المهدی ومنطق العقل والعلم
إذ یوجد من ینکر هذا الأمر أیضاً، لکن بدوافع أخرى، غیر مسأله الولاده، فینطلق من دوافع أخرى.
وهذه الدوافع وإن کانت بعیده عن المنهج الإسلامی القویم القائم على العقل والمنطق، والفطره والإستناد إلى الغیب، إلا أنه ینبغی لنا ملاحظتها، حذراً من تشویشها على أذهان بعض المؤمنین.
الإیمان بالغیب:
یعتبر الإیمان بالغیب جزءاً من عقیده المسلم، إذ تکررت الدعوه إلى ذلک فی القرآن والسنه المبارکه، قال تعالى:- (ألم ذلک الکتاب لا ریب فیه هدى للمتقین الذین یؤمنون بالغیب)[۱].
وقد تضمنت السنه مئات الروایات المؤکده على الإیمان بالغیب والتصدیق بما یخبر به الأنبیاء والرسل، ولهذا لا تصح عقیده الإنسان المسلم بإنکاره، سواء تعقله وأدرک أسراره وتفصیلاته أم لم یستطع إلى ذلک سبیلاً، کما فی الإیمان بالملائکه وبعذاب القبر، وسؤال الملکین فی القبر، وغیر ذلک من المغیـبات التی ذکرها القرآن الکریم، أو أخبر عنها النبی الأکرم محمد(ص)، ونقلها إلینا الثقات العدول.
هذا ومن جمله القضایا الغیـبیه، بل أهمها قضیه الإمام المهدی(عج) الذی سیظهر فی آخر الزمان لیملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
هذا وقد وجد بعض المثیرین للشبه، حول قضیه الإمام الحجه المنتظر(عج) بعدما ضعفوا عن مواجهه الأدله النقلیه المتظافره المثبته لشخص الإمام الحجه، بشخصه الشریف، وأنه ابن الإمام العسکری(ع) فأثاروا بعض الشبه فی المقام، وأهم تلک الشبهه مسأله صغر سن المولى، وطول عمره، والفائده من الغیـبه بالنسبه له، ومسأله استفاده الأمه المسلمه من امام غائب.
هذا وسنحاول أن نجیب على هذه الأمور بمقدار ما یؤدی الغرض إن شاء الله ویزیل الشبهه ویدحضها.
صغر سن الإمام:
قد یطرح تساؤل فی البین مفاده:کیف یکون الإمام إماماً، وهو فی سن الخامسه من عمره؟…
ویجاب عن هذا السؤال:إن من الأمور المسلمه أن الإمام العسکری(ع) لم یعقب إلا الإمام الحجه ابن الحسن العسکری، ومقتضى أن الإمام من ولده(ع) یستلزم أن یکون الإمام هو الإمام الحجه.
أما کیف یتصور کونه إماماً وهو فی هذا السن الصغیر، فنقول:
إن هذا یشیر إلى ظاهره الإمامه المبکره، وهی ظاهره لیست بالجدیده فی تاریخ الأمه الإسلامیه، حیث سبقه إلیها عدد من آبائه الطاهرین، فالإمام الجواد(ع) تولى الإمامه وهو فی الثامنه من عمره، وتولى الإمام الهادی(ع) الإمامه وهو فی التاسعه من عمره، وکان الإمام العسکری إماماً للأمه وهو فی الثانیه والعشرین من عمره، نعم الملاحظ أن الإمامه المبکره بلغت ذروتها فی الإمام المهدی، والإمام الجواد.
