مفهوم العبادة في الشريعة الإسلامية 02
فالعبادة إذن: نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المتصف بالربوبية والإلوهية، وهي بهذا المعنى الذي اتسم بصفة الشرعية، تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وتتضمن غاية الذل لله تعالى ممزوجًا بغاية المحبة له، فيجب لتحصيل العبادة بمعناها الدقيق أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وان يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله(١).
والعبادة بهذا المفهوم إنما تقودنا إلى أمر في غاية الأهمية ألا وهو الطاعة التامة، والانقياد الكامل للباري ، على أساس أنها (غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الأفضال وهو الله تعالى)(٢). ومن اجل ترسيخ هذه الغاية المقدسة في نفوس البشر، فقد تقصّد الباريأن يُصدّرها في أعظم سورة في القران الكريم بقوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( (الفاتحة: 5) مريدا بذلك تذكيرهم بمعنى العبودية والاستكانة له، فالمتأمل بهذه الآية يجد أن (معنى نعبد: نخضع ونذل ونعترف بربوبيتك)(٣)، فهي إذن إظهار التذلل والاستسلام والانقياد للرب والامتثال لأوامره تعالى(٤)، وقد ذهب الغزالي إلى أن العبادة ترتبط ارتباطا وثيقًا بما يفعله الإنسان في واقعه الذي يعيش فيه من خلال تصرفاته، ورؤيته للتكاليف الشرعية: إذ يقول: (الطاعة والعبادة: متابعة الشارع في الأوامر والنواهي، بالفعل والقول، وكل ما نقول ونفعل ونترك يكون باقتداء الشرع)(٥)، فالشرع إذن هو الذي يرسم ملامح العبادة، وذهب السيد السبزواري إلى أن العبادة هي الطاعة والخضوع وهي عنده تشمل: العبودية التسخيرية والعبودية الاختيارية(٦)، ولعله أراد بالعبودية التسخيرية: عبودية الإنسان لله تعالى، عن طريق الجبر، فهو مخلوق لله تعالى يتصرف به أنى شاء، وهذا أمرُ واقع، فالناس كلهم عبيد الله، أما المراد بالعبودية الاختيارية فلعله يقصد الجانب التعبدي للإنسان، أي: اختيار طريقة فعلية للاتصال بالله تعالى والانقياد له من خلال عبادته عبادة حقّة، تؤكد شكر المخلوق للخالق، وتؤكد مبدأ العبودية التامة له وعدم الجحود الذي يغرزه الشيطان في نفوس البشر، وهذه عبودية يتحكم بها الإنسان فبإرادته هو يختار الجانب الإلهي أو الجانب الشيطاني ومن هنا جاءت هذه التسمية.
فالأمر بالعبادة أذن هو (تذليل النفس الأمارة بالسوء واللوامة ليطيعا النفس المطمئنة، فيحصل الترقي إلى الكمال، ورضى ذي الجلال)(٧).
وبذلك أضحت (العبادة) مصطلحا جديدا استعمله القران الكريم والسنة النبوية المباركة بإسلوب جديد وبمعنى جديد، أضفى عليه ملامح الإقرار والاعتراف بالربوبية لله الواحد، بعد أن سَلِب منها معنى عبودية الإنسان لأخيه الإنسان الآخر.
ونظرا لأهمية العبادة نرى أن القران الكريم استعمل مادة (عبد) في مواضع كثيرة، وبدلالات متنوعة، تفوق الاستعمال المعجمي لها. فالقران مثلا يفرق بين صيغتي (عباد) و(عبيد) باستعمال غير مألوف، فاستعمل الأول بمعنى العباد الصالحين قال تعالى: )ياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ( (الزخرف: 68)، وقال: )وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ( (الأنبياء: 26)، واستعمل الآخر بمعنى من يعصون الله تعالى، قال تعالى: )وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ* ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد((الأنفال: 50- 51)، وقوله: )قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ* مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ( (ق:28- 29)، وغيرها من الآيات(١). يزاد على ذلك أن لفظة (عبد) في القران الكريم قد تغيرت دلالتها من معنى الذل الذي يصيب الإنسان، إلى معنى العز والشرف والكمال الذي يصيبه، فقد حمل مصطلح (العبد) في الإسلام معنى راقيا يتمثل بالإنسان المؤمن الذي يتسم بكل صفات الخير والأخلاق كقوله تعالى: )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى( (الإسراء:1).
