هل طلب الشفاعه من أولیاء اللّه یُعدُّ شرکاً فی العباده؟
ومع الالتفات إلى هذا الأصل نذکر أنّه قد دلّت آیات کثیره أُخرى على أنّ اللّه تعالى أذن لفریق من عباده أن یستخدم هذا الحقّ و یشفع ـ فی ظروف خاصه وشروط معینه ـ حتّى أنّ بعض هذه الآیات صرّحت بخصوصیات وأسماء طائفه من هؤلاء الشفعاء، کقوله تعالى: (وَکَمْ مِنْ مَلَک فِی السَّمَـوَتِِ لا تُغْنی شَفَاعَتُهُمْْ شَیْئاً إِلاّمِنْ بَعْدِ أَنْ یَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ یَشاءُ وَیَرْضى ) .( [۲])
کما أنّ القرآن أثبـت «المقام المحمود» لنبـی الإسلام محمّد (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال سبحانه:
(عَسى أَنْ یَبْعَثَکَ ربُّکََ مَقاماً مَحْمُوداً ) .( [۳])
وقال المفسّرون: إنّ المقصود بالمقام المحمود: مقام الشفاعه، بحکم الأحادیث المتضافره التی وردت فی هذا الشأن.
کلّ هذا ممّا اتّفق علیه المسلمون، إنّما الکلام فی أنّ طلب الشفاعه ممّن أُعطی له حقّ الشفاعه، کأن یقول: «یا رسول اللّه اشفع لنا» هل هو شرک أو لا؟ وهل هذا یجدی نفعاً أم لا؟
ولیس البحث فی المقام فی کون هذا الطلب مجدیاً أو لا، أنّما الکلام فی أنّ هذا الطلب هل هو عباده أو لا؟ وهل هو شرک أم لا؟ لأنّنا فعلاً فی صدد معرفه حدود التوحید والشرک لا معرفه کونه مفیداً أو لا.
إنّه مع الاتّفاق على معیار وملاک التوحید والشرک یتّضح بجلاء حکم المسأله المذکوره، فلو اعتقدنا بأنّ من نطلب منهم الشفاعه لهم أن یشفعوا لمن أرادوا ومتى أرادوا نعتقد أنّهم آلهه صغیره وأنّهم قد فوّض إلیهم أمر الشفاعه بحیث یشفعون لمن شاءوا من دون رجوع إلى إذنه وإجازته سبحانه وتعالى، فإنّ من المحتّم أنّ هذا الطلب والاستشفاع عباده، وأنّ الطالب یکون مشرکاً، وذلک لأنّ الشفاعه من خصائص المقام الربوبی والإلهی، ولا شکّ أنّ طلب الفعل الإلهی وما هو من شؤونه من غیره یُعدُّ شرکاً.
أمّا لو استشفعنا لأحد هؤلاء الشفعاء ونحن نعتقد بأنّه محدود مخلوق للّه لا یمکنه الشفاعه لأحد إلاّ بإذنه، فهذا الطلب لا یختلف عن طلب الأمر العادی ماهیّه، ولا یکون خارجاً عن نطاق التوحید، وإن تصوّر أحد انّ هذا
العمل ـ أعنی: طلب الشفاعه من أولیاء اللّه ـ یشبه فی ظاهره عمل المشرکین واستشفاعهم بأصنامهم، فهو تصوّر باطل بعید عن الحقیقه، لأنّ التشابه الظاهری لا یکون أبداً معیاراً للحکم، بل المعیار الحقیقی للحکم إنّما هو قصد الطالب و کیفیه اعتقاده فی حقّ الشافع، ومن الواضح جدّاً أنّ المعیار هو النیّات والضمائر، وأنّه لا مریه فی أنّ اعتقاد الموحد فی حقّ أولیاء اللّه یختلف ـ تماماً ـ عن اعتقاد المشرک فی حقّ الأصنام والأوثان.
فإذا کان معیار الحکم التشابه الظاهری، فلا محیص من عدّ الطواف بالبیت، ومسّ الحجر الأسود، والسعی بین الصفا والمروه سبباً للشرک، لأنّ هذه الأعمال تشبه بظاهرها أعمال المشرکین ولا تختلف معها.
