جوانب من شخصیه الزهراء علیها السلام

0

أننا نؤمن بذلک لإعتقادنا بأنها (علیها السلام) سرُّ من أسرار الله أستطاع أن یختزل النبوه والإمامه ویجمعهما برابطٍ أبدی لا إنفکاک له أو إنفصام وإذا کان من أوثق عرى الإیمان أن یغضب العبد لله ویرضى لله فما هو من کان الله یرضى لرضاها ویغضب لغضبها ، وماذا تعنی هذه التبعیه لرضا الرب حیث یقول الرسول (صلى الله وعلیه وآله) ( یا فاطمه إن الله یغضب لغضبک ویرضى لرضاک ) إنها مرتبه الرضوان الأکبر من الذی لا یتحقق إلا من خلال مطابقه الأفعال والأقوال والمواقف لإراده ورضا الرب جل جلاله ، ولما کانت الزهراء کذلک تعلق رضا الله برضاها وغضبه بغضبها.
وهذه التبعیه المنقلبه فی الرضا تکشف جوانب متعدده وأبعاداً کثیره فی شخصیه الزهراء ، أبرزها العصمه ( بما تحوی العلم والفهم والطاعه ولزوم الإتباع ) ولعلها العنوان الجامع أو المشترک لهذه الشخصیه التی لا نزال تحتاج منا إلى اقتراب أکثر وتعرف أوسع وحیث جاء فی الأثر ( إنما سمیت فاطمه لأن الخلق فطموا على معرفتاها ) فأن المقصود عن معرفتها الحقیقیه حیث إنها مثلت وما تزال تمثل طهاره الروح والجسد فهی الحوراء الأنسیه التی تکونت نطفتها من ثمار الجنه التی تسقی أشجارها من نهر الکوثر ، فکانت کوثراً من کوثر ونقاءً من نقاء وطهر من طهر.
ومما یحز فی النفس أن هذا المثال الذی یحوی أسرار الطهاره والنقاء عوضاً من أن یکون محلاً للکشف والتعرف والإقتداء أصبح مثاراً للطعن والتشکیک تاره والإهمال والنسیان تاره أخرى.
ولعل طغیان الماده والمنهج الحسی جعل البعض ینکر الجوانب الغیبیه لحیاه الزهراء علیها السلام مع أن هذا الإنکار یبتعد عن العلمیه حیث تظافرت الأخبار من الفریقین أن فاطمه (علیها السلام) حوراء إنسیه تشکلت نطفتها من ثمار الجنه ، فلو تماشینا مع ما یقال بالحس والماده فإن من المعلوم أن للغذاء أثرٌ فی التکوین وأثرٌ فی النفس فکونها حوراء أنسیه لا یخالف العقل والعلم ولقد ثبت أن الرسول (صلى الله وعلیه وآله) قال ( کلما أشتقت إلى الجنه قبلتها ، وما قبلتها إلا وجدت رائحه شجره طوبی منها فهی حوراء إنسیه )  وإن هذه القدسیه التی کانت فی الزهراء (علیها السلام) لا تخرجها عن کونها بشراً بل عظمتها تتمثل فی کونها بشراً مقدساً وهی بذا تکون محلاً للإقتداء والتأسی.
بید أن التأسی والأقتداء یقتضی التعرف على جوانب العظمه فیها وکل جوانب حیاتها عظمه ولکن تحتاج إلى جهد الباحث وقلب المتلقی لإن ما إقترفته أیدی الضلال على إمتداد الزمن من محو آثار أهل البیت وکتم فضائلهم أدى إلى عدم التعرف حتى على أشخاصهم ومناقبهم ، وفی هذا العصر تغثنا وسائل الإعلام بکل وضیع لتزحم ذاکرتنا من أن یبقى فیها ذکرٌ لأهل البیت تمحو فینا بذلک کل ما هو طاهر ونبیل ، وتکثف فیها ذکر أهل الفسوق والعصیان.
إننا الیوم کما فی أی وقت نحتاج أن نصوغ دیننا و حیاتنا وفق معطیات فاطمه (علیها السلام) إننا من خلال تعرفنا على فاطمه علیها السلام نتعرف على أنفسنا و حاجیاتها الحقیقیه .
وهنا نلمح إلى جانبین فقط من جوانبها المتعدده ونتعرف من خلالها على بعض مکونات هذه الشخصیه العظیمه ۰
الأول: الجانب الإیمانی و تتشعب إلى أمرین :
۱- إننا حینما نقرأ الزهراء (علیها السلام) و نتعرف على سیرتها فإننا لن نجد إلا صوره نقیه لا یشوبها أی شائبه وتصور الإسلام کما هو غظا طریا کما أنزل على محمد (صلى الله وعلیه وآله) فهی علیها السلام فی حرکاتها و سکناتها لا تنطق إلا عن الله ولا تنطق إلا منه وإلیه ، فغضبها لله و رضاها لله ومنعها لله وإعطائها لله لا تحابی ولا ترائی فی الله ،أنها کانت تعیش التجرد من الذات و الإنصهار فی حب الله ومرضاته لا تبتغی سوى وجهه جل وعلا (إنما نطعمکم لوجه الله لا نرید منکم جزاء و لا شکورا )۰
ولهذا نحن نفهم الإسلام من خلال الزهراء (علیها السلام) وما خطبتها إلا بیان دینی و حکم شرعی توضح فیه الدین أکثر مما تنادی بحق شرعی أخد منها کیف وهی الزاهده المتنکره للأنا المتفانیه فی الله والتی نذرت حیاتها کلها فی سبیل مرضاته حتى تعلق لا نقول رضاها برضاه بل رضاه برضاها و غضبه لغضبها حیث یکون هذا التعلق متدافقا مع المساق الحیاتی الذی سارت فیـه فاطمه (علیها السلام).
