسلم) : «تقتلک الفئه الباغیه، تدعوهم إلى الجنّه ویدعونک إلى النار».( [37]) وکان معاویه، وعمرو بن العاص یقودان الفئه الباغیه.
ویقول(صلى الله علیه وآله وسلم) فی حقّ الخوارج:« تمرق مارقه على حین فرقه من المسلمین تقتلهم أولى الطائفتین بالحق».( [38])
وهذه الأحادیث وأمثالها کثیره مبثوثه فی الصحاح والمسانید، فإذا کان الإمساک أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحی الإلهی والنبی(صلى الله علیه وآله وسلم) لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضیه؟!
وأمّا العقل فلا یجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونکتم الحقّ ونکیل للظالم والعادل بمکیال واحد، أمّا ما روی عن الإمام أحمد فلعلّه یرید به الإمساک عن الکلام فیهم بالباطل والهوى، وأمّا الکلام فیهم بما اشتهر اشتهار الشمس فی رائعه النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون فی کتبهم وأُشیر إلیه فی الذکر الحکیم فلا معنى للزوم الإمساک عنه.
ثمّ إنّه یُستشفّ من هذا الکلام أنّ الدماء التی أُریقت فی وقائع الجمل وصفین والنهروان، کانت قد سُفکت بغیر حق، وهذا ـ وأیم الحق ـ عین النصب، وقضاء بالباطل، وإلاّ فأی ضمیر حرّ یحکم بأنّ قتال الناکثین والقاسطین والمارقین، کان قتالاً بغیر حقّ؟! وکلّنا یعلم أنّ أمیر المؤمنین(علیه السلام) کان على بیّنه من ربّه وبصیره من دینه، یدور معه الحقّ حیثما دار، وهو الذی یقول: «واللّه لو أُعطیتُ الأقالیم السبعه بما تحت أفلاکها على أن أعصیَ اللّهَ فی نمله أسلبُها جِلْبَ شعیره ما فعلتُ».
ما هذا التجنّی أمام الحقائق الواضحه؟!
أو لیس العزوف عن نقد الصحابه تکریساً للأخطاء، وإیغالاً فی التقدیس؟!
أو لیس تنزیه الصحابه جمیعاً تنکّراً للطبیعه البشریه.
إنّ النقد الموضوعی تعزیز لجبهه الحق، وتمییز الخبیث من الطیّب، والمبطل عن المحق قال سبحانه: ( ما کانَ اللّهُ لِیَذَرَ المُؤْمنینَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَیْهِ حَتّى یَمِیزَ الخَبیثَ مِنَ الطَّیّبِ ) .( [۳۹])
ولو کان الکفّ عمّا اقترفوا أمراً واجباً فلماذا خرق النبی هذا الستر وأخبر عن رجوعهم عن الطریق المهیع.
وهذا هو الإمام البخاری یروی روایات کثیره حول ارتداد بعض الصحابه بعد رحیل النبی، نکتفی بواحده منها.
إنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: بینما أنا قائم على الحوض إذا زمره حتّى إذا عرفتهُم خرج رجل بینی و بینهم فقال: هلم! فقلت: أین؟ فقال: إلى النار واللّه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى، ثمّ إذا زمره أُخرى، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بینی و بینهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أین؟ قـال: إلى النـار واللّه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه یخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم».( [40])
وظاهر الحدیث:«حتّى إذا عرفتهم» و قوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذین أدرکوا عصره وکانوا معه، هم الذین یرتدون بعده.
إذا راجعنا الصحاح والمسانید نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابه إلاّ أنّهم لم یفردوا باباً فی مثالبهم، بل أقحموا ما یرجع إلى هذه الناحیه فی أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذکرها البخاری فی الجزء التاسع من صحاحه فی باب الفتن، وأدرجها ابن الأثیر فی جامعه فی أبواب القیامه عند البحث عن الحوض، والوضع الطبیعی لجمع الأحادیث وترتیبها، کان یقتضی عقد باب مستقل للمثالب فی جنب الفضائل حتّى یطلع القارئ على قضاء السنه حول صحابه النبی الأکرم.
۳٫ السنّه قاضیه على القرآن
القرآن الکریم هو المرجع الأوّل للمسلمین فی الشریعه والعقیده، وقد وصفه سبحانه بأنّ فیه تبیاناً لکلّ شیء، قال: ( وَنَزَّلْنَا عَلَیْکَ الْکِتابَ تِبْیاناً لِکُلِّ شَیء ) .( [۴۱])
والمراد من الشیء فی الآیه إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أی العقیده والشریعه، والمعنى الثانی هو القدر المتیقّن، فیجب أن یکون میزاناً للحقّ والباطل فیما تحکیه الروایات فی مجالی العقیده والشریعه.
کما أنّه سبحانه عرّفه فی مکان آخر بأنّه المهیمن على جمیع الکتب السماویه( وَأَنْزَلْنَا إِلیکَ الْکِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْکِتابِ وَمُهَیْمِناً عَلَیْهِ ) .( [۴۲])
فإذا کان القرآن مهیمناً على جمیع الکتب السماویه ومیزاناً للحقّ والباطل الواردین فیها، فأولى أن یکون مهیمناً على ما یُنسب إلى صاحب الشریعه المحمّدیه من صحیح وسقیم.
ومقتضى ذلک أن یکون القرآن حاکماً على السنّه ومعیاراً لصحّتها وسقمها; ولکن الغلوّ فی رواه السنّه وعلى رأسهم الصحابه، انتهى إلى خلاف ذلک، فصارت السنّه قاضیه على القرآن، حاکمه علیه، وهذا أحد مظاهر الغلوّ فی الصحابه ومن تتلمذ على أیدیهم حیث قدّموا روایاتهم على کتاب ربّ العزّه، وإن کنت فی ریب ممّا ذکرنا فاقرأ ما نتلوه علیک:
روى الحافظ الکبیر أبو محمد عبد الرحمن الدارمی فی سننه فی باب «السنّه قاضیه على کتاب اللّه» بسنده عن یحیى بن أبی کثیر قال: السنّه قاضیه على القرآن ولیس القرآن بقاض على السنّه.( [۴۳])
قال الإمام الأشعری واختلفوا فی القرآن هل ینسخ إلاّ بقرآن، وفی السنّه هل ینسخها القرآن؟ فقال: المختلفون فی ذلک ثلاثه أقاویل، منها:
السنّه تنسخ القرآنَ وتقضی علیه، والقرآن لا ینسخ السنّه ولا یقضی علیها.( [۴۴])
لا شکّ انّ السنّه المحکیه الّتی تصدر عن لسان النبیّ هی کالقرآن الکریم، تخصِّص عموم القرآن وتقیّد مطلقه، ولا یکون بینهما أیّ خلاف حتّى یکون أحدهما قاضیاً على الآخر، إنّما الکلام فی هذه السنن الحاکیه المبثوثه فی الصحاح والسنن والمسانید، فهل یمکن أن تکون تلک السنّه قاضیه على کتاب اللّه ولا یکون الکتاب قاضیاً علیها؟!
( تلک إذاً قسمه ضیزى ) .
۴٫ حجّیه روایاتهم بلا استثناء
من مظاهر الغلو فی حقّ الصحابه، حجّیه روایاتهم بلا استثناء، مع أنّ الصحابه کانوا على أصناف یعرفهم کلّ من قرأ الکتاب العزیز وتدبّر فی آیاته. کانت فی الصحابه طائفه من المؤمنین المخلصین بدرجات مختلفه، وفیهم المسلمون الذین لم یدخل الإیمان فی قلوبهم، وفیهم المنافقون وهم عدد غیر قلیل، وفیهم المؤلّفه قلوبهم، وفیهم من نزل القرآن بفسقه، وفیهم من أُقیم علیه الحدّ الشرعی فی زمن النبیّ، وفیهم من ارتدّ عن دینه إلى غیر ذلک من الأصناف الّتی لا یحتجّ بأقوالها وروایاتها.
ومع ذلک احتج بروایات الصحابی مطلقاً ، ومن دون استثناء.
إنّ الرسول الأعظم(صلى الله علیه وآله وسلم) حذّر أصحابه من الکذب علیه فی حیاته، وهذا یعرب عن وجود من کان یکذب علیه فی حیاته فکیف بعد مماته.
روى البخاری، عن رِبْعی بن حراش یقول: سمعت علیّاً یقول: قال النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) : «لا تکذبوا علیّ فانّه مَنْ کذب علیّ فلیلج النار».( [45]) وروى أیضاً عن عبد اللّه بن الزبیر قال: قلت للزبیر: إنّی لا أسمعک تحدّث عن رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) کما یحدّث فلان وفلان؟ قال: إنّی لم أُفارقه، ولکن سمعته یقول:«من کذب علیّ فلیتبوّأ مقعده من النّار».
إلى غیر ذلک من الأحادیث الّتی رواها الإمام البخاری فی هذا المضمار.
وقد عقد ابن ماجه فی سننه باب التغلیظ على تعمّد الکذب على رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، وروى فیه ثمانی روایات حول نهی النبی عن الکذب علیه.
وعن أبی قتاده قال: سمعت رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) یقول على هذا المنبر: إیّاکم وکثره الحدیث عنّی، فمن قال، علیّ فلیقل عدلاً أو صدقاً، و من تقوّل علیّ ما لم أقل فلیتبوّأ مقعده من النار.( [۴۶])
ماذا یرید رسول اللّه من خطابه: «إیّاکم وکثره الحدیث عنّی» ألا یدلّ هذا على أنّه کان بین الصحابه من یتقوّل علیه وینقل عنه ما لم یقل؟ نعم هذا لا یستلزم اختصاص الحکم بالصحابه، بل یحرم التقوّل على غیر الصحابی، أیضاً بملاک الاشتراک فی التکلیف، ولکن الخطاب متوجه إلى الصحابه یخصّهم بالذکر وإن کان الحکم واسعاً.
ثمّ إنّ ابن ماجه عقد باباً آخر، تحت عنوان «من حدّث عن رسول اللّه حدیثاً وهو یُرى أنّه کذب» روى فیه أربع روایات کلّها بمضمون الحدیث التالی :من حدّث عنّی حدیثاً وهو یرى أنّه کذب فهو أحد الکاذبین.( [۴۷])
وهذا یکشف عن وجود أرضیه سیّئه بین نقله الحدیث فی عصر الرسول، أفیمکن بعد هذه الروایات أن نکیل عامه الصحابه بکیل واحد ونصفهم بالعدل والزهد والتقى؟! مع أنّ منهم ـ بعدما ظهر کذبه فی الحدیث ـ من یعتذر بأنّه من کیسه.
أخرج البخاری عن أبی صالح، قال: حدّثنی أبوهریره، قال: قال النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) : أفضل الصدقه ما ترک غنىً، والید العلیا خیر من الید السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأه: إمّا أن تطعمنی وإمّا أن تطلقنی.
ویقول العبد: اطعمنی واستعملنی.
ویقول الابن: ا طعمنی إلى من تدعنی؟
فقالوا: یا أبا هریره، سمعت هذا من رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ؟!
قال: لا، من کیس أبی هریره.
ورواه الإمام أحمد فی مسنده باختلاف طفیف فی اللفظ.
انظر إلى الرجل ینسب فی صدر الحدیث الروایه إلى النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) بضرس قاطع، ولکنّه عندما سُئل عن سماع الحدیث من رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) عدل عمّا ذکره أوّلاً، وصرح بأنّه من کیسه الخاص أی من موضوعاته.( [۴۸])
۸
عداله الصحابه کخلافه الخلفاء
لیست من صمیم الدین
من یراجع الرسائل والکتب العقائدیه یقف فیها على مسألتین تعتبران منذ عصر الإمام أحمد(المتوفّى ۲۴۱هـ) من صمیم الدین وممّا یجب الإیمان به، وهما:
۱٫ خلافه الخلفاء الأربعه.
۲٫ عداله الصحابه جمیعاً.
یقول إمام الحنابله فی رساله عقائدیه: وخیر هذه الأُمّه بعد نبیّها(صلى الله علیه وآله وسلم) أبو بکر، وخیرهم بعد أبی بکر، عمر، وخیرهم بعد عمر، عثمان، وخیرهم بعد عثمان، علی ـ رضوان اللّه علیهم ـ خلفاء راشدون مهدیّون، ثمّ أصحاب محمد بعد هؤلاء الأربعه.( [۴۹])
وقال الإمام الأشعری فی رساله ألّفها لبیان عقیده أهل الحدیث:
إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) أبو بکر الصدّیق، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، ثمّ علی بن أبی طالب (علیه السلام) .
فهؤلاء الأئمّه بعد رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) وخلافتهم خلافه النبوّه.( [۵۰])
وقال أبو جعفر الطحاوی فی العقیده الطحاویه المسمّاه بـ«بیان السنّه والجماعه»:
وتثبیت لأبی بکر الصدیق تفضیلاً وتقدیماً على جمیع الأُمّه ثمّ لعمر بن الخطاب، ثمّ لعثمان، ثمّ لعلی.( [۵۱]) هذه النصوص المذکوره وما لم نذکره تعرب عن أنّ خلافه الخلفاء ـ عند القوم ـ عقیده إسلامیه یجب على کلّ مسلم الاعتقاد بها کالاعتقاد بسائر الأُصول من توحیده سبحانه ونبوّه نبیّه ومعاد الإنسان، وقد ذکرها الإمامان: أحمد والأشعری فی عداد عقائد أهل السنه والجماعه.
هذا هو المفهوم من هذه الکلمات وربما یتصوّر القائل أنّ الاعتقاد بخلافه الخلفاء أصل من أُصول الإسلام وقد جاء به النبیّ الخاتم وأمر الناس بالاعتقاد به.
الاعتقاد بخلافه الخلفاء لیس من صمیم الدین
کیف یتصوّر ذلک مع أنّ النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) کان یقبل إسلام من ذکر الشهادتین دون أن یسأله عن خلافه الخلفاء؟
والذی یدلّ على أنّ خلافه الخلفاء لیست أصلاً دینیّاً وإنّما هی مرحله زمنیه مرّ بها المسلمون فی فتره من تاریخهم کما مرّوا بخلافه سائر الخلفاء، هو أنّ أصل الخلافه والإمامه من الفروع عند متکلّمی أهل السنّه، فکیف تکون خلافه الخلفاء من الأُصول؟
قال الغزالی: واعلم أنّ النظر فی الإمامه أیضاً لیست من المهمّات، ولیس أیضاً من فن المعقولات، بل من الفقهیّات.( [۵۲])
وقال الآمدی: اعلم أنّ الکلام فی الإمامه لیس من أُصول الدیانات، ولا من الأُمور اللابدّیّات بحیث لا یسع المکلّف الإعراض عنها والجهل بها.( [۵۳])
وقال السید الشریف: ولیست الإمامه من أُصول الدیانات والعقائد، بل هی من الفروع المتعلّقه بأفعال المکلّفین، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّه سمعاً.( [۵۴])
فإذا کانت الکبرى حکماً فرعیاً من فروع الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، وقد قام المسلمون بعد رحیل الرسول بتطبیقها على الخلفاء الأربعه ثم توالى الخلفاء بعدهم، أفهل یکون ذلک دلیلاً على أنّ الاعتقاد بخلافتهم أصل من الأُصول؟
إذ طالما قام المسلمون بواجبهم فی أکثر بقاع العالم فبایعوا شخصاً بالخلافه فلم تُصبح خلافته أصلاً من أُصول الإسلام، هذا من غیر فرق بین أن نقول بصحّه خلافتهم وکونها جامعه شرائط الخلافه أم لم نقل، إنّما الکلام فی أنّ الاعتقاد بها لیس أصلاً من أُصول الإسلام.
ومن سبر التاریخ یقف على أنّ ید السیاسه أوجدت تلک الفکره، وجعلت خلافه الخلفاء الثلاث أصلاً من أُصول الإیمان لیکون ذریعه إلى سائر المسائل السیاسیه.
ذکر المسعودی: اجتمع عمرو بن العاص مع أبی موسى الأشعری فی دومه الجندل، فجرى بینهما مناظرات، وقد أحضر عمرو غلامه لکتابه ما یتّفقان علیه، فقال عمرو بن العاص بعد الشهاده بتوحیده سبحانه ونبوّه نبیّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ونشهد أنّ أبا بکر خلیفه رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) عمل بکتاب اللّه وسنّه رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) حتى قبضه اللّه إلیه، وقد أدّى الحق الذی علیه. قال أبو موسى: اکتب، ثمّ قال فی عمر مثل ذلک، فقال أبو موسى: اکتب. ثمّ قال عمرو: اکتب انّ عثمان ولی هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمین وشورى من أصحاب رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ورضا منهم وأنّه کان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعری: لیس هذا ممّا قعدنا له، قال: واللّه لابدّ من أن یکون مؤمناً أو کافراً، فقال أبو موسى: کان مؤمناً. قال عمرو: فمره یکتب، قال أبو موسى: اکتب. قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أو لیس قد جعل اللّه لولیّ المظلوم سلطاناً یطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولیاً أولى من معاویه؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفلیس لمعاویه أن یطلب قاتله حیثما کان حتّى یقتله أو یعجز عنه؟ قال أبو موسى: بلى، قال عمرو للکاتب: اکتب وأمره أبو موسى فکتب، قال عمرو: فإنّا نقیم البیّنه على أنّ علیاً قتل عثمان….( [۵۵]) ومن یقرأ قصه التحکیم فی حرب صفّین یجد أنّ إقحام الاعتقاد بخلافه الشیخین، کان تمهیداً لانتزاع الإقرار بخلافه الثالث، ولم یکن الإقرار بخلافه الثالث مقصوداً بالذات، بل کان ذریعه لانتزاع اعترافات أُخرى من أنّه قتل مظلوماً، وأنّه لیس له ولیّ یطلب بدمه أولى من معاویه وأنّ علیاً هو الذی قتله.
وقد استفحلت أهمیّه الإیمان بخلافه الخلفاء ولا سیما الثالث فی عهد معاویه للإطاحه بعلیّ وأهل بیته وإقصائهم عن الساحه السیاسیه، حتّى یخلو الجوّ لمعاویه وأبناء بیته، وقد أمر الخطباء والوعّاظ بنشر مناقب الخلفاء أوّلاً، وسائر الصحابه ثانیاً، والمنع عن نشر أیّه فضیله من فضائل أمیر المؤمنین علی(علیه السلام) .
إنّ الرسائل العقائدیه الّتی أشرنا إلیها اشتملت على ما یربو على خمسین أصلاً، یتراءى لنا أنّها من أُصول الإسلام، وأنّها ممّا قد أجمع علیها المسلمون بعد رحیل الرسول،ولکن الواقع غیر ذلک فأکثر الأُصول ردود على الفرق الکلامیه الّتی ظهرت فی الساحه، فصارت العقائد الإسلامیه کأنّها ردود على الفرق الناجمه فی عصر التیارات الکلامیه ولا أصاله لها. ولولا تلک الفرق الضاله! لم یکن لهذه الأُصول عین ولا أثر، حتّى أنّ مسأله تربیع الخلفاء تمّ الاتّفاق علیها فی عصر الإمام أحمد، و کان أکثر المحدّثین على التثلیث.
قد ذکر ابن أبی یعلى بالاسناد إلى ودیزه الحمصی قال: دخلت على أبی عبد اللّه أحمد بن حنبل حین أظهر التربیع بعلی (رضی الله عنه) فقلت له: یا أبا عبد اللّه إنّ هذا لطعن على طلحه والزبیر، فقال:بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذکرها، فقلت: أصلحک اللّه إنّما ذکرناها حین ربّعت بعلی وأوجبت له الخلافه وما یجب للأئمّه قبله، فقال لی: وما یمنعنی من ذلک؟ قال: قلت: حدیث ابن عمر. فقال لی: عمر خیر من ابنه فقد رضی علیاً للخلافه على المسلمین وأدخله فی الشورى، وعلی بن أبی طالب (رضی الله عنه) قد سمّى نفسه أمیر المؤمنین، فأقول: أنا لیس للمؤمنین بأمیر، فانصرفتُ عنه.( [۵۶])
والحقّ أنّ الأُصول التی تبنّاها الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعری أو جاءت فی العقیده الطحاویه هی أُصول استنبطها الإمام من الآیات والروایات فجعلها عقائد إسلامیه یجب الإیمان بها، وهی أولى بأن تسمّى: عقائد الإمام أحمد بدل أن تسمّى عقائد إسلامیّه.
