عهد إمامه الإمام علی علیه السلام

0

   قال : لا حاجه لی فی أمرکم ، فَمَنِ اخترتم رضیت به .
   قالوا : ما نختار غیرک ؛ وأضافوا : إنا لا نجد الیوم أحدا أحق بهذا الأمر منک .
   قال : لاتفعلوا ، فإنی أکون وزیراً خیراً من أن أکون أمیراً .
   فقالوا : لا واللـه ، ما نحن بفاعلین حتى نبایعک .
   قال : ففی المسجد ، فإن بیعتی لاتکون خفیّهً ولا تکون إلاّ عن رضا المسلمین .
   فخشی الناس علیّاً ، فقالوا نبایعک ، فقد ترى ما نزل بالإسلام .
   فقال : “ دعونی والتمسوا غیری ، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان . لاتقوم له القلوب ، ولا تثبت علیه العقول “ .
   فقالوا ننشدک اللـه ، ألاَ ترى ما نحن فیه ؟ ألاَ ترى الإسلام ؟ ألاَ ترى الفتنه ؟
   فقال : “ قد أجبتکم وإنی إن أجبتکم رکبت بکم ما أعلم “ [1] .
   أجل ، إن الإمام (علیه السلام) یرفض الخلافه لأن أمواج الفتنه قد بلغت أعلى مد ، ویود لو یکون وزیراً یساهم من موقع حُرٍّ فی إخماد نیران الفتنه ، ولکن لا أحد رشح نفسه للخلافه ، ولا أحد کان یقبل بغیر الإمام (علیه السلام) .
   والإمام یرفض بیعه أهل الحل والعقد من دون رضا الناس ، ویرى ذلک حق عامه الناس ، فیجعلها فی المسجد على الملأ العام .
   ویشترط علیهم بأن یقودهم على علمه ، لا بجهلهم ، ووفق سنّه الرسول ، لا مصالح أصحابه وضغوط القوى السیاسیه .
   واستقبل الإمام عهده ، بالثوره ضد الوضع الفاسد ، وقد عقد عزمات قلبه جمیعاً على مواجهه کل تلک العقبات التی خضع لها أو توقف عندها من کان قبله ، وأعظمها القوه السیاسیه المتنامیه عند بنی أمیـــه ، ومن تحالف معهم من بقایا العهد الجاهلی .
   والواقع أن تصفیه هذه القوه ، کانت من أعظم المهام الرسالیه التی بدأها الرسول ، وتابع أصحابه من بعده نهجه بفتور ، حتى إذا جاء الإمام (علیه السلام) وکانت الظروف مؤاتیه ، نهض بها بعزم راسخ .
   أو لیسوا هم الشجره الملعونه فی القرآن ، أولیس الرسول (صلى الله علیه وآله) قد حذَّر منهم ، وقال : “ إذا رأیتم معاویه هذا على منبری فاقتلوه ، ولن تفعلوا “ .
   إنهم کانوا أکبر قوه سیاسیه فی الجزیره ، وکان الرسول قد احتواهم ، لعلهم یؤوبون إلى رشدهم ، ویکیِّفون أنفسهم مع الواقع الجدید ، أو تقوى شوکه الإسلام فتقضی علیهم فی الوقت المناسب . وها قد حان ذلک الوقت ، فإنهم لیس فقط لم یذوِّبوا أنفسهم فی بوتقه المجتمع الإسلامی . بل ما فتئوا یدبِّرون المؤامرات ضد القوى الرسالیه ، ویتحیَّنون الفرص للانقضاض على السلطه .
   ومن هنا نجد الإمام علیَّاً (علیه السلام) یبدأ عهده بالهجوم على بنی أمیه وامتیازاتهم التی ابتزُّوها من الخلیفه السابق .
   یروی ابن أبی الحدید : عن ابن عباس أن علیّاً خطب فی الیوم الثانی من بیعته بالمدینه فقال :
   “ إن کل قطیعه أقطعها عثمان ، وکل مال أعطاه من مال اللـه فهو مردود فی بیت المال ، فإن الحق القدیم لا یبطله شیء ، ولو وجدته قد تزوّج به النساء وفُرِّق فی البلدان لرددته إلى حاله ، فإن فی العدل سعه ، ومن ضاق عنه الحق فالجور أضیق “ [2] .