۲-  لعل بعضنا یفهم من الدین هو تلک المبادئ والقیم و الأفکار التی ینبغی أن نؤمن بها ونجلل الأسماع باعتقادنا لها وذلک دون اللالتفات إلى جانب إنما الروح بالعیاده وتزکیه النفس بالإتصال بالله والتلذذ بمناجاتها ، وهذا مما یفرغ النفس من لذه الإیمان رغم وجود صحه المعتقد بل ربما أفضى ذلک إلى زعزعه الاعتقاد مستقبلا، لم تکن فاطمه (علیها السلام) تفصل بین ما تعتقد وبین ما تمارس بل کانت تشفع عقیدتها بإنماء روحها بالعباده۰
یقول الحسن (علیه السلام): (ما کان فی هذه الأمه أعبد من فاطمه ،کانت تقوم حتى تتورم قدماها)
وهی فی ذلک لا تفصل بین حیاتها وحیاه الأخرین حتى عرف عنها صبرها على تعلیم النساء ومجاهدتها فی خدمتها دون ملل أو تبرم حتى نجد أن السائله تخجل من کثره مسألتها للزهراء والزهراء (علیها السلام) تحدثها على المزید ، لقد کان هذا الحب فی الله ولله حتى أنها أشرکتهم فی عبادتها و دعواتها ۰
یقول الإمام الحسن (علیه السلام): ( رأیت أمی فاطمه (علیها السلام) قامت فی محرابها لیله جمعتها فلم تزل راکعه ساجده حتى أتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنین والمؤمنات وتسمیهم وتکثر الدعاء لهم ولا تدعوا لنفسها بشیء فقال لها : یا أماه لم لا تدعین لنـفسک کما تدعین لغیرک ؟ فقالت : یأبنی الجار ثم الدار )
الثانی : الجانب التربوی
یُعزى کثیرٌ من الجنوح عند الأبناء عامه إلى خللٍ تربوی أدى إلى وضعٍ سلوکی عندهم یوصف بالتمرد تاره والإنحراف آخرى والسقوط ثالثه إن هذا الخلل التربوی کان نتاجٍ ضعف أو إنعدام القدوه الصالحه والعارفه بخصوصیه الأبناء و إحتیاجاتهم العاطفیه والمعرفیه.
إلا یحق لنا أن نتساءل ماهی البرامج الاساسیه التی طبقها الرسول (صلى الله وعلیه وآله) فی تربیه الزهراء (علیها السلام) ثم أنعکست هذه التربیه علیها وعلى أولادها من بعدها ، إننا حینما نفتش فی یومیات الرسول (صلى الله وعلیه وآله) مع الزهراء (علیها السلام) نجد أمرین بارزین رسما قدوه حاضره مثّلها الرسول وجسّدها بالأعمال لا بالأقوال.
۱ – الغذاء المعرفی
فقد کان النبی الأعظم (صلى الله وعلیه وآله) حریصاً على تعلیم ابنته وإحاطتها بمعارف الشریعه وعلوم الدین وما خطبها ومصحفها ودروسها فی بیتها إلا فیضاً من فیض النبوه ، ولعل هذا الجانب معروف ومعلوم لدى الکثیرین ولکن دون أن یستوجب ذلک منهم الإهتمام بهذا الجانب إقتداءً بالرسول (صلى الله وعلیه وآله).
۲ – الفیض العاطفی
لعل من الأشکالیات التربویه العویصه التی تواجه مجتمعنا المعاصر خاصه فی تربیه البنات أننا نلحظ جفافاً عاطفیاً شدیداً بین الوالدین والبنات اللواتی عادهً ما یحتجن لمثل هذه الرعایه الخاصه.
خاصه من تنوع أدوات المعرفه وتعددها جعلت الجانب العاطفی على خطر عظیم اذ إن المعرفه یمکن حال خطئها تعالج ولو بعد حین دون أن تسبب کوراث إجتماعیه ولکن السلوک العاطفی متى ما إنحرف کان علاجه صعباً ، من هنا حیثیات الواقع الیومی المعیش تحتاج أن نطلع على یومیات الرسول مع فاطمه (علیها السلام) کی تستقی دروساً فی التربیه العاطفیه بین الأهل دون أن ندعی خجلاً أو نمنع حیاءً.
جاء فی الروایه : کانت إذا دخلت على رسول الله (صلى الله وعلیه وآله) قام إلیها فقبلها وأجلسها فی مجلسه وکان النبی(صلى الله وعلیه وآله) إذا دخلت علیه قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته فی مجلسها )
وتـقدم أن الرسول (صلى الله وعلیه وآله) کان یشم فاطمه (علیها السلام) کلما أشتاق إلى الجنه.
إن هذه السلوکیات المتکرره والمتکاثره فی حیاه الرسول(صلى الله وعلیه وآله) أوجدت علاقه حمیمه بین الرسول وأبنته کانت من المفترض أن تصبح محل تأسی وإقتداء لأنها فعل معصوم واستجابه طبیعیه لحاجه ینبغی أن تقضى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.