عداله الصحابه لیست من صمیم الدین
هذا هو حال الخلافه التی جعلوها من الأُصول ولا تمتّ إلیها بصله، ولنبحث الآن مسأله عداله الصحابه، أی عداله مائه ألف إنسان رأى النبیّ وشاهده أو عداله خمسه عشر ألف صحابی سُجّلت أسماؤهم فی المعاجم فقد هتفت الکتب الرجالیه بعدالتهم على الإطلاق، وحُرّم أیّ نقد علمی أو تاریخی فی حقّهم، بل عُدّ الناقد لهم خارجاً عن الإسلام مبطلاً لأدله المسلمین على ما مرّ .( [۵۷])
إنّ الدارس لتاریخ حیاه الصحابه یقف بوضوح على أنّ هذه الحاله القدسیه التی یضفیها جمهور السنّه على الصحابه لیست إلاّ ولیده عصر متأخر عنهم، ولم تزل هذه الحاله تزداد وتتّسع، حتّى أصبحنا فی عصر لا یمکن فیه لأحد أن یبحث فی ممارسات الصحابه وسلوکیّاتهم، ولا أن یشیر إلى مواضع الألم فی تاریخ تلک الحقبه، حتّى ولو اعتمد القائل فی قضائه على الآیات والروایات والتاریخ الصحیح، بل یتّهم بأنّه زندیق، وأنّ الجارح أولى بالجرح.
لقد تکوّنت هذه النظریه ونشأت عن العاطفه الدینیه التی حملها المسلمون تجاه الرسول الأکرم وجرّتهم إلى تبنّی تلک الفکره واستغلّتها السلطه الأمویه لإبعاد الناس عن أئمّه أهل البیت (علیهم السلام) أحد الثقلین اللّذین ترکهما الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) بعد رحیله لهدایه الناس.
والشاهد على أنّ هذه القداسه طارئه على فکر المجتمع الإسلامی، هو تضافر الآیات على تصنیف الصحابه إلى أصناف مختلفه یجمعها من حسنت صحبته ومن لم تحسن، کما تضافرت الروایات على ذمّ لفیف منهم، وقد احتفل التاریخ بنزاعهم وقتالهم وقتلهم الأبریاء، ومع ذلک کلّه فعداله الصحابه من أوّلهم إلى آخرهم صارت کعقیده راسخه فی فکر المجتمع الإسلامی، لا یجترئ أحد على التشکیک فیها إلاّ من تجرّد عن العقائد المسبقه وقدّم تبنّی الحقیقه على المناصب الدنیویه وزخارفها وابتاع لنفسه أنواع التهم والذموم.
وها نحن نذکر شیئاً من الآیات الصریحه فی ذمّ لفیف منهم على نحو لا یبقى معه شکّ لمشکّک ولا ریب لمرتاب.
وهذا ما سیوافیک فی الفصل التالی:
۹
القرآن الکریم
وعداله الصحابه
إنّ القرآن الکریم فی مختلف سوره وآیاته ینقد أقوال الصحابه وأفعالهم بوضوح کما أنّه فی بعض آیاته یثنی على طائفه منهم، فمن الخطأ أن نرکّز على طائفه دون طائفه، فها نحن ندرس فی هذا الفصل بعض الآیات التی تنقد أفعالهم وآراءهم کما ندرس فی الفصول القادمه الآیات المادحه.
۱٫ تنبّؤ القرآن بارتداد لفیف من الصحابه
القرآن یتنبّأ بإمکان ارتداد بعض الصحابه بعد رحیل الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) . وذلک لمّا انهزم من انهزم من المسلمین یوم أُحد وقتل من قتل منهم. یقول ابن کثیر: نادى الشیطان على أنّ محمّداً(صلى الله علیه وآله وسلم) قد قتل. فوقع ذلک فی قلوب کثیر من الناس واعتقدوا أنّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قد قتل وجوّزوا علیه ذلک، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجیح عن أبیه إنّ رجلاً من المهاجرین مرّ على رجل من الأنصار وهو یتشحّط فی دمه، فقال له: یا فلان أشعرت أنّ محمّداً(صلى الله علیه وآله وسلم) قتل؟ فقال الأنصاری: إن کان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دینکم. فأنزل اللّه سبحانه قوله: ( وَما مُحمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ ماتَ أَو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعقابِکُمْ وَمَنْ یَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَیْهِ فَلَنْ یَضُرَّ اللّهَ شَیئاً وَسَیَجْزی اللّهُ الشّاکِرین ) .( [۵۸])
قال ابن قیّم الجوزیه: کانت وقعه أُحد مقدّمه وإرهاصاً بین یدی محمّد(صلى الله علیه وآله وسلم) ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّه أو قتل.( [۵۹]) والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدین الذی جاهر به بعض المنافقین والارتداد عن العمل کالجهاد ومکافحه الأعداء وتأیید الحقّ إنساء ما أوصى به رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) .
وهذه الآیه تخبر عن إمکانیه الانقلاب على الأعقاب بعد رحیل الرسول، فهل یمکن أن یوصف بالعداله التامّه الّتی هی أُخت العصمه من کان یُحتمل فیه تلک الإمکانیه؟ ولذلک ترى أنّهم لا یرضون بنقد آراء الصحابه وأقوالهم.
۲٫ ترک الرسول قائماً وهو یخطب
بینا رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) یخطب الجمعه قدمت عیر المدینه فابتدرها أصحاب رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) حتّى لم یبق معه إلاّ اثنا عشر رجلاً. فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) :والذی نفسی بیده، لو تتابعتم حتّى لا یبقى منکم أحد سال لکم الوادی ناراً، فنزلت هذه الآیه:( وَإِذا رَأوا تِجارهً أَو لَهْواً انفضّوا إِلیها وَتَرَکُوکَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّه خَیْرٌ مِنَ اللَّهو وَ مِنَ التِّجارَهِ وَاللّهُ خَیرُ الرّازِقین ) . قال ابن کثیر: یعاتب تبارک وتعالى على ما کان وقع، من الانصراف عن الخطبه یوم الجمعه إلى التجاره التی قدمت المدینه یومئذ، فقال تعالى: ( وَإِذا رأوا تجاره أو لهواً انفضّوا إِلیها وترکوک قائماً ) أی على المنبر تخطب، هکذا ذکره غیر واحد من التابعین منهم أبو العالیه والحسن وزید بن أسلم وقتاده وزعم ابن حبّان أنّ التجاره کانت لدحیه بن خلیفه قبل أن یسلم وکان معها طبل، فانصرفوا إلیها وترکوا رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قائماً على المنبر إلاّ القلیل منهم، وقد صحّ بذلک الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدریس، عن حصین بن سالم بن أبی الجعد، عن جابر، قال: قدمت غیر مرّه المدینه ورسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) یخطب فخرج الناس وبقی اثنا عشر رجلاً فنزلت ( وَإِذا رأوا تجاره أو لهواً انفضّوا إِلیها ) أخرجاه فی الصحیحین .( [۶۰]) أفمن یقدّم اللهو والتجاره على ذکر اللّه ویستخف بالنبیّ، یکون ذا ملکه نفسانیه تحجزه عن اقتراف المعاصی واجتراح الکبائر، ما لکم کیف تحکمون؟
۳٫ الخیانه بالنکاح سرّاً
شرّع اللّه سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام لیلاً مجامعه النساء، فکان جماعه من المسلمین ینکحون سرّاً وهو محرّم علیهم.
قال ابن کثیر: کان الأمر فی ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما یحلّ له الأکل والشرب والجماع إلى صلاه العشاء أو نام قبل ذلک فمتى نام أو صلّى العشاء حرم علیه الطعام والشراب والجماع إلى اللیله القادمه، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمین أصابوا من النساء والطعام فی شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشکوا ذلک إلى رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) فأنزل اللّه قوله: ( أُحِلَّ لَکُمْ لَیلهَ الصّیامِ الرَّفثُ إِلى نِسَائِکُمْ هُنَّ لِباسٌ لَکُمْ وَأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنکُمّ کُنْتُمْ تَختانُونَ أَنفسکُمْ فتابَ عَلَیْکُمْ وَعَفا عَنْکُمْ فالآن باشِرُوهنَّ وابتَغُوا ما کَتَبَ اللّه لَکُمْ… ) .( [۶۱])
فهل یصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتکاب الحرام بأنّهم عدول ذوی ملکه رادعه عن اقتراف الکبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أکثرهم لم یکونوا حائزین تلک الملکه، وإنّما کانوا على درجه متوسطه من الإیمان والتقوى وقد یغلب علیهم حبّ الدنیا ولذّاتها.
۴٫ خیانه بعض البدریّین
یقول سبحانه:( وَما کانَ لِنَبىّ أن یغُلَّ وَمَنْ یَغْلُل یَأْتِ بِما غَلَّ یَوم القِیامَهِ ثُمّ توفّى کُلّ نَفس ما کَسَبَتْ وَهُمْ لا یُظْلمُون ) .( [۶۲]) قال ابن کثیر: نزلت فی قطیفه حمراء فقدت یوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول اللّه أخذها فأکثروا فی ذلک، فأنزل اللّه:( وَما کانَ لِنَبیّ أن یغلّ وَمَنْ یَغْلل یَأْتِ بِما غلّ یَوم القِیامَه ) وهذا تنزیه له ـ صلوات اللّه وسلامه علیه ـ من جمیع وجوه الخیانه فی أداء الأمانه وقسم الغنیمه، ثمّ تبیّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.( [۶۳])
والآیه تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) حتّى اتّهموه بالخیانه فی الأمانه وتقسیم الأموال، ثمّ تبین أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمکانه النبی، أو من مارس الخیانه فی أموال المسلمین لا یوصفون بالعداله.
وهذا حال البدریین، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقین، فکیف حال من أتى بعدهم؟ ولعمری أنّ من یقرأ هذه الآیات البیّنات وما ورد حولها من الأحادیث والکلمات ثمّ یصرّ على عداله الصحابه جمیعاً دون تحقیق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.
۵٫ فاسق یغرّ النبیّ وأصحابه
یقول سبحانه: ( یا أَیُّها الّذینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصیبُوا قَوماً بِجَهاله فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمین ) .( [۶۴])
أمر اللّه سبحانه بالتثبت فی خبر الفاسق لیحتاط له لئلاّ یحکم بقوله فیکون فی نفس الأمر کاذباً أو مخطئاً، قال ابن کثیر: قد ذکر کثیر من المفسّرین أنّ الآیه نزلت فی الولید بن عقبه بن أبی معیط حین بعثه رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) على صدقات بنی المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئیسهم لیقبض ما کان عنده ممّا جمع من الزکاه، فلمّا أن سار الولید حتّى بلغ بعض الطریق فرق ـ أی خاف ـ فرجع حتّى أتى رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: یا رسول اللّه إنّ الحارث قد منعنی الزکاه وأراد قتلی، فغضب رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وبعث البعث إلى الحارث (رضی الله عنه) و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدینه لقیهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشیهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إلیک. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) بعث إلیک الولید بن عقبه فزعم أنّک منعته الزکاه وأردت قتله، قال(رضی الله عنه) : لا والذی بعث محمّداً(صلى الله علیه وآله وسلم) بالحقّ ما رأیته بته ولا أتانی، فلمّا دخل الحارث على رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: منعتَ الزکاه و أردتَ قتل رسولی؟ قال: لا، والذی بعثک بالحقّ ما رأیته ولا أتانی، وما أقبلت إلاّ حین احتبس علیّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) خشیت أن تکون سخطه من اللّه تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ( یا أیُّها الّذین آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسق بنبأ ) إلى قوله: ( حکیم ) .( [۶۵])
۶٫ تنازعهم فی الغنائم إلى حدّ التخاصم
إنّ صحابه النبی بعد انتصارهم على المشرکین فی غزوه بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فیها إلى حدّ التخاصم، قال الذین جمعوا الغنائم: نحن حویناها وجمعناها فلیس لأحد فیها نصیب.
وقال الذین خرجوا فی طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.
وقال الذین أحدقوا برسول اللّه: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وخفنا أن یصیب العدوّ منه غرّه واشتغلنا به فنزل: ( یسألونک عن الأنفالِ قُل الأَنفالُ للّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللّه وأصلحوا ذات بَیْنِکم وأَطیعوا اللّه ورسوله إِنْ کُنْتُمْ مُؤمنین ) .( [۶۶])
قال ابن کثیر: سأل أبو أمامه عباده عن الأنفال؟ قال: فینا أصحاب بدر نزلت حین اختلفنا فی النفل وساءت فیه أخلاقنا، فانتزعه اللّه من أیدینا وجعله إلى رسول اللّه، فقسّمه رسول اللّه بین المسلمین عن سواء.( [۶۷]) وفی الآیه إلماعات إلى سوء أخلاقهم حیث یعظ سبحانه هؤلاء السائلین ویأمرهم بأُمور ثلاثه بقوله:
۱٫ ( واتقوا اللّه ) فی أُمورکم وأصلحوا فیما بینکم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاکم اللّه من الهدى والعلم خیر ممّا تختصمون بسببه.
۲٫ ( وأصلحوا ذات بینکم ) : أی لا تسبّوا.
۳٫ ( و أطیعوا اللّه و رسولـه ) : أی لا تخالفوه و لا تشاجروا.( [۶۸])
فالإمعان فی الآیات النازله حول هؤلاء المتنازعین والروایات الوارده فی تفسیر الآیه، لا تدع مجالاً للشکّ فی أنّ لفیفاً من الحاضرین فی غزوه بدر لم یبلغوا مرحله عالیه تمیزهم عن غیرهم، بل کانوا کسائر الناس الذین یتنازعون على حطام الدنیا وزبرجها دون أن یستشیروا النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فی أمرها، ویسألونه عن حکمها، أفهؤلاء الذین کانوا یتنازعون على حطام الدنیا، یصبحون مُثُلاً للفضیله وکرامه النفس والطهاره؟!
۷٫ استحقاقهم مسّ عذاب عظیم
کانت السنّه الجاریه فی الأنبیاء الماضین انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ینکّلون بهم بالقتل لیعتبر به من وراءهم حتّى یکفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وکانوا لا یأخذون أسرى حتّى یثخنوا فی الأرض ویستقر دینهم بین الناس، فعند ذلک لم یکن مانع من الأسر، ثمّ یعقبه المنّ أو الفداء.
یقول سبحانه فی آیه أُخرى: ( فإذا لَقِیتُمُ الّذین کَفَروا فَضربَ الرِّقابِ حتّى إِذا أَثخَنْتُموهُمْ فَشدّوا الوَثَاقَ فإِمّا منّاً بعدُ وإِمّا فِداء ) ( [۶۹]) فأجاز أخذ الأسر، لکن بعد الإثخان فی الأرض واستتباب الأمر.
غیر أنّ لفیفاً من الصحابه کانوا یصرون على النبی بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم (قبل الإثخان فی الأرض) فأخذوا الأسرى، فنزلت الآیه فی ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظیم لولا ما سبق کتاب من اللّه، یقول سبحانه: ( ما کان لنبیّ أن یکونَ لَهُ أَسرى حتّى یُثخِن فِی الأَرض تُریدُونَ عَرَض الدُّنیا وَاللّهُ یُریدُ الآخره واللّهُ عَزیزٌ حَکیم * لَولا کِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسَّکُم فیما أخذتُمْ عذابٌ عَظیم ) .( [۷۰])
والمستفاد من الآیتین أمران:
الأوّل: انّ الحافز لأکثرهم أو لفئه منهم هو الاستیلاء على عرض الدنیا دون الآخره کما یشیر إلیه سبحانه بقوله: ( تُریدُونَ عَرَض الدُّنیا وَاللّهُ یُریدُ الآخره ) .( [۷۱])
الثانی: لقد بلغ عملهم من الشناعه درجه، بحیث استحقُّوا مسَّ عذاب عظیم، غیر أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه فی الکتاب، قال سبحانه: ( لَولا کِتابٌ مِنَ اللّه سَبق لَمَسّکُمْ فیما أَخذتُم ) أخذ الأسرى ( عذاب عظیم ) .
فقوله:( عذاب عظیم ) یعرب عن عظم المعصیه التی اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظیم.
أفیمکن وصف من أراد عرض الدنیا مکان الآخره واستحقّ مس عذاب عظیم بأنّه ذو ملکه نفسانیه تصده عن اقتراف الکبائر والإصرار على الصغائر، کلاّ، ولا.
۸٫ الفرار من الزحف
لقد دارت الدوائر على المسلمین یوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول وترکوا مواقعهم على الجبل طمعاً فی الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزیمه التی ذکرتها کتب السیره و التاریخ على وجه مبسوط. وبالتالی ترکوا النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) فی ساحه الحرب ولیس معه إلاّ عدد قلیل من الصحابه، ولم تنفع معهم دعواته(صلى الله علیه وآله وسلم) بالعوده إلى ساحه القتال ونصرته، فقد خذلوه فی تلک الساعات الرهیبه، وأخذوا یلتجئون إلى الجبال حذراً من العدو، ویتحدّث سبحانه تبارک وتعالى عن تلک الهزیمه النکراء بقوله: ( إِذْ تُصْعِدونَ وَلا تَلوُونَ عَلى أَحَد وَالرَّسُولُ یَدْعُوکُمْ فی أُخراکُمْ فَأَثابَکُمْ غَمّاً بِغَمّ لِکَیْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَکُمْ وَلا ما أَصابَکُمْ وَاللّه خَبیرٌ بِما تَعْمَلُون ) .( [۷۲])
فالخطاب موجّه للذین انهزموا یوم أُحد، وهو یصف خوفهم من المشرکین وفرارهم یوم الزحف، غیر ملتفتین إلى أحد، ولا مستجیبین لدعوه الرسول، حین کان ینادیهم من ورائهم ویقول: هلم إلیَّ عباد اللّه أنا رسول اللّه… ومع ذلک لم یُجبه أحد من المولّین.
والآیه تصف تفرقهم وتولّیهم على طوائف أُولاهم بعیده عنه، وأُخراهم قریبه، والرسول یدعوهم ولا یجیبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فترکوا النبیّ بین جموع المشرکین غیر مکترثین بما یصیبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.
نعم کان هذا وصف طوائف منهم و کانت هناک طائفه أُخرى، التفت حول النبی ودفعت عنه شرّ الأعداء، وهم الذین أُشیر إلیهم بقوله سبحانه: ( وَسَیَجْزِی اللّهُ الشّاکرین ) .( [۷۳])
ثمّ إنّه سبحانه یصرح بتولّیهم وفرارهم عن الجهاد وینسب زلّتهم إلى الشیطان ویقول: ( إِنّ الّذین تَوَلَّوا مِنْکُمْ یَومَ التَّقى الجَمْعَانِ إِنّما استَزَلَّهُمُ الشَّیطانُ ببعْضِ ما کَسَبُوا وَلَقَدْ عَفا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحیم ) .( [۷۴]) ولیس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا یُغفر له ولا یعفى عنه) بل من الصحابه العدول!
۹٫ نسبه الغرور إلى اللّه ورسوله
إنّ غزوه الأحزاب من المغازی المعروفه فی الإسلام، حیث اتحد المشرکون والیهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدینه وهم عشره آلاف مدجّجین بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدینه لمنع العدو من اقتحامها وقد طال الحصار نحو شهر.
وفی هذه الغزوه امتحِن أصحابُ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) وزلزلوا زلزالاً عظیماً ، وتبیّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمین:
۱٫ المؤمنون وشعارهم ( هذا ما وعدنا اللّهُ ورسولُهُ وصدق اللّهُ ورسولُهُ وما زادهم إلاّ إیماناً وتسلیماً ) .( [۷۵])
۲٫ المنافقون والذین فی قلوبهم مرض وشعارهم:( ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً ) .( [۷۶])
فضعفاء الإیمان من المؤمنین کانوا یظنون باللّه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل یصحّ وصف هؤلاء بالعداله والتزکیه؟! وهم ـ طبعاً ـ غیر المنافقین الذین یظهرون الإیمان ویبطنون الکفر، ویدلّ على ذلک، عطف ( والّذینَ فی قُلُوبهم مرضٌ ) على المنافقین، قال سبحانه: ( وَإِذ یَقُولُ المُنافِقُونَ وَالّذِینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) . ومن یمعن النظر فی الآیات الوارده حول غزوه الأحزاب یعرف مدى صمود کثیرمن الصحابه أمام ذلک السیل الجارف، فإنّ کثیراً منهم کانوا یستأذنون النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) للرجوع إلى المدینه بحجه انّ بیوتهم عوره ویقول سبحانه: ( وما هی بِعَوره ان یُریدون إِلاّ فراراً ولقَد عاهدوا اللّه من قَبل لا یولون الأَدبار وکانَ عَهْد اللّه مسؤولاً ) .( [۷۷])
۱۰٫ المنافقون المندسّون بین الصحابه
لقد شاع النفاق بین الصحابه منذ نزول النبی، بالمدینه، وقد رکّز القرآن على عصبه المنافقین وصفاتهم، وفضح نوایاهم، وندّد بهم فی السور التالیه: البقره، آل عمران، المائده، التوبه، العنکبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحدید، المجادله، الحشر، والمنافقون.