ثم إن تسمیه لإمامه المبکره بالظاهره لکونها بالنسبه إلى عدد من آباء الإمام المهدی(ع) تشکل مدلولاً حسیاً عملیاً عاشه المسلمون، ووعوه فی تجربتهم مع الإمام بشکل وآخر، ولا یمکن أن یطالب بإثبات ظاهره من الظواهر هی أوضح وأقوى من تجربه أمه، وتوضیح ذلک ضمن النقاط التالیه:
الأولى: لیست إمامه أهل البیت(ع) من الأمور التی تنـتقل بالواراثه من الأب إلى الأبن، کما فی مراکز السلطان والنفوذ، بحیث یدعمها النظام الحاکم، وإنما هی تکتسب ولاء قواعدها الشعبیه الواسعه عن طریق التغلغل الروحی والإقناع الفکری لتلک القواعد بجداره هذه الإمامه لزعامه الإسلام وقیادته على أسس فکریه وروحیه.
الثانیه: لقد بنیت القواعد الشعبیه منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتسعت على عهد الإمامین الصادقین(ع) وأصبحت المدرسه التی رعاها هذان الإمامان، فی داخل هذه القواعد تشکل تیاراً فکریاً واسعاً فی العالم الإسلامی یضم مئات من الفقهاء والمتکلمین والمفسرین والعلماء فی مختلف ضروب المعرفه الإسلامیه.
الثالثه: لقد کان لهذه المدرسه وما تمثله من قواعد شعبیه فی المجتمع الإسلامی شروط شدیده تؤمن بها وتـتقید بموجبها فی تعیـین الإمام والتعرف على کفاءته للإمامه، وذلک لإیمانها أن الإمام لا یکون إماماً إلا إذا کان معصوماً وکان أعلم علماء عصره.
الرابعه: لقد کانت هذه المدرسه وقواعدها الشعبیه تقدم التضحیات فی سبیل الصمود على عقیدتها فی الإمامه، وقد کانت السلطه الحاکمه وباستمرار تقریـباً تقوم بحملات تصفیه وتعذیب للقواعد الشعبیه، ذلک لأنها کانت تنظر إلى أنها تشکل خطاً عدائیاً لها، ولو من الناحیه الفکریه على الأقل.
وما نود الوصول إلیه هنا هو أن الإعتقاد بإمامه أهل البیت(ع) کان یکلفهم غالیاً، ولم یکن من الإغراءات التی یرغبها المعتقد بذلک إلا ما یحس به، أو یفترضه من التقرب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
الخامسه: إن الأئمه الذین دانت هذه القواعد الشعبیه لهم بالإمامه، لم یکونوا معزولین عنها، ولا قابعین فی بروج عاجیه عالیه شأن السلاطین الحاکمه مع شعوبهم، فلم یکونوا محتجبین عنهم إلا بمقدار ما یحجبهم السلطان بسجن أو نفی، أو ما تقتضیه الضروره.
السادسه: إن السلطه المعاصره للأئمه(ع) کانت تنظر إلیهم وإلى زعامتهم الروحیه بوصفها مصدر خطر کبیر على کیانها ومقدراتها، فکانت تبذل کل جهودها فی سبیل تفتیت هذه الزعامه، وتحملت فی سبیل الوصول إلى هذه الغایه الکثیر من السلبیات، وظهرت بمظاهر القسوه والطغیان.
وقد کانت حملات المطارده والإعتقال للأئمه وأتباعهم مستمره، بالرغم مما کان یخلفه ذلک من اشمئزاز فی نفوس المسلمین، وخصوصاً الموالین لأهل البیت(ع).
هذا وبضم هذه النقاط الست مع بعضها نخرج بالنـتیجه التالیه:
إن ظاهره الإمامه المبکره کانت ظاهره واقعیه ولم تکن وهماً من الأوهام، لأن الإمام الذی یبرز على المسرح وهو صغیر فیعلن عن نفسه إماماً روحیاً وفکریاً للمسلمین، ویدین له بالولاء والإمامه کل ذلک التیار الواسع لابد أن یکون فی أعلى الدرجات والمراتب من العلم والمعرفه وسعه الأفق والتمکن من الفقه والتفسیر والعقائد، لأنه لو لم یکن کذلک لما أمکن أن تقتنع قواعده الشعبیه بإمامته، لما عرفت من أن الإمام کان فی موقع یتیح له اللقاء بالناس، فتسلط الأضواء على حیاتهم وموازین شخصیتهم، فهل یعقل أن یدعی صبی الإمامه وینصب نفسه علماً للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهیر قواعده الشعبیه، فتؤمن به وتبذل فی سبیل ذلک الغالی من أمنها وحیاتها بدون أن تکلف نفسها اکتشاف حاله، وبدون أن تهزها ظاهره هذه الإمامه المبکره لإستطلاع حقیقه الموقف وتقیـیم هذا الصبی الإمام.