   وعزل الإمام عمال الخلیفه السابق وهم حکام الولایات الإسلامیه ، وأصرَّ على عزل معاویه ، قائد الحزب الأموی السیاسی والعسکری ، والذی کان یرضى من الإمام إبقاءه على الشام کما فعل السابقون ، لعله یجد فرصه أخرى لتحقیق هدف حزبه فی السلطه .
   لقد کانت تلک أعظم مسؤولیات الإمام (علیه السلام) إذ عهد إلیه رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) تکمیل ما بدأه من تصفیه القوى الجاهلیه وبقایاها ، وقال له مره :
   “ تقاتلهم على تأویله ، کما قاتلناهم على تنزیله “ .
   وإن أهل البصائر من أصحاب رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) واعون تماماً لهذه الرساله الإلهیه التی یجب علیهم تنفیذها ، وإن الإمام إنما قبل بالإماره لتحقیق هذا الهدف . وبذل قصارى جهده لتحقیق واحد من هدفین متدرجین :
   1- فإما سحق بقایا النظام الجاهلی وإقامه نظام العدل الإسلامی .
   2- وإما تعریه هذه القوه الجاهلیه وفضحها وإیجاد حرکه رسالیه تهدف إلى القضاء علیها وتمنعها من تحقیق کل أهدافها .
   ولأن الظروف لم تسمح لتحقیق الهدف الأول ، فلقد حقق الهدف الثانی ، وأنشأ فی الأمه طلیعه رسالیه ناضلت ضد بنی أمیه حتى تمت تصفیتهم کاملاً دون أن یحققوا هدفهم الرئیسی ، وهو إعاده الناس إلى الجاهلیه . والقصه التالیه تکشف جانبا من أهداف معاویه .
   کان معاویه – بعد أن تم له الأمر ظاهرا – یستمع إلى الأذان ، وإلى جانبه بعض خواصه ، وإذا به یتمیز من الغیظ عندما یسمع المنادی یهتف “ أشهد أن محمداً رسول اللـه “ فیسأله صاحبه عن ذلک فیقول : إن أخا تیم حکم وذهب ، فقال الناس رحم اللـه أبا بکر .
   وکذلک أخو عدی ، لم یزد الناس بعد حکمه أن قالوا : رحم اللـه عمر .
   ولکــــن هذا ابن أبی کبشه ( أی رسول (صلى الله علیه وآله) لم یَرْضَ حتى قُرن اسمه باسم اللـه ، لا واللـه إلاّ دفناً دفنــاً .
   أمّا یزید ابنه الماجن فقد أنشد قائلاً : لعبت هاشم بالملک فلا خبرٌ جاء ولا وحیٌ نزل
   من هنا وضع أمیر المؤمنین (علیه السلام) استراتیجیته على أساس محاربه الباطل وتصفیه الحزب الأموی مهما کلفه الأمر .
الإمام (علیه السلام) یجاهد أعداء الدین : وکأیه ثوره أصیله ؛ واجهت ثورهُ أنصار الحق ، ثلاثه محاور معادیه :
   1- بقایا العهد البائد .
   2- الإنتهازیین .
   3- المتطرفین .
   أمّا الإنتهازیون فهم الذین یسایرون الثوره أیام تصاعد مدها یبغون رکوبها لتحقیق مطامعهم السیاسیه باسم المساهمه فیها . فإذا رأوا قیاده الثوره واعیه ، قلبوا ظهر المجنّ وحاربوها وهم عاده ما ینهزمون أمامها . إن قوه هذا الفریق کامنه فی مکرهم وتلوُّنهم ، فإذا افتضحوا فشلوا وانهزموا .