وهذا إن دلّ على شیء فإنّما یدلّ على أنّ المنافقین کانوا جماعه هائله فی المجتمع الإسلامی، بین معروف عرف بسمه النفاق ووصمه الکذب، وغیر معروف بذلک، ولأنّه مقنّع بقناع الإیمان والحب للنبی، فلو کان المنافقون جماعه قلیله غیر مؤثره لما رأیت هذه العنایه البالغه فی القرآن الکریم.
وهناک ثله من المحقّقین ألّفوا کتباً ورسائل حول النفاق والمنافقین، وقد قام بعضهم بإحصاء ما یرجع إلیهم فبلغ مقداراً یقرب من عشر القرآن الکریم.
ومع ذلک فهل یمکن عد جمیع من صحب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) عدولاً؟!
نعم المنافقون لیسوا من الصحابه ولکنّهم کانوا مندسّین فیهم، وعند ذلک فکثیراً ما یشتبه الصحابی الصادق بالمنافق، ولا یتمیّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ربما کان لا یعرفهم، یقول سبحانه: ( وَمِنْ أَهل المَدینه مردوا عَلى النِّفاق لا تعلمهم نَحْنُ نعلَمهم ) .( [۷۸])
فهذا یجر الباحث ـ الذی یرید الإفتاء على ضوء ما قاله الصحابه ـ التفتیش عن حال الصحابی حتّى یعرف المنافق عن غیره، فلو اشتبه الحال فلا یکون قوله ولا روایته حجّه.
هذا بعض قضاء القرآن فی حق الصحابه، ولسنا بصدد الاستقصاء بأنّ أصناف الصحابه المجانبین للعداله، أکثر( [۷۹]) ممّا ذکرنا لکن التفصیل لا یناسب وضع الرساله.
۱۰
السنّه النبویه
و
عداله الصحابه
درسنا عداله الصحابه فی ضوء القرآن الکریم وخرجنا بالنتیجه التالیه :انّ حال الصحابه کحال التابعین، ففیهم عادل وفاسق، وصالح وطالح، منهم من یُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلک.
ومن حسن الحظ انّ السنّه النبویه تدعم ذلک الموقف، فلنذکر منها نزراً قلیلاً حسب ما یقتضیه وضع الرساله.
۱٫ زعیم الفئه الباغیه
روى مسلم عن أبی سعید قال: أخبرنی من هو خیر منّی ـ أبو قتاده ـ انّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قال لعمّار حین جعل یحفر الخندق وجعل یمسح رأسه ویقول: بُؤسَ ابنُ سمیه تقتلک فئه باغیه.( [۸۰])
وروى البخاری عن أبی سعید انّه قال: کنّا نحمل لبنه لبنه وعمار لبنتین لبنتین، فرآه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، فجعل النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ینفض التراب عنه ویقول: ویح عمار یدعوهم إلى الجنه ویدعونه إلى النار.
قال الحمیدی فی هذا الحدیث زیاده مشهوره لم یذکرها البخاری أصلاً من طریق هذا الحدیث، ولعلّها لم تقع إلیه فیها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده فی ذلک، وأخرجها أبو بکر البرقانی، وأبو بکر الإسماعیلی قبله، وفی هذا الحدیث عندهما انّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: ویح عمّار، تقلته الفئه الباغیه یدعوهم إلى الجنه، ویدعونه إلى النار.( [۸۱])
وقد کشف الحمیدی عن نوایا البخاری انّه ربما یتلاعب بالحدیث فیحذف بعض أجزائه لغرض معیّن، وهو إنّما حذف هذه الجمله المشهوره، أعنی: «تقتله الفئه الباغیه»بقصد تبرئه معاویه، وتبریر أعماله.
ونحن نسأل القائلین بعداله الصحابه من هی الفئه الباغیه التی قتلت عماراً؟! وهل کان فیها من صحابه النبی من یؤیّد موقف الفئه الباغیه؟! لا شکّ انّ معاویه کان یترأس الفئه الباغیه وکان عمرو بن العاص وزیره فی الحرب، وکان انتصار معاویه فی حرب صفین رهن مکیده عمرو بن العاص، وکان بین الفئه الباغیه من الصحابه النعمان بن بشیر الأنصاری، وعُقْبه بن عامر الجهنی، وأبو الغادیه یسار بن سبع الجهنی وغیرهم.
۲٫ عصیان أمر النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) بإحضار القلم والدواه
قد روى أصحاب الصحاح انّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أمر بإحضار القلم والدواه لیکتب کتاباً لا یضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرین بینه و بین ما یروم إلیه، وقد أخرجه البخاری فی غیر مورد من صحیحه.
ففی کتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) وجعه، قال: «ائتونی بکتاب اکتب لکم کتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) غلبه الوجع، وعندنا کتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وکثر اللغط، قـال: «قـوموا عنّی ولا ینبغی عندی التنازع» فخرج ابن عباس یقول: إنّ الرزیه کلّ الرزیه ما حال بین رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) و بین کتابه.( [۸۲])
وأخرج أیضاً عن سعید بن جبیر، عن ابن عباس أنّه قال: یوم الخمیس وما یوم الخمیس، ثمّ بکى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) وجعه یوم الخمیس، فقال: «ائتونی بکتاب اکتب لکم کتاباً لن تضلّوا بعـده أبداً». فتنازعوا، ولا ینبغی عنـد نبی تـنازع، فقـالوا: هجر رسـول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ؟ قـال: «دعـونی فـالـذی أنا فیه خیـر ممّا تدعونی إلیه».( [83])
وهنا نکته لابدّ من إلفات القارئ إلیها وهی: انّ فعل النبی(طلب الکتاب)، نسب فی الصوره الأُولى إلى غلبه الوجع وعند ذاک سمّی القائل به وهو عمر، وفی الصوره الثانیه نسب إلى الهجر والهذیان، ولم یذکر اسم القائل، وجاء مکان «عمر» لفظه: «قالوا».
ولما کانت الصوره الأُولى أخف وطأه من الثانیه، جاء فیها ذکر القائل دون الثانیه.
والقائل فی الجمیع واحد.
ویذکره أیضاً بشکل آخر فی موضع ثالث، یقول:
اشتدّ برسول اللّه وجعه فقال: «ائتونی بکتف اکتب لکم کتاباً لا تضلّوا بعده أبداً» فتنازعوا ولا ینبغی عند نبی تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذرونی فالذی أنا فیه خیر ممّا تدعونی إلیه».( [84]) وفی صوره رابعه قال بعضهم: إنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندکم القرآن، حسبنا کتاب اللّه، فاختلف أهل البیت واختصموا، فمنهم من یقول: قرّبوا یکتب لکم کتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من یقول غیر ذلک، فلمّا أکثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : قوموا.( [۸۵])
أُنشدک باللّه انّ من یخالف أمر النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) الذی تدلّ القرائن على کونه إلزامیاً، ثمّ یصف أمره بأنّه نتیجه غلبه الوجع أو الهجر والهذیان هل یوصف هذا بأنّه صاحب ملکه رادعه عن اقتراف المحرمات؟!
وما أبعد ما بین وصف هؤلاء وبین وصفه سبحانه لنبیّه الکریم بقوله: ( وَالنَّجـم إِذا هَـوى* ما ضَلَّ صـاحِبکُمْ وَماغَوى* وَما یَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحیٌ یُوحى ) .
کیف یقول ذلک الصحابی حسبنا کتاب اللّه؟! فلو کان هذا صحیحاً فلماذا ألف المسلمون الصحاح والسنن والمسانید؟!
۳٫ الانقلاب على الأعقاب بعد رحیل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)
۱٫ أخرج البخاری وعن أبی حازم قال: سمعت سهل بن سعد یقول: سمعت النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) یقول: أنا فَرَطُکُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم یظمأ بعده أبداً، لیرد علیّ أقوام أعرفهم ویعرفوننی ثمّ یحال بینی و بینهم.
قال أبو حازم: فَسَمِعَنی النعمان بن أبی عیّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هکذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبی سعید الخدری لسمعتُه یزید فیه قال: إنّهم منّی، فیقال: إنّک لا تدری ما بدّلوا بعدک، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدی.( [۸۶])
۲٫ أخرج البخاری عن المغیره، قال سمعت أبا وائل، عن عبد اللّه (رضی الله عنه) ، عن النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: أنا فَرَطُکم على الحوض، ولیرفعنّ رجال منکم ثمّ لیُختلجُنَّ دونی، فأقول: یا ربّ أصحابی، فقال: إنّک لا تدری ما أحدثوا بعدک.( [۸۷])
۳٫ أخرج البخاری عن أنس، عن النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: لیردَنَّ علیّ ناس من أصحابی الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دونی فأقول: أصحابی؟! فیقول: لا تدری ما أحدثوا بعدک.( [۸۸])
۴٫ أخرج البخاری عن سهل بن سعد قال، قال النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) : إنّی فَرَطُکم على الحوض من مرّ علیّ شرب، ومن شرب لم یظمأ أبداً، لیردنّ علیّ أقوام أعرفهم ویعرفونی ثمّ یحال بینی و بینهم.( [۸۹])
۵٫ أخرج البخاری عن أبی هریره انّه کان یحدث انّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: یرد علیّ یوم القیامه رهط من أصحابی فیحلّؤن عن الحوض، فأقول: یا رب أصحابی، فیقول: إنّک لا علم لک بما أحدثوا بعدک، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.( [۹۰]) ۶٫ أخرج البخاری عن أبی المسیب انّه کان یحدِّث عن أصحاب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) انّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: یرد علیّ الحوض رجال من أصحابی فیحلّؤن عنه، فأقول: یا ربّ أصحابی، فیقول: إنّک لا علم لک بما أحدثوا بعدک، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.( [۹۱])
۷٫ أخرج البخاری عن ابن عباس فی حدیث:… ثمّ یؤخذ برجال من أصحابی ذات الیمین وذات الشمال، فأقول: أصحابی، فیقال: إنّهم لم یزالوا مرتدّین على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول کما قال العبد الصالح عیسى ابن مریم: ( وَ کُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً مَا دُمْتُ فِیهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّیْتَنِی کُنْتَ أَنْتَ الرَّقِیبَ عَلَیْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى کُلِّ شَیْء شَهِیدٌ ـ إلى قوله: ـ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ ) ( [۹۲]) . ( [۹۳])
۸٫ أخرج البخاری عن العلاء بن المسیب قال: لقیت البراء بن عازب فقلت: طوبى لک صحبت النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وبایعته تحت الشجره، فقال: یا بن أخی انّک لا تدری ما أحدثنا بعده.( [۹۴])
۹٫ أخرج ابن أبی شیبه عن أبی بکره انّ رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: لیردنّ على الحوض رجال ممّن صحبنی ورآنی حتّى إذا رفعوا إلیّ اختلجوا دونی فلأقولنّ: ربّی أصحابی! فلیُقالَنّ إنّک لا تدری ما أحدثوا بعدک.( [۹۵])
۱۰٫ أخرج مسلم عن أسماء بنت أبی بکر، قال رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) : إنّی على الحوض حتّى أنظر من یرد علیّ منکم، وسیؤخذ أُناس دونی، فأقول: یا ربّ منّی ومن أُمتی، فیقال: أما شعرت ما عملوا بعدک، والله ما برحوا بعدک یرجعون أعقابهم.
قال: فکان ابن أبی ملیکه یقول: اللّهم إنّا نعوذ بک أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن دیننا.( [۹۶])
وتنتهی أسانید هذه الروایات إلى شخصیات نظراء: سهل بن سعد، أبی وائل عن عبد اللّه، أنس بن مالک، أبی هریره، ابن المسیب، البراء بن عازب، أبی بکره، وأسماء بنت أبی بکر واقتصرنا غالباً بما رواه البخاری وقد نقله مسلم وغیره أیضاً ، وما ظنّک بحدیث یرویه الإمام البخاری وقد نقل شیئاً منه فی الفتن، وقسماً أکثر فی باب الحوض.
ولابدّ من الکلام فی مقامین:
الأوّل: من هم الذین أخبر النبی عن ارتدادهم بعد رحیله؟
الثانی: ما هو المراد من ارتدادهم؟
أمّا الأوّل: فالقرائن القطعیه تدلّ على انّ المراد، بعض أصحابه الذین عاشوا معه وکان یعرفهم وهم یعرفونه واجتمعوا معه فی فتره زمنیه، ولیس هؤلاء إلاّ لفیف من أصحابه، والدلیل على ذلک ما جاء فی متونها من الکلمات التالیه:
۱٫ لیردنّ علی أقوام أعرفهم ویعرفوننی کما فی رقم ۱٫
۲٫ أنا فرطکم على الحوض ولیرفعن رجال منکم(رقم۲). ۳٫ حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دونی(رقم۳).
۴٫ فأقول: یا ربّ أصحابی (رقم ۳، ۵، ۶).
۵٫ تشبیه هؤلاء بأصحاب عیسى ابن مریم والاستشهاد بقوله سبحانه: ( وَ کُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً مَا دُمْتُ فِیهِمْ ) فهو صریح فی أنّ المراد من عاصر النبی. (رقم ۷).
۶٫ شهاده البراء بن عازب بأنّ الصحابه أحدثوا بعد رحیل النبی (رقم ۸).
۷٫ انّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) یصفهم بقوله: ممّن صحبنی ورآنی. (رقم ۹).
۸٫ استعاذه ابن أبی ملیکه من أن یرجع إلى أعقابه الدالّ على أنّ الصحابه هم المقصودون. (رقم ۱۰).
إذا کان من علائم هؤلاء:
انّ الرسول یعرفهم وهم یعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول(رجال منکم) لا من الأجیال المستقبله، فهؤلاء أصحابه الذین عاشوا معه فی عصر الرساله، حتّى استحقوا بأن یصفهم النبی عند الاستغاثه بقوله: «یا رب أصحابی». فلا أظن من یدرس هذه الروایات الوارده فی الصحیحین وغیرهما بتجرّد وموضوعیه أن یدور فی خلده، انّ المراد من الذین ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذین أتوا بعده وعاشوا فی أحقاب بعیده عن عصر الرسول، ولم یکن فیها من وجود الرسول عین ولا أثر، إذ لو کان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبی، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى کانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منکم» ومتى صحبوه (فتره قصیره أو طویله) وصاروا أصحابه؟
ومن التجنّی على الحقیقه القول: «بأنّ جمیع الأُمّه أصحاب النبی، کما أنّ جمیع من یقلّدون الشافعی مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسیر فی المقیس علیه ممنوع فکیف المقیس؟ فأصحاب الشافعی هم الذین تربّوا على یدیه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذین جاءوا بعده ولم یشاهدوه فهم أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب علیهم، فإنّما هو إطلاق مجازی لا حقیقی .
وأمّا المقیس فالحال فیه واضحه.
فالصحابه، فی الروایات والآثار، هم الذین أقاموا مع رسول اللّه فتره من الزمن، أو رأوا رسول اللّه و أدرکوه وأسلموا، إلى غیر ذلک من التعاریف التی ذکرها الجَزری فی «أُسد الغابه».( [97])
ولیس هذا المورد إلاّ کسائر الموارد التی وردت فیها کلمه الصحابه، مثلاً رووا عن النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابی» کما رووا عنه (صلى الله علیه وآله وسلم) أنّه قال: مثل أصحابی کالنجوم، إلى غیر ذلک من الموارد، فالمراد من الجمیع هو المعنى المصطلح.
وقد ألّف غیر واحد من الرجالیین کتباً فی حیاه الصحابه، کالاستیعاب لابن عبد البرّ، والإصابه فی تمییز الصحابه لابن حجر، و إلى غیر ذلک من الموارد التی أُطلقت فیها کلمه الصحابه وأُرید بها، من کانوا وعاشوا معه.
إنّ المتبادر من قوله(صلى الله علیه وآله وسلم) : «إنّک لا تدری ما أحدثوا بعدک»، أو «إنّک لا علم لک بما أحدثوا بعدک» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»،هو انّهم کانوا معک ولکن اقترفوا هذه الجریمه بعد رحیل الرسول، دون فاصل زمانی طویل، وقد کان المترقب من هؤلاء الذین رأوا شمس الرساله واستضاءوا بها، أن یتّبعوا دینه وشریعته و لا یعدلوا عنه قید شعره، ولکنّهم ـ للأسف ـ ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
هذا کلّه حول الأمر الأوّل، أعنی: رفع الستر عن هؤلاء الذین ارتدوا وبدلوا.
وأمّا الأمر الثانی، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدین، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقیده، أو السلوک على غیر ما أوصى به النبی فی غیر واحد من الأُمور؟ ولعل المراد هو الثانی حیث إنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أوصى بالثقلین وأهل بیته، فخالفوا وصیه الرسول، کما أنّهم خالفوا فی کثیر من الأحکام، المذکوره فی محلّها، فقدّموا الاجتهاد على النصّ، والمصلحه المزعومه على أمره، وبذلک أحدثوا فی دینه بدعاً، لیس لها فی الکتاب والسنّه أصل.
موقف النبی ممّن لم تحسن صحبته
ما مرّ من الروایات لا تهدف شخصاً معیّناً بالذکر، وهناک روایات تخص بعض الصحابه بالذکر من الذین لم تحسن صحبتهم ویخبر عن سوء مصیرهم ویندد بسوء عملهم، وهی کثیره، ونذکر منها النزر الیسیر:
۱٫ کلّهم مغفور له إلاّ
أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : من یصعد، الثنیّه، ثنیّه المُرار فانّه یحطّ عنه، ما حطّ عن بنی إسرائیل قال: فکان أوّل من صعدها، خیَلنا خیلَ بنی الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : «وکلّهم مغفور له إلاّ صاحب الجمل الأحمر» فأتیناه فقلنا له: تعال یستغفر لک رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فقال: واللّه لأن أجد ضالّتی أحبّ إلیّ من أن یستغفر لی صاحبکم، وکان رجل ینشد ضالّه له.( [۹۸])
إنّ مسلماً وان ذکره فی کتاب صفات المنافقین، لکنّه لا دلیل على أنّه کان منهم، بل کان من ضعفاء الإیمان، أو مرضى القلوب، أو السمّاعین، إلى غیر ذلک من الأصناف المتوفره فی صحابه النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ، وقد ذکر الشراح انّه کان الجدّ بن قیس الأنصاری.
وروى مسلم بعد هذا الحدیث عن أنس بن مالک قال: کان منّا رجل من بنی النجّار قد قرأ البقره وآل عمران، وکان یکتُب لرسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الکتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا کان یکتب لمحمد، فأُعجبوا به….
۲٫ اللّهم إنّی أبرأ إلیک ممّا صنع خالد
أخرج البخاری عن سالم، عن أبیه قال: بعث النبی خالد بن الولید إلى بنی جذیمه، فدعاهم إلى الإسلام فلم یُحسِنُوا أن یقولوا أسلمنا، فجعلوا یقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد یقتل منهم ویأسر، ودفع إلى کلّ رجل منّا أسیره، حتّى إذا کان یوم، أمر خالد أن یقتل کلّ رجل منّا أسیره، فقلت : واللّه لا أقتل أسیری، ولا یَقْتُل رجل من أصحابی أسیره حتّى قدمنا على النبی فذکرناه، فرفع النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) یده فقال: «اللّهمّ إنّی أبرأ إلیک ممّا صنع خالد» مرّتین.( [۹۹])
هذا هو سیف الإسلام، وبطله یقتل الأبریاء واحداً بعد الآخر، ویتبرأ النبی الأعظم من جریمته ولکنّه یُصبح بعد رحیل الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) رجلاً بارّاً و سیفاً مسلولاً سلّه رسول اللّه ولا یُغمد، وإن زنى بزوجه مالک بن نویره وقتله، فما حال غیره!