ثم على فرض التسلیم والقبول بأن الناس لم یـبادروا إلى استکشاف حقیقه هذا المدعی-وإن کانت الشواهد الخارجیه الکثیره تثبت خلاف ذلک-فهل یمکن أن تمر المسأله أیاماً وشهوراً، بل أعواماً دون أن تـتکشف الحقیقه على الرغم من التفاعل الطبیعی المستمر بین الصبی الإمام وسائر الناس؟…
وهل من المعقول أن یکون صبیاً فی فکره وعلمه حقاً، ثم لا یـبدو ذلک من خلال هذا التفاعل الطویل فی أفعاله وتصرفاته؟…
ومع التنـزل وافتراض أن القواعد الشعبیه لإمامه أهل البیت، لم یتح لها أن تکتشف واقع الأمر، فلماذا سکتت السلطه القائمه، ولم تعمل على کشف الحقیقه، خصوصاً وأن ذلک کان سیصب فی صالحها؟…
وما کان أیسر على السلطه القائمه لو کان الصبی صبیاً فی فکره وثقافته کما هو المعهود فی الصبیان؟وما کان أنجحه من أسلوب أن تقدم الصبی إلى شیعته وغیرهم على حقیقته، وتبرهن على عدم کفائته للإمامه والزعامه الروحیه والفکریه، فإذا کانت هناک صعوبه فی الإقناع بعدم کفاءه شخص فی الأربعین من عمره، فلا صعوبه فی الإقناع بعدم کفاءه صبی اعتیادی مهما کان ذکیاً وفطناً للإمامه بمعناها الذی یعرفه الشیعه الإمامیه.
ومن الواضح أن هذا سیکون أسهل وأیسر للسلطه من الطرق والأسالیب القمعیه والمجازفه التی أتبعتها فی ذلک الوقت.
فالإنصاف أن سکوت السلطه والخلافه المعاصره عن الإستفاده من هذه المسأله، دلیل واضح على کونها قد أدرکت أن الإمامه المبکره ظاهره حقیقه ولیست شیئاً مصطنعاً.
بل لقد حاولت السلطه أن تلعب بهذه الورقه حینما عمدت إلى تعریض مدعی الإمامه للإختبار، لکن تلک المحاولات لم تنجح، حیث یحدثنا التاریخ عن فشلها، بینما لا نجده یخبرنا عن مورد واحد تزعزعت فیه ظاهره الإمامه المبکره، أو واجه فیه الصبی إحراجاً یفوق قدرته، أو یزعزع ثقه الناس فیه.
وهذا هو معنى ما قلناه من أن الإمامه المبکره ظاهره واقعیه فی حیاه أهل البیت(ع)، ولیست مجرد افتراض.
ثم إن هذه الظاهره لها جذورها وحالاتها المماثله فی السنن السابقه، فهذا القرآن یتحدث عن نبی الله یحیى فیقول:- (یا یحیى خذ الکتاب بقوه وآتیناه الحکم صبیاً)[۲]
ومتى ثبت أن الإمامه المبکره ظاهره واقعیه وموجوده فعلاً فی حیاه أهل البیت(ع)، لم یعد هناک اعتراض فیما یخص حیاه الإمام المهدی(عج) وخلافته لأبیه وهو بعدُ صغیر.