   وکان طلحه والزبیر وأقرانهما من هذا الفریق حیث عارضوا الخلیفه الثالث ، وکانوا یمنّون أنفسهم بالسلطه أو بنصیب منها على الأقل . فلما رأوا میل الناس إلى أمیر المؤمنین ، انحنوا للعاصفه مؤقتاً ، وبایعوه ، بل کانوا أول من بادر إلى بیعته طمعاً فی تقاسم السلطه معه . ولکنهم وجدوا الإمام لایطلب الحق بالجور ، ولم یحقق طلب طلحه والزبیر بإماره الکوفه والبصره ، وکان لهما فیهما شیعه وهواه ، فتمردوا علیه ونکثوا بیعته ، وطالبوه بدم من قتلوهم ، وأدَّعوا بأنهم أولیاء الخلیفه الثالث ، وتحملوا وزراً عظیماً ، لأنهم بادروا إلى إشعال نار الفتنه بین المسلمین ، وکانت الحرب التی أعلنوها أول حرب دامیه بین المسلمین .
حرب الجمل :
   کان أبو برده عوف الأزدی ممن تخلف عن نصره الإمام فی الکوفه ، فلما عاد الإمام فاتحاً من البصره ، عاتب المتخلّفین ، وقال : “ أَلاَ إنه قد قعد عن نصرتی منکم رجال ، فأنا علَیهم عاتبٌ زارٍ ، فاهجروهم وأسمعوهم ما یکرهون حتى یعتبوا ، لِیُعرفَ حزبُ اللـه عند الفرقه “ .
   فقام إلیه أبو برده ، وقال : یا  أمیر المؤمنین أرأیت القتلى حول عائشه والزبیر وطلحه بِمَا قُتلوا ؟
   قال (علیه السلام) : قَتلوا شیعتی وعمالی وقَتلوا أخا ربیعه العبدی رحمه اللـه علیه فی عصابه من المسلمین ، قالوا : لا ننکث کما نکثتم ، ولا نغرر کما غررتم ، فوثبوا علیهم فقتلوهم ، فسألتهم أن یدفعوا إلیَّ قتله إخوانی أقتلهم بهم ، ثم کتاب اللـه حکم بینی وبینهم ، فَأَبوا عَلیَّ ذلک وقاتلونی ، وفی أعناقهم بیعتی ودماء قریب من ألف رجل من شیعتی فقتلتهم بهم .
   ثم خاطبه قائلاً : أفی شک أنت من ذلک ؟
   قال : “ قد کنت فی شک ، فأما الآن فقد عرفت واستبان لی خطأ القوم ، وإنک أنت المهدیّ المهدی المصیب “ [3] . هکذا اختصر الإمام جرائم الناکثین  .
   ومره أخرى حینما تواجه الفریقان بالبصره ، دعا الإمام طلحه والزبیر وحاججهما فقال : “ لعمری لقد أعددتما سلاحاً وخیلاً ورجالاً ، إن کنتما أعددتما عند اللـه عذراً فاتَّقیا اللـه سبحانه ولا تکونا کالتی نقضت غزلها من بعد قوه أنکاثاً . ألم أکن أخاکم فی دینکما ، تحرمان دمی وأحرم دماءکما ؟ فهل من حدث ما أحل لکما دمی “ .
   قال طلحه : أَلَّبت الناس على عثمان .
   فقال علی : “ یومئذ یوفیهم اللـه دینهم الحق ویعلمون أن اللـه هو الحق المبین . یا طلحه تطلب بدم عثمان ؟ فلعن اللـه قتله عثمان ، یا طلحه جئت بعرس رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) تقاتل بها ، وخبَّأت عرسک ، أما بایعتنی ؟ “ [4] .
   ثم ذکَّر الإمام (علیه السلام) الزبیر ببعض المواقف مع رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) ، فاعتزل المعرکه ، ولما اعتزل الزبیر الحرب وتوجه تلقاء المدینه ، تبعه ابن جرموز فغدر به ، وعاد بسیفه ولامه حربه إلى الإمام (علیه السلام) فأخذ الإمام یقلِّب السیف ویقول : “ سیف طالما کشف به الکرب عن وجه رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) “ ! .
   فقال ابن جرموز : الجائزه یا أمیر المؤمنین ، فقال : إنی سمعت رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) یقول : “ بشر قاتل ابن صفیه ( الزبیر ) بالنار “ ! .
   ثم خرج ابن جرموز على علیِّ مع أهل النهروان فقتله معهم فیمن قتل [۵] .
