ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه (04)
بسم الله الرحمن الرحيم
بالنسبة للإمام المنتظر، السيد الصدر _ وهذا رأي يختص به ولعله غريب على الناس _ يقول: إنّ الدور الذي يقوم به الإمام المنتظر ليس دوراً عادياً، لم يقم به نبي ولا رسول، إقامة دولة إسلامية على جميع بقاع الأرض، هذا الدور الذي هو إقامة دولة إسلامية على جميع بقاع الأرض، وكما في بعض الروايات تستمر هذه الدولة أربعين سنة(01)، إقامة دولة على جميع بقاع الأرض ولمدة أربعين سنة دور عملاق ما قام به أحد قبله لا من الأنبياء ولا من الرسل ولا من الأوصياء.
إذن يحتاج هذا الدور إلى كفاءة تتناسب مع الدور نفسه، فإنّ ضخامة الدور تقتضي ضخامة الكفاءة وضخامة الاستعداد، كلما كان الدور عظيماً احتاج إلى عظمة في الكفاءة أكثر، وكلما كان الدور أكبر احتاج إلى كفاءات أكبر واستعدادات أكبر، والإمام المنتظر يقوم بدور ما قام به أحد، وهو إقامة دولة إسلامية عامة على جميع بقاع الأرض، وهذا يحتاج إلى إعداد وخبرة تتناسب مع الدور تماماً.
وهذا يحتاج إلى شخص عاصر جميع الحضارات وعاصر جميع المجتمعات وعاصر جميع الأنظمة وعاصر جميع الدول، لأنه إذا عاصر جميع المجتمعات تعرف على جميع الأهواء وعلى جميع الشهوات وعلى جميع أنواع الميول وإذا عاصر جميع الأنظمة تعرف على نقاط الضعف ونقاط القوة في كل نظام، وإذا عاصر جميع الحضارات تعرف على عوامل البقاء وعوامل الفناء في كل حضارة معاصرة، فجميع الحضارات معاصرة وجميع الأنظمة معاصرة وجميع المجتمعات معاصرة، وجميع الأزمنة التي تمر على البشرية تكسب هذا الشخص الذي يعاصرها قدراً كاملاً في الخبرة بما تحتاج إليه الدولة الإسلامية العامة على جميع وجه الأرض.
جميع نقاط الضعف والقوة في المجتمعات وفي الحضارات وفي الأنظمة وفي أجهزة الحكم حاصلة لديه، لأنه عاصر الجميع وجرّب الجميع فوصل إلى الإعداد الكافي للقيام بدوره كقائد عام وكقائد لدولة إسلامية عامة.
طبعاً يأتي الإنسان هنا يتساءل: هل الإمام قبلاً لا يعرف؟ وهل هو قابل للتعلم؟ أي أنه كلما عاش يتعلم أكثر، هل الإمام هكذا!! صحيح الإنسان البشر العادي كلما يعيش يزداد معرفة وخبرة وينضج ويتكامل، لكن كإمام معصوم هل الإمام كذلك؟! يعني يحتاج إلى أن يعيش فترة طويلة من الزمن يكتسب فيها خبرات ومعارف وثقافات؟ هل الإمام المعصوم كذلك؟
السيد الصدر يجيب عن هذا السؤال يقول: عندنا فرق بين العلم وبين الخبرة، العلم أمر نظري والخبرة أمر تطبيقي، والأمر التطبيقي يحتاج إليه الإمام كأي إنسان آخر، فمثلاً الطبيب عنده معلومات نظرية بحتة، فإنه عندما يبدأ يفتح عيادة ويعالج المرضى تلك المعلومات النظرية تظهر للوجود فيبدأ يطبقها أثناء عيادته وأثناء علاجه، هذا الطبييب بعد تطبيقه للمعلومات الطبية النظرية ماذا يحصل؟ يحصل على أنه كان عنده علم نظري والآن تحول إلى خبرة، وفرق بين الخبرة والعلم النظري، هذا كان منذ دراسته إلى أن انتهى إلى مستوى معين يحمل معلومات نظرية، الآن عندما بدأ بتطبيقها تحول إلى خبرة فالخبرة غير المعلومات النظرية.