۳٫ تنبّؤه بمصیر ذی الخویصره
أخرج البخاری عن أبی سعید الخدری (رضی الله عنه) بینما نحن عند رسول اللّه وهو یقسم قسماً، أتاه ذو الخویصره، وهو رجلٌ من بنی تمیم، فقال: یا رسول اللّه اعدل، فقال: «ویلک، ومن یعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أکن أعدِلُ». فقال عمر: یا رسول اللّه، ائذَن لی فیه فأضرِبَ عُنقَهُ؟ فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً یحقِّرُ أحدکم صلاتَه مع صلاتهم، وصیامَه مع صیامهم، یقرأون القرآن لا یُجاوز تراقیهم، یمرقون من الدِّین کما یمرقُ السَّهم من الرّمیَّه».
۴٫ انّ فیک شعبه من الکفر
قد سبّ أبو هریره رجلاً بأُمّ له فی الجاهلیه فاستعدى رسول اللّه على أبی هریره، فقال له رسول اللّه:«إنّ فیک شعبه من الکفر» فحلف أبو هریره أن لا یسب بعده مسلماً.( [۱۰۰])
۵٫ امتناع الرسول من الصلاه على أحد أصحابه
أخرج الحاکم فی مستدرکه عن زید بن خالد الجهنی (رضی الله عنه) انّ رجلاً من أصحاب رسول اللّه توفّی یوم حنین أو خیبر، فامتنع (صلى الله علیه وآله وسلم) من الصلاه علیه، لأنّه غلّ فی سبیل اللّه ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز الیهود لا یساوی درهمین.( [۱۰۱])
۶٫ تنبّؤ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) بالمصیر الأسود لبعض أصحابه
أخرج البخاری عن أبی هریره قال شهدنا خیبر ، فقال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) لرجل ممّن معه یدّعی الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى کثُرت به الجِراحَه، فکادَ بعض الناس یرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَه، فأهوى بیده إلى کنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمین فقالوا: یا رسول اللّه، صدّق اللّه حدیثک، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم یا فلانُ، فأذِّن أنّه لا یدخلُ الجَنّه إلاّ مؤمنٌ، إنّ اللّه یُؤیِّد الدّین بالرَّجلِ الفاجر» .( [102])
۷٫ صحابی یخلو بامرأه
روى ابن کثیر فی تفسیر قوله سبحانه:( إِنّ الحَسنات یُذْهِبن السَّیئات ) قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبی الیسر کعب بن عمرو الأنصاری قال:أتتنی امرأه تبتاع منّی بدرهم تمراً، فقلت: إنّ فی البیت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهویت إلیها فقبّلتها، فأتیت عمر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسک ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتیت أبا بکر فسألته فقال: اتّق اللّه واستر على نفسک ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتیت النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازیاً فی سبیل اللّه فی أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت انّی من أهل النار حتّى تمنیتُ انّی أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول اللّه ساعه فنزل جبریل، فقال أبو الیسر: فجئت فقرأ علیّ رسول اللّه:( وَأَقِمِ الصَّلاه طَرَفی النَّهار وزُلَفاً من اللَّیل إِنّ الحَسنات یُذْهِبنَ السَّیئات ذلکَ ذِکْرى لِلذّاکرین ) فقال إنسان: یا رسول اللّه له خاصه أم للناس عامه؟ قال: «للناس عامه».( [103])
۸٫ صحابی یجلس بین رجلی امرأه
أخرج عبد الرزاق عن یحیى بن جعده انّ رجلاً من أصحاب النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) ذکر امرأه وهو جالس مع رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) فاستأذنه لحاجه، فأذن له، فذهب یطلبها فلم یجدها، فأقبل الرجل یرید أن یبشر النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) بالمطر، فوجد المرأه جالسه على غدیر فدفع فی صدرها وجلس بین رجلیها فصار ذکره مثل الهدبه، فقام نادماً حتّى أتى النبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) فأخبره بما صنع فقال له: «استغفر ربّک وصلّ أربع رکعات» قال: وتلا علیه: ( وَأَقِم الصَّلاه طَرفی النّهار وزُلفاً مِنَ اللَّیل ) الآیه.( [۱۰۴])
۹٫ صحابی یُقتَّص منه
وهذا حارث بن سوید بن الصامت شهد بدراً لکنّه قتل المِجذَر بن زیاد یوم أُحد لثأر جاهلی فقُتِل بأمر النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) . یقول ابن الأثیر: لا خلاف بین أهل الأثر انّ هذا قتله النبی بالمجذر بن زیاد، لأنّه قتل المجذر یوم أُحد غیله.( [۱۰۵])
۱۰٫ دعاء النبی على مُحلم بن جثامه
خرج هو ومعه نفر من المسلمین فیهم أبو قتاده حتّى إذا کانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعی على بعیر له، وسلم علیهم بتحیه الإسلام، وحمل علیه محلم بن جثامه فقتله لشیء کان بینه وبینه وأخذ بعیره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول اللّه وأخبروه الخبر، فنزل فیهم قوله سبحانه: ( یا أَیُّها الّذینَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فی سَبیلِ اللّه فَتَبَیّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن ألقى إِلیکُمُ السلام لَسْت مُؤْمناً ) الآیه.( [۱۰۶])
وفی تفسیر ابن کثیر قال له رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : لا غفر اللّه لک.( [۱۰۷])
هذه نماذج من أصحاب النبی الذین اقترفوا المعاصی فی حیاه النبی وتنبّأ النبی بسوء مصیرهم، أو ندد بعملهم، وإلاّ فالمجروحون من أصحابه کثیر. وکفى فی نقض الموجبه الکلیه (الصحابه کلّهم عدول) القضیه الجزئیه.
۱۱
عداله الصحابه
و
التاریخ الصحیح
لقد أوقفک الامعان فی آیات الذکر الحکیم والسنّه النبویه على أنّ الصحابه لم یکونوا على وتیره واحده، فکان فیهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، ومن حسنتْ صحبتُه، ومن ساءتْ، وبذلک انثلمتِ القاعدهُ العامّه المدّعاه فی حقّ الصحابه وهی: «انّ الصحابه کلّهم عدول»، وقد بُرْهن فی المنطق على أنّ نقیض الموجبه الکلیه هو السالبه الجزئیه، وما ذکرناه من النماذج لیس إلاّ سوالب جزئیه بالنسبه إلى الضابطه الکلیه.
فهلمّ معی نسلّط الأضـواء على ملامح من حیـاه الصحابه بعد رحیل الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) فهی مشـرقـه من جانب، إذ حملوا لواء الإسلام بأیدیهم، ونشروه فی ربوع الأرض وقاتلـوا وقتلوا، وهذا ممّا لا یُنکر، ومُظلمه من جانب آخر فانّ بعض من صحب النبی وعاشره اقترف جرائم لا تُغتفر، سوّد بها صحیفه حیاته حتّى عدّ عاراً على الصحابه أنفسِهم.
وها نحن نذکر فی المقام نبذه موجزه عن بعض الصحابه الذین عدلوا عن الطریق المهیع لتکون نموذجاً لما لم نذکر، فانّ استقصاء ذلک الجانب من حیاه الصحابه رهن کتاب مفرد.
۱٫ صحابیّ یقتل صحابیّاً ویزنی بزوجته
إنّ مالک بن نویره بن حمزه الیربوعی یعرّفه الطبری بقوله: بعث النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) مالک بن نویره على صدقه بنی یربوع وکان قد أسلم هو وأخوه متمم بن نویره الشاعر.( [۱۰۸]) ولما ارتحل النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) شاع الارتداد فی القبائل، وبعث أبو بکر خالد بن الولید لیطفئ هذه الفتنه، ولکنّ خالداً، تجاوز الحدّ فقتل الصحابی: مالک بن نویره، ولم یقتصر على قتله فحسب، بل زنى بزوجته أیضاً.
فلمّا قدم خالد المدینه بالسبی ومعه سبعه عشر من وفد بنی حنیفه، دخل المسجد وعلیه قباء علیه صدأ الحدید، متقلداً السیف، وفی عمامته أسهُم، فمرّ بعمر فلم یکلّمه ودخل على أبی بکر، فرأى منه کلّ ما یُحب، وإنّما وجد علیه عمر لقتله مالک بن نویره وتزوّجه بامرأته.( [۱۰۹])
وکانت شناعه الأمر بمکان، بحیث انّ عمر بن الخطاب لمّا ولی الأمر عزله و کتب إلى أبی عبیده: انّی قد استعملتک وعزلت خالداً.( [۱۱۰])
۲٫ سمره بن جندب یبیع الخمر
تولّى سمره بن جندب (أحد الصحابه)إماره البصره فی عهد معاویه، وقد سفک من الدماء الکثیر، ومن شنائع ما اقترفه، بیعه الخمر فی عهد عمر.
أخرج مسلم فی صحیحه عن ابن عباس قال: بلغ عمر انّ سمره باع خمراً، فقال: قاتل اللّه سمره، ألم یعلم أنّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) قال: لعن اللّه الیهود حرمت علیهم الشحوم فجملوها فباعوها.( [۱۱۱])
ولم تقتصر القبائح التی ارتکبها سمره بن جندب على ذلک، بل تعداه إلى سفک الدماء والإسراف فی قتل النفوس البریئه.
روى الطبری فی حوادث سنه ۵۰، قال: عن محمد بن سلیم، قال: سألتُ أنس بن سیرین هل کان سمره قتل أحداً؟ قال: وهل یحصى من قتله سمره بن جندب، استخلفه زیاد على البصره، وأتى الکوفه فجاء وقد قتل ثمانیه آلاف من الناس، فقال له : هل تخاف أن تکون قد قتلت أحداً بریئاً؟ قال: لو قتلت إلیهم مثلهم ما خشیت.
وروى أیضاً عن أبی سوار العدوی قال: قتل سمره بن جندب من قومی فی غداه سبعه وأربعین رجلاً قد جمع القرآن.( [۱۱۲])
۳٫ قدامه بن مظعون بدری یشرب الخمر
قدامه بن مظعون بن حبیب القریشی، وهو خال عبد اللّه وحفصه ابنی عمر بن الخطاب، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرین، فقدم الجارود سید عبد القیس على عمر بن الخطاب من البحرین، فقال: یا أمیر المؤمنین انّ قدامه شرب المسکر، فقال عمر: من یشهد معک، فقال: أبو هریره، فدعی أبو هریره، فقال: بم تشهد، فقال: لم أره یشرب، ولکنّی رأیته سکران یقی. فقال عمر: لقد تنطعت فی الشهاده، ثمّ کتب إلى قدامه أن یقدم علیه من البحرین، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا کتاب اللّه الخ.( [۱۱۳])
قال عبد الرزاق فی «المصنّف»: سمعت أیوب بن أبی یقول: لم یحدّ فی الخمر أحد من أهل بدر إلاّ قدامه بن مظعون.( [۱۱۴])
۴٫ أبو جندل یُحدّ حدّ الخمر
أبو جندل بن سهیل بن عمرو القرشی العامری، وکان أبوه سهیل کاتب قریش فی صلح الحدیبیه، وهو ممّن فرّ من مشرکی مکه والتحق بالمسلمین فی صلح الحدیبیه.
ذکر عبد الرزاق عن ابن جریج قال: أخبرت انّ أبا عبیده بالشام وجد أبا جندل بن سهیل بن عمرو، و ضرار بن الخطاب وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قد شربوا الخمر.
فقال أبو جندل: «لیس على الذین آمنوا وعملوا الصالحات جناح فیما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات»، فکتب أبو عبیده إلى عمر: انّ أبا جندل خصمنی بهذه الآیه. فکتب عمر: انّ الذی زیّن لأبی جندل الخطیئه زیّن له الخصومه، فاحددهم، فقال أبو الأزور: اتحدّوننا؟ قال أبو عبیده: نعم، قال: فدعونا نلقى العدو غداً فإن قُتلنا فذاک، وإن رجعنا إلیکم فحدُّونا، فلقى أبوجندل وضرار وأبو الأزور العدوَّ فاستشهد أبو الأزور وحّد الآخران. فقال أبو جندل: هلکتُ. فکتب بذلک أبو عبیده إلى عمر، فکتب عمر إلى أبی جندل وترک أبا عبیده: انّ الذی زین لک الخطیئه حظر علیک التوبه.( [۱۱۵])
۵٫ أبو محجن الثقفی یُحد ثمانی مرات
أبو محجن مالک بن حبیب الثقفی، سمع من النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) وروى عنه، وحدث عنه أبو سعد البقال، قال: سمعت رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) یقول: أخوف ما أخاف علیکم على أُمّتی من بعدی ثلاث: إیمان بالنجوم، وتکذیب بالقدر، وحیف الأئمه.
ففی الاستیعاب: کان شاعراً مطبوعاً کریماً إلاّ أنّه منهمکاً فی الشراب لا یکاد یُقلع عنه، ولایردعه حدّ ولا لوم لائم، وجلده عمر بن الخطاب فی الخمر مراراً ونفاه إلى جزیره فی البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبی وقاص بالقادسیه وهو محارب للفرس، وکان قد همّ بقتل الرجل الذی بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلک، فخرج فارّاً فلحق بعمر فأخبره خبره، فکتب عمر إلى سعد بن أبی وقاص بحبس أبی محجن، فحبسه.
وروى عن ابن جریج قال: بلغنی انّ عمر بن الخطاب حدّ أبا محجن الثقفی فی الخمر سبع مرات، وقال قبیصه بن ذویب: ضرب عمر بن الخطاب أبا محجن الثقفی فی الخمر ثمانی مرات، ومن روایه أهل الاخبار انّ ابناً لأبی محجن الثقفی دخل على معاویه، فقال له معاویه: أبوک الذی یقول:
إذا متُّ فا دفنّی إلى جنب کرمه *** تروّی عظامی بعد موتی عروقها
ولا تدفننی بالفلاه فاننّی *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها( [۱۱۶])
وقد عقد الحافظ الکبیر عبد الرزاق باباً أسماه «باب من حدّ من أصحاب النبی وذکره فیه».
۶٫ مسلم بن عقبه یشن الغاره على أهل المدینه
مسلم بن عقبه الأشجعی من صحابه النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ذکره ابن حجر فی «الإصابه» برقم ۷۹۷۷، وکفى فی حقّه ما ذکره الطبری فی حوادث سنه ۶۴ هـ ، قال: ولمّا فرغ مسلم بن عقبه من قتال أهل المدینه وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مکه، فلما وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت،وذلک فی آخر محرم من سنه ۶۴هـ .( [۱۱۷])
۷٫ بسر بن أرطأه یذبح ولدی عبید اللّه بن العباس
بسر بن أرطأه من أصحاب الرسول(صلى الله علیه وآله وسلم) شهد فتح مصر واحتفظ بها، وکان من شیعه معاویه، وکان معاویه وجّهه إلى الیمن والحجاز فی أوّل سنه أربعین وأمره أن ینظر من کان فی طاعه علیّ(علیه السلام) فیوقع بهم، ففعل ذلک.
وقد ارتکب جرائم کثیره ذکرها التاریخ، ولمّا کانت تمس عداله الصحابه وکرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مکتفیاً بالقول: وله أخبار شهیره فی الفتن لا ینبغی التشاغل بها!!
ومن جرائمه التی لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدی عبید اللّه بن العباس. قال الطبری: أرسل معاویه بن أبی سفیان بعد تحکیم الحکمین بسر بن أبی أرطأه، فساروا من الشام حتّى قدموا المدینه وعامل علی(علیه السلام) على المدینه یومئذ أبو أیوب الأنصاری، ففر منهم أبو أیوب. ثمّ صعد بسر على المنبر ونادى: یا أهل المدینه واللّه لولا ما عهد إلیّ معاویه ما ترکت بها محتلماً إلاّ قتلته ـ إلى أن قال ـ: ثمّ مضى بسر إلى الیمن وکان علیها عبید اللّه بن العباس، فلمّا بلغه مسیره فرّ إلى الکوفه واستخلف عبد اللّه بن عبد المدان الحارثی على الیمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقی بسر ثَقَل عبید اللّه بن عباس وفیه ابنان له، فذبحهما.( [۱۱۸])
۸٫ أُمّ المؤمنین وتزعّمها لجیش جرار
أمر اللّه تبارک وتعالى أُمّهات المؤمنین بملازمه بیوتهن بقوله: ( وَقَرْنَ فی بُیُوتِکُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلیهِ الأُولى وَأَقمن الصَّلاهَ وآتینَ الزَّکاهَ وأطعنَ اللّهَ وَرَسُولَه ) .( [۱۱۹])
وقد خالفت أُمّ المؤمنین عائشه أمر الکتاب العزیز حینما خرجت مع طلحه والزبیر فی جیش جرّار لمحاربه الإمام أمیر المؤمنین علی(علیه السلام) الذی بایعه جمهور الصحابه من المهاجرین والأنصار.
وکان لها موقف عدائی واضح من الإمام أمیر المؤمنین(علیه السلام) ، ولمّا بلغها قتل الإمام(علیه السلام) أنشدت قائله:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** کما قرّ عیناً بالإیاب المسافر( [۱۲۰])
فهذه الصحابیه مع مالها من منزله رفیعه بین المسلمین قادت جیشاً کبیراً لمحاربه الإمام (علیه السلام) ، ودارت بینهما معرکه شرسه، قُتل فیها من المسلمین ما یربو على عشره آلاف حسب ما ذکره الطبری.( [۱۲۱]) وربما یقال: انّ القتلى یفوق هذا العدد.
هذه نماذج ممّا یطالعه القارئ فی مرآه التاریخ، ولو حاولنا الاستقصاء لفاق هذا العدد بکثیر.
ومن سبر التاریخ بروح موضوعیه وتجرد، یجد انّ فئه من الصحابه سوّدت وجه التاریخ بنحو یثیر أسف الخلف على هذا السلف.
ادّعاء العداله لعامه الصحابه تنکّر للطبیعه البشریه
إنّ الصحابه الکرام لهم غرائز جامحه کسائر الناس، فمن الغریب استثناء هذا الجیل عن سائر الأجیال، وإضفاء هاله من القداسه علیهم بلا استثناء. ولم یکن للصحبه، البعد الإعجازی حتّى یقلب فطرتهم رأساً على عقب، ویحوّلهم إلى أشخاص مثالیّین، بل هم بشر ـ کسائر البشر ـ لهم میول وغرائز، قد ینفلت زمامها، فتُلقی بهم فی ودیان الهوى والظلم والعصیان.
وما ذکرناه هو الذی یدعمه الذکر الحکیم والسنّه النبویه وتاریخ الصحابه، فمن حاول الإصرار على موقفه من عداله الصحابه کلّهم، فقد خالف صریح القرآن الکریم والسنّه الشریفه وما أطبق علیه التاریخ الصحیح.
وعلى الرغم من ذلک فإنّ القائلین بعداله الصحابه استدلّوا بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
الثانی: ثناء الکتاب على الصحابه.
الثالث: ثناء السنّه علیهم.
وسنعقد بحثاً فی الفصول الآتیه نتناول فیه هذه الوجوه نقداً وتمحیصاً.
۱۲
أدلّه القائلین بعداله الصحابه
۱٫ الإجماع على عداله الصحابه
استدلّ القائلون بعداله الصحابه وهم جمهور السنّه بوجوه:
الأوّل: الإجماع على عدالتهم وقد مرّ آنفاً کلمه إمام الحنابله وغیره، یقول ابن حزم:
انّا نقطع على غیب قلوبهم انّهم کلّهم مؤمنون صالحون ماتوا کلّهم على الإیمان والهدى والبر، کلّهم من أهل الجنّه لا یلج أحد منهم النار.( [۱۲۲])
یلاحظ علیه: بأنّه کیف یدّعی الإجماع على خلاف ما نطق به الکتاب العزیز والسنّه النبویه والتاریخ الصحیح، أو لیس هذا الإجماع، إجماعاً على خلاف الحجج القطعیه؟! ثمّ کیف یدّعی الإجماع مع أنّ فی عداله الصحابه أقوالاً مختلفه نذکر منها ما یلی:
یقول الخطیب فی کتابه: «السنّه قبل التدوین».