الوهابیّون وطلب الشفاعه
إنّ الوهابیّین یعتبرون مطلق طلب الشفاعه من أولیاء اللّه شرکاً وعباده ویظنون أنّ القرآن لم یصف الوثنیّین بالشرک إلاّ لخضوعهم وخشوعهم وتضرّعهم وبکائهم وعویلهم أمام تلک الأصنام وطلبهم الشفاعه منها، کما یقول سبحانه:
(وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَضُرُّهُمْ وَلا یَنْفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَع آؤُنَا عِنْدَ اللّهِ… ) .( [۴])
وعلى هذا فالشفاعه وإن کانت حقاً للشفعاء الحقیقیّین من أولیاء اللّه إلاّ أنّه لا یجوز طلبه منهم، لأنّه عباده.
إنّ الاستدلال بهذه الآیه یمکن الإجابه عنه بوجهین:
۱٫ لیس فی الآیه أدنى دلاله على مقصودهم، وإذا ما رأینا القرآن یصف هؤلاء بالشرک، فلیس ذلک لأجل استشفاعهم بالأوثان، بل لأجل أنّهم کانوا یعبدونها لغایه أن تشفع لهم بالمآل.
وتوضیح ذلک أنّ المشرکین کانوا یقومون بعملین:
الف: کانوا یعتقدون أنّ للأصنام نفوذاً و منزله لدى الحضره الإلهیه، وتصوّروا أنّه ومن خلال عبادتهم یتمکّنون من جلب رضاهم. ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى تلک الحقیقه فی نفس الآیه بقوله:
(وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَضُرُّهُمْ وَلا یَنْفَعُهُمْ ) ، فمن هذه الجهه کانوا مشرکین.
ب: إنّهم عقدوا الأمل على تلک الأوثان وطلبوا الشفاعه منها، ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى تلک الحقیقه بقوله:
(وَیَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَع آوُنَا عِنْدَ اللّهِ ) .
فمن خلال الإمعان فی معنى هذه الآیه وملاحظه أنّ هؤلاء المشرکین کانوا یقومون بعملین: (العباده، وطلب الشفاعه) یتّضح جلیاً أنّ علّه اتّصافهم بالشرک واستحقاقهم لهذا الوصف کانت لأجل عبادتهم لتلک الأصنام لا لاستشفاعهم بها.
ولو کان الاستشفاع بالأصنام عباده لها لما کان هناک مبرر للإتیان بجمله (وَیَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤنا ) بعد قوله: ( ویَعْبُدُونَ… ) .
إنّ عطف الجمله الثانیه على الأُولى یحکی عن أنّ موضوع عباده الأصنام یغایر مسأله طلب الشفاعه منها، لأنّه فی الحقیقه، عباده الأصنام تُعدُّ شرکاً وثنویه، وأمّا طلب الشفاعه من الأحجار والخشب یُعدُّ عملاً سفهیاً لا یصدر إلاّ
من إنسان أحمق ویکون بعیداً عن لغه المنطق والعقل والعلم.
فإذا کان من المستحیل أن تکون الآیه المبارکه دالّه على أنّ طلب الشفاعه من الأصنام یُعدُّ عبادهً لها فمن الأولى أنّها لا تدلّ على أنّ طلب الشفاعه من أولیاء اللّه الأحیاء والمقرّبین منه سبحانه علامه ورمزاً لعبادتهم.
۲٫ إذا تجاوزنا ذلک،فأنّ هناک فرقاً بین الاستشفاعین، فالوثنی یعتبر الصنم ربّاً مالکاً للشفاعه یمکنه أن یشفع لمن یرید وکیفما یرید، ولا ریب أنّ هذا الاستشفاع شرک، ولأجل ذلک یقول سبحانه منتقداً هذه العقیده:
(قُلْ للّهِ الشَّفاعَهُ جَمِیعاً… ) .( [۵])
والحال أنّ المسلمین لا یعتقدون بأنّ أولیاءهم یملکون هذا المقام، فهم یتلون آناء اللیل وأطراف النهار. قوله سبحانه:
(…مَنْ ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ… ) .( [۶])
ومع هذا التفاوت البیّن والفرق الواضح، کیف یصحّ قیاس هذا بذاک؟! فإنّ ذلک بعید عن الإنصاف والموضوعیه التی ینبغی أن یتحلّـى بها الکُتّاب والمؤلّفون و أصحاب العقائد الإسلامیه والمحسوبون علیها.
______________
[۱] . الزمر: ۴۴٫
[۲] . النجم: ۲۶٫
[۳] . الإسراء: ۷۹٫
[۴] . یونس: ۱۸٫
[۵] . الزمر: ۴۴٫
[۶] . البقره: ۲۵۵٫