مثال أوضح: النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، انظر هذه الآية من القرآن الكريم _ وهذه الآية كثير من اخواننا أهل السنة يركزون عليها _ القرآن الكريم يقول في حق النبي صلى الله عليه وآله: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الإِْيمانُ)(02) فأهل السنة يقولون: انظروا النبي قبل البعثة ما كان يعلم شيئاً، لأن الآية تقول: (ما كُنْتَ تَدْرِي…).
يعني قبل الوحي أنت لا تعلم شيئاً حتى الإيمان ما كنت تدري ما هو، فكان النبي مثل الناس، (مَا الْكِتابُ) يعني من قبل نزول القرآن، ولكنه سبحانه وتعالى يقول في مورد أخر: (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ)(03) إذا كانت تلك الآية تقول: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ما هو معنى هذه الآية؟
فهذا هو الذي نركز عليه، وهو الفرق بين الدراية النظرية والدراية التطبيقية، الدراية التطبيقية، الدراية التفصيلية، والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله قبل البعثة يدري بتمام الأمور ولكن دراية نظرية ودراية علمية، وبعد البعثة ما درى به مجال التطبيق، خاض حروباً وخاض غزوات وطبق دولة إسلامية وعاصر منافقين وعاصر اليهود وعاصر المسيحيين، جادلهم وناقشهم، وهذا النوع من التجربة التي مر بها النبي صلى الله عليه وآله ثلاث وعشرين سنة ويطبق ما درى، يطبق المعلومات النظرية خلال ثلاث وعشرين سنة.
يقول صاحب الميزان هذه الثلاث والعشرين دراية تفصيلية، يقول له: أنت قبل نزول الوحي وقبل نزول الكتاب لم تكن عندك دراية تفصيلية، دراية تطبيقية ثم أعطيناك هذه الدراية التفصيلية ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.(04)
نحن نؤمن بأن الإمام المعصوم منذ ولادته يعلم ويدري سائر الأمور التي تحتاجها الدولة الإسلامية العامة وما تحتاج إليه المجتمعات وما تحتاج إليه الحضارات والأجهزة المختلفة، كان يعلم بذلك لكنه علم نظري.
لكن معاصرة الإمام بالفعل، فعلاً الإمام يعيش 1400 سنة تقريباً يعاصر الحضارات بنفسه ويكتشف الأنظمة بنفسه ويعاصر المجتمعات بنفسه، هذا النوع من التجربة التي يمر بها أثناء غيبته، تحوّل ذلك العلم النظري إلى خبرة تطبيقية، وهذه الخبرة التطبيقية تساعد على إقامة النظام الإسلامي العام على وجه الأرض.
وتوجد عندنا روايات تؤيد هذا، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي: (لولا أننا نزداد كل جمعة لنفذ ما عندنا)(05) الإمام يتكامل ويمر بمراحل تكاملية، تزداد علومه ومعارفه.
إذن السيد رحمه الله يقرر أن الغيبة ضرورية حتى للإمام وليست ضرورية فقط لنا وللعالم، حتى يتم الإعداد الكافي المناسب للدور الذي يقوم به، وهو دور إقامة لحكم الإسلامي العام على جميع وجه الأرض.
وطبعاً إنّا ندرك أن هذا الرأي أوّلاً خاص بالسيد الصدر، وبعض العلماء يختلف معه ويرى أن الإمام المعصوم لا يحتاج إلى هذه الخبرة ولا يحتاج إلى هذه التجربة لأنه قادر على تطبيق النظام في أي ظرف وفي أي وقت وهو في غير حاجة إلى الخبرة وغير حاجة إلى أن يمر بهذه التجربة. هذا اختلاف في الآراء.
هذا بالنسبة إلى النقطة الثانية، مسألة غيبة الإمام المنتظر ودوافع الغيبة، والنقطة الثالثة ستأتي في الحلقة التالية بإذن الله تعالی
………………………………………
(01) راجع عقد الدرر للشافعي السلمي: 241، باب 11، الفتن لابن طاووس: 80، باب 182.
(02) سورة الشورى، الآية: 52.
(03) سورة العنكبوت، الآية: 48.
(04) راجع تفسير الميزان للطباطبائي، ج18: 77.
(05) الكافي للكليني، ج1: 54، باب لولا ان الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم، ولفظ الحديث في الكافي: «لولا أنا نزداد لانفدنا».