طول العمر:
ومما یثار عاده إذا ذکر الإمام الحجه(عج) قضیه طول عمر المولى(أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)فیقال أنه إذا کان إنساناً حیاً فکیف تأتى له هذا العمر الطویل منذ أکثر من أحد عشر قرناً، وکیف خرق القوانین الطبیعیه التی تحتم علیه المرور بمرحله الشیخوخه؟…
وبعباره ثانیه:هل یمکن للإنسان أن یعیش هذه القرون المتطاوله؟…
وقبل الإجابه على هذا التساؤل، نشیر إلى مقدمه تتضمن بیان معنى الإمکان، حیث یمکن تصور ثلاثه أقسام له:
الأول:ما یصطلح علیه بالإمکان العملی، ونعنی به ما هو ممکن فعلاً وواقعاً، أی له تحقق ووجود ظاهر ومتعین.
الثانی:ما یصطلح علیه بالإمکان العلمی، ویراد به ما هو غیر ممتنع من الناحیه العلمیه الصرفه، بمعنى أن العلم لا یمنع من تحققه ووقوعه ووجوده فعلاً.
الثالث:ما یصطلح علیه بالإمکان المنطقی، ویراد به ما لیس مستحیلاً عقلاً، أی أن العقل لا یمنع من وقوعه وتحققه.
الإمکان المنطقی:
وبناءاً على ما ذکرناه من الأقسام المتصوره للإمکان، یمکننا الإجابه على التساؤول السابق، بعرض مسأله طول العمر علیها، مبتدئین بالثالث منها، فنقول:
هل یمکن من الناحیه المنطقیه أن یعیش الإنسان مئات السنین، بمعنى أن هذا لیس أمراً مستحیلاً من الناحیه العقلیه، أو لا؟…
ونجیب:بالإیجاب، فلیست قضیه امتداد العمر فوق الحد الطبیعی أضعافاً مضاعفه من الأمور المستحیله، کما هو واضح بأدنى تأمل.
نعم هو لیس مألوفاً ومشاهداً فی الخارج بنحو من الکثره، لکن هناک حالات نقلها أهل التواریخ وتناقلتها بعض النشرات العلمیه، تجعل الإنسان لا یستغرب ولا ینکر ذلک.
هذا وترتفع الغرابه متى رجعنا إلى القرآن الکریم، لنقرأ قوله تعالى وهو یتحدث عن نبی من أنبیائه، وهو نوح(ع):- (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فیهم ألف سنه إلا خمسین عاماً)[۳].
فبإخبار القرآن الکریم عن أن نوحاً قد لبث فی قومه ألف سنه إلا خمسین عاماً، وهو غیر عمره قبل النبوه، یقلل درجه الإستغراب، بل ربما ضعفت إلى درجه الزوال، لأن الإستغراب یـبقى ما لم یکن للشیء المتحدث عنه واقعیه ووجود فی الخارج، فمتى تحقق خارجاً فإن الإستغراب یزول.
ویحدثنا القرآن مره أخرى لتحقق هذا الأمر بقصه نبی الله عیسى(ع) فإنه لم یمت وإنما رفعه الله إلیه کما فی قوله تعالى:- (وقولهم إنا قتلنا المسیح عیسى ابن مریم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولکن شبه لهم وإن الذین اختلفوا فیه لفی شک منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه یقیناً، بل رفعه الله إلیه وکان الله عزیزاً حکیماً)[۴].
وقد وردت النصوص کما فی صحیحی البخاری ومسلم، بأنه سینـزل إلى الأرض.
وعلیه فعندما تـتحدث النصوص الصحیحه، ویشهد الشهود، وتـتوالى الإعترافات بوجود الحجه بن الحسن المهدی(عج) من عتره الرسول الأکرم(ص)، الذی ولد سنه ۲۵۵ من الهجره النبویه، لن یـبقى للإستغراب والإنکار مجال، إلا ممن کان معانداً.
