زيارة القبور والبناء عليها (01)

0
إن زيارة الانسان لقبر من له به صلة روحية أو مادية مما تميل إليه النفوس السليمة وتقبله الفطر المستقيمة, بل ان الشريعة الغرّاء – كتاباً وسنةً – هي من شرّعت أصل ذلك, فقد أثبت القرآن الكريم مشروعيّة زيارة القبور والعبادة عندها وإقامة المساجد عليها، كما وان القرآن الكريم يعدُّ من الأدلة الأوليّة والقطعيّة والشرعية بلا أدنى ريب, الا ان بعضهم عارض ذلك برأيه الفاسد وعقله الكاسد  فصادم الكتاب والسنة وخالف العقل والفطرة، ومنشأ ذلك هو التعصب المعبّر عن طفولية حضارية وبدائية فكرية وبدوية عنصرية، وذلك مما يؤدي بصاحبه إلى عدم الانصياع والاستجابة لشواهد الحق مهما وضحت وفصّلت وبينت جوانبه؛ لأنه ينظر إلى الأشياء والحقائق بمنظار واحد، هو منظار الطائفة التي ينتمي إليها فالحق ما وافق طائفته والباطل ما خالفها! وهذا الداء من أعظم عوامل القضاء على وحدة المسلمين وتمزيق صفهم وتفريق كلمتهم.
وليس من طوائف المسلمين من أنكر زيارة القبور والبناء عليها وان اختلفوا في بعض المسائل من قبيل زيارة النساء للقبور, والذي انكر ذلك مطلقاً وقال بكفر السواد الاعظم من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فرقة مفرِّقة اطلق المسلمون وأطبقوا على تسميتها بـ(الوهابية) وهؤلاء يرون ان الحق ما أنزل عليهم لا ما أنزل مطلقا على المسلمين سنة وشيعة. فيعتقدون ان ما عليه غيرهم هو الباطل، فهم لا يرون الحق إلا في جانبهم مهما كانت أفكارهم باطلة وخارجة عن العقل أو العرف والمألوف وهذه صفة متأصلة في اليهود الذين قال فيهم الحق تعالى: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ } [البقرة: 91].  وذلك لسبب بسيط هو أنه أنزل على غيرهم!
ومن هنا تحتم علينا بيان كيف ان القرآن الكريم أثبت مشروعية زيارة القبور والبناء عليها, فالكلام –اذن- في هذه المسألة يدور حول الاستدلال بآيات الكتاب على أصل مشروعية زيارة القبور وذلك في مطلبين.
المطلب الأول
الاستدلال بآية أصحاب الكهف
ان أصل مشروعية زيارة القبور انما هو استمراراً لما كانت عليه الشرائع السابقة, وخير دليل على ذلك ـ وهو الأسبق تاريخياً ـ ما ذكره القرآن الكريم في شأن أصحاب الكهف ونزاع القوم فيهم بعد أن أماتهم الله؛ إذ يقول سبحانه وتعالى: Pإِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَّسْجِداًO.
فهؤلاء القائلون (لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَّسْجِداً) هم الموحدون، بدلالة التعبير بالمسجد دون البناء – أي المعبد – والمسجد في عرف القرآن الكريم هو المحل المتخذ موضعاً للعبادة والسجود يتعبد الناس فيه ببركاتهم, وقد غلب هذا الرأي – قول الموحدين – على بقية الآراء.
وعلى هذا فقد روى المفسرون، أن القول بالبناء على أصحاب الكهف كان قول المشركين، والقول باتخاذ المسجد كان قول المؤمنين، وهذا هو الظاهر مما رواه ابن جرير الطبري([1])؛ فإن أصحاب الكهف إنما بعثوا بعد سحق الوثنية واستعادة المؤمنين المسيحيين سلطتهم وكيانهم.
فسياق الآية يدل على أن القول الأول هو قول المشركين، وأن القول الثاني هو قول الموحدين، وقد حكى الله تعالى القولين دون إنكار، فدل ذلك على إمضاء الشريعة لهما، بل إن سياق قول الموحدين يفيد المدح، بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك، بينما جاء قول الموحدين قاطعا، وأن مرادهم ليس مجرد البناء بل المطلوب إنما هو المسجد.
قال الماتريدي في تفسيره: “ويحتمل بناء المسجد عليهم إكراما لهم وإعظاما؛ ليذكروهم في ذلك المكان عن قرب منهم على ما ظهر منهم من إكرام الله إياهم, أو يتخذون مسجدا لعبادة انفسهم؛ ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه”([2]).
وقال الرازي في تفسير الآية: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً), نعبد الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد([3]).
وقال اسماعيل حقي الخلوتي في روح البيان: (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ) من المسلمين وملكهم (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً), أي لنبنينَّ على باب كهفهم مسجدا يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم([4]).
فالآية فيها دلالة على جواز البناء على القبور فضلاً عن زيارتها، والمسجد -كما لا يخفى- إنّما يُتخذ ليُؤتى على الدوام ويقصده الناس ليذكروا اسم الله عز و جل فيه, وفيه تقرير لمعنى الزيارة.
ويظهر من الآية الشريفة أن بناء المساجد على القبور وزيارتها كان جائزاً في الشرائع السابقة، فالاستدلال بالآية الكريمة واضح لمن يرى القرآن قدوة وأسوة.
هذا وان سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين إلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي، فإن اتفاق العلماء في عصر واجتماعهم على حكم حجة شرعية عليه؛ فكيف اتفاقهم عليه طيلة قرون؛ لا سيّما الصحابة العدول؛ فالصحابة واروا جسد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته ولم يخطر ببال أحد أن البناء على القبور محرم، ولا أظن أن جاهلاً متنسكاً يفرق بين البناء المتقدم على الدفن والمتأخر عنه فضلاً عن العالم؛ فإن كون قبر الميت تحت بناء تكريم له وتعظيم([5]).
 تتمة هذا البحث في المقال التالي إن شاء الله تعالی

………………………….

ـ[1] – الطبري؛ محمد بن جرير؛ تفسير جامع البيان (ج17/ص640)؛ تحقيق: احمد محمد شاكر؛ ط: الأولى، 1420 هـ – 2000 م.

[2] – الماتريدي؛ أبو منصور محمد بن محمد بن محمود؛ تفسير الماتريدي – تأويلات أهل السنة – (ج7/ص155)؛ تحقيق: د. مجدي باسلوم؛ ط: الأولى، 1426 هـ – 2005 م.

[3] – فخر الدين الرازي؛ أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن؛ مفاتيح الغيب – التفسير الكبير- (ج21/ص447)؛ ط: الثالثة – 1420 هـ.

[4] – الخلوتي؛ اسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي؛ روح البيان (ج5/ص232)؛ ط: دار الفكر – بيروت.

[5] – ينظر: السبحاني, في ظل أصول الاسلام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.