مفهوم العبادة في الشريعة الإسلامية 01

0

  يجد دارس الفكر الإسلامي تنظيماً لكل العلاقات التي تخص شؤون الفرد، فنظّم علاقة الفرد بربه، ونظّم علاقة الفرد بالفرد، ونظّم علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، ذلك أن حكمة الله أرادت أن لا يترك عباده دون نظام كامل لحياتهم، يتناول فيه جميع مناحي الحياة، إذ قال: )أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى( (القيامة: 36) وقوله: )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء( (النحل: 89).

  وقد جاء هذا التنظيم لكل جوانب الحياة، بتشريع وافٍ، نظر فيه إلى فطرة الإنسان، والى استعداداته وطاقاته، وعلمه بمآله ومصيره، وما يسعده في حياته وبعد مماتـه، فشّرع له نظاما ومنهجا كاملا لكل جوانب حياته(١)ومن أهم هذه الأنظمة، نظام العبادات في الإسلام، ذلك أن للعبادات دوراً كبير في الإسلام، وأحكامها تمثل جزءًا مهمًا من الأحكام الشرعية، والسلوك العبادي يشكل ظاهرة ملحوظة في الحياة اليومية للإنسان المتدين، ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثل أحد أوجهها الثابتة، التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة، وظروف التطور المدني في حياة الإنسان، إلا بقدر يسير، خلافًا لجوانب تشريعية أخرى مرنة ومتحركة، يتأثر أسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطور المدني في حياة الإنسان، كنظام المعاملات والعقود(٢).

  وانطلاقًا من هذه الأهمية فقد شرّع الإسلام أنواعا متعددة من العبادات، من أجل تزكية النفس البشرية، وربطها بخالقها في كل أحوالها، وهي على نوعين(٣):

عبادات قلبية: ومستقرها القلب، كالإيمان بالله وتوحيده، وحب الله ورسوله، والتوكل على الله، ورجاء رحمته، وخشية عذابه، والتفكّر في قدرة الله وعظيم صفاته…إلى غير ذلك من المعاني والأحوال القلبية التي أمر لله تعالى المؤمن أن يسعى الى تحصيلها.

عبادات عملية: وتشمل أركان الإسلام، كالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد، وسائر النوافل والتطوعات التي هي من جنس العبادات التي فرضها الإسلام، كما تشمل العبادات أيضا: ذكر الله باللسان، كالتكبير والتسبيح والتهليل والحمد وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر ما يقوم به المسلم من أقوال وافعال، طاعة لله ورسوله، فكلها يجمعها معنى العبادات العملية.. (٤). وهذه العبادات العملية على ثلاثة أنواع هي(٥):

عبادات بدنية خالصة: كالصلاة والصيام، فالصلاة عبادة بدنية، تجب على المكلّف في اليوم والليلة خمس مرات، وقد سميت الصلاة بالعبادة البدنية، لان المسلم يمارسها ويقوم بوظائفها ببدنه قياما، وقعودا، ركوعا وسجودا، وكذلك الصيام، لأنه يمارس هذه العبادة ببدنه ومشاعره وأحاسيسه. عبادات مالية: كالزكاة مثلا، فالله تعالى فرض على كل مسلم في ماله حقا معلوما يخرجه من أصناف مخصوصة، إذا بلغ المال قدرا معلوما، ومنه أيضا الخمس وصدقة التطوع… عبادات مركبة: ويقصد بها عبادات مركبة من النوعين السابقين، فهي عبادة بدنية ومالية في الوقت نفسه، ومن أمثلتها: الحج فإنها عبادة تحتاج إلى المال من جهة ويمارسها المسلم ببدنه من جهة أخرى، وذلك بالقيام بمناسك الحج وشعائره، لذلك فرضها الإسلام مع الاستطاعة، ومنه أيضا الجهاد، فهو عبادة شرعت في النفس والمال لقوله تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ الصَّادِقُون( (الحجرات: 15).