هذا وقد جاء فی تفسیر الرازی:قال بعض الأطباء:العمر الإنسانی لا یزید على مائه وعشرین سنه، والآیه تدل على خلاف قولهم، والعقل یوافقها، فإن البقاء على الترکیب الذی فی الإنسان ممکن لذاته وإلا لما بقى، ودوام تأثیر المؤثر فیه ممکن، لأن المؤثر فیه إن کان واجب الوجود فظاهر الدوام، وإن کان غیره فله مؤثر، وینـتهی إلى الواجب وهو دائم فتأثیره یجوز أن یکون دائماً، فإذن البقاء ممکن فی ذاته، فإن لم یکن فلعارض، لکن العارض ممکن العدم، وإلا لما بقی هذا المقدار لوجوب وجود العارض المانع، فظهر أن کلامهم على خلاف العقل والنقل[۵]. وهذا البرهان الذی ذکره الرازی بخلاف المعتاد کما هو الثابت فی طول عمر عیسى(ع)، یصلح الإستدلال به على طول عمر المهدی(عج).
الإمکان العملی:
هل أن الإمکان العملی بالمعنى الذی سبق وبیناه، متاح إلى نوع الإنسان الآن، وتساعد علیه التجربه؟…
والجواب:
إنه لم تنجح إلى الآن التجارب المعاصره فی ضوء الإمکانات المتاحه والظروف الموجوده فی تحقیق مثل هذه الحاله، أعنی اطاله عمر الإنسان إلى حد أکثر من ضعفٍ، أو ضعفی العمر الطبیعی، وهذا أمر مشهود بحیث لا یحتاج إلى برهان.
وهذا لا یدل على عدم طول عمر الإنسان، لأن الإمکان العلمی ینحصر بمحاولات اطاله العمر الطبیعی للإنسان بید الإنسان نفسه، إلا أن الأعمار بید الله سبحانه وتعالى، وإن تدخل الإنسان فی إطاله العمر على خلاف التقدیر غیر ممکن.
نعم إنه سبحانه یوفر الأسباب الکفیله بإدامه حیاه المعمرین إلى حین أجلهم، ودور العلم هنا اکتشاف تلک الأسباب لا أکثر إذ لیس بمقدوره إبداع الأسباب لإنحصارها بیده عز وجل بلا خلاف، وعلى هذا یفسر الإمکان العلمی.
الإمکان العلمی:
هل من الممکن علمیاً زیاده عمر الإنسان عن الحد الطبیعی أو لا؟…
والجواب:
اولاً: نعم ذلک ممکن، وتوجد شواهد کثیره بالأرقام تؤکد هذا الإمکان:
منها: إن التجارب العلمیه آخذه بالإزدیاد لإطاله عمر الإنسان أکثر من المعتاد، وهذه التجارب حثیثه وجاده لتعطیل قانون الشخوخه، فقد جاء فی مجله المقتطف المصریه الجزء الثانی من المجلد ۵۹، الصادره فی آب(اغسطس)۱۹۲۱م الموافق ۲۶ ذی القعده سنه ۱۳۳۹هـ ص ۲۰۶ تحت عنوان خلود الإنسان على الأرض ما هذا نصه:
قال الإستاذ ریمند بول أحد اساتذه جامعه جونس هبکنس بأمریکا:إنه یظهر من بعض التجارب العلمیه أن أجزاء جسم الإنسان یمکن أن تحیا إلى أی وقت أرید، وعلیه فمن المحتمل أن تطول حیاه الإنسان إلى مائه سنه، وقد لایوجد مانع یمنع من إطالتها إلى ألف سنه.
وفی العدد الثالث لسنه ۵۹ ص ۲۳۹ جاء فیها:إنه فی الإمکان أن یـبقى الإنسان حیاً ألوفاً من السنین إذا لم تعرض علیه عوارض تصرم حبل حیاته، وقولهم هذا لیس مجرد ظن، بل نتیجه عملیه مؤیده بالإمتحان.انتهى
وهذا الإمکان العلمی الذی وصل إلیه العلماء یسعون الیوم إلى تحویله إلى إمکان عملی واقعی فعلی.
