دور مدرسة المدينة في تطور علم السيرة (03)
ثانياً: دور مدرسة الصحابة في حيرة الناس في معرفة دينهم! ونفي! وتعذيب من يسأل عن دينه!!
أما ما ذهبت إليه الدراسة التاريخية في بيانها للأسباب التي دفعت المسلمين بالتوجه إلى مدرسة المدينة دون غيرها من المدارس هو (لاحتياجهم إلى معرفة أوسع بالدين وصاحب الرسالة وبالأحكام والحديث والسنن والتفسير وأحاديث الدعوة إلى الإسلام الأولى وتفاصيل الهجرة والمغازي، وقد تصدى لايضاح ذلك أبناء الصحابة أنفسهم خاصة)[01].
فإن الشطر الأخير ليس بدقيق، والسبب في ذلك يعود إلى امتناع أكثر الصحابة عن الفتيا، كما صرح البعض بذلك، وحسبك من هذه الحقية المؤلمة ما يلي:
1 ــ عن عطاء بن السائب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إذا سُئل أحدهم عن المسألة أحب أن يكفيه غيره[02].
2 ــ وذكر الدارمي عن داود، أنه قال: سألت الشعبي كيف كنتم تصنعون إذا سُئلتم؟ قال: على الخبير وقعت كان إذا سُئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول[03].
فهذا هو حال الصحابة في تعليم الناس وإرشادهم إلى أمور دينهم.
أما حال من يقدم للمدينة من المسلمين لكي يتعلم ويسأل عن أمور دينه فان حاله يرثى له، بل إنه ليحرم على نفسه ألا يعود إلى المدينة حتى يلقى ملك الموت!!؟ كما دلت عليه الحادثة الآتية:
أخرج الدارمي في سننه عن سليمان بن يسار: (أن رجلا قدم المدينة يقال له ضبيع ــ وهو من أهل البصرة ــ فجعل يسأل عن تشابه القرآن، فأرسل إليه عمر ــ بن الخطاب ــ فأعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟.
قال: أنا عبد الله، ضبيع. قال: وأنا عبد الله، عمر.
فضربه حتى دمى رأسه، فقال ــ ضبيع ــ: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد ذهب الذي كنت أجده في رأسي، ثم نفاه إلى البصرة)[04].
وعن سعيد بن المسيب: (فأمر به عمر فضرب مائة سوط، فلما برئ دعاه فضربه مائة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: حرّم على الناس مجالسته)[05]. وذكر السائب بن يزيد: (وكتب ــ عمر ــ إلى أبي موسى، يأمره أن يحرم على الناس مجالسته، وإن يقوم في الناس خطيبا، ثم يقول: إن ضبيعاً قد ابتغى العلم فأخطأه.
فلم يزل ــ الرجل ــ وضيعا في قومه حتى هلك)[06]!.
إذن: إذا كان هناك دور لمدرسة المدينة المنورة في نشر العلوم المختلفة، ولاسيما علم المغازي والسير فإنها قد اكتسبته ــ أي: هذا الدور ــ من خلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام والتي كانت لها منهجية خاصة في تعليم المسلمين العلوم الدينية والطبيعية ونشرها؛ إذ تعتمد هذه المنهجية على تثقيف الناس على طلب العلم وتعليمه مع بسط في البيان وعمق في المعرفة، وهي مع ذلك تولي طلابها عناية خاصة ممثلا في تكريمهم والاهتمام بأحوالهم وحثهم على المشاركة وطرح الأسئلة، مستندين في ذلك إلى تعاليم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
1 ــ فقد أوصى صلى الله عليه وآله وسلم أحد طلاب هذه المدرسة بقوله:
«يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل خير من أن تصلي ألف ركعة»[07].
2 ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم:
«ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب له بكل قدم عبادة سنة»[08].
3 ــ وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«طالب العلم حبيب الله»[09].
4 ــ وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم من شيعتنا»[10].
5 ــ وقال الباقر عليه السلام:
«ما من عبد يغدو في طلب العلم أو يروح إلاّ خاض الرحمة وهتفت به الملائكة: مرحبا بزائر الله، سلك من الجنة مثل ذلك السالك»[11].
وغير ذلك من الأحاديث التي تظهر منهاج أئمة العترة عليهم السلام في تعليم العلوم المختلفة ونشرها ولاسيما علم المغازي والسير سواء كان هذا العلم ظهر في المدينة أو الكوفة إلاّ أن الحرب التي أعلنت على أهل البيت عليهم السلام منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والهجمات التي تلقتها هذه المدرسة مع طلابها حالت دون ظهور أسماء الذين رووا أو صنفوا في السير والمغازي، هذا فضلاً عن أن الذين تصدوا لرواية والسيرة النبوية ونشرها في مدرسة أهل البيت عليهم السلام هم أئمة العترة ابتداءً من الإمام علي عليه السلام وإلى الإمام الثاني عشر عليهم السلام؛ بل لولا هذه السيرة التي نقلها أئمة أهل البيت عليهم السلام لما استطاع القارئ ان يميز بين الصحيح والسقيم مما كتبه المخالفون لمدرسة العترة النبوية.
وعليه: فإننا سنورد أسماء الذين رووا أو دونوا في السير والمغازي في المدارس الإسلامية الأخرى خلال القرن الأول للهجرة والذي يعرف بالعصر الأموي دون الإشارة إلى ذكر أسماء أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن روى عنهم؛ لكثرة ما روي عنهم في هذا الصدد. لاسيما وان العلامة المجلسي قد أفرد لسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موسوعة البحار البالغة (111) جزءاً ــ أفرد ــ ثمانية أجزاء مما يتعذر علينا فرز الأحاديث التي تعود إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام كلاً على حده.
العتبة الحسينية
………………………
[01] التاريخ العربي والمؤرخون لشاكر مصطفى: ج 1، ص 150.
[02] الطبقات لابن سعد: ج 6، ص 110. سنن الدارمي: ج 1، ص 53. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 36، ص 86.
[03] سنن الدارمي: ج 1، ص 53. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 25، ص 366.
[04] سنن الدارمي: ج 1، ص 54. نصب الراية للزيلعي: ج 3، ص 118. الدراية لابن حجر: ج2، ص 98. الدر المنثور للسيوطي: ج 2، ص 7. فتح القدير للشوكاني: ج 1، ص 319. تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج 23، ص 411.
[05] الإصابة لابن حجر: ج 3، ص 371.
[06] كنز العمال للمتقي الهندي: ج 2، ص 334. الغدير للأميني: ج 6، ص 292.
[07] سنن ابن ماجة: ج 1، ص 79. العهود المحمدية للشعراني: ص 25. ميزان الحكمة لمحمد الريشهري: ص 220.
[08] منية المريد: ص 100.
[09] جامع الأخبار: ص 110.
[10] الاختصاص للمفيد: ص 234.
[11] ثواب الأعمال: ص 160.