إنّ للصحبه شرفاً عظیماً یمنح صاحبها میزه خاصه، وهی انّ جمیع الصحابه عند من یعتدّ به من أهل السنّه عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم یلابس، وهو قول الجمهور.
وقال قوم: إنّ حکمهم فی العداله حکم من بعدهم فی لزوم البحث عن عدالتهم عند الروایه.
ومنهم من قال: إنّهم لم یزالوا عدولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بینهم، فبعد ذلک لا بدّ من البحث فی عدالتهم.
ومنهم من قال ـ و هم المعتزله ـ : إنّ کلّ من قاتل علیّاً عالماً فهو فاسق مردود الروایه والشهاده، لخروجهم على الإمام الحقّ.
ومنهم من قال برد روایه الکلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفریقین فاسق وهو غیر معلوم ولا معیّن.
ومنهم من قال: بقبول روایه کلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد، لأنّ الأصل فیه العداله، وقد شککنا فی فسقه، ولا یقبل ذلک منه مع مخالفه، لتحقّق فسق أحدهما من غیر تعیین. ( [۱۲۳])
وقد مرّ انّ عمر بن عبد العزیز، وأحمد بن حنبل وغیرهما قالوا بلزوم الإمساک عمّا شجر بین الصحابه فی الخلاف، وما روی عنهم من اقتراف المعاصی، ومعنى ذلک انّهم وقفوا على واقع الأمر وأرادوا التغطیه على الواقع الملموس، حفظاً لعقائد المسلمین!!
کلام التفتازانی فی حقّ الصحابه
وهناک کلام للشیخ التفتازانی فی شرح مقاصده مع أنّه استولت علیه العصبیه بدعوته إلى ترک الکلام فی حقّ البغاه والجائرین من الصحابه، ولکنّه أصحر بالحقیقه، قائلاً:
ما وقع بین الصحابه من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور فی کتب التواریخ والمذکور على ألسنه الثقات یدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طریق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق وکان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملک والرئاسه، والمیل إلى اللذات والشهوات، إذ لیس کلّ صحابی معصوماً ولا کلّ من لقی النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) بالخیر موسوماً إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، ذکروا لها محامل وتأویلات بها تلیق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا یوجب التضلیل والتفسیق، صوناً لعقائد المسلمین عن الزیغ والضلاله فی حقّ کبار الصحابه لا سیما المهاجرین منهم، والأنصار، والمبشرین بالثواب فی دار القرار. وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بیت النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) فمن الظهور بحیث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعه بحیث لا اشتباه على الآراء، إذ تکاد تشهد به الجماد والعجماء، ویبکی له من فی الأرض والسماء، و تنهد منه الجبال و تنشق الصخور، ویبقى سوء عمله على کرّ الشهور، ومرّ الدهور فلعنه اللّه على من باشر أو رضی أو سعى ولعذاب الآخره أشدّ وأبقى.( [۱۲۴])
۲
ثناء القرآن على الصحابه
استدلّ غیر واحد من القائلین بعداله الصحابه کلّهم، بآیات ورد فیها الثناء على طوائف منهم، ولیس على کلّ الصحابه، لکن حب المستدلین للنبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وأصحابه، حال بینهم و بین ما تهدف إلیه آیات الثناء، فزعموا انّها تُثنی على الصحابه بأجمعهم وانّه سبحانه شمل الجمیع بثنائه وأشاد بفضلهم وفضیلتهم من دون استثناء وإلیک هذه الآیات.
الآیه الأُولى:
یقول سبحانه: ( وَالسّابِقُونَ الأوّلون َمِنَ المُهاجرینَ وَالأَنْصارِ وَالَّذِینَ اتَّبعُوهُمْ بِإِحسان رَضَِی اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعدّ لَهُمْ جَنّات تَجری مِنْ تَحْتهَا الأَنْهارُ خالِدینَ فِیها أَبداً ذلِکَ الْفَوزُ العَظیم ) .( [۱۲۵])
أثنى سبحانه فی هذه الآیه المبارکه على طوائف ثلاثه عبّر عن کلّ منها بلفظ خاص.
۱٫ السابقون الأوّلون من المهاجرین
أثنى سبحانه على السابقین من المهاجرین وحذف متعلّق السبق، وبما أنّهم من المهاجرین، یُعلم أنّ متعلّقه هو الهجره أی الذین هاجروا أیّام هجره النبی أو بعدها بقلیل، وبما انّ لفظه «من» فی قوله «من المهاجرین» للتبعیض، فهو یخرج المتأخرین فی الهجره فلا یعمّ المهاجرین غیر السابقین، وعلى هذا فالآیه تنطبق على من آمن بالنبی قبل الهجره ثمّ هاجر قبل وقعه بدر التی منها ابتدأ ظهور الإسلام على الکفر.
وأمّا المهاجرون بعد وقعه أُحد، فلا یمکن الاستدلال بالآیه علیهم لعدم وجود الموضوع أی السبق فی الهجره والنصره.
الثانیه: السابقون الأوّلون من الأنصار
أثنى سبحانه فیها على السابقین الأوّلین من الأنصار، وذلک لأنّ قوله: «والانصار» عطف على قوله: «المهاجرین» فیکون تقدیر الآیه : السابقون الأوّلون من الأنصار، ومتعلّق السبق وإن کان محذوفاً، ولکن کونهم من الأنصار، قرینه على أنّ المراد، السبق فی النصره بالإنفاق والإیواء فلا یدخل فیهم مطلق الأنصار ولا أبناؤهم، وحلفاؤهم، فالآیه تثنی على السابقین الأوّلین من الأنصار و هم الذین آمنوا بالنبی وآووه وتهیّأوا لنصرته عندما هاجر إلى المدینه، و لا تُثنی على عامه الأنصار، وما ذکرناه هو الظاهر من المفسرین . قال الرازی: إنّ الآیه تتناول الذین سبقوا فی الهجره والنصره، فهو لا یتناول إلاّ قدماء الصحابه، لأنّ کلمه «من» تفید التبعیض .( [۱۲۶])
دفع وهم
وربمایتوهم انّ الآیه بصدد الثناء على عامه المهاجرین والأنصار، وهذا هو الظاهر من خطباء القوم ومؤلّفیهم وهو الذی ذکره الرازی قولاً ثانیاً و قال: منهم من قال تتناول الآیه جمیع الصحابه، لأنّ جمله الصحابه موصوفون بکونهم سابقین أوّلین بالنسبه إلى سائر المسلمین، وکلمه «من » فی قوله ( من المهاجرین والأنصار ) لیست للتبعیض، بل للتبیین، أی والسابقون الأوّلون الموصوفون بوصف کونهم مهاجرین وأنصاراً، کما فی قوله تعالى: ( فاجتنبوا الرِّجس من الأَوثان ) وکثیر من الناس ذهبوا إلى هذا القول.( [۱۲۷])
یلاحظ علیه :أوّلاً: أنّ المتّبع فی تفسیر الآیه، هو المتبادر عند أهل اللسان من ظاهر الآیه، فإذا کان الصحابه حسب شهاده بعض الآیات منقسمین إلى قسمین سابق فی الهجره والنصره ولاحق فیهما، یکون السبق واللحوق قائمین بنفس الصحابه، فمنهم سابق ومنهم لاحق لا أنّ کلّهم سابقون، ومن آمن بعدهم لاحقون. یقول سبحانه ( لا یَسْتَوی مِنْکُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبل الفَتح وقاتَلَ أُولئِکَ أَعْظمُ دَرَجَهً مِنَ الَّذینَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا ) .( [۱۲۸])
وثانیاً: لو کانت الآیه بصدد الثناء على عامه المهاجرین والأنصار، بل مطلق الصحابه وإن لم یکونوا منهما، تلزم لغویه قوله: ( السابِقُونَ الأَوّلون ) ، بل یکفی أن یقال: ( المهاجرون والأنصار و… ) ، لأنّ سبب الرضا والثناء هو هجرتهم ونصرتهم لا سبقهم على سائر الاجیال، لأنّ سبقهم على سائر المسلمین فی الأجیال اللاحقه لم یکن أمراً اختیاریاً لهم، وهذا بخلاف ما لو بان الثناء على صنف من الصحابه دون صنف، لأنّ سبق الأوّل فی الهجره والنصره على سائر الصحابه إنّما کان بملاک الاختیار.
و ثالثـاً: إذا کـان المـراد مـن الآیـه عامّه الصحابه الذین أدرکوا النبی وأسلموا، یکون المراد من الطائفه الثالثه فـی ( و الذّین اتّبعوهم بإحسان ) سائر المسلمین فی الأجیال المتلاحقه .
فکان اللازم عندئذ أن یقول: «والذین یتّبعونهم بإحسان، بصیغه المضارع لا الماضی، کما أتى به سبحانه فی سوره الجمعه وقال: ( هُوَ الّذی بَعَثَ فِی الأُمیّین رَسُولاً مِنْهُمْ یَتْلُوا عَلَیْهم آیاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلّمُهمُ الکتابَ وَالْحِکْمَهَ وإِنْ کانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِی ضَلال مُبین* وَآخَرینَ مِنْهُمْ لمّا یَلْحَقُوا بِهم وَهُوَ الْعَزِیزُ الحْکیم ) .( [۱۲۹])
فأراد من الآیه الأُولى عامه الصحابه، ومن الآیه الثانیه ( وآخرین َ مِنْهُم لَمّا یَلْحَقُوا بِهمْ ) کلّ من یأتی بعد الصحابه إلى یوم القیامه، قال اللّه سبحانه بعث النبی إلیهم فإنّ شریعته خاتمه الشرائع .
إلى هنا تمّ تفسیر الطائفتین، وإلیک بیان الطائفه الثالثه الوارده فی الآیه.
۳٫ والذین اتّبعُوهم بإحسان
ما هو المراد من الموصول؟! وما هو المراد من القید بإحسان؟
أمّا الأوّل فالمراد هم الذین تحقق اتباعهم فی عصر نزول الآیه، لا من یتحقّق فی الأجیال الآتیه، وبما انّ مبدأ ظهور السابقین، هو ظهور الإسلام فی الفتره المکیه ومنتهاهم هو انتصار الإسلام على مظاهر الشرک فی المنطقه، أعنی: غزوه بدر، یکون نهایه هؤلاء مبدأ لظهور الطائفه الثالثه وتتحدد نهایتهم ببیعه الرضوان أو فتح مکه لقوله (صلى الله علیه وآله وسلم) : «لا هجره بعد الفتح».
وأمّا الثانی، فالآیه لاتثنی على کلّ من اتبع السابقین بالهجره والنصره ولکن تقیّد الاتّباع بقوله: «بإحسان» أی یکون الاتّباع مقروناً ومصحوباً بالإحسان فی القول والعمل، فتقیید الرضا بحسن سلوکهم وسیرتهم یخرج من هاجر ونصر، من دون اتّباع مصحوب بإحسان، بأن ساءت سیرته، ولم یحسن سلوکه . واللّه سبحانه یعلن رضاه عن هذه الطائفه مثل السابقین ویقول: ( رَضِی اللّه عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) .( [۱۳۰])
فلو وجدنا صحابیاً آمن وهاجر أو نصر النبی ولکن شککنا فی حسن سلوکه وسیرته، لا تکون الآیه دلیلاً على رضاه سبحانه عنه، للشکّ فی شمول الآیه له فضلاً عمّن ثبت سوء سیرته.
هذا ما هو المتبادر والمفهوم من الآیه، وهی دلیل قاطع على أنّه سبحانه رضی عن طوائف ثلاث من الصحابه، لا عن کلّهم، والاستدلال به على الموجبه الکلیه«عداله کلّ صحابی» کما ترى.
الآیه الثانیه
استدلّوا على عداله الصحابه بآیه ثانیه، نظیره الآیه المتقدّمه فی تصنیف الصحابه إلى أصناف ثلاثه. وهذه الطوائف الثلاث التی أشارت إلیها الآیه عباره عن:
۱٫ الفقراء المهاجرین.
۲٫ الذین تبوّءُوا الدار والإیمان (الأنصار).
۳٫ والذین جاءوا من بعدهم .
ولکلّ من الأصناف سمات و میزات، مذکوره فیها ویتمیزون بها عن سائر الصحابه قال سبحانه : ( لِلْفُقراءِ المُهاجِرِینَ الَّذِینَ أُخرِجُوا مِنْ دِیارِهِمْ وَأَموالِهِمْ یَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً وَیَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِکَ هُمُ الصّادِقُون* وَالّذینَ تَبَوَّءُو الدارَ والإِیمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ یُحبُّونَ مَن هاجَر إِلیهِمْ وَلا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمْ حاجَهً مِمّا أُوتُوا وَیُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو کانَ بِهِمْ خَصاصَهٌ وَمَنْ یُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِکَ هُمُ المُفْلِحُون* وَالَّذینَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ یَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذینَ سَبَقُونا بِالإِیمان وَلا تَجْعَل فی قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذینَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّکَ رَؤوفٌ رَحیم ) .( [۱۳۱]) فهذه الآیات الثلاث نظیر ما تقدّم من الآیتین، لا تُثنی على عامّه الصحابه، بل على فریق منهم.
أمّا المهاجرون فتثنی على من تمتّع منهم بالصفات التالیه:
أ. ( أُخرجوا من دیارهم وأموالهم ) .
ب. ( یبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً ) .
ج. ( ینصرون اللّه ورسوله ) .
فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرین فقد أثنى القرآن علیه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، کونهم مشرّدین من دیارهم وأموالهم، فیکون المقصود هم الذین هاجروا قبل وقعه «بدر». فینطبق على السابقین الأوّلین من المهاجرین فی الآیه السابقه.
وأمّا الأنصار فإنّما تثنی على من تمتّع منهم بالصفات التالیه:
أ.( تبوّءُو الدار والإِیمان مِنْ قَبْلِهِمْ ) أی آمنوا باللّه ورسوله، فخرج بذلک من اتّهم بالنّفاق وکان فی الواقع منافقاً.
ب. ( یُحبُّونَ مَن هاجَر إِلیهِمْ وَلا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمْ حاجه مِمّا أُوتُوا ) .
ج.( وَیُؤثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَو کانَ بِهِمْ خَصاصَه ) .
وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إیواء المهاجرین والأنصار وإیثارهم على الأنفس، فیکون المراد من آمنوا بالنبیّ وآووه وآووا المهاجرین، فینطبق على من آمن وآوى قبل غزوه بدر لانتفاء الإیواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بنی قینقاع» غبَّ معرکه «بدر» حیث خرجوا من قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، تارکین جمیع ذلک للمسلمین. فینطبق على السابقین الأوّلین من الأنصار فی الآیه السابقه.
وأمّا التابعون لهم، أعنی: الذین جاءوا من بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالیه:
أ.( یَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإِخوانِنا الَّذینَ سَبَقُونا بِالإِیمان ) .
ب.( وَلا تَجْعَل فی قُلُوبِنا غِلاً لِلَّذینَ آمَنُوا ) . فالعلائم المذکوره للطائفه الثالثه، کنایه عن الاتّباع بإحسان الذی ورد فی الآیه الأُولى، فتنبطق على التابعین فیها.
فظهر انّ الآیات الوارده فی سوره الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد فی سوره التوبه ولا تختلف عنها قید شعره.
فالاستدلال بهذه الآیات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابه جمیعهم من أوّلهم إلى آخرهم ـ الذین ربّما جاوز عددهم المائه ألف ـ غفله عن مفاد الآیات; فأین الدعاء والثناء على لفیف من المهاجرین والأنصار والتابعین لهم المتمتّعین بخصوصیات معیّنه، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمین بالنفاق؟!
وأین هذه الآیات من مدح خمسه عشر ألف صحابی سُجّلت أسماؤهم فی المعاجم، أو مائه ألف صحابی صحبوا النبی فی مواقف مختلفه ورأوه وعاشروه؟!
الآیه الثالثه:
استدلّوا بآیه ثالثه نزلت فی مورد بیعه الرضوان وأبدى سبحانه رضاه عن المبایعین، وقال:
( لَقَدْ رَضِیَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنینَ إِذْ یُبایِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَهِ فَعَلِمَ ما فِی قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّکِینَهَ عَلَیْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِیباً ) .( [۱۳۲])
فالآیه تثنی على مَن صحبوا النبی فی الحدیبیه وبایعوه تحت الشجره، وکان ذلک فی السنّه السادسه من الهجره، وقد رافقه حوالی ألف وأربعمائه أو ألف وستمائه أو ألف وثمانمائه.( [۱۳۳])
والثناء على هذا العدد القلیل لا یکون دلیلاً على الثناء على جمیع الصحابه من أوّلهم إلى آخرهم!!
کما أنّ الرضا محدّد بزمان البیعه حیث قال: ( إذ یبایعونک ) ولا یشمل الفترات المتأخره عنها.
الآیه الرابعه:
استدلّوا على عدالتهم بآیه رابعه تذکر سمات أصحاب النبی وصفاتهم، یقول سبحانه:
( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلى الکُفّارِ رُحَماءُ بَیْنهُمْ تَراهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِکَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوراهِ وَمَثَلُهُمْ فِی الإِنْجِیل کَزَرْع أَخْرَجَ شَطأَهُ فَآزَرَهُ فَاستَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ یُعْجِبُ الزُّرّاع لِیَغِیظَ بِهِمُ الکُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات مِنْهُمْ مَغْفِرهً وَأَجراً عَظیماً ) .( [۱۳۴])
فهذه الآیه بظاهرها أوسع دلاله ممّا سبق، لأنّها تثنی على النبی ومن معه، ولکن مدلول الآیه ـ فی الحقیقهـ لیس بأوسع ممّا سبق، وذلک للقرائن التالیه:
الأُولى: الصفات التالیه لم تکن متوفره فی عامّه الصحابه، أعنی بها:
أ. ( أشدّاء على الکفّار ) .
ب. ( رُحماء بَینَهُمْ ) .
ج.( تَراهُمْ رُکّعاً سُجّداً )
د. ( یَبْتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْواناً ) .
هـ.( سِیماهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود ) .
فهل الذین أراقوا دم عثمان وقتلوه فی عقر داره کانوا من غیر الصحابه؟!
وهل الذین خضّبوا الأرض بدم الصحابه فی میادین القتال کانوا من الأجانب؟! فما لکم کیف تحکمون.
فإذا کانت أعمالهم الإجرامیه من مصادیق التراحم فکیف یکون تباغضهم ومشاجراتهم؟!
وهل کان فی وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذین آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!
الثانیه: انّ ذیل الآیه یشهد بأنّ الثناء على قسم منهم، یقول تعالى: ( وَعَدَ اللّهُ الَّذینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرهً وَأَجراً عَظیماً ) فانّ لفظه «من» فی قوله: «منهم» للتبعیض، وما یقال من أنّ «من» بیانیه غیر صحیح، لأنّها لا تدخل على الضمیر مطلقاً فی کلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، کما فی قولک: ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ( [۱۳۵]) . ( [۱۳۶])
الثالثه: انّ الآیه نزلت قبل فتح مکه وبعد الحدیبیه، والمراد من قوله سبحانه فی هذه الآیه: ( إِنّا فَتَحْنا لَکَ فَتْحَاً مُبِیناً ) هو الفتح فی صلح الحدیبیه، وفیه إخبار عن فتح مکه فی المستقبل بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ آمِنینَ مُحَلِّقینَ رُؤُوسَکُمْ وَمُقَصِّرینَ لاَ تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِکَ فَتْحاً قَرِیباً ) .( [۱۳۷])
فالآیه تتضمن الإخبار عن فتحین آخرین:
۱٫ عمره القضاء وأشار إلیه بقوله: ( لتدخلنّ المسجد الحرام ) .
۲٫ فتح مکه وأشار إلیه بقوله: ( فجعل من دون ذلک فتحاً قریباً ) .
فإذا کانت الآیه ممّا نزلت فی السنّه السادسه وحوالیها، فلا تکون أوسع دلاله من الآیات النازله بعدها فی السنّه التاسعه کما نقلناه، فالثناء المطلق فی الآیه على مَن کان مع النبی ( والّذین مَعَه ) یحمل ویخصص بما خصصه القرآن فی آیات أُخرى کالآیات المتقدّمه.
وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتیجه التالیه: انّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابه الرسول قاطبه وتعدیله إیاهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء ـ بعد ضمّ بعضها إلى بعض ـ على لفیف منهم وطائفه خاصّه.