ومنها:ما جاء فی کتاب صدر حدیثاً بعنوان حقائق أغرب من الخیال ج ۱ ص ۲۴ نشر مؤسسه الإیمان-بیروت، ودار الرشید/دمشق:
توفی بیریرا فی عام ۱۹۵۵م فی وطنه الأم مونتریا فی سن ۱۶۶ عاماً، وقد شهد على عمره أصدقاؤه، وسجلات مجلس البلدیه، وبیریرا نفسه الذی استطاع أن یتذکر بوضوح کبیر معرکه کاراجینا(حدثت فی عام ۱۸۱۵م)وفی نهایه حیاته أحضر إلى نیویورک حیث فحصه جمع من الأطباء المختصین، ومع أنهم وجدوه محتفظاً بضغط دم رجل شاب، ونبض شریانی صحیح وقلب جید، وعقل شاب، فقد قرورا أنه رجل عجوز جداً أکثر من ۱۵۰ عاماً.
ومنها: إن مجرد إجراء التجارب من قبل الأطباء للتعرف على مرض الشیخوخه، وأسباب الموت، والمحاولات الدائبه من قبلهم ونجاحها، ولو بقدر محدود لإطاله عمر الإنسان، لهو دلیل على الإمکان، وإلا لکان تصرفهم عبثاً، خلاف العقل.
ولنعم ما قاله المفکر الإسلامی الکبیر الشهید السعید السید الصدر(ره):
وفی ضوء ذلک کله لا یـبقى مبرر منطقی للإستغراب والإنکار بخصوص قضیه المهدی، اللهم إلا أن یسبق المهدی العلم نفسه، فیتحول الإمکان النظری(العلمی) إلى امکان عملی فی شخصه، قبل أن یصل العلم فی تطوره إلى مستوى القدره الفعلیه، وهذا أیضاً لا یوجد مبرر عقلی لإستبعاده وإنکاره، إذ هو نظیر من یسبق العلم فی اکتشاف دواء للسرطان مثلاً، ومثل هذا السبق فی الفکر الإسلامی قد حصل فی أکثر من مفرده وعنوان، فقد سجل القرآن الکریم نظائر ذلک حین أورد وأشار إلى حقائق علمیه تتعلق بالکون وبالطبیعه وبالإنسان، ثم جاءت التجارب العلمیه الحدیثه لتـزیح عنها الستار أخیراً، ثم لماذا نذهب بعیداً وأمامنا القرآن الکریم یصرح بالإمکان العملی فیما یتعلق بعمر نوح(ع)[۶].
وکذلک صرحت الآثار النبویه بوجود أشخاص أحیاء منذ قرون متطاوله، کالخضر، والنبی عیسى، والدجال.
فلماذا نؤمن بمثل هذه الوجودات المشخصه، مع أنهم لیس لهم أهمیه فیما یتعلق بمستقبل الإسلام، إلا المسیح الذی سیکون وزیراً ومساعداً للحجه ابن الحسن، وقائداً لجیوشه، وننکر حیاه الإمام المنـتظر(عج) وهو الذی سیکون له الدور الأعظم، حیث یملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وینـزل عیسى لیصلی خلفه.
ثانیاً: لو سلمنا بأن قانون الشیخوخه من القوانین التی لاتقبل التغییر، وأن إطاله عمر الإنسان أکثر من الحد الطبیعی والمعتاد خلاف القوانین الطبیعیه التی دلنا علیها الإستقراء.
لکن هذا المعنى لا ینطبق فی حق الإمام المهدی(عج) ذلک أن حصول هذا الشیء بالنسبه له یکون من باب المعجزه، وهی لیست حاله فریده فی التاریخ.
ثم إن الإنسان المسلم الذی یستمد عقیدته من القرآن الکریم، لا یرى ما ذکرناه بدعاً من القول، حیث یجد أن القانون الطبیعی الذی هو أکثر صرامه قد تعطل، کما فی قضیه خلیل الرحمن، عندما ألقی فی النار العظیمه، فأنجاه الله تعالى بالمعجزه، کما صرح القرآن بذلک، قال تعالى:- (قلنا یا نار کونی برداً وسلاماً على إبراهیم)[۷].
