مفهوم العبادة في الشريعة الإسلامية 03

0

2. مرادفات العبادات:

وجِدَت في القران الكريم والحديث النبوي ألفاظ يُظن أن لها معنى العبادة العام، ولذلك نجد أن العلماء وقفوا عندها بالشرح والتحليل، واختلفوا في ذلك، فمنهم من ذهب إلى القول بترادفها، استنادا إلى وجود ظاهرة الترادف في اللغة العربية، ومنهم من أنكرها على أساس بطلان الترادف في اللغة العربية عامة، والقران الكريم والحديث النبوي خاصة، انطلاقا من مبدأ أن لكل كلمة معناها الخاص بها والذي حمل في طياته ملامح دلالية، تقصدها القران والحديث النبوي. وسنقف عند أهم الألفاظ التي قيل بترادفها مع لفظ العبادة:

الطاعة:

       أصل الطاعة في اللغة: الانقياد، يقال: أطاعَ يُطيعُ إطاعةً: إذا انقاد للشيء، وفلان طوَع يَدِك أي منقادٌ إليك(4)، والطَوْع: الانقياد وضده الكُره، والتطوع في الأصل: تكلف الطاعة وهو في التعارف التبرع بما لا يلزم كالتنفل(5). وعُرف التطوع في الشرع بأنه (اسم لما يشرع زيادة على الفرض والواجبات)(6).

       والشيء اللافت للنظر أن العلماء انقسموا على قسمين في حقيقة ترادف هذه اللفظة مع لفظة العبادة:

الأول: ذهب إلى القول بوجود فرق كبير من حيث المعنى بين الطاعة والعبادة وفي مقدمتهم أبو هلال العسكري، إذ إنه فرّق في كتابه (الفروق اللغوية) بين العبادة والطاعة قائلا: (إن العبادة غاية الخضوع ولا تستحق إلا بغاية الإنعام، ولذا لا يجوز أن يعبد غير الله تعالى، ولا تكون العبادة إلا مع المعرفة بالمعبود، والطاعة: الفعل الواقع على حسب ما أراده المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممن يفعل ذلك، وتكون للخالق والمخلوق، والعبادة لا تكون إلا للخالق، والطاعة في مجاز اللغة تكون إتباع المدعو للداعي إلى ما دعاه إليه وان لم يقصد التبع، كالإنسان يكون مطيعًا للشيطان وان لم يقصد أن يطيعه ولكنه اتبع دعاءه وإرادته)(7) وجاء في كشاف اصطلاحات الفنون نص في الفرق بينهما مفاده: (والطاعة اعم من العبادة، لان العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله تعالى غاية التعظيم، والطاعة تستعمل موافقة أمر الله وأمر غيره، والعبودية إظهار التذلل والعبادة ابلغ منها لأنها غاية التذلل، والطاعة فعل المأمور ولو ندباً وترك المنهيات ولو كراهة، فقضاء الدين والإنفاق على الزوجة ونحو ذلك طاعة الله وليس بعبادة، وتجوز الطاعة لغير الله من غير المعصية ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى)(1) وأحسب أن هذا الكلام لا يختلف كثيرا في مضمونه عن كلام ابي هلال العسكري في الفرق بين الطاعة والعبادة.

الثاني: ذهب إلى القول بترادفهما على أساس أن لها معنى واحدًا وفي مقدمة هؤلاء الغزالي، إذ انه لا بفرق بينهما ويجعلهما نوعًا واحدًا، إذ يقول: (الطاعة والعبادة: متابعة الشارع في الأوامر والنواهي بالفعل والقول، وكل ما نقول ونفعل ونترك يكون باقتداء الشرع)(2).