إنّما الأعمال بالخواتیم
هذا العنوان کلمه قدسیه قالها النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) فیما رواه البخاری عنه، وذکر فی الباب روایتین تدلاّن على أنّ الملاک للنجاه هو خواتیم الأعمال نذکر واحده منها.
أخرج البخاری عن سهل : أنّ رجلاًمن أعظم المسلمین غناءً عن المسلمین، فی غزوه غزاها مع النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فنظر النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: «من أحبّ أن ینظر إلى الرّجل من أهل النار فلینظر إلى هذا، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلک الحال من أشدّ الناس على المشرکین حتّى جرح، فاستعجل الموت، فجعل ذبابه سیفه بین ثَدییه حتّى خرج من بین کتفیه، فأقبل الرّجل إلى النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) مسرعاً، فقال: أشهد أنّک رسول اللّه، فقال: «وما ذاک؟». قال: قلت لفلان: «من أحبّ أن ینظر إلى رجل من أهل النار فلینظر إلیه». وکان من أعظمنا غناء عن المسلمین، فعرفتُ أنّه لا یموت على ذلک، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) عند ذلک: «إنّ العبد لَیعملُ عَمَل أهل النّار وانّه من أهل الجنّه، ویعمل عمل أهل الجنّه وإنّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتیم».( [138])
وکم من إنسان حسنتْ حیاته فی أوائل عمره، ثمّ تبدلت وساءت سیرته وسلوکه، وحبطت أعماله الصالحه أتى بها فی أوائل عمره أو أواسطه یقول سبحانه:
( یا أَیُّها الّذینَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصواتکُمْ فوقَ صوتِ النَّبیّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْض ان تَحبَطَ أَعمالُکُمْ ) .( [۱۳۹])
والقرآن یحدث عمّن أُوتی آیات اللّه فی مقتبل عمره، لکنّه ساءت سیرته فی الفتره الأخیره من عمره فصار من الغاوین ، ویقول: ( و اتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأ الَّذی آتَیْناهُ آیاتِنا فَانسَلَخَ مِنْها فأَتبَعَهُ الشَّیطانُ فکان مِنَ الغاوین ) .( [۱۴۰])
وهذا هو قارون بنی إسرائیل کـان یقـرأ التوراه بصوت حسن، ولکنّه ساء سلوکه فخسف سبحانه به وبداره وکنزه.( [۱۴۱])
وعلى ضوء ذلک فما مرّ من الآیات التی تُثنی على فئات من الصحابه لا یحتج بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّه القطعیه انحرافهم عن الطریق المهیع، واقترافهم المعاصی ومحاربتهم الحق والحقیقه.
وممّا لا شکّ فیه وقوع التشاجر بین الصحابه ، کما دارت بینهم معارک دامیه، قُتل على أثرها لفیف من البدریین والأُحدیین وغیرهم من المسلمین الأبریاء وعندئذ یقال: إنّما العبره بخواتیم الأعمال، وثناء القرآن علیهم إنّما کان بحسب ملابساتهم وأحوالهم یوم ذاک. فکانوا من الصلحاء ولیس من المستحیل أن ینسلخوا من تلک الأحوال کما انسلخ غیرهم.
۳
ثناء النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)
على الصحابه
استُدلّ على عداله الصحابه بثناء النبی علیهم، ونحن نذکر منه ما هو المهم:
۱٫ حدیث انّ اللّه اطّلع على أهل بدر…
أخرج البخاری عن علی (رضی الله عنه) قال: بعثنی رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) وأبا مرثد والزبیر، وکلُّنا فارس، قال: انطلقوا حتّى تأتوا روضه خاخ، فانّ بها امرأه من المشرکین، معها کتاب من حاطب بن أبی بلتعه إلى المشرکین، فأدرکناها تسیر على بعیر لها حیث قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فقلنا: الکتاب، فقالت: ما منّا کتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر کتاباً، فقلنـا: ماکذب رسول اللّه، لتُخرجنّ الکتاب أو لنجرّدنّک، فلمّـا رأت الجدّ أهوت إلى حُجْزتها وهی محتجزه بکساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فقال عمر: یا رسول اللّه، قد خان اللّه ورسوله والمؤمنین، فدعنی لاضرب عنقَه، فقال النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) : ما حملک على ما صنعت؟ قال حاطب: واللّه ما بی أن لا أکونَ مؤمناً باللّه ورسوله (صلى الله علیه وآله وسلم) أردت أن یکون لی عند القوم ید یدفع اللّه بها عن أهلی ومالی، ولیس أحد من أصحابک إلاّ له هناک من عشیرته من یدفع اللّه به عن أهله وماله. فقال النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) : صدق، ولا تقولوا له إلاّ خیراً.
فقال عمر: إنّه قدخان اللّه ورسوله والمؤمنین، فدعْنی فلأضرب عنقه، فقال: ألیس من أهل بدر؟ فقال: لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر، فقال: إعمَلوا ما شئتم، فقد وجبت لکم الجنه، أو قد غفرتُ لکم، فدمعت عینا عمر، وقال: اللّه ورسوله أعلم.( [۱۴۲])
هذا الحدیث وإن أخرجه البخاری وأسنده إلى علی(علیه السلام) ولکنّنا نجلّ الإمام أمیر المؤمنین علیّاً (علیه السلام) عن روایه هذا الحدیث عن رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) ، فانّ مضمونه یشهد على کذبه، إذ کیف یمکن للنبیّ (صلى الله علیه وآله وسلم) أن یُعطی الضوء الأخضر لجماعه من الصحابه یناهز عددهم الثلاثمائه، ویسمح لهم أن یفعلوا ما یشاءُون، وإن اقترفوا الکبائر وارتکبوا المعاصی وإن سفکوا الدماء وخضّبوا بها وجه الأرض.
إنّه سبحانه یخاطب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) بقوله: ( لئن أشرکتَ لَیَحْبِطنَّ عَمَلک ) .( [۱۴۳]) فهل یُعقل أن یسمح للبدریین أن یفعلوا ما شاءوا وأن یُبشرهم بالجنه؟! وقد تقدّم آنفاً انّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) اقتصّ من الحارث بن سوید بن الصامت البدریّ لقتله المجذر بن زیاد.
وهذا هو حاطب بن أبی بلتعه یُصبح عینَ المشرکین بالمدینه، ولکنّه بالرغم من ذلک یدخل الجنه!! مع أنّ الجاسوس إذا کان مسلماً، یتجسّس لصالح الکفّار یقتل، أو یوجع ویعزّر على اختلاف فی المذاهب.( [۱۴۴])
۲٫ حدیث «مثل أصحابی کالنجوم»
أخرج ابن حمید عن نافع عن ابن عمر، انّ رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) قال: مثل أصحابی مثل النجوم یهتدى به، فأیّهم أخذتم بقوله اهتدیتم.( [۱۴۵])
یلاحظ علیه : أنّ متن الحدیث یکذِّب صدوره، إذ لیس کلّ نجم هادیاً فی البرّ و البحر، بل هناک نجوم خاصه للاهتداء، ولأجل ذلک قال سبحانه: ( وَعَلامات وَبِالنَّجْمِ هُمْ یَهْتَدُون ) .( [۱۴۶])
وأمّا قوله سبحانه: ( وَهُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فی ظُلُماتِ البَرِّ وَالْبَحْر قَدْ فَصَّلْنَا الآیات لِقَوم یَعْلَمُونَ ) ( [۱۴۷]) فاللام فی النجوم للعهد أی النجوم المعهوده التی کانت العرب یومذاک یهتدون بها فی البر والبحر ولیست للاستغراق.
ولا یتمشّى ذلک الحمل فی الحدیث بأن یحمل على فئه من الصحابه، لأنّ الغایه فیها التبسیط والتعمیم لکلّ صحابی کما هو صریح قوله: «فأیّهم أخذتم بقوله اهتدیتم» فلا محیص من حمل «کالنجوم» على الاستغراق، والحال انّه لیس کلّ نجم هادیاً.
ولو افترضنا الاهتداء بکلّ نجم فی السماء، أفهل یمکن أن یکون کلّ صحابی نجماً لامعاً هادیاً للأُمّه؟ فهذا قدامه بن مظعون، صحابی بدری یعد من السابقین الأوّلین ومن المهاجرین الهجرتین، قد شرب الخمر وأقام علیه عمر الحدّ، کما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.( [۱۴۸]) کما أنّ بعض الصحابه أراق دماءً طاهره فمن استقصى تاریخ حیاه بسر بن أرطأه یجد انّه اقترف جرائم کثیره، حتّى أنّه قتل طفلین لعبید اللّه بن عباس!! و کم بین الصحابه من رجال قد احتفل التاریخ بضبط مساویهم، أفبعد هذه البیّنات یصحّ لأحد أن یتقوّل بأنّهم جمیعاً وبلا استثناء کالنجوم یهتدى بهم؟!
یقول أبو جعفر النقیب: إنّ هذا الحدیث من موضوعات متعصبه الأمویه فانّ منهم من ینصرهم بلسانه وبوضعه الأحادیث إذا عجز عن نصرهم بالسیف.( [۱۴۹])
ولعل القارئ الکریم یتصوّر انّ أباجعفر النقیب ممن ینفرد فی شأن هذه الروایه و لیس الأمر کذلک ، بل حکم بوضعها کثیر من محقّقی السنّه یقول ابن حزم فی رساله إبطال الرأی والقیاس والاستحسان والتعلیل والتقلید: وهذا ـ أی حدیث النجوم ـ خبر مکذوب موضوع باطل لم یصحّ قط.( [۱۵۰]) وقال الحافظ الکبیر الذهبی فی ترجمه جعفر بن عبد الواحد الهاشمی القاضی: ومن بلایاه عن وهب بن جریر، عن أبیه، عن الأعمش، عن أبی صالح، عن أبی هریره، عن النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) : أصحابی کالنجوم من اقتدى بشیء منها اهتدى.( [۱۵۱])
وقال أیضاً فی ترجمه زید بن الحواری العَمِّی.
روى نعیم بن حماد، حدّثنا عبد الرحیم بن زید العَمِّی، عن أبیه ، عن سعید بن المسیب، عن عمر مرفوعاً: سألت ربی بین ما اختلف فیه أصحابی من بعدی، فأوحى اللّه إلیّ : یا محمد إنّ أصحابک عندنا بمنزله النجوم بعضهم أضوأ من بعض، فمن أخذ بشیء ممّا هم علیه من اختلافهم فهو عندی على هدى. فهذا باطل، و عبد الرحیم ترکوه، ونعیم صاحب مناکیر.( [۱۵۲]) إلى غیر ذلک من الکلمات حول الحدیث.
ثمّ إنّ الحدیث قد روی بصور مختلفه:
أ. أصحابی کالنجوم بأیّهم اقتدیتم اهتدیتم
رواه ابن عبد البر فی جامع العلم (۲/۹۱) ،و ابن حزم فی الأحکام (۶/۸۲) من طریقه سلام بن سلیم، قال: حدثنا الحارث بن غصین، عن الأعمش، عن أبی سفیان، عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجّه، لأنّ الحارث بن غصین مجهول.
وقال ابن حزم: هذه روایه ساقطه، أبو سفیان ضعیف، والحارث بن غصین هذا هو أبو وهب الثقفی، وسلام بن سلیمان یروی الأحادیث الموضوعه، وهذا منها بلا شک.( [۱۵۳])
ب. مهما أُوتیتم من کتاب اللّه فالعمل به ، لا عذر لأحدکم فی ترکه، فإن لم یکن فی کتاب اللّه، فسنّه منّی ماضیه، فإن لم یکن سنه منّی ماضیه، فما قال أصحابی، إنّ أصحابی بمنزله النجوم فی السماء فأیّها أخذتم به اهتدیتم، واختلاف أصحابی لکم رحمه.
أخرجه الخطیب فی الکفایه فی علم الدرایه ، ص ۴۸، وکذا أبو العباس الأصم وابن عساکر (۷/۳۱۵/۲) من طریق سلیمان بن أبی کریمه، عن جویبر، عن الضحاک عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا اسناد ضعیف جداً، سلیمان بن أبی کریمه، قال ابن أبی حاتم (۲/۱/۱۳۸) عن أبیه: «ضعیف الحدیث».
وجویبر هو ابن سعید الأزدی متروک، کما قال الدارقطنی والنسائی وغیرهما، والضحاک هو ابن مزاحم الهلالی لم یلق ابن عباس.( [۱۵۴])
ج. سألت ربّی فیما اختلف فیه أصحابی من بعدی فأوحى اللّه إلیّ، یا محمد: انّ أصحابک عندی بمنزله النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشیء ممّا هم علیه فهو عندی على هدى.
رواه ابن بطّه فی الإبانه(۴/۱۱/۲)، والخطیب أیضاً، نظام الملک فی الأمالی(۱۳/۲)، والدیلمی فی مسنده (۲/۱۹۰)، والضیاء فی المنتقى من مسموعاته بمرو (۱۱۶/۲)، وکذا ابن عساکر (۶/۳۰۳/۱) من طریق نعیم بن حمّاد، حدّثنا عبد الرحیم بن زید العمّی، عن أبیه، عن سعید بن المسیب، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.
وهذا السند موضوع، نعیم بن حماد ضعیف، قال الحافظ: یخطئ کثیراً. وعبد الرحیم بن زید العَمّی کذاب فهو آفته.( [۱۵۵])
هذا قلیل من کثیر ممّا ذکره الشیخ الألبانی المعاصر فی کتابه، و من أراد التفصیل فلیرجع إلى نفس الکتاب .
وقد أضاف فی آخر تحقیقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر یکون المراد إنّ ما قالوه برأیهم یجب العمل به، وهذا دلیل آخر على أنّ الحدیث موضوع، ولیس من کلامه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، إذ کیف یسوغ لنا أن نتصوّر انّ النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) یبرّر لنا أن نقتدی بکل رجل من الصحابه مع أنّ فیهم العالم والمتوسط فی العلم،ومن هو دون ذلک وکان فیهم مثلاً من یرى أنّ البرد لا یفطر الصائم بأکله.( [۱۵۶])
۳٫ خیر القرون قرنی
أخرج البخاری فی کتاب فضائل أصحاب النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) عن عمران بن حصین یقول: قال رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : خیر أُمّتی قرنی، ثمّ الذین یلونهم، ثمّ الذین یلونهم، قال عمران: فلا أدری أذکر بعد قرنه قرنین أو ثلاثاً، ثمّ إنّ بعدکم قوماً یشهدون ولا یستشهدون، ویخونون ولا یؤتمنون، وینذرون ولا یفون، ویظهر فیهم السمن.( [۱۵۷])
وأخرجه مسلم فی صحیحه عن عمران بن حصین.( [۱۵۸]) وأخرجه أحمد فی مسنده عن بریده الأسلمی.( [۱۵۹])
إنّ هذا الحدیث مهما صح سنده ونقله أصحاب الصحاح والمسانید والسنن، یکذبه التاریخ الصحیح الذی سجّل أحوال أهل القرون التی أُطلق علیهم هذا الاسم، وذلک بالبیان التالی:
القرن فی اللغه عباره عن الفتره من الزمان وإطلاقه على مائه سنه، إطلاق حادث لا تحمل علیه الروایه. وعلى ضوء ذلک فالقرن الذی بعث فیه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) خیر القرون من الأزمنه باعتبار نفس النبی فقط، فکان (صلى الله علیه وآله وسلم) نوراً انبعث فی الظلمه حیث تقوضت به دعائم الشرک والوثنیه، وأُشیدت دعائم التوحید والحنفیه.
هـذا یرجـع إلى نفس النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وأمّا غیره فالظاهر من الروایه انّها تصنِّف الناس حسب التفضیل بالنحو التالی: الصحابه (القرن الذی بعثتُ فیه).
التابعون(ثمّ الذین یلونهم).
تابعو التابعین (ثمّ الذین یلونهم) و هکذا.
فکلّ من قرب زمنه من النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) فهو أفضل ممّن بعد منه.
هذا ما تفیده الروایه، وللأسف الشدید انّ الواقع الملموس یثبت خلاف ذلک لا سیّما من تصفّح التاریخ والحدیث.
فهذا هو الإمام البخاری یروی فی حقّ الصحابه ما مرّ من ارتدادهم، کما مرّ فی ص ۲۷٫
ثمّ إنّ قوله: هم الذین یلونهم: یهدف إلى التابعین وفیهم الأمویون، فهل یمکن أن نعدَّ عصر الأمویین خیر القرون وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبریاء، وقتلوا سبط النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) فی کربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتکوا حرمه الکعبه؟
وهذا هو الحجاج صنیعه أیدیهم اقترف من الجرائم البشعه ما یندى لها جبین الإنسانیه، ولا أُطیل الکلام فی ذلک والتاریخ خیر شاهد على کذب هذه الروایه ووضعها من قبل سماسره الحدیث لتطهیر الجهاز الحاکم الأموی ممّا ارتکبه.
ویکفی فی ذلک ما علّقه أبو المعالی الجوینی على هذا الحدیث، قائلاً:
وما یدلّ على بطلانه أنّ القرن الذی جاء بعده بخمسین سنه، شرّ قرون الدنیا وهو أحد القرون التی ذکرها فی النصّ، و کان ذلک القرن هو القرن الذی قُتل فیه الحسین، وأُوقع بالمدینه، وحوصرت مکه، ونقضت الکعبه، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون فی منصب النبوه، الخمورَ وارتکبوا الفجور، کما جرى لیزید بن معاویه ولزید بن عاتکه وللولید بن یزید، وأُریقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبی الحریم، واستعبد أبناء المهاجرین والأنصار ونُقش على أیدیهم کما ینقش على أیدی الروم، وذلک فی خلافه عبد الملک، وإمره الحجاج، وإذا تأمّلت کتب التواریخ وجدت الخمسین الثانیه، شراً کلها، لا خیر فیها ولا فی رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنه فکیف یصحّ هذا الخبر؟( [۱۶۰])
خاتمه المطاف
موعظه شافیه
أُرید أن أذکر فی خاتمه المطاف کلمه فیها صلاح الإسلام والمسلمین، وهی موعظه شافیه لکلّ من ألقى السمع وهو شهید، وهی:
۱٫ إذا کان السبُّ هو النیل من کرامه الشخص بکلمات مبتذله ولسان بذیء، لغایه التشفّی وهدم کرامه المسبوب، فالمسلمون بعامه طوائفهم إلاّ النواصب منزّهون عن تلک الوصمه، وقد ملئت أسماعهم بقول الرسول: «وسباب المسلم فسق، وقتاله کفر».
وأمّا الرائج بین المحقّقین فلیس من مقوله السبّ إنّما هو دراسه أحوال الصحابه من زاویه الحدیث والتاریخ، وهذا لیس سبّاً، بل نقد لحیاه الشخص، وأین هو من السبِّ؟!
یقول الشیخ عبد اللّه الهروی الشافعی المعروف بالحبشی: لیس من سب الصحابه القول إنّ مقاتلی علی منهم بغاه، لأنّ هذا ممّا صرّح به الحدیث بالنسبه لبعضهم وهم أهل صفین، وقد روى البیهقی فی کتابه الاعتقاد باسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزیمه قال: «وکلّ من نازع أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب فی إمارته فهو باغ» وعلى هذا عهدتُ مشایخنا، وبه قال ابن إدریس یعنی الشافعی، فلا یُعدُّ ذکر ما جاء فی حدیث البخاری سبّاً للصحابه إلاّ من بعد عن التحقیق العلمی فلیتفطن لذلک.( [۱۶۱])
وقال أیضاً: وهذا الحسن البصری( [۱۶۲]) الذی قیل فیه انّه سید التابعین (وإن کنّا نقول إنّ سید التابعین أُویس القرنی أخذاً بحدیث مسلم)، فانّه قال: لمّا مات عمرو بن العاص وهو یردّد لاإله إلاّ اللّه: وکیف إذا جاء بلا إله إلاّ اللّه وقد قتل أهلَ لا إله إلاّ اللّه.( [۱۶۳])
۲٫ انّ النقد لا یعدّ سبّاً إذا کان لغرض شرعی صحیح، بل یکون بنّاءً، ویشهد لذلک حدیث مسلم وأبی داود انّ رجلاً خطب عند رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) فقال فی خطبته من یطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن یعصهما فقد غوى، فقال له رسول اللّه: بئس الخطیب أنت.( [۱۶۴])
وقد کان البحث حول محاربی علیّ فی الجمل وصفین والنهروان قائماً على قدم وساق، وقد کثر الکلام حول من نکث البیعه وحارب علیاً فی صفین وغیرها .