وهذه المعجزه وأمثالها من معاجز الأنبیاء والکرامات التی أختص الله بها أولیاءه، قد أصبحت بمفهوما الدینی أقرب إلى الفهم بدرجه أکبر بکثیر فی ضوء المعطیات العلمیه الحدیثه والإنجازات الکبیره التی حققها العلماء بوسائلهم المادیه.
غایه الغیبه الطویله:
هذا وقد یقول شخص، لماذا کل هذا الحرص على إطاله عمر المهدی(عج) إلى هذا الحد، فتعطل القوانین لأجله، أو تضطر إلى المعجزه، ولماذا لا نقبل الإفتراض الآخر الذی یقول:إن قیاده البشریه فی الیوم الموعود یمکن أن تترک لشخص یولد فی ذلک الزمان، ویعیش الظروف الموضوعیه لینهض بمهمته التغیـیریه؟…
وعندنا نود الإجابه، نذکّر أن الله تعالى قد أبقى أشخاصاً فی هذا العالم أو غیره أحیاء أطول بکثیر مما انقضى من حیاه الإمام الحجه، وذلک لحکم وأسرار لا نهتدی إلیها، أو أننا علمنا ببعضها، دون البقیه، مع أننا نؤمن بها إیماناً قطعیاً.
فلیکن الإمر کذلک بالنسبه إلى الإمام المنتظر(عج)، لأنا بمقتضى عقدینـتا الإسلامیه نؤمن أن الله تعالى لا یفعل عبثاً، ونؤمن أیضاً بمغیـبات کثیره عنا قامت علیها البراهین المتینه من العقل والنقل، فلا یضرنا إذا لم نعلم بالحکمه فی معتقدٍ من معتقداتنا، وکذلک الحال فی الأحکام الشرعیه والأعمال العبادیه، فقد لا نهتدی إلى سر حکم من الأحکام، وفلسفه قانون من القوانین الإلهیه، لکن التعبد هو الداعی للإلتـزام بها، کما فی سائر القوانین الإلهیه، بل حتى فی القوانین البشریه والوضعیه.
وهنا أیضاً نقول، یمکننا أن نتصور بعض الأسرار لهذه الغیـبه الطویله بقدر الفهم القاصر الذی یمتلکه الإنسان البشری الناقص، ولکن لیس ذلک هو الداعی الحقیقی للأمر، بل الأمر کما قدمنا من الأمور التعبدیه، التی لا مجال لنا للتأمل فیها.
ومن الواضح أن حدیثنا هذا مع من یؤمن بالمعجزه، وبالعقائد الدینیه الحقه.
الإستفاده من امام غائب:
إننا نعتقد بوجود الإمام المهدی(أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)ونعتقد بولادته وأنه حی یرزق لما تقدم من حدیث الثقلین، وأن الأرض لا تخلو من حجه، لکن کیف یمکن لنا الإستفاده من امام غائب، مستور، ومتوارٍ عن الأنظار؟…
ینبغی أن نتذکر قبل الإجابه على هذا التساؤل الروایات التی تحدثت عن ظهوره(عج) إذ نراها لا تشیر إلى وقت خاص، بل هناک نهی عن التوقیت، وهو الإشاره إلى وقت الظهور، وهذا یعنی أن ظهوره(عج) بصوره مفاجئه وسریعه، وبتعبیر بعض النصوص، إن ظهوره بغته.
وهذا الأمر یستلزم حصول حاله من الترقب عند کل جیل من أجیال المسلمین لظهوره المبارک، وهذا بنفسه تـترتب علیه مجموعه من الفوائد:
۱-سیکون کل مؤمن فی حاله من الإستقامه على الشریعه، والتقید بأوامرها ونواهیها، والإبتعاد عن ظلم الآخرین، أو غصب حقوقهم، وذلک لأن ظهور الإمام المهدی الذی سیکون فجأه، یعنی قیام دولته، وهی الدوله التی ینـتصف فیها للمظلوم من الظالم، ویـبسط فیها العدل ویمحى الظلم من صفحه الوجود.