هذا وقد فرق الراغب الاصفهاني بين لفظتي (العابد) و(العبد) على أساس أن العبد ابلغ من العابد، لان العبد عام، إذ يطلق على جميع الخلق سواء بالتسخير أو بالاختيار، ولما كان العابد اخص من العبد من حيث انه يطلق على من يتجرد لعبادة الله، فانه على هذا يصح أن يقال: ليس كل إنسان عبدٌ لله(٢).
فالعبد إذن مصطلح عام يطلق على بني البشر كافة، فهم عبيد الله، العابد منهم وغير عابد، أما العابد فهو مصطلح خاص، اتصف به الإنسان المنقاد لله تعالى المتبع لتعاليمه السمحة.
ومن الاستعمالات القرآنية لهذه المادة، إنها تأتي دالة على الناس عامة، كقوله تعالى:)قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِه( (سبأ: 39) وهم بطبيعة الحال البشر، وتأتي كذلك دالة على جنس خاص من الناس وهم المؤمنون بالله تعالى، كقوله: )وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ((الحجر: 39-40).
والملاحظ في استعمالات القران لهذه المادة، إن الله تعالى كان دقيقًا جدًا في ذلك الاستعمال الذي لم يأت بصورة واحدة، وإنما جاء بصور متعددة رائعة، الغاية منها إظهار عظمة القران الكريم وإعجازه في تناول مفرادات اللغة وكيفية صياغتها صياغة جديدة، تختلف عن الاستعمال المعجمي لها وصياغتها في كلام العرب وأشعارهم، وذلك ان دلَّ على شيء فإنما يدل على قصدية القرآن في إثبات مصطلح جديد، يحمل معنى جديدًا، يكون قاعدة رئيسة للدين الإسلامي، من خلال تشريع العبادات في الإسلام، وجعل معنى العبادة المدخل الأول لمعرفة أصول ذلك النظام الراقي وقوانينه، الذي تميز به الإسلام عن باقي الأديان الأخرى.
فالعبادة إذن هي الخضوع والتذلل التام لله تعالى، وهي بذلك تتخذ معنى عاما لمجموعة التكاليف التي أمر بها الإنسان كي ترسم له الطريق الصحيح لحياته الدنيا والآخرة أيضا، وان التطبيق الفعلي لهذه التكاليف الشرعية يمثل معنى خاصًا يرتبط بالمعنى العام الذي تمثله العبادة، والذي يمكن أن نطلق عليه مصطلح (التعبد)، وفي ضوء ذلك يكون (التعبد) هو التنفيذ الفعلي للعبادة، أو هو ترسيخ لمفهوم العبادة في ذهن الناس عامة، فضلا عن العمل بمقتضياتها، وهذا ما فعله الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ إنه بيّن الكثير من معالم العبادة التي ذكرت في القران الكريم بصورة إجمالية بدون تفصيل في آيات كثيرة، الأمر الذي تولاه رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإيضاح والتفسير والتشريع، فكانت سنته الشريفة ترجمانا عظيما لمفهوم العبادة من خلال تسخيره كل المعطيات والمواقف في سبيل غرس مبدأ التعبد الذي سار عليه بنو البشر منذ عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) وحتى قيام الساعة، لذلك نلاحظ أن استعمالات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذه المادة (عبد) لم تختلف كثيرا عن استعمالات القران لها، وإنما جاءت بمنظور واحد وبمعنى واحد، لان الغاية واحدة، ألا وهي الخضوع لله تعالى وطاعته طاعة حقيقية، ومن هنا ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أهمية العبادة قوله: ( اعبد الله كأنك تراه فان كنت لا تراه فانه يراك) (١)، وقوله كذلك: (حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا (٢)، وعن الإمام الصادق u أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (العبادة سبعون جزءا، وأفضلها جزءاً طلب الحلال) (٣) وأحاديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) في العبادة وفضلها كثيرة.
تتمة هذا البحث في المقال التالي إن شاء الله تعالی
……………………..
(١) ينظر: المصطلحات الأربعة في القران: 101.
(٢) المفردات: 542.
(٣) الزاهر: 1/ 205.
(٤) ينظر: التفسير القيم: 88.
(٥) أيها الولد: 68.
(٦) ينظر: مواهب الرحمن في تفسير القران: 1/ 34.
(٧) كنز العرفان: 1/ 183.
(١) ينظر: الألفاظ الإسلامية تطور دلالتها: 161.
(٢) ينظر: المفردات: 543.
(١) بحار الأنوار: 83/290 .
(٢) صحيح مسلم 1/58 .
(٣) معاني الأخبار: 367.