زيارة القبور والبناء عليها (02)
المطلب الثاني
الاستدلال بآية النهي عن القيام على قبور المنافقين
قال تعالى في النهي عن القيام عند قبور المنافقين: P وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَO([6]).
وهذه الآية تدل بمفهوم المخالفة على جواز زيارة قبر من مات على الإسلام, وأنّ ذلك معهود بين المسلمين، وأنّها إنّما نزلت لتستثني الكفار والمنافقين، كما هو ملاحظ في ذيل الآية: Pإِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَO.
وقبل الشروع في بيان الاستدلال بهذه الآية الكريمة على أصل مشروعية زيارة القبور لا بد من تسليط الضوء قليلاً على تعريف مفهوم المخالفة:
ان مفهوم المخالفة أحد مباحث أصول الفقه ، وعلم أصول الفقه علم لا يستغني عنه فقيه ولا مفسر ولا محدث, فهو علم لتفسير النصوص، والترجيح بين الأقوال، وبه يفهم مراد الله ومراد رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومراد أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
وعرف مفهوم المخالفة بأنه: دلالة اللفظ على انتفاء حُكم المنطوق عن المسكوت عنه؛ لانتفاء قيد معتبر في ذلك الحُكم؛ أي: تعليق الحُكم على قيد، إذا انتفى القيدُ انتفى الحُكم، وهذا القيد قد يكون صفة أو شرطًا، أو غاية أو عددًا، أو قصرًا وحصرًا.
وعرف – أيضاً – بانه: “الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحُكم عما عداه، ومعنى ذلك: أنه إذا خصَّ شيء بالذكر ونطق به وصرح بحُكمه، فإنا نستدل بذلك على أن المسكوت عنه يخالفه في الحُكم، فإن كان المنطوق به قد أثبت حكمه، فالمسكوت عنه قد نفي عنه ذلك الحُكم، وإن كان المنطوق به قد نفي حكمه، فالمسكوت عنه قد أثبت له ذلك الحُكم”([7]).
وسمي مفهومَ مخالفة؛ لأن الحُكم الذي يثبت للمسكوت نقيضٌ للحكم المنطوق به، مختلف عنه([8]).
فقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 84]، الآية فيها: تحريم الصلاة على الكافر، والوقوف على قبره، ومفهوم الآية: مشروعية الصلاة على المسلم، والوقوف على قبره.
وتقريب الاستدلال بالآية الشريفة على أصل مشروعية زيارة القبور يتم عن طريق تسليط الضوء على قوله تعالى: (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) لبيان هل المراد هو القيام وقت الدفن فقط، حيث لا يجوز ذلك للمنافق ويستحب للمؤمن؟ أو المراد من القيام ما هو أعم من وقت الدفن وغيره؟ وبيان ذلك متوقف أيضاً على بيان ما سبقه من قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا), حيث ان الآية الشريفة مشتملة على جملتين:
الأولى: قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
إن لفظة (أحد) بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق لجميع الأفراد، ولفظة (أبداً) تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تصل على أحد من المنافقين في أي وقت كان.
فمع الانتباه إلى هذين اللفظين نعرف – بوضوح – أن المراد من النهي عن الصلاة على الميت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميت عند الدفن فقط، لأنها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعددة، ولو أريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة (أبداً) بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحم سواء أكان عند الدفن أم غيره.
فإن قال قائل: إن لفظة (أبداً) تأكيد للاستغراق الافرادي لا الزماني.
فالجواب بوجهين:
1- إن لفظة (أحد) أفادت الاستغراق والشمول لجميع المنافقين بوضوح فلا حاجة للتأكيد.
2- إن لفظة (أبداً) تستعمل في اللغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى: (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً)[سورة الأحزاب: الآية53].
فالنتيجة أن المقصود هو النهي عن الترحم على المنافق وعن الاستغفار له، سواء أكان بالصلاة عليه عند الدفن أم بغيرها.
الثانية: قوله تعالى: (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ).
إن مفهوم هذه الجملة – مع الانتباه إلى أنها معطوفة على الجملة السابقة – هو: (لا تقم على قبر أحد منهم مات أبداً) لأن كل ما ثبت للمعطوف عليه من القيد – أعني (أبداً) – يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأن المقصود من القيام على القبر هو وقت الدفن فقط، لأن المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، كما كان بالنسبة للصلاة، ولفظة (أبداً) المقدرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدل على أن القيام على القبر لا يختص بوقت الدفن.
وإن قال قائل: إن لفظة (أبداً)المقدرة في الجملة الثانية معناها الاستغراق الافرادي.
قلنا: أن لفظة (أحد) هي للاستغراق الافرادي، لا لفظة (أبداً) فهي للاستغراق الزماني.
ومن خلال التتبع في كتب التفسير نجد ان بعض المفسرين قد خصوا القيام نفياً وإثباتاً بوقت الدفن الا ان البعض الآخر منهم فسروه في كلا المجالين بالأعم من وقت الدفن وغيره.
وممن فسره بالأعم من وقت الدفن وغيره من علماء أهل السنة:
1 – أحمد محمد بن علي بن محمد الكَرَجي القصَّاب (ت 360هـ) قال: “وفيه دليل على إباحة الوقوف عند القبور وانتفاع المقبور بوقوف من يقف عنده من الداعين”([9]).
2 – أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت 450هـ), في تفسيره قال: Pوَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِO يعني قيام زائر ومستغفر([10]).
3 – أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء (ت 660هـ), في تفسيره قال: “ولا تُصلِّ على أحد ولا تقم على قبره قيام زائر، أو مستغفر”([11]).