       وممن ذهب إلى هذا الرأي السيد السبزواري من خلال تعريفه العبادة إذ يقول: (العبادة: الطاعة والخضوع)(3). كذلك نلمح من كلام السيد محمد الصدر بعدم التفريق بين العبادة والطاعة، بل هما شيء واحد إذ يقول: (فالطاعات الظاهرية: هي إطاعة الأوامر والمرحجات الشرعية الظاهرية، كالصلاة والصوم والصدقة وغيرها كثير، والمعاصي الظاهرية هي عصيات تلك الأوامر والنواهي كشرب الخمر والكذب والغيبة والزنا)(4) ويقول كذلك: (والطاعات الداخلية أو الباطنية هي ما يخص العمل النفسي أو القلبي للإنسان وليس له اثر مباشر على الجسد كالإخلاص والصبر والتوكل والتوحيد، والمعاصي الداخلية ما يقابل ذلك كالحسد والجشع والرغبة في الحرام والشرك وغير ذلك)(5). ونلمح حقيقة عدم التفريق بينها كذلك في قوله: (…ومن ذلك عبادة الطواغيت والظالمين والشياطين بمعنى طاعتهم في عصيان الله (U)، او قل تفضيل طاعتهم على طاعة الله سبحانه… وكذلك عبادة الشيطان أي طاعته، قال الله سبحانه وتعالى: )أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَان((يس: 60) (6).

        ولا شك أن فحوى كلام السيد محمد الصدر يقودنا إلى القول بتبنيه فكرة اتحادها – أي العبادة والطاعة- من حيث المعنى، فالعبادات الشرعية مثل الصلاة والصيام والصدقات، أطلق عليها السيد الصدر: الطاعات الشرعية الظاهرية، والعبادات الشرعية الباطنية مثل الإخلاص والتوكل والتسليم أطلق عليها الطاعات الداخلية، فلا فرق إذن بين المصطلحين، والملاحظ إن السيد الصدر لم يكتف بذلك، بل انه فسّر العبادة الواردة في الآيات السالفة الذكر على أنها طاعة على نحو ما وجدنا في تفسيره قول الله تعالى: )أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَان((يس: 60)، فقد فسر العبادة بطاعة الشيطان، وهذا يدل على انه لا يفرق بين العبادة والطاعة، بل هما يحملان مدلولا واحدًا قائما على أساس الخضوع والانقياد لله تعالى.

      ويبدو لي أن هناك فرقًا بين المصطلحين على أساس أن لكل لفظة – في القران الكريم والحديث النبوي، وكذلك الدراسات الأصولية والفقهية – معنى خاصًا بها لا يناظره معنى آخر، فالعبادة مفهوم عام وقاعدة عظيمة وضعها الخالق للناس كافة، وان ممارسة الإنسان لهذه العبادة وجعله خاضعًا لله تعالى منقادًا له في كل ما شرّعه، وهو الذي يمكن أن نسميه طاعة، فلا يمكن أن تكون العبادة عبادة إلا بطاعة الله تعالى حق طاعته وإتباع أوامره واجتناب نواهيه، إذن فالعبادة مصطلح عام والطاعة جزء مهم من العبادة، لا بل هي لبّ عبادة الله تعالى.

     وفي ضوء ذلك لا يمكن أن نطلق على العبادات الشرعية الظاهرية أو الباطنية اسم الطاعات، لأنها سوف تحمل معنى جزئيًا غير مرتبط بالمعنى الكلي الذي يحققه معنى العبادة، ذلك لان غاية العبادة إظهار الإنسان بمظهر التكامل الإنساني البعيد عن معنى الجزئية المرتبط بملامح النقص والعيب، ولذلك فان جعل الصلاة والصيام عبادات شرعية يكسبها مبدأ التكامل والشمولية الذي يهدف إليه الإسلام، ومن ذلك كله فالملاحظ أن استعمال القران الكريم والحديث الشريف لمصطلح الطاعة كان بغاية الدقة والروعة، إذ إنه اكسبها دلالة جديدة وان كانت مرتكزة على معناها اللغوي، وتمثلت هذه الدلالة بالانقياد لأوامر الله تعالى.

تتمة هذا البحث في المقال التالي إن شاء الله تعالی

……………………………..

(4) ينظر: الجمهرة: 3/ 107.

(5) ينظر: المفردات: 529- 530.

(6) التعريفات: 39.

(7) الفروق اللغوية: 182.

(1) كشاف اصطلاحات الفنون: 2/ 914- 915.

(2) أيها الولد: 68.

(3) مواهب الرحمن في تفسير القران: 1/ 34.

(4) فقه الأخلاق: 1/ 29.

(5) نفسه: 1/ 29.

(6) نفسه : 1/34 .

Leave A Reply

Your email address will not be published.