هذا هو أبو منصور البغدادی یقول فی کتابه «الفرق بین الفرق» ما نصّه:
وقالوا ـ أی أهل السنّه ـ بإمامه علی فی وقته، وقالوا بتصویب علی فی حروبه بالبصره وبصفین وبالنهروان، وقالوا بأنّ طلحه والزبیر تابا ورجعا عن قتال علی، لکن الزبیر قتله عمرو بن جرموز بوادی السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحه لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحکم وکان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله، وقالوا: إنّ عائشه قصدت الإصلاح بین الفریقین، فغلبها بنو ضبّه والأزد على رأیها، وقاتلوا علیاً دون إذنها حتّى کان من الأمر ما کان.( [۱۶۵])
وقال فی کتاب أُصول الدین: أجمع أصحابنا على أنّ علیاً (رضی الله عنه) کان مصیباً فی قتال أصحاب الجمل وفی قتال أصحاب معاویه بصفین، وقالوا فی الذین قاتلوه بالبصره: انّهم کانوا على الخطأ، وقالوا فی عائشه وفی طلحه والزبیر: انّهم أخطأوا ولم یفسقوا، لأنّ عائشه قصدت الإصلاح بین الفریقین فغلبها بنو ضبه وبنو الأزد على رأیها، فقاتلوا علیاً فهم الذین فسقوا دونها، وأمّا الزبیر فانّه لما کلمه علیّ یوم الجمل عرف أنّه على الحقّ فترک قتاله وهرب من المعرکه راجعاً إلى مکه، فأدرکه عمرو بن جرموز بوادی السباع فقتله وحمل رأسه إلى علی فبشره علی بالنار، وأمّا طلحه فانّه لمّا رأى القتال بین الفریقین همّ بالرجوع إلى مکه، فرماه مروان بن الحکم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثه بریئون من الفسق والباقون من أتباعهم الذین قاتلوا علیاً فسقه، وأمّا أصحاب معاویه فانّهم بغوا، وسمّاهم النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) بغاه فی قوله لعمار: «تقتلک الفئه الباغیه» و لم یکفروا بهذا البغی.( [۱۶۶])
نحن وإن لم نکن نوافق بعض ما جاء فی بنود هذا النص، وإنّما نستشهد به على أنّ دراسه أحوال الصحابه إذا کانت دراسه نزیهه لا تعدّ من السب بشیء.
وقال الحافظ الذهبی فی «سیر اعلام النبلاء»: لا ریب انّ عائشه ندمت ندامه کلیه على مسیرها إلى البصره وحضورها یوم الجمل، وما ظنّت انّ الأمر یبلغ ما بلغ، فعن عماره بن عمیر عمّن سمع عائشه إذا قرأت: ( وقرن فی بیوتکنّ ) بکت حتّى تبل خمارها.( [۱۶۷])
وذکر مثل ذلک القرطبی وأبو حیان فی تفسیره، قال: وکانت عائشه إذا قرأت هذه الآیه یعنی آیه ( یا نساء النبی ) بکت حتّى تبلّ خمارها، تتذکر خروجها أیام الجمل تطلب بدم عثمان.( [۱۶۸])
وفی کتاب دلائل النبوه للبیهقی ما نصه: عن أُمّ سلمه، قالت: ذکر النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) خروج بعض نسائه أُمّهات المؤمنین، فضحکت عائشه، فقال: انظری یا حمیراء، أن لا تکونی أنت.
ثمّ التفت إلى علیّ فقال: یا علی إن ولِّیت من أمرها شیئاً فارفق بها.( [۱۶۹])
ونحن أیضاً لا نوافق بعض ما جاء فی هذه الکلمات، لکن الاستشهاد بها مثل ما سبق. هذا وقد تضافر انّ الحافظ النسائی قال: لمّا دخلت دمشق وجدت أهلها منحرفین عن علی بن أبی طالب، ولمّا علموا انّی عملتُ خصائص علیّ (علیه السلام) طلبوا أن أعمل خصائص معاویه، فقلت: ماذا أخرج له، أخرج له لا أشبع اللّه بطنه.( [۱۷۰])
فصاروا یضربونه فی خصیته فحمل من دمشق إلى الرمله فتوفی بها.
وهذا هو علی أفضل الصحابه وأوّل من آمن بالنبی ینقد صاحبی رسول اللّه کما ذکره الحافظ ابن حجر فی المطالب العالیه، قال: إنّ صاحبی علی (رضی الله عنه) عبد اللّه بن الکواء وابن عباد سألاه عن طلحه والزبیر قالا: فأخبرنا عن ملک هذین الرجلین (یعنیان طلحه والزبیر) صاحباک فی الهجره وصاحباک فی بیعه الرضوان وصاحباک فی المشوره، فقال: بایعانی بالمدینه وخالفانی بالبصره، وعزاه لإسحاق بن راهویه، قال الحافظ البوصیری: رواه إسحاق بسند صحیح.( [۱۷۱])
ونحن لا نطیل الکلام بذکر نظائرها فی غیر من قاتل علیاً، فقد جرت السیره على عدم الإمساک عمّا شجر بین الصحابه وما صدر عنهم، وإن صدر الأمر بالإمساک عن عمر بن عبد العزیز وغیره.
روى الحافظ الذهبی فی کتاب «سیر اعلام النبلاء» ما هذا حاصله: اتّهم المغیره بن شعبه بالزنا وهو أمیر الکوفه فی عصر الخلیفه عمر بن الخطاب وشهد علیه شهود أربعه، منهم أبو بکره ونافع وشبل فشهدوا على أنّهم رأوه یولجه ویخرجه ویلج ولج المِروَد فی المکحله، فلمّا حاول رابع الشهود وهو زیاد بن أبیه، حاول الخلیفه أن یدرأ عنه الحد للشبهه، فخاطبه بقوله: إنّی لأرى رجلاً لم یخز اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرین، فقال له الخلیفه: أرأیتَه یُدخله کالمیل فی المکحله؟ فقال: لاولکنّی رأیت مجلساً قبیحاً وسمعت نفساً عالیاً ورأیته تبطنها.( [۱۷۲])
فلو کانت الصحابه عدولاً، لما استمع الخلیفه إلى الشهادات، ولرفضها ابتداءً!! ولو کانت دراسه سیره الصحابی، سبّاً له، لعزّر الخلیفه الشهود بالسبّ، دون أن یسأل واحداً واحداً منهم عن صحّه الواقعه.
۳٫ لا شکّ انّ الآیات قد أثنت على جمع من الصحابه وقد أوضحنا مقاصدها، ومع ذلک کلّه فالثناء ثناء جمعی لا یتعلّق بآحادهم، نظیر الثناء على قوم بنی إسرائیل فی قوله تعالى: ( یا بنی إِسرائیلَ اذْکروا نعمتِی الّتی أنعمتُ علیکم وأنّی فضلْتُکم عَلى العالَمِینَ ) .( [۱۷۳])
وقوله: ( وَلَقَدْ آتَیْنا بَنی إِسرائیل الکتابَ وَالحُکْمَ وَالنُّبوهَ ورَزَقْناهُمْ مِنَ الطّیباتِ وفضلناهُمْ عَلى العالَمین ) .( [۱۷۴]) وقد أدرک بعض المحقّقین من أهل السنّه انّ وصف الصحابه بالعداله کلّهم یخالف ما روی فی حقّهم، ولذلک عاد إلى تفسیر هذا الکلام وقال: إنّه لیس معنى «الصحابه کلّهم عدول» انّ کلاً منهم سالم من الکبیره، فانّه بعید من الصواب، لأنّ منهم من سمع رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) وهو یقول: «لا ترجعوا بعدی کفّاراً یضرب بعضکم رقاب بعض» ثمّ قاتل مع معاویه فکان قاتل عمار بن یاسر، ثمّ کان یتبجّح بذلک ویقول لمّا یأتی إلى أبواب بنی أُمیه: «قاتلُ عمار بالباب»، فهل یحکم لهذا بانّه عدل بمعنى انّه سالم من الکبائر؟! إنّما معنى قول أُولئک المحدِّثین انّهم لا یتّهمون بالکذب على الرسول فیما یروونه من الأحادیث عنه، ألیس قتل عمار من أفسق الفسق؟! فقد خالف قول رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) الذی سمعه منه و هذا الغادر هو أبو الغادیه الجهنی.( [۱۷۵])
قال الحافظ ابن حجر فی «فتح الباری» عند شرح الحدیث الذی فیه قصه حاطب بن أبی بلتعه ما نصّه: وفی هذا الحدیث من الفوائد غیر ما تقدّم انّ المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن یقطع له بالجنه، لا یعصم من الوقوع فی الذنب.( [۱۷۶])
۴٫ انّ الاعتقاد المُسْبق بعداله الصحابه آل ـ فی کثیر من الأحیان ـ بمحقّقی أهل السنّه إلى عدم التدبّر العمیق فی التاریخ ونقده، ممّا أدّى إلى وقوعهم فی مأزق کبیر حفاظاً على ذلک المعتقد، وهو إسدال الستار على کثیر من حقائق التاریخ التی حدثت بعد رحیل الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) ودامت حوالی قرن واحد، فتراهم یؤولون ما صدر عن الصحابه من التکفیر والتفسیق والنهب والقتل بالاتّکاء على النظریه القائله: بأنّهم کانوا مجتهدین مخطئین، ومثابین فی الوقت نفسه!! حتّى أنّ من کثر خطأه زاد ثوابه وأجره، وهذا من غرائب الأُمور.
أوَ ما آن للمحقّقین من أهل السنّه أن یخوضوا عباب التاریخ نقداً وتمحیصاً، ویرفعوا ربقه التقلید للسلف والجری وراءهم، لکی یفهموا التاریخ على ما هو علیه ویرفعوا الید عن الاعتقاد بعداله کلّ صحابی بلا استثناء. إنّ الدعایه الأمویه لغایه ترسیخ ملکهم وإبعاد الناس عن أئمه أهل البیت(علیهم السلام) حاکت حول الصحابه حاله قدسیه وهمیه على نحو لم ترخص فیه لأحد الخروج عن هذا الإطار والتدبّر فیما شجر بین الصحابه من مشاجرات.
إنّ الدعایه الأمویه نشرت بین الناس أکاذیب وتهماً حول الشیعه للمساس بهم، من سبّ الصحابه وبغضهم وتفسیقهم وکفرهم، وهذا ـ شهیدی اللّه ـ کذب بلا مریه، وفریه یتحمل أوزارها آل أُمیه وآل مروان.
فکیف یمکن للشیعه أن تبغض الصحابه مع أنّ رواد التشیع کانوا منهم وقد حفل التاریخ بأسمائهم وتشیعهم؟!
ولیس عند الشیعه فی هذا المجال إلاّ مسأله «عداله الصحابه بأجمعهم»، فإنّهم لا یعتقدون بعداله الکلّ، ویقولون: إنّ مثلهم بین المسلمین کمثل التابعین، وهذا أمر یوافقه الکتاب العزیز والسنّه النبویه والتاریخ الصحیح.
۵٫ وممّا یدلّ على إکبار الشیعه لصحابه النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) وتبجیلهم لهم، انّ الکتب الرجالیه للشیعه لم تزل إلى یومنا هذا تحتفل بذکر أسماء الصحابه کلّ حسب وسع المؤلّفین وطاقتهم.
هذا هو رجال البرقی من الأُصول الرجالیه،وقد أدرج فی رجاله أسماء صحابه النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) قبل صحابه سائر الأئمه.
وهذا هو الشیخ الطوسی فی کتابه المعروف بـ «رجال الطوسی» أدرج فی کتاب فی باب من روى عن النبی أسماء ۴۳۰ شخصاًمن الصحابه، کما أنّه أدرج من الصحابیات أسماء۳۸ امرأه، فاشتمل الکتاب على ترجمه ۴۶۸ شخصاً.( [۱۷۷])
وقد تبعه غیر واحد من أصحاب المعاجم فذکروا أسماء جمع غفیر من الصحابه الذین لهم روایه عن النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ، ممّا یدلّ على أنّ للصحابه مقاماً ومکرمه لدى الشیعه، إلاّ ما قامت البیّنه على إعراضهم عن الطریق المهیع.
۶٫ روّاد التشیّع من الصحابه
إنّ التشیع لیس إلاّ نفس الإسلام الذی اتّفق علیه الفریقان، ویختلف عن سائر الفرق فی مسأله التنصیص على الخلافه، فالشیعه الأوائل هم الذین اتّبعوا قول الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) فی حقّ علی(علیه السلام) وکانوا مع علی(علیه السلام) فی حیاه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وبعد رحیله .
فها نحن نضع أمام القارئ الکریم قائمه بأسماء ثلّه من الصحابه الذین شهدت أعمالهم على أوصافهم، وأفعالهم على نیّاتهم، وأثنى أصحاب الرجال والتراجم علیهم أو على الأقل سکت عنهم التاریخ، ولنکتف بذکر القلیل منهم عن الکثیر، وهم:
جندب بن جناده( أبوذر الغفاری)، عمار بن یاسر، سلمان الفارسی، المقداد بن عمرو بن ثعلبه الکندی، حذیفه بن الیمان صاحب سرّ النبیّ، خزیمه بن ثابت الأنصاری ذو الشهادتین، الخباب بن الأرت التمیمی، سعد بن مالک أبو سعید الخدری، أبو الهیثم بن التیهان الأنصاری، قیس بن سعد بن عباده الأنصاری، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء کربلاء، أبو أیوب الأنصاری خالد بن زید الذی استضاف النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) عند دخوله المدینه، جابر بن عبد اللّه الأنصاری أحد أصحاب بیعه العقبه، هاشم بن عتبه بن أبی وقاص المرقال فاتح جلولاء، مالک بن الحارث الأشتر النخعی، مالک بن نویره ردف الملوک الذی قتله خالد بن الولید، البراء بن عازب الأنصاری، أُبیّ بن کعب سید القرّاء، عباده بن الصامت الأنصاری، عبد اللّه بن مسعود صاحب وضوء النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) ومن سادات القرّاء، أبو الأسود الدؤلی ظالم بن عمیر واضع أُسس النحو بأمر الإمام علیّ، خالد بن سعید بن أبی عامر بن أُمیه بن عبد شمس خامس من أسلم، أُسید بن ثعلبه الأنصاری من أهل بدر، الأسود بن عیسى بن وهب من أهل بدر، بشیر بن مسعود الأنصاری من أهل بدر و من القتلى بواقعه الحره بالمدینه، ثابت أبو فضاله الأنصاری من أهل بدر، الحارث بن النعمان بن أُمیه الأنصاری من أهل بدر، رافع بن خدیج الأنصاری ممّن شهد أُحداً ولم یبلغ وأجازه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ،کعب بن عمیر بن عباده الأنصاری من أهل بدر، سماک بن خرشه أبو دجانه الأنصاری من أهل بدر، سهیل بن عمرو الأنصاری من أهل بدر، عتیک بن التیهان من أهل بدر، ثابت بن عبید الأنصاری من أهل بدر، ثابت بن حطیم بن عدی الأنصاری من أهل بدر، سهل بن حنیف الأنصاری من أهل بدر، أبو مسعود عقبه بن عمرو من أهل بدر، أبو رافع مولى رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) الذی شهد مشاهده کلّها مع مشاهد علیّ(علیه السلام) وممّن بایع البیعتین: العقبه والرضوان وهاجر الهجرتین: للحبشه مع جعفر وللمدینه مع المسلمین، أبو برده بن دینار الأنصاری من أهل بدر، أبو عمر الأنصاری من أهل بدر، أبو قتاده الحارث بن ربعی الأنصاری من أهل بدر، عقبه بن عمر بن ثعلبه الأنصاری من أهل بدر، قرظه بن کعب الأنصاری، بشیر بن عبد المنذر الأنصاری أحد النقباء ببیعه العقبه، یزید بن نویره بن الحارث الأنصاری ممّن شهد له النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) بالجنه، ثابت بن عبد اللّه الأنصاری، جبله بن ثعلبه الأنصاری، جبله بن عمیر بن أوس الأنصاری، حبیب بن بدیل بن ورقاء الخزاعی، زید بن أرقم الأنصاری شهد مع النبی(صلى الله علیه وآله وسلم) بضعه عشر وقعه، أعین بن ضبیعه بن ناجیه التمیمی، یزید الأسلمی من أهل بیعه الرضوان، تمیم بن خزام، جندب بن زهیر الأزدی، جعده بن هبیره المخزومی، جاریه بن قدامه التمیمی السعدی، جبیر بن الحباب الأنصاری، حبیب بن مظاهر الأسدی، حکیم بن جبله العبدی، خالد بن أبی دجانه الأنصاری، خالد بن الولید الأنصاری، زید بن صوحان العبدی، الحجاج بن عمرو بن غزیه الأنصاری، زید بن شرحبیل الأنصاری، زید بن جبله التمیمی، بدیل بن ورقاء الخزاعی، أبو عثمان الأنصاری، مسعود بن مالک الأسدی، ثعلبه أبو عمره الأنصاری، أبو الطفیل عامر بن واثله اللیثی، عبد اللّه بن حزام الأنصاری شهید أُحد، سعد بن منصور الثقفی، سعد بن الحارث بن الصمد الأنصاری، الحارث بن عمر الأنصاری، سلیمان بن صرد الخزاعی، شرحبیل بن مرّه الهمدانی، شبیب بن رت النمیری، سهل بن عمر صاحب المربد، سهیل بن عمر أخو سهل المار ذکره، عبد الرحمن الخزاعی، عبد اللّه بن خراش، عبد اللّه بن سهیل الأنصاری، عبید اللّه بن العازر، عدی بن حاتم الطائی، عروه بن مالک الأسلمی، عقبه بن عامر السلمی، عمر بن هلال الأنصاری، عمر بن أنس بن عون الأنصاری من أهل بدر، هند بن أبی هاله الأسدی، وهب بن عبد اللّه بن مسلم بن جناده، هانی بن عروه المذحجی، هبیره بن النعمان الجعفی، یزید بن قیس بن عبد اللّه، یزید بن حوثره الأنصاری، یعلى بن عمیر النهدی، أنس بن مدرک الخثعمی، عمرو العبدی اللیثی، عمیره اللیثی، علیم بن سلمه الفهمی، عمیر بن حارث السلمی، علباء بن الهیثم بن جریر وأبوه الهیثم من قواد الحمله فی قتال الفرس بواقعه ذی قار، عون بن عبد اللّه الأزدی، علاء بن عمر الأنصاری، نهشل بن ضمره الحنظلی، المهاجر بن خالد المخزومی، مخنف بن سلیم الأزدی، محمد بن عمیر التمیمی، حازم بن أبی حازم البجلی، عبید بن التیهان الأنصاری وهو أوّل المبایعین للنبی لیله العقبه، أبو فضاله الأنصاری، أویس القرنی الأنصاری، زیاد بن النضر الحارثی، عوض بن علاط السلمی، معاذ بن عفراء الأنصاری، علاء بن عروه الأزدی، الحارث بن حسان الذهلی صاحب رایه بکر بن وائل، بجیر بن دلجه، یزید بن حجیه التمیمی، عامر بن قیس الطائی، رافع الغطفانی الأشجعی، وأبان بن سعید بن العاص بن أُمیه بن عبد شمس من أُمراء السرایا أیّام النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ومن خلّص أصحاب الإمام علی(علیه السلام) وأمثالهم من الصحابه الکرام.
فهؤلاء هم طلیعه الصحابه وسنام العرب من المهاجرین والأنصار، قد استضاءوا بنور النبوّه والوحی واستقامت أُمورهم وکانوا على الصراط المستقیم فی حیاتهم، وکم لهم من نظائر فی صحابه النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) أعرضنا عن ذکرهم مخافه الإطناب.
