المهدی المنتظر یملأ الأرض قسطا وعدلا کما ملئت جورا وظلما

0

فأهل بیت النبوه مجمعون على أنهم قد سمعوا تلک التأکیدات القاطعه من رسول الله، وأنهم قد تناقلوها جیلا بعد جیل، وورثوها من النبی مع نفائس علمی النبوه والکتاب، وسماعهم لهذه التأکیدات واستیعابهم لها من الأمور الیقینیه التی لا یشکون إطلاقا بصحتها، وهی متواتره عندهم ویرسلها الکبیر والصغیر منهم إرسال المسلمات، وتبعا لإجماع أهل بیت النبوه المشهود لهم إلهیا، بالطهر والتمیز والملازمه الدائمه لرسول الله أثناء حیاته، وبوراثتهم لعلمی النبوه والکتاب أجمعت شیعتهم على أن هذه التأکیدات قد صدرت من الرسول بالفعل، فهی مع بقیه البنى الأساسیه من نظریه المهدی المنتظر تشکل جزءا أساسیا من معتقدهم الإسلامی، وسمه ممیزه من مذهبهم الدینی.
أما الخلفاء التاریخیون وشیعتهم (أهل السنه) فقد توصلوا إلى ذات النتائج المتعلقه بهذه التأکیدات، فصحت عندهم کافه الأحادیث النبویه التی تؤکد بأن.
المهدی المنتظر سیملأ الأرض قسطا وعدلا، کما ملئت جورا وظلما، وتواترت هذه التأکیدات، وأرسلها علماء أهل السنه الأعلام إرسال المسلمات أیضا، وجزموا بأن هذه التأکیدات قد صدرت عن رسول الله بالفعل.
مما یعنی أن الأمه بشقیها: (أهل بیت النبوه ومن والاهم والخلفاء التاریخیون ومن والاهم)، مجمعون على أن رسول الله قد بین للمسلمین وأکد لهم بأن المهدی المنتظر سیملأ الأرض قسطا وعدلا، کما ملئت جورا وظلما، وهم جمیعا قد جزموا بأن هذه الأحادیث قد صدرت من رسول الله بالفعل، وهم على یقین بأن هذه المهمه: (مل ء الأرض قسطا وعدلا کما ملئت جورا وظلما) من المبررات والأسباب الأساسیه، لظهور المهدی المنتظر، ویعتقد الجمیع بذلک، ویؤمنون به، وقد شکل هذا الاعتقاد جزءا من عقیده المسلمین الدینیه.
فبعد موت النبی بقلیل حلت عرى الإسلام کلها، عروه بعد عروه، ورفع الحکم الإلهی من الأرض، وصار الملک الذی تمخضت عنه النبوه. بحوزه من غلب، وحیل بین المرجع الدینی المعتمد من الله ورسوله، وبین ممارسه مهام مرجعیته، وبموت النبی وانتهاء عهده العظیم، وبتحیید المرجع الدینی، فقد العالم النموذج الأمثل، وحل الرأی محل النص، وشاع الاجتهاد مع وجود النص، وإن جرت محاولات لتطبیق النصوص الشرعیه، فإنها قد فشلت، لأن تطبیق النصوص الشرعیه یحتاج إلى أهلیه وإعداد خاص لا یتوفر إلا بالنبی، أو الإمام المؤهل إلهیا من بعده، وهذا مبدأ مسلم به حتى فی القوانین الوضعیه، فالجهه المؤهله لإصدار حکم قطعی مبرم حائز على الحقیقه القانونیه هی محکمه التمییز، أو محکمه النقض، وأعضاؤها یشکلون أو من المفترض أن یشکلوا ویکونوا قمه الفهم والوعی القانونی، بحیث لا یعلو فهمهم فهم، ولا وعیهم وعی، فإذا کانت القوانین التی یضعها البشر قد وصلت إلى هذا المستوى من التقنیه القانونیه، فلا تتعجب من قولنا بأن النص الشرعی یحتاج تطبیقه إلى نبی، أو إمام مؤهل ومعد إلهیا. فضلا عن ذلک فإن الإسلام کشریعه لا یؤتی أکله کاملا إلا إذا طبق کاملا، وبقیت عراه – خاصه نظام الحکم – کلها متماسکه، ولم تحل..
والخلاصه أنه وبعد موت النبی، وحل عرى الإسلام، والاستیلاء على منصب الخلافه بالقوه والتغلب، وحلول الآراء محل النصوص والعمل بالاجتهادات، مع وجود النصوص الشرعیه، رفع الحکم الإسلامی عملیا من واقع الحیاه، ولم یبق من الإسلام إلا الهیکل أو الشکل الخارجی اللازم للمحافظه على الملک وتوسیعه باسم الإسلام.
