الصحيفة السجادية، زبور آل محمد (ص)

0

1. الدعاء، مصدرٌ للمعارف

يمكن اعتبار التعرّف إلى «الصحيفة السجادية» خطوةً في سبيل التعرّف إلى «معارف الإسلام»، كما يمكن الرجوع إليها في مجالات «العقائد» و«الأخلاق» و«المعارف الدينية».

ولمعرفة الدين، هناك مصادر تتمتّع بدرجة خاصة من الوثوق والإتقان والصحة، لأنها متجذّرة في كلام الله والعلم اللدني. ومن هذه المصادر:

– القرآن الكريم؛

– الأحاديث، أحاديث النبي والأئمة عليهم السلام؛

– أدعية المعصومين عليهم السلام؛

– الزيارات المأثورة.

وحديثنا يدور حول أحد هذه المصادر، أي الأدعية التي وردت عن الإمام السجاد عليه السلام ووصلت إلينا، وهي تشتمل على أدقّ وأعمق المعارف، ولذلك ينبغي أن نعرف قدر هذا التراث، وأن نأنس به، وأن نملأ لحظات الليل والنهار بهذه الأدعية التي تزخر بالمعاني والروحانية.

كان أهل البيت عليهم السلام أهل الدعاء والتهجّد والذكر، وقد أكّد القرآن الكريم كذلك على الدعاء وحثّ عليه حثّاً شديداً. ولذلك ينبغي لأتباع الأئمة عليهم السلام أن يكونوا من أهل الدعاء والتضرّع والمناجاة.

ولعلّ فهمنا قاصر عن إدراك ما ينبغي أن نطلبه من الله تعالى، وما هي المطالب التي ينبغي أن تكون موضع دعائنا؛ غير أنّ أولياء الدين هم قدوتنا ومرشدونا في هذا المجال أيضاً. فهم، من خلال طرح المطالب الأساسية والأسمى التي ترتبط بسعادتنا الدنيوية والأخروية، يرفعون مستوى فهمنا ومطالبنا. ونحن بقراءة هذه الأدعية نصبح منسجمين مع المعصومين الطاهرين وعباد الله الصالحين والمقرّبين من بابه، وندعو الله بلسان حجّة الله، ونصبح في «الدعاء» أيضاً تلامذةً في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

وفي موضوع الدعاء، هناك عناوين وفصول كثيرة يجدر الالتفات إليها، منها:

– معنى الدعاء وأهميته؛

– ضرورته وحاجة الإنسان إلى الابتهال والمناجاة؛

– الآثار الروحية والفردية والاجتماعية للدعاء؛

– أدب الدعاء وآدابه، والطريقة الصحيحة للمناجاة؛

– شروط استجابة الدعاء وموانعها؛

– الدعاء والاستجابة، وأسباب عدم استجابة بعض الأدعية؛

– أدعية الأئمة وأولياء الله (الأدعية المأثورة)؛

– محتوى الأدعية والمطالب التي تتضمنها؛

– سيرة المعصومين وأحوال العلماء والعرفاء في الدعاء والتهجّد؛

– المكانة الخاصة للإمام السجاد عليه السلام، الذي عُرف بلقب «زين العابدين»؛

– الدعاء والعمل (الجمع بين الدعاء والسعي والعمل)؛

– الدعاء والقدر والمقدّرات، وفائدة الدعاء؛

– الذين لا تُستجاب دعواتهم؛

– المستجاب دعاؤهم؛

– الدعاء واللعن أو الدعاء على الغير (الدعاء بالنفع والدعاء بالضرر)؛

– الدعاء للنفس والدعاء للآخرين؛

– الأدعية القرآنية.

2. أهمية الصحيفة السجادية

تنبع أهمية الصحيفة السجادية من كون معصومٍ كالإمام السجاد عليه السلام كان يناجي ربّه ويتضرّع إليه ويدعوه بهذه الأدعية. والصحيفة، التي يُطلق عليها أيضاً اسم «زبور آل محمد»، تتمتّع بخصائص مميّزة، سواء من جهة قائلها أو من جهة المخاطَب فيها، وهو الله سبحانه وتعالى.

وإلى جانب عمق محتواها وسموّ مضامينها التي تنطوي عليها هذه الأدعية، فإنها تتمتّع كذلك بدرجة خاصة من القوة والاعتبار من حيث السند.

إن كتب الأدعية كثيرة، وكذلك الأدعية الشائعة والمنقولة كثيرة؛ ولكن الأدعية التي تمتلك سنداً قوياً، ويُتيقّن من صدورها عن المعصوم، تكون أكثر حجيةً واعتباراً، كما تكون مضامينها أكثر عذوبةً وتأثيراً في النفس.

وقد ألّف علماء الشيعة على مدى القرون كتباً عديدة تشتمل على أدعية متنوعة للساعات والأيام والمناسبات والظروف المختلفة، ومن ذلك: «إقبال» للسيد ابن طاووس، و«البلد الأمين» للكفعمي، و«جمال الأسبوع» للسيد ابن طاووس، و«الدعوات» لقطب الراوندي، و«عدّة الداعي» لابن فهد الحلي، و«المصباح» للكفعمي، و«مفتاح الفلاح» للشيخ البهائي، و«مفاتيح الجنان» للمحدّث القمي.

غير أن «الصحيفة السجادية» تحتلّ مكانة خاصة من بينها. ففصاحتها وبلاغتها وعمق معانيها جديرة بالتأمل والدراسة. وسندها بالغ الاعتبار، وقد كان أهل بيت العصمة عليهم السلام يوصون باستمرار بالعناية بهذا الكتاب والمحافظة عليه، بوصفه تراثاً قيّماً للإمام زين العابدين عليه السلام.

وقد تناولت الكتب الموسّعة سلسلة أسانيد هذه الأدعية بالبحث والدراسة العلمية الدقيقة، وهو ما لا يتّسع له هذا المختصر.

3. نظرة إلى محتوى الصحيفة