4 – ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت 685هـ)، في تفسيره قال: “وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ولا تقف عند قبره للدفن أو الزيارة”([12]).
5 – جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ), في تفسيره قال:Pوَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرهO لِدَفْنٍ أَوْ زِيَارَة([13]).
6 – شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (ت 977هـ), في تفسيره قال: “وقيل: لا تقم عند قبره لدفن أو زيارة”([14]).
7 – أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت 982هـ), في تفسيره قال: Pوَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِO أي لا تقِفْ عليه للدفن أو للزيارة والدعاء([15]).
8 – إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء (ت 1127هـ), قال في تفسيره: Pولَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِO؛اي ولا تقف عند قبره للدفن او للزيارة والدعاء([16]).
9 – القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225هـ), في تفسيره قال: “وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ للدفن او للزيارة”([17]).
10 – شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت 1270هـ), قال في تفسيره: ويفهم من كلام بعضهم أن (على) بمعنى (عند) والمراد: لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة([18]).
11 – محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (ت 1332هـ), في تفسيره قال: “وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي لا تقف عليه للدفن أو للزيارة والدعاء”([19]).
12 – د. وهبة بن مصطفى الزحيلي (معاصر), قال في تفسيره: “وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ لدفن أو زيارة والمراد النهي عن الوقوف على قبره حين دفنه أو لزيارته، والقبر هو مدفن الميت. فاسِقُونَ كافرون. وَتَزْهَقَ تخرج”([20]).
13 – محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي (معاصر), قال في تفسيره: Pولَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِO؛ أي: ولا تقف عند قبره للدفن, أو الزيارة أو الدعاء له بالتثبيت، كما تقوم على قبور المؤمنين عند دفنهم، فإنه- صلى الله عليه(وآله) وسلم – كان إذا دفن الميت .. وقف على قبره ودعا له([21]).
فهؤلاء وغيرهم من المفسرين أخذوا بإطلاق الآية الشريفة.
نخلص من كلِّ ما سبق إلى أنّ معنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 84]، هو أن الله تعالى نهى نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن مطلق الاستغفار والترحم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، وينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده, ومفهوم ذلك هو أن هذين الأمرين يجوزان للمؤمن, وبهذا يثبت جواز زيارة قبر المؤمن وليس عند الدفن فحسب, بل حتى بعد مئات السنين.([22]).
ومن هنا يُعلم ان (الوهابية) قد خالفوا الكتاب فضلاً عن السنة واتبعوا شيوخهم وقدموهم على النصوص وابتدعوا في دين الله ما ليس منه فليسوا هم أهل السنة ولا كانوا منهم؛ لأنهم خالفوهم وقالوا بكفرهم, مع ان سبيل المسلمين اتباع الحق ، والحق هو موافقة الكتاب والسنة .. والحق أحق ان يتبع .. وبهذا يتبين لك خبث طوية هؤلاء وانهم لا خلاق لهم في الدنيا ولا في الآخرة ما داموا يحرفون الحقائق ويشوهون الوقائع ..
السيد مهدي الجابري
………………………………
[6] – سورة التوبة: آية 84 .[7] – المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبدالكريم النملة 4/1765.[8] – أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله لعياض السلمي ص 379.[9] – الكرجي؛ أحمد محمد بن علي بن محمد؛ النكت الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام (ج1/565)؛ ط: الأولى 1424 هـ – 2003 م.[10] – الماوردي؛ ابو الحسن علي بن محمد؛ النكت والعيون (ج2/ص389)؛ تحقيق: السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم, طبعة: دار الكتب العلمية – بيروت / لبنان.[11] – سلطان العلماء؛ أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام؛ تفسير القرآن (وهو اختصار لتفسير الماوردي) (ج2/ص41)؛ تحقيق: د. عبد الله بن إبراهيم الوهبي؛ ط: الأولى، 1416هـ/ 1996م.[12] – البيضاوي؛ ناصر الدين أبو سعيد عبد الله؛ أنوار التنزيل وأسرار التأويل (ج3/ص92)؛ تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي؛ ط: الأولى – 1418 هـ.[13] – السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر؛ تفسير الجلالين (ص: 255)؛ ط: الأولى؛ دار الحديث – القاهرة.[14] – الشربيني؛ شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب؛ السراج المنير (ج1/ص639)؛ ط: 1285 هـ؛ بولاق (الأميرية) – القاهرة.[15] – العمادي؛ أبو السعود؛ محمد بن محمد بن مصطفى؛ إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (ج4/89)؛ ط: دار إحياء التراث العربي – بيروت.[16] – الخلوتي؛ إسماعيل حقي بن مصطفى؛ روح البيان (3/478)؛ ط: دار الفكر – بيروت.[17] – المظهري؛ محمد ثناء الله؛ التفسير المظهري (4/276)؛ ط: 1412 هـ؛ مكتبة الرشدية – الباكستان.[18] – الالوسي؛ شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني؛ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (ج5/342)؛ ط: الأولى، 1415 هـ.[19] – القاسمي؛ محمد جمال الدين بن محمد سعيد؛ محاسن التأويل (5/ 470)؛ ط: الأولى – 1418 هـ.[20] – الزحيلي؛ د وهبة بن مصطفى؛ التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج (ج10/334)؛ ط: الثانية ، 1418 هـ.[21] – الهروي؛ محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي؛ تفسير حدائق الروح والريحان (ج11/389)؛ ط: الأولى، 1421 هـ – 2001 م.[22] – ينظر: السبحاني؛ في ظل أصول الاسلام.