ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه (03)

0

نقول الآن: إذا الإمام المنتظر يريد أن يقيم الدولة العادلة والدولة العامة الشاملة على أرجاء الأرض، ألا يحتاج إلى أرضية مهيأة؟ الجواب: نعم بلا إشكال.

إذا كان الإمام يريد أن يقيم الدولة الإسلامية العامة على جميع بقاع الأرض (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(12) إقامة الدولة الإسلامية العامة تحتاج إلى أن البشر يستقبلون الإسلام، تحتاج إلى أن البشر يكونون مهيئين نفسياً وذهنياً لقبول الإسلام ولاعتناق الإسلام ولتلقي الإسلام، ولأن يكونوا عوناً للإسلام.

فالإمام وإن كان يحارب المرتدين ويحارب الكافرين ويحارب الظالمين، لكن لا يفني البشر كلهم، بل لابد من وجود أرضية بشرية مهيأة نفسياً وثقافياً لدولة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه.

وهذا كيف يتم؟ طبعاً يتم بأن البشرية تعيش التجربة المرّة وتمر البشرية بتجربة مرّة، فتجرب سائر الأنظمة وسائر الحضارات وسائر القوى وسائر الأجهزة إلى أن تيأس البشرية من كثرة المشاكل الاقتصادية ومن كثرة الحروب ومن كثرة الفتن ومن كثرة الويلات التي تمر بها، إلى أن تتهيأ نفسياً بكل انتظار وبكل شوق وبكل إِلحاح إلى أن الخلاص الوحيد والعلاج الوحيد لها كلها هو الإسلام، وتؤمن البشرية وقد جربت أنظمة مختلفة من رأسمالية وشيوعية واشتراكية وأنظمة أخرى وحضارات مختلفة وحضارات متباينة، نعم وأجهزة مختلفة ومتعددة، وترى فشل الجميع وعدم كفائتها.

وطبعاً تزداد المشاكل البشرية يوماً بعد يوم، تزداد نسب المجاعة ونسب الفقر ونسب الحروب ونسب الفتن ونسب القلاقل ونسب الاضطرابات يوماً بعد يوم، إلى أن تصل البشرية إلى أن لا مخلص إلاّ الإسلام ولا علاج إلا الإسلام ولا حلّ إلا الإسلام ولا كافل لسائر المشاكل إلا الإسلام.

إذا تهيأت البشرية إلى الإسلام وإلى نظام الإسلام كحل وكعلاج كان ظرفاً مهيأً ومناسباً لخروج الإمام عجل الله تعالى فرجه فيخرج والبشرية تحت رايته لأنها راية الإسلام الذي هو الحل الوحيد لسائر المشاكل المادية والاقتصادية والأمنية.

وهذا ما تؤكد عليه النصوص التي تذكر أنه يخرج بعد ما ملئت الأرض ظلماً وجوراً، والرسول لا يكذب، وهذا ليس معناه أن كل بقعة بقعة ستمتلئ ولكن أغلب بقاع العالم هكذا (تملأ الأرض ظلماً وجوراً فيخرج رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً).

فلابد للبشرية أن تخوض هذه التجربة المريرة التي تهيئها لقبول دولة الإمام ولقبول صوت الإمام سلام الله عليه.

الوجه الثاني: السيد محمد باقر الصدر رحمه الله يذكر أن غيبة الإمام نافعة حتى للإمام نفسه، فضلاً عن البشرية، والرأي يختص به لا يطرحه غيره من العلماء.

يقول: كل دور يحتاج إلى كفاءة مناسبة للدور، فمثلاً موسى بن عمران متى بُعث رسولاً؟ لما بلغ أربعين سنة والقرآن الكريم يقول: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى)(13) يعني أصبح عقله ناضجاً وخبرته ناضجة ورجولته كاملة.. (آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً) الدور كان يحتاج إلى هذا النوع من الكفاءة، يعني ما كان يمكن لموسى بن عمران أن يقوم بدوره كرسول إلا بعد هذا السن وبعد هذه التجربة.(14)

نأتي إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بعث وعمره أربعون سنة، هو نبي منذ ولادته، وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله كما في كتاب تفسير الرازي: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).(15)

الله تبارك وتعالى خلق النبي نوراً قبل أن يخلق آدم وأعطاه النبوة قبل أن يخلق آدم، نور يجتبى بالنبوة والعصمة والطهارة قبل خلق آدم.

ولقد ورد عنه صلى الله عليه وآله: (إن الله خلق نوري ونور علي قبل أن يخلق آدم بألفي عام)(16)، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).(17)

إذن هو نبي منذ ولادته، فلماذا لم يبعث إلا وعمره أربعين سنة؟ لأنه ما بعث بالدعوة وإن كان نبياً إلا بعد أربعين سنة، والتجربة الإسلامية تقتضي تهيئته كقائد تنقاد له النفوس وتذعن له القلوب وتلتف حول رايته وتؤمن بخبرته وتؤمن بنضجه وتؤمن بفكره، ويحتاج إلى أن يمر بهذا السن، ويحتاج إلى أن يمر بهذه التجربة، ويحتاج إلى أن يمر بهذا الحد المعين فيتهيأ لقيادة الأمة آنذاك، فالدور يحتاج إلى هذا الاستعداد.

……………………………..

(01) سورة التوبة: الآية: 33.

(02) القصص (28): الآية 14.

(03) راجع بحث حول المهدي للسيد الشهيد الصدر (قدس سره).

(04) تفسير الرازي، ج3: 213.

(05) راجع معاني الاخبار للصدوق: 56، ح4، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج1: 27.

(06) المناقب لابن شهر آشوب، ج1: 214، مسند أحمد، ج4: 66 وفيه (,آدم بين الروح والجسد)، كنز العمال للمتقى الهندي، ج11: 450، ح32115، وفيه: (بين الروح والطين).

Leave A Reply

Your email address will not be published.