   ومن خلال أسطر التاریخ نکتشف أن الزبیر وطلحه وعائشه کانوا جمیعاً ، مترددین فی مسیرهم ، وکم قرر الواحد منهم العوده . إلاّ أن هناک یداً خفیه کانت تثبط عزمهم وتعیدهم إلى قلب الفتنه من جدید .
   فهذا طلحه یأتی إلى البصره فیخطب الناس ، ویدعوهم إلى خلع الإمام (علیه السلام) فیقولون له : یأ ابا محمد قد کانت کتبک تأتینا بغیر هذا ، فسکت ولا یجد جواباً ، ویقدم الزبیر للخطاب .
   وهـــــذه عائشه تمر فی مسیرها إلى البصره بماء یسمَّى ( الحوأب ) فتنبح بها کلابه . قالت : أی ماء هذا ؟ قیل هذا ماء حوأب . فإذا بها تصرخ بأعلى صوتها ثم تضرب عضد بعیرها فتنیخه ثم تقول : أنا واللـه صاحبه کلاب الحوأب طروقاً رُدُّونی ، رُدُّونی ، رُدُّونی ..
   هکذا ظلت هنالک ومعها قومها یوماً ولیله ، فخدعها عبد اللـه بن الزبیر ، وجاؤوا لها بأربعین رجلاً وقیل بخمسین من الأعراب رشَوهم فشهدوا أن هذا لیس بماء الحوأب [۶] .
   ویظهر عبد اللـه بن الزبیر ، فی الصوره مره أخرى حینما أراد والده الاعتزال ، فأنحاه ، وغرَّر به .. مثله مثل محمد بن طلحه .
   کماأن مروان بن الحکم ، یظهر فی الصوره فی بعض الأحیان وهو یحرض على الإستمرار فی القتال ..
   هکذا نکتشف الأصابع التی کانت وراء الشخصیات الظاهره فی حرب الجمل ، وهم تحالف بنی أمیه مع بعض الطامعین فی السلطه ، من غیرهم ، تستَّروا بهم ، وقالوا لأنفسهم : لو ظفروا کان لنا معهم مثلما کان أیام الخلیفه الثالث . أما إذا فشلوا ، فقد ضربنا عصفورین بحجر واحد : فمن جهه تخلصنا من المهاجرین والأنصار الطامعین فی الخلافه ، حیث یصفی بعضهم بعضاً . ومن جهه ثانیه سقطت هیبتهم بین المسلمین وظهروا فی أعین الناس بمظهر الباحث عن مصالح شخصیه .
   وهکذا نستطیع أن نفسر وقوف الحزب الأموی إلى جانب طلحه والزبیر وعائشه وهم من أشد المحرضین ضد عثمان ، وضد استئثار بنی أمیه بالسلطه والثروه فی عهده .
   وکان الناس یتساءلون أنهم یریدون البصره یطالبون أهلها بدم عثمان وقاتِلوا عثمان معهم . فقد روى الطبری بسنده عن المغیره بن الأخنس قال : لقی سعید بن العاص ، مروان بن الحکم وأصحابه بذات عرق فقال : أین تذهبون وثأرکم على أعجاز الإبل ؟ ( قال ابن الأثیر یعنی عائشه وطلحه والزبیر ) . أُقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلکم ، لا تقتلوا أنفسکم . قالوا : بل نسیر فلعلنا نقتل قتله عثمان جمیعاً [۷] .
   ولعلهم أشاروا فی نهایه حدیثهم إلى أن هدفهم ضرب الناس ببعضهم للتخلص منهم جمیعاً ، وهذا یفسر أیضاً ما ذکره ابن الأثیر من أن مروان بن الحکم هو الذی رمى سهماً نحو طلحه فأصابه فی رجله وقتله [۸]. لقد أبلغ أمیر المؤمنین (علیه السلام) حینما بیَّن فی أکثر من خطاب طبیعه هذه الحرب وأن وراءها قریش التی حاربها لأجل الرساله وهم کافرون ، ویحاربها الیوم لذات الهدف ، وهم مفتونون .