بمعنى أن حکما وضعیا له طبیعه دینیه قد دخل الساحه الدولیه المکتظه بالأحکام والمنظومات الوضعیه، والمستنده إلى الآراء الشخصیه القابله للصواب والخطأ، وأن الساحه الدولیه قد خلت تماما من أی منظومه حقوقیه إلهیه، ومن أی ترشید إلهی عملی لحرکه العالم السیاسیه، مما یعنی أن المناخ الملائم لنشوء الظلم ونموه وترعرعه قد نشأ، وأخذ ساعد الظلم یشتد بهذا المناخ یوما بعد یوم، حتى ألقى الظلم أجرانه على الأرض فعلا، فالناس یقدسون الیوم عقیده وضعیه، وتتبناها دوله، وتقدمها على أساس أنها أکسیر الحیاه، وبعد تطبیقها وبوقت یطول أو یقصر یکتشف الناس فساد هذه العقیده، وتعترف الدوله بهذا الفساد وتأتی عقائد أخرى، ثم تموت، ولا تثمر إلا الظلم والمعاناه، حتى صار الظلم من أبرز الموجودات على وجه الأرض.
بعد أن یجرب العالم کل شئ، ویلجأ لکل رأی، ویختبر کل عقیده وضعیه، ثم یکتشف أن ما جرب وما لجأ إلیه، وما اختبر، لم یثمر إلا الظلم وعندما یحس کل واحد من أفراد الجنس البشری بوطأه الظلم وهوله، وعندما تمتلئ الکره الأرضیه، ویکتوی الجمیع بنار الظلم، هنالک فقط یعرفون قیمه القسط والعدل، عندئذ یظهر الإمام المهدی المنتظر ومعه عقیده الإسلام من أنقى المصادر، فیقوم بتطبیقها، فتثمر الحکم الإلهی ویثمر الحکم الإلهی العدل والقسط، وعندما یذوق أبناء الجنس البشری طعم العدل الحقیقی یعشقونه، ویعشقون الذی جاء به ویکرهون الظلم الذی کوى قلوبهم، وبفتره وجیزه، تقتلع جذور الظلم من الکره الأرضیه، ویحل محلها العدل المطلق، والقسط المطلق الذی یتولى المهدی المنتظر وبالإشراف الإلهی نشرهما، حتى یلقیا أجرانهما فی الأرض. وهذا هو الجانب الحقوقی من عصر المهدی المنتظر الذهبی..
نماذج من الأحادیث النبویه التی تؤکد بأن المهدی سیملأ الأرض عدلا وقسطا
۱ – قوله صلى الله علیه وآله وسلم: (لا تقوم الساعه حتى تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا. ثم یخرج رجل من عترتی أو أهل بیتی یملؤها قسطا وعدلا کما ملئت ظلما وعدوانا).
(راجع معجم أحادیث المهدی ج ۱ ص ۱۰۴، ومسند أحمد ج ۳ ص ۳۶، وابن حبان ج ۸ ص ۲۹۰ – ۲۹۱، والحاکم ج ۴ ص ۵۵۷)….
۲ – (لا تقوم الساعه حتى یملک رجل من أهل بیتی… یملأ الأرض عدلا کما ملئت قبله ظلما…). (راجع مسند أحمد بن حنبل ج ۳ ص ۱۷، وأبو یعلى ج ۱ ص ۳۶۷ ح ۱۱۲۸، وابن حبان ج ۸ ص ۲۹۱، ومجمع الزوائد ج ۷ ص ۳۱۴، والحاوی للسیوطی ج ۲ ص ۶۳، ومعجم أحادیث الإمام المهدی ج ۱ ص ۱۰۸ – ۱۱۰).
۳ – (تملأ الأرض ظلما وجورا، ثم یخرج رجل من عترتی… فیملأ الأرض قسطا وعدلا). (الحاکم ج ۴ ص ۵۵۸، وعقد الدرر ص ۱۶، نقلا عن البیهقی، ومسند أحمد ج ۳ ص ۲۸٫٫٫٫ ومعجم أحادیث المهدی) ج ۱ ص ۱۱۰ – ۱۱۱).
۴ – (یخرج فی آخر الزمان رجل من ولدی… یملأ الأرض عدلا کما ملئت جورا). (تذکره الخواص ص ۳۶۳، منهاج السنه لابن تیمیه ج ۴ ص ۲۶۱).
۵ – (لو لم یبق من الدهر إلا یوم لبعث الله رجلا من أهل بیتی یملأها عدلا کما ملئت جورا). (ابن أبی شیبه ج ۱۵ ص ۱۹۸، وأبو داود ج ۴ ص ۱۰۷، والبزار ج ۱ ص ۱۰۴٫٫٫ ومعجم أحادیث الإمام المهدی ج ۱ ص ۱۱۹ – ۱۲۲).
۶ – ومثله قوله صلى الله علیه وآله وسلم: (المهدی منی.. یملأ الأرض قسطا وعدلا کما ملئت جورا وظلما). (ابن حماد ص ۱۰۰، عبد الرزاق ج ۱۱ ص ۳۷۲، والترمذی على ما فی مطالب السؤول، والمنار المنیف، والنسائی على ما فی عقد الدرر، والطبرانی على ما فی بیان الشافعی، والحاکم ج ۱ ص ۵۷٫٫٫ وراجع معجم أحادیث الإمام المهدی ج ۱ ص ۱۲۶ ۱۲۸)..
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.