إن قلت:إن الشریعه المقدسه فد منعت من الظلم، وهذا بنفسه کافٍ لتحقق الغرض؟…
قلت:إن الشعور والإعتقاد بوجود السلطه وبتمکنها وسلطنـتها یعد رادعاً قویاً، وقد جاء فی الأثر:إن الله لیزع بالسلطان ما لا یزع بالقرآن.
۲-کون کل مؤمن فی حاله طوارئ مستمره، حیث یتهیأ للإنضمام إلى جیشه(عج) والإستعداد العالی للتضحیه فی سبیل شرع الله تعالى.
وهذا الشعور یخلق عند المؤمنین حاله من التآزر والتعاون ورص الصفوف والإنسجام لأنهم سیکونون جنداً للإمام(ع).
۳-إن هذه الغیـبه تحفز المؤمن بها للنهوض بمسؤولیته، وخاصه فی مجال الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، فتکون الأمه بذلک متحصنه متحفزه، إذ لا یمکن تقید أنصار المولى(عج) بالإنتظار فحسب، دون الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر استعداداً لبناء دوله الإسلام الکبرى وتهیئه قواعدها حتى ظهور الإمام المهدی(ع).
۴-إن الأمه التی تعیش الإعتقاد بوجود الحجه المنتظر الحی الموجود تبقى تعیش حاله من الشعور بالعزه والکرامه، فلا تطأطى رأسها لأعداء الله تعالى، ولا تذل لجبروتهم وطغیانهم، لکونها تترقب وتتطلع لظهوره(عج) المظفر فی کل ساعه، فهی تأنف من الذل والهوان، وتستصغر قوى الإستکبار، وتستحقر کل ما یملکون من عده وعدد.
وهذا الشعور سیخلق دافعاً قویاً للمقاومه والصمود والتضحیه، وهو الذی یخوف أعداء الله وأعداء الإسلام، بل هذا هو سر خوفهم ورعبهم الدائم.
ولذا حاولوا عبر التاریخ زعزعه العقیده بقضیه الإمام المنتظر، والتشکیک فیها.
الجانب الأخروی:
قد کان جمیع ما ذکرناه من الفوائد متعلقاً بالناحیه الدنیویه، وهناک فوائد یکسبها المعتقد بظهور المولى(عج) فی آخرته، نشیر لبعض منها:
۱-تصحیح اعتقاد المکلف بعدل الله تعالى، ورأفته بهذه الأمه التی لم یترکها الله سدى ینـتهبها الیأس ویفتک بها القنوط لما تشاهده من انحراف عن الدین دون أن یمد لها حبل الرجاء بظهور الدین على کل الأرض بقیاده الحجه ابن الحسن(ع).
۲-تحصیل الثواب والأجر على الإنتظار، فقد ورد فی الصحیح عن أبی عبد الله الصادق(ع):المنتظر لأمرنا کالمتشحط بدمه فی سبیل الله.
۳-الإلتـزام بقوله تعالى حکایه عن وصیه إبراهیم(ع) لبنیه:- (یا بنی إن الله اصطفى لکم الدین فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)[۸].
وقد مر أن إمام العصر فی زماننا هو الحجه بان الحسن، ومن مات ولم یعرف إمام زمانه مات میته جاهلیه.
ــــــــــــــــ
[۱] سوره البقره الآیه رقم ۱-۳٫
[۲] سوره مریم الآیه رقم ۱۹٫
[۳] سوره العنکبوت الآیه رقم ۱۴٫
[۴] سوره النساء الآیه رقم ۱۵۷-۱۵۸٫
[۵] التفسیر الکبیر للفخر الرازی ج ۲۵ ص ۴۲٫
[۶] بحث حول المهدی لآیه الله العظمى السید الشهید محمد باقر الصدر.
[۷] سوره الأنبیاء الآیه رقم۶۹٫
[۸] البقره الآیه رقم ۱۳۲٫