۷٫ انّ أئمّه أهل البیت(علیهم السلام) کانوا باستمرار یـدعـون للصحابه ویترضّون علیهم، ومن المعلوم أنّهم(علیهم السلام) یدعون للصالحین وما أکثر الصالحین فیهم یقول الإمام أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی بعض خطبه مادحاً أصحاب النبیّ(صلى الله علیه وآله وسلم) :
لقد رأیت أصحاب محمّد(صلى الله علیه وآله وسلم) فما أرى أحداً منکم یشبههم، لقد کانوا یصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقیاماً، یراوحون بین جباههم وخدودهم، ویقفون على مثل الجمر من ذکر معادهم، کأنّ بین أعینهم رُکَبَ المعزى من طول سجودهم، إذا ذُکر اللّه هملت أعینهم حتّى تَبُلَّ جیوبهم، ومادوا کما یمید الشجر یوم الریح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».( [178])
وقال أیضاً مادحاً أصحاب رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) : أین القوم الذین دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحکموه، وهیجُوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السیوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وَصَفّاً صفّاً، بعضٌ هلک، وبعض نجا، لا یُبَشّرون بالأحیاء، ولا یُعَزَّونَ عن الموتى، مُرْهُ العیون من البکاء، خُّمصُ البطون من الصیام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبره الخاشعین، أُولئک إخوانی الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إلیهم، ونعضَّ الأیدی على فراقهم».( [179]) وللأئمّه المعصومین کلمات أُخرى حول الصحابه غیر ما ذکرناه ، منقوله فی کتب الشیعه، وهذا هو الإمام زین العابدین (علیه السلام) یقول فی دعائه:«اللّهمّ وأصحاب محمّد(صلى الله علیه وآله وسلم) خاصه الذین أحسنوا الصحبه والذین أبلوا البلاء الحسن فی نصره، وکاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته…».( [180])
والحمد لله الذی بنعمته تتم الصالحات
اللّهم لا تجعل فی قلوبنا غلاً للّذین آمنوا
وتوّفنا مع الأبرار
جعفر السبحانی
قم ـ مؤسسه الإمام الصادق(علیه السلام)
۱۲ محرم الحرام ۱۴۲۴هـ.
[۱] – أُسد الغابه:۱/۱۱ـ۱۲، طبع مصر.
[۲] – الفرقان: ۲۸٫
[۳] – الزخرف:۶۷ .
[۴] – التحریم: ۱۰٫
[۵] – الأحزاب ۳۰٫
[۶] – التحریم:۳ـ ۵٫
[۷] – الصحبه والصحابه:۲۱۷ـ ۲۱۸٫
[۸] – صحیح البخاری:۳/۲۴۵، کتاب التفسیر، رقم الحدیث ۴۷۵۰٫
[۹] – مثل یضرب.
[۱۰] – التحریم: ۶٫
[۱۱] – الإصابه:۱/ ۱۷٫
[۱۲] – الحج:۵۲ـ ۵۴٫
[۱۳] – تفسیر ابن کثیر:۴/۶۵۵; ولاحظ تفسیر الطبری:۱۷ فی تفسیر نفس الآیه، ص ۱۳۱، وغیرهما.
[۱۴] – سیره سیّد المرسلین:۱/۴۸۸ـ ۴۹۷٫
[۱۵] – البقره: ۲۵۱٫
[۱۶] – سبأ: ۱۰٫
[۱۷] – ص:۱۸ـ ۱۹٫
[۱۸] – ص:۲۱ـ ۲۴٫
[۱۹] – الدر المنثور:۷/۱۶۰، تفسیر سوره ص; تفسیر الطبری:۲۳/۹۳، وغیرهما.
[۲۰] – النساء: ۱۷۱٫
[۲۱] – النساء: ۱۷۱٫
[۲۲] – نهج البلاغه: قصار الکلمات، ۳۴۷٫
[۲۳] – ربیع الأبرار للزمخشری:۲/ ۶۳٫
[۲۴] – الدکتور محمد عجاج الخطیب، أُستاذ الحدیث وعلومه فی کلیه الشریعه بدمشق.
[۲۵] – تدوین السنه:۲۰، ط دار الفکر.
[۲۶] – تاریخ الخلفاء: ۱۶٫
[۲۷] – التوبه: ۳۱٫
[۲۸] – تفسیر الثعلبی:۵/ ۳۱۴٫
[۲۹] – جامع أحادیث الشیعه:۱/ ۱۷٫
[۳۰] – إرشاد الفحول: ۲۱۴٫
[۳۱] – الفقه الإسلامی منابعه وأدواره: ۲۸۹ـ ۳۰۳ .
[۳۲] – تاریخ بغداد:۱۴/ ۸۱٫
[۳۳] – کتاب السنه لأحمد بن حنبل: ۵۰٫
[۳۴] – الإبانه: ۴۰، ط دار النفائس، ومقالات الإسلامیین: ۲۹۴٫
[۳۵] – التنبیه والردّ : ۱۵٫
[۳۶] – الحجرات: ۶٫
[۳۷] – الجمع بین الصحیحین:۲/۴۶۱، رقم ۱۷۹۴٫
[۳۸] – السنّه لابن حنبل،رقم ۴۱٫
[۳۹] – آل عمران: ۱۷۹٫
[۴۰] – جامع الأُصول لابن الأثیر:۱۱/۱۲۰، کتاب الحوض فی ورود الناس علیه، رقم الحدیث ۷۹۷۲٫ و « الفرط » : المتقدم قومه إلى الماء، ویستوی فیه الواحد والجمع ، یقال: رجل فرط وقوم فرط.
[۴۱] – النحل: ۸۹٫
[۴۲] – المائده: ۴۸٫
[۴۳] – سنن الدارمی:۱/ ۱۴۴٫
[۴۴] – مقالات الإسلامیین: ۶۰۸٫
[۴۵] – صحیح البخاری:۱، باب إثم من کذب على النبیّ، الحدیث ۱۰۶ـ ۱۰۷٫
[۴۶] – سنن ابن ماجه:۱/۱۴، رقم ۳۵٫
[۴۷] – سنن ابن ماجه:۱/۱۴، قسم المقدمه، برقم ۳۸٫
[۴۸] – البخاری، کتاب النفقات، رقم الحدیث۵۳۵۵ ; مسند أحمد:۲/ ۲۵۲٫
[۴۹] – السنّه: ۵۰٫
[۵۰] – الإبانه فی أُصول الدیانه:۲۱ـ ۲۲، باب إبانه قول أهل الحقّ والسنّه.
[۵۱] – شرح العقیده الطحاویه، للشیخ عبد الغنی المیدانی الحنفی الدمشقی: ۴۷۹٫ ولاحظ الفرق بین الفرق: ۳۵۰، للبغدادی وغیره.
[۵۲] – الاقتصاد فی الاعتقاد، ص ۲۳۴٫
[۵۳] – غایه المرام فی علم الکلام، ص ۳۶۲٫
[۵۴] – شرح المواقف، ج۸، ص ۳۴۴٫
[۵۵] – مروج الذهب للمسعودی:۲/۳۹۶ـ ۳۹۷٫
[۵۶] – طبقات الحنابله:۱/ ۳۹۳٫
[۵۷] – لاحظ ص ۴۷ـ۴۸من هذه الرساله.
[۵۸] – تفسیر ابن کثیر:۱/۴۰۹ والآیه ۱۴۴ من سوره آل عمران.
[۵۹] – زاد المعاد: ۲۵۳٫
[۶۰] – تفسیر ابن کثیر:۴/۳۷۸; صحیح البخاری:۱/۳۱۶، کتاب الجمعه، باب الساعه التی فی یوم الجمعه ; صحیح مسلم:۲/۵۹۰ کتاب الجمعه، باب فی قوله تعالى: ( وإذا رأوا تجاره… ) .
[۶۱] – تفسیر ابن کثیر :۱/۲۱۹; صحیح البخاری: ۴/۱۶۳۹، کتاب التفسیر، وغیرهما، والآیه ۱۸۷ من سوره البقره.
[۶۲] – آل عمران: ۱۶۱٫
[۶۳] – تفسیر ابن کثیر:۱/۴۲۱; تفسیر الطبری:۴/۱۵۵ فی تفسیر الآیه، إلى غیر ذلک من المصادر.
[۶۴] – الحجرات: ۶٫
[۶۵] – تفسیر ابن کثیر:۴/ ۲۰۹٫
[۶۶] – الأنفال: ۱٫
[۶۷] – تفسیر ابن کثیر:۲/ ۲۸۳٫
[۶۸] – تفسیر ابن کثیر:۲/ ۲۸۵٫
[۶۹] – محمد: ۴٫
[۷۰] – الأنفال:۶۷ـ ۶۹٫
[۷۱] – الأنفال: ۶۷٫
[۷۲] – آل عمران: ۱۵۳٫
[۷۳] – آل عمران: ۱۴۴٫
[۷۴] – آل عمران:۱۵۵ .
[۷۵] – الأحزاب:۲۲
[۷۶] – الأحزاب: ۱۲٫
[۷۷] – الأحزاب: ۱۳٫
[۷۸] – التوبه: ۱۰۱٫
[۷۹] – منهم: السمّاعون ( التوبه:۴۵ـ۴۷)، خالطو العمل الصالح بغیره( التوبه:۱۰۲)، المسلمون غیر المؤمنین( الحجرات:۱۴)، المؤلفه قلوبهم (التوبه:۶۰).
[۸۰] – جامع الأُصول:۹/۴۲ برقم ۶۵۸۰٫
[۸۱] – جامع الأُصول:۹/۴۴ برقم ۶۵۸۳٫
[۸۲] – صحیح البخاری:۱/۳۸، برقم ۱۱۴٫
[۸۳] – صحیح البخاری:۲/۲۸۷، برقم ۳۰۵۳٫
[۸۴] – صحیح البخاری:۲/۳۲۱، برقم۳۱۶۸ .
[۸۵] – صحیح البخاری:۳/۱۳۲ برقم ۴۴۳۲، ولاحظ أیضاً:۴/۱۰ برقم ۵۶۶۹ ورقم ۷۳۶۶٫
[۸۶] – صحیح البخاری:۴/۳۵۵، برقم ۷۰۵۰ و ۷۰۵۱٫
[۸۷] – صحیح البخاری:۴/۲۲۷، برقم ۶۵۷۶٫
[۸۸] – صحیح البخاری:۴/ ۲۲۸، برقم ۶۵۸۲٫
[۸۹] – صحیح البخاری:۴/ ۲۲۸، برقم ۶۵۸۳ .
[۹۰] – صحیح البخاری:۴/ ۲۲۸، برقم ۶۵۸۵٫
[۹۱] – صحیح البخاری:۴/۲۲۸، برقم ۶۵۸۶٫
[۹۲] – المائده: ۱۱۷ ـ ۱۱۸ .
[۹۳] – صحیح البخاری: ۲ / ۴۰۲، کتاب أحادیث الأنبیاء برقم ۳۴۴۷ .
[۹۴] – صحیح البخاری: ۳ / ۶۴، کتاب المغازی برقم ۴۱۷۰ .
[۹۵] – مصنّف ابن أبی شیبه: کتاب الفضائل برقم ۳۵ ; مسند أحمد: ۵ / ۴۸ .
[۹۶] – شرح صحیح مسلم للنووی: ۱۵ / ۶۱ برقم ۲۲۹۳ .
[۹۷] – أُسد الغابه:۱/۱۱ـ ۱۲٫
[۹۸] – صحیح مسلم:۸/۲۲۳، صفات المنافقین وأحکامهم.
[۹۹] – صحیح البخاری، کتاب المغازی ، باب بعث النبی خالد بن الولید إلى بنی جذیمه، الحدیث ۴۳۳۹٫
[۱۰۰] – مجمع الزوائد:۸/۸۶، کتاب الأدب، باب فی من یُعیّر بالنسب أو غیره.
[۱۰۱] – مستدرک الحاکم:۲/۱۲۷، کتاب الجهاد; مسند أحمد:۴/ ۱۱۴٫
[۱۰۲] – صحیح البخاری:۳/۷۳، برقم ۴۲۰۳٫
[۱۰۳] – تفسیر ابن کثیر:۲/۴۶۳ والآیه ۱۱۳ من سوره هود.
[۱۰۴] – تفسیر ابن کثیر:۲/ ۴۶۳٫
[۱۰۵] – أُسد الغابه:۱/ ۳۳۲٫
[۱۰۶] – أُسد الغابه:۴/۳۰۹; النساء: ۹۴٫
[۱۰۷] – تفسیر ابن کثیر:۱/ ۵۳۹٫
[۱۰۸] – الاستیعاب:۳برقم ۲۳۰۳٫
[۱۰۹] – مختصر تاریخ دمشق:۸/۱۹; سیر إعلام النبلاء:۳/۲۳۵ فی ترجمه خالد برقم ۸۳ ولاحظ تاریخ الطبری:۲/۲۷۲ و أُسد الغابه:۲/۹۵ و الإصابه:۵/۷۵۵ فی ترجمه مالک بن نویره.
[۱۱۰] – سیر اعلام النبلاء:۳/ ۲۳۶٫
[۱۱۱] – صحیح مسلم:۵/۴۱ باب تحریم الخمر والمیته.
[۱۱۲] – تاریخ الطبری:۳/ ۱۷۶٫
[۱۱۳] – الاستیعاب:۳/۱۲۷۶، باب قدامه.
[۱۱۴] – مصنف بن عبد الرزاق:۹/۲۴۰ برقم ۱۷۰۷۵٫
[۱۱۵] – الاستیعاب:۴/ ۱۶۲۳٫
[۱۱۶] – الاستیعاب:۴/ ۱۷۴۹٫ ولاحظ مصنف عبد الرزاق:۹/۲۴۳ برقم ۱۷۰۷۷٫
[۱۱۷] – تاریخ الطبری:۴/۳۸۱، حوادث سنه ۶۴٫
[۱۱۸] – تاریخ الطبری:۴/۱۰۷; و سیر اعلام النبلاء:۳/۴۰۹ برقم ۶۵٫
[۱۱۹] – الأحزاب: ۳۳٫
[۱۲۰] – تاریخ الطبری:۴/ ۱۱۵٫
[۱۲۱] – تاریخ الطبری:۳/ ۵۴۰٫
[۱۲۲] – ابن حزم حیاته وعصره لأبی زهره، ص ۲۵۹٫
[۱۲۳] – السنّه قبل التدوین، ص ۲۵۸٫
[۱۲۴] – شرح المقاصد:۵/۳۱۰ـ ۳۱۱; وراجع کتاب الأربعین لمحمد طاهر القمی الشیرازی:۶۳۳، بحار الأنوار:۲۸/ ۳۶۴٫
[۱۲۵] – التوبه: ۱۰۰٫
[۱۲۶] – التفسیر الکبیر: ۱۶/ ۱۷۱٫
[۱۲۷] – التفسیر الکبیر: ۱۶/ ۱۷۱٫
[۱۲۸] – الحدید: ۱۰٫
[۱۲۹] – الجمعه:۲ـ ۳٫
[۱۳۰] – المجادله: ۲۲٫
[۱۳۱] – الحشر:۸ـ۱۰
[۱۳۲] – الفتح: ۱۸٫
[۱۳۳] – السیره النبویه:۲/۳۰۹; مجمع البیان:۲/ ۲۸۸٫
[۱۳۴] – الفتح : ۲۹٫
[۱۳۵] – الحج: ۳۰٫
[۱۳۶] – وربما یستشهد على دخول من البیانیه على الضمیر بقوله تعالى: ( لَوْ تَزَیَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْهُمْ ) . والاستدلال مبنی على عود الضمیر فی تزیلوا إلى المؤمنین، والضمیر فی « منهم » إلى الذین کفروا، ولکنّه غیر صحیح ، بل الضمیران جمیعاً یرجعان إلى مجموع المؤمنین والکافرین من أهل مکه فتکون « من » تبعیضیه لا بیانیه.
[۱۳۷] – الفتح: ۲۷٫
[۱۳۸] – صحیح البخاری:۴/۲۳۳، کتاب القدر، الباب۵، الحدیث ۶۶۰۷; سنن الترمذی:۴، کتاب القدر، الباب۵ ، الحدیث ۲۱۳۷٫ والحدیث الوارد فی السنن غیره فی صحیح البخاری.
[۱۳۹] – الحجرات: ۲٫
[۱۴۰] – الأعراف: ۱۷۵٫
[۱۴۱] – القصص: ۸۱٫
[۱۴۲] – صحیح البخاری:۳/۱۱، برقم ۳۹۸۳٫
[۱۴۳] – الزمر: ۶۵٫
[۱۴۴] – الموسوعه الفقهیه:۱۰/ ۱۶۳ـ ۱۶۵٫
[۱۴۵] – المسند الجامع:۱۰/۷۸۲ برقم ۸۲۱۹ نقله عن مسند عبد بن حُمیْد.
[۱۴۶] – النحل: ۱۶٫
[۱۴۷] – الأنعام: ۹۷٫
[۱۴۸] – أُسد الغابه: ۳/ ۳۱۲٫
[۱۴۹] – شرح ابن أبی الحدید: ۲۰/ ۱۲٫
[۱۵۰] – البحر المحیط:۵/ ۵۲۸٫
[۱۵۱] – میزان الاعتدال:۱/۴۱۳برقم ۱۵۱۱٫
[۱۵۲] – میزان الاعتدال:۲/۱۰۲ برقم ۳۰۰۳ .
[۱۵۳] – سلسله الأحادیث الضعیفه والموضوعه:۱/ ۱۴۴٫
[۱۵۴] – سلسله الأحادیث الضعیفه والموضوعه:۱/ ۱۴۶٫
[۱۵۵] – سلسله الأحادیث الضعیفه والموضوعه:۱/ ۱۴۸٫
[۱۵۶] – سلسله الأحادیث الضعیفه و الموضوعه:۱/۱۴۷ـ ۱۴۸، وحدیث البرد أخرجه الطحاوی فی مشکل الآثار، لاحظ ۲/۳۴۰ وهوحدیث غریب یضاد القرآن والسنه وإجماع المسلمین.
[۱۵۷] – صحیح البخاری:۲/۲۴۹، برقم ۳۶۵۰٫
[۱۵۸] – صحیح مسلم:۷/۱۸۵ـ ۱۸۶، باب فضل الصحابه ثمّ الذین یلونهم.
[۱۵۹] – مسند أحمد:۵/ ۳۵۷٫
[۱۶۰] – الشرح الحدیدی:۲۰/۲۹ والرساله مبسوطه جدیره بالمطالعه.
[۱۶۱] – المقالات السنیه: ۳۶۰٫
[۱۶۲] – اتحاف الساده المتقین۱۰/ ۳۳۳٫
[۱۶۳] – المقالات السنیه: ۳۶۰٫
[۱۶۴] – صحیح مسلم:۳ /۱۲ـ ۱۳، کتاب الجمعه، باب تحقیق الصلاه والخطبه; سنن أبی داود:۱/۲۸۸، کتاب الحجّه، باب الرجل یخطب على قوس، رقم الحدیث ۱۰۹۹٫
[۱۶۵] – الفرق بین الفرق:۳۵۰ـ ۳۵۱، باب بیان الأُصول التی اجتمع علیها أهل السنّه.
[۱۶۶] – أُصول الدین:۲۸۹ـ ۲۹۰٫
[۱۶۷] – سیر اعلام النبلاء:۲/ ۱۷۷٫
[۱۶۸] – الجامع لأحکام القرآن:۱۴/ ۱۸۰٫
[۱۶۹] – دلائل النبوه:۶/ ۴۱۱٫
[۱۷۰] – أخرجه مسلم فی صحیحه: کتاب السیر والصله والآداب، باب من لعنه النبی أو سبّه أو دعا علیه.
[۱۷۱] – المطالب العالیه، باب قتال أهل البغی:۴/ ۲۹۶٫
[۱۷۲] – سیر اعلام النبلاء:۳/۲۸برقم ۷; الأغانی:۱۴/۱۴۶; تاریخ الطبری:۴/۲۰۷; الکامل:۲/ ۲۲۸٫
[۱۷۳] – البقره: ۴۷٫
[۱۷۴] – الجاثیه: ۱۶٫
[۱۷۵] – المقالات السنیه: ۳۶۵٫
[۱۷۶] – فتح الباری:۱۲/ ۳۱۰٫
[۱۷۷] – رجال الشیخ، باب من روى عن النبی من الصحابه، ص ۲۴ـ ۵۳
[۱۷۸] – نهج البلاغه: الخطبه۹۳، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید:۷/ ۷۷٫
[۱۷۹] – نهج البلاغه: الخطبه۱۱۷، شرح محمد عبده; شرح نهج البلاغه لابن أبی الحدید:۷/ ۲۹۱٫
[۱۸۰] – الصحیفه السجادیه: الدعاءالرابع.

Leave A Reply

Your email address will not be published.