  وهكذا تكون العبادات منظمة لعلاقة الفرد بربه، بطاعته والخضوع له، والإقرار بربوبيته، وانطلاقا من هذه الأهمية العظمى فسوف تركز هذه الدراسة على مفهوم العبادة في الإسلام بصورة وافية، تتلاءم والمراد منها، وسيكون الحديث النبوي الشريف، الميدان الرئيس لها، بوصفه مصدرا مهما من مصادر التشريع الإسلامي، وسيكون الكلام هنا منصبّا على الأمور الآتية:

معنى العبادة لغة واصطلاحا. مرادفات العبادة.  المصطلحات الشرعية.  الحكم الشرعي وأقسامه.

العبادة لغة واصطلاحًا:

أصل العبادة لغة: الخضوع والتذلل، والعبد: المملوك ضد الحر، والجمع: عبيدٌ واعْبُدٌ وعِباد وعُبْدان وعِبْدان وعُبُد، ويقال: طريق معبّد: أي مذلّل بالوطء قد أثر الناس فيه ، قال طرفة(6):

تُبارِي عتاقًا ناجياتٍ وأتْبَعَتْ     وَظِيفًا وَظِيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ

  والتعبيد: الاستعباد: وهو اتخاذ الشخص عبدًا، وجملٌ معبد: أي مذلل بالقطران أيضا، ويقال: عبّدت الرجل: إذا أذللته حتى يعمل عمل العبد وهو حر(7) ، و(عَبَدَ بفتح الباء: بمعنى ذلّ وأطاع، وعَبِدَ من الشيء بكسر الباء: أنِفَ، وعَبِدَ: غَضِبَ)(8) ويقال: (بعير معبد: إذا كان مذللا قد طلي بالهناءَ من الجرب حتى ذهب وبره، قال طرفة(9):

إلى أنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرة كُلُّهُا    وأُفْرِدْتُّ إفرادَ البعيرِ المُعَبَّدِ

معناه: المذلل)(10) وذكر سيبويه: أن العبد في أصل اللغة صفة كقولهم: (رجلٌ عبدٌ)، ثم استعمل استعمال الأسماء، والجمع: اعْبُد وعبيد وعِباد وعُبُد(11) وذكر ابن خالويه أن الصحراء سميت (أمّ عُبيد لأنها تُذِلّ من سلكها)(12).

  إذن أصل العبادة هو الخضوع والتذلل، ومن ذلك (قول العرب: قد عبدتُ اللهَ أعبده: إذا خضعت له وتذللت وأقررت بربوبيته)(13)، قال ابن سيده: (وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة)(14).

  أما العبادة بمعناها الشرعي فهو: (فعل المكلف على خلاف هوى النفس تعظيمًا لربه)(15)، وعرّفها ابن سيده على أنها كل (طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل)(16)،

تتمة هذا البحث في المقال التالي إن شاء الله تعالی

………………………………..

(١)ينظر: النظم الإسلامية: 5- 6.

(٢) ينظر: نظرة عامة في العبادات: 9.

(٣) ينظر: النظم الإسلامية: 57- 58.

(٤)ينظر: فقه الأخلاق: 1/ 24- 25.

(٥)ينظر: كنز العرفان: 1/ 165، النظم الإسلامية: 57- 58.

(6) ديوانه: 11.

(7) ينظر: الصحاح (عبد)، المفردات: 543، الزهر: 1/ 204، اللسان (عبد)

(8) المثلث: 2/ 300.

(9) ديوانه: 27.

(10) الزاهر: 1/ 204.

(11) ينظر: اللسان (عبد).

(12) ينظر: كتاب إعراب ثلاثين سورة: 37- 38.

(13) الزاهر: 1/ 204، وينظر: كنز العرفان: 1/ 183.

(14) المخصص: 4/ 96.

(15) التعريفات: 90.

(16) المخصص: 4/ 96.

Leave A Reply

Your email address will not be published.