   یقول الشیخ المفید : لما نزل أمیر المؤمنین (علیه السلام) الربذه لقی بها آخر الحاج فاجتمعوا إلیه لیسمعوا من کلامه – وهو فی خبائه – قال ابن عباس فأتیته فوجدته یخصف نعلاً ، فقلت له : نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تَصلح . فلم یکلمنی حتى فرغ من نعله ، ثم ضمها إلى صاحبها وقال لی : قوِّمها . فقلت : لیس لهما قیمه ، قال : على ذاک ، قلت : کسر درهم قال: “ واللـه لَهُمَا أحَبُّ إلَیَّ من أمرکم هذا ، إلاّ أن أُقیم حقّاً أو أدفع باطلاً “.
   قلت إن الحاجَّ قد اجتمعوا لیسمعوا من کلامک ، فتأذن لی أن أتکلم ، فإن کان حسناً کان منک ، وإن کان غیر ذلک کان منی ؟ قال : لا ، أنا أتکلم . ثم وضع یده على صدری ، وکان شثن الکفین فآلمنی ثم قام ، فأخذت بثوبه ، وقلت نشدتک اللـه والرحم ( وکأنه خاف أن یتکلم بما ینفرِّ الحاجّ ) قال : لا تنشدنی ، ثم خرج ، فاجتمعوا علیه ، فحمد اللـه وأثنى علیه ثم قال : “ أما بعد فإن اللـه بعث محمداً ولیس فی العرب أحد یقرأ کتاباً ولا یدَّعی نُبَّوه ، فساق حتى بوأهم محلتهم ، وبلغهم الناس الى منجاتهم . أما واللـه ما زلت فی ساقتها . ما غیّرت ولا بدّلت ولا خُنت حتى قولت بحذافیرها ، مالی ولقریش ؟. أما واللـه لقد قاتلتهم کافرین ، ولأُقاتلنهم مفتونین ، وإن مسیری هذا عن عهدٍ إلیّ فیه . واللـه لأبقرن بالباطل حتى یخرج الحق من خاصرته . ما تنقم منّا قریش إلاّ أن اللـه اختارنا علیهم ، فأدخلناهم فی حَیْزِنا “ .
   وأنشد :
ادمت ـ لعمری ـ شریک المحض خالصاً   =   واکلک بالزبد المقشره البحرا
ونحن وهبناک العلاء والم تکن   =   علّیاً وحُطنا دونک الجُرد والسُّمرا[۹]
وهکذا نجد قریشاً – التی لاتزال أحلام السلطه على العرب تراودها – تتظاهر بالدین ، وتقود حرباً ضده وقد استعادت قواها المنهاره ، مستغله ضعف الخلیفه الثالث ، وغررت ببعض أصحاب الرساله ، وطمعتها فی الخلافه وذلک لعدم وضوح الرؤیه عندهم . فهذا طلحه الذی کان یطمع فی الخلافه بعد الخلیفه الثانی فیؤلب أهل البصره ضد الخلیفه الثالث ، ویحرضهم على قتله ، یأتی بنفسه إلى البصره وینادی منادیه : من کان فیهم أحد ممن غزا المدینه فلیأتنا به فجیء بهم فقتلوا ولم ینج منهم إلاّ قلیل [۱۰] بالأمس کان یقودهم ، والیوم ینقلب علیهم ویقتلهم . أولیس هذا غریباً ؟ بَلَى ، ولکن طلحه کان بالأمس قائداً ، وأصبح الیوم رقماً فی حسابات بنی أمیه ، وأضحى یصفِّی حزبه بنفسه . ولم یکن یشک أمیر المؤمنین فی وجوب قتالهم لأنه کان یعرف طبیعتهم وأهدافهم الخبیثه ولأن رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) کان قد أخبره بمسیره إلیهم ، وأنه سوف یقتل الناکثین ..  نعم ، إنه لاقى صعوبه حقیقیه فی توعیه الناس ، ولولا أهل البصائر من المهاجرین والأنصار الذین نهضوا معه ضد الفئه الناکثه ، وآزروه ونصروه بذات القوه التی آزروا بها رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) لکانت قریش بمکائدها وقوتها وعصبیاتها تشکِّل خطراً حقیقیاً ضد بقاء الإسلام .
   ولقد استنهض الإمام (علیه السلام) جیش الکوفه الذین فتحوا بلاد فارس ، ثم استقروا هناک یحمون ثغور الإسلام ویبعثون بالسرایا لفتح المزید من البلاد ، وإنما اختارهم لعلمه بوجود أهل البصائر من أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله) والفقهاء والقرّاء بینهم . ولقد قال لهم حین التقى بهم فی منطقه ذی قار : “ یا أهل الکوفه ، إنکم من أکرم المسلمین وأقصدهم تقویماً ، وأعدلهم سنّه وأفضلهم سهماً فی الإسلام ، وأجودهم فی العرب مرکباً ونصاباً ، أنتم أشد العرب وُدّاً للنبی (صلى الله علیه وآله) وأهل بیته ، وإنما جئتکم ثقه – بعد اللـه – بکم للذی بذلتم من أنفسکم عند نقض طلحه والزبیر ، وخلعهما طاعتی وإقبالهما بعائشه للفتنه “ [11] .
   ولقد استمرت عرب الکوفه ، فی ولائها لآل البیت ومحاربتها للخط الأموی حتى أزال اللـه دوله بنی أمیه فی عهد العباسیین .
   وحینما عَبَّأ الإمام (علیه السلام) جیشه ، سار بهم إلى البصره حتى وردها ، وألقى خطاباً هامّاً بیَّن فیه مشروعیه قتاله للناکثین ، کما أوضح استراتیجیه حربه هذه ، فقال فیما قال : “ عباد اللـه ! . انهدوا إلى هؤلاء القوم ، منشرحهً صدورکم بقتالهم ، فإنهم نکثوا بیعتی ، وأخرجوا “ ابن حنیف “ عاملی ، بعد الضـــرب المبرِّح والعقوبه الشدیده، وقتلوا السبابجه ، وقتلوا حکیم بن جبله العبدی ، وقتلوا رجالاً صالحین، ثم تتبَّعوا منهم من یحبنی یأخذونهم فی کل حائط، وتحت کل رابیه ، ثم یأتون بهم یضربون رقابهم صبراً . مالهم ، قاتلهم اللـه أنَّى یؤفکون !. انهدوا إلیهم وکونوا أشداء علیهم والْقَوهم صابرین محتسبین ، تعلمون أنکم منازلوهم ومقاتلوهم وقد وطنتم أنفسکم على الطعن والضرب ومبارزه الأقران .
   وأیُّ امرئ منکم أحسَّ من نفسه رباطه جأش عند اللقاء ، ورأى من إخوانه فشلاً ، فلیذبَّ عن أخیه الذی فضل علیه ، کما یذب عن نفسه ، فلو شاء اللـه لجعله مثله “ [12] .
   وکان الإمام (علیه السلام) یرفض معامله الناکثین کما لو کانوا کفاراً ، بل منع أصحابه من المبادره بالقتال ، ولم یأذن لهم به إلاّ بعد أن رمى اصحاب الجمل عسکره بالنبل رمیاً شدیداً متتابعــــاً ، فضج إلیــه أصحابه وقالوا : عقرتنا سهامهم یا أمیر المؤمنین ، فلم یأذن لهم حتى بعث إلى عسکر البصره رجلاً یحمل مصحفاً ویدعوهم إلى التحاکم إلیه فقتلوه فأصدر أمره بقتالهم .
   وظل القتال ثلاثه أیام وأبدى أصحاب النبی (صلى الله علیه وآله) من المهاجرین والأنصار البطولات التی اشتهروا بها أیام رسول اللـه (صلى الله علیه وآله) ، وقد اجتمعوا فی کتیبه واحده سمیت بالکتیبه الخضراء ، یقودهم سیدهم وأمیرهم الإمام علی (علیه السلام) وقد هجمت فی الیوم الأخیر على الجمل الذی کان یعتبر رایه الناکثین ، فعقروه . فلما سقط انهزم جمیعهم ، وانتهت المعرکه بانتصار الإمام (علیه السلام) الذی نادى منادیه : ألاَّ تتبعوا مُدبراً ، ولا تجهزوا على جریح ، ولا تدخلوا الدور ، ولا ترزأوا سلاحاً ولا ثیاباً ولا متاعاً . ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن .
   ثم مشى الإمام (علیه السلام) إلى عائشه وهی الباقیه من قیادات المعارضه فاستقبلته صفیه بنت الحارث وقد ثکلت بابنها فقالت له : یا علی !. یا قاتل الأحبه ، یا مفرق الجمع ، أیتم اللـه منک بنیک کما أیتمت ولد عبد اللـه منه . فمشى عنها ولم یرد علیها . ثم دخل على عائشه فسلم علیها وقعد عندها ، فأخذت تعتذر إلیه وتقول : إنی لم افعل . فلما خرج الإمام أعادت صفیه قولها المنکر للإمام فکفَّ عنها ولکنه قال : وهو یشیر إلى بعض غرف الدار : أَما لَهممتُ أن أفتح هذا الباب وأقتل مَن فیه . ثم هذا فأقتل مَن فیه ، ثم هذا فأقتل من فیه . وکان أناس من مجرمی الحرب قد لجأوا إلى عائشه ، منهم مروان بن الحکم وعبد اللـه بن الزبیر ، فتغافل الإمام (علیه السلام) عنهم . فقال رجل من الأزد وهو یشیر إلى صفیه ، واللـه لاتغلبنا هذه المرأه فغضب الإمام ، وقال: “ صه ، لا تهتکنّ ستراً ، ولا تدخلنّ داراً ، ولا تهیجنّ امرأه بأذى وإن شتمن أعراضکم ، وسفهن أمراءکم وصلحاءکم ، فإنهن ضعاف . ولقد کنا نؤمر بالکف عنهن ، وإنهن لَمُشرکات “  [13] .
   وهکذا أدب الإمام أصحابه کیف یتعاملون مع أعدائهم بالرفق ، بالرغم من أن أنهراً من الدم قد جرت بینهم . ثم مضى الإمام إلى بیت المال وقسم ما فیه على الجند بالسویه ، فأعطى کل واحد خمسمائه ، وأخذ ایضاً خمسمائه ، وجهَّز عائشه بما تحتاج من مرکب وزاد ، وأرسلها إلى المدینه واختار لها أربعین امرأه من نساء أهل البصره المعروفات ، وأرسل معها أخاها محمداً ، وکان من أقرب أصحاب الإمام إلیه . واستخلف على البصره ابن عباس وکتب إلیه عهداً قال فیه .. فارغب راغبهم بالعدل علیه والانصاف له والاحسان إلیه ، وحل عقده الخوف عن قلوبهم .
وکتب إلى أمراء الجیش وهو یحدد معالم حکمه: “ لکم عندی ألاَّ أحتجز دونکم سرّاً إلاّ فی حرب، ولا أطوی عنکم أمراً إلاّ فی حکم، ولا أؤخر حقّاً لکم عن محله، ولا أرزأکم شیئاً وإن تکونوا عندی فی الحق سواء “ .
وعاد أدراجه إلى الکوفه ورایات النصر ترفرف علیه ، وأبى أن یدخل قصر الإماره بل اختار بیت جعده بــن
أبی هبیره المخزومی ، وکان ابن أخته أم هانی ، وقال عن قصر الإماره : إنه قصر خبال لا تُنزلونیه .
ــــــــــــــــــــــــــــ
([۱]) المصدر : ج ۲ ، ص ۴ ، عن الطبری وابن الأثیر .
([۲]) المصدر : ج ۲ ، ص ۱۱ .
([۳]) المصدر : ( ص ۵۴ ) .
([۴]) المصدر : ( ص ۳۸) .
([۵]) المصدر : ( ص ۳۹) عن أبن أبی الحدید .
([۶]) المصدر : ( ص ۲۵ ) .
([۷]) المصدر : ( ص ۲۲ ) .
([۸]) المصدر : ( ص ۴۲ ) .
([۹]) المصدر : ( ص ۲۴ ) .
([۱۰]) المصدر : ( ص ۳۱ ) .
([۱۱]) المصدر : ( ص ۳۵ ) .
([۱۲]) المصدر : ( ص ۳۷ ) .
([۱۳]) المصدر : ( ص ۵۵ ) .

Leave A Reply

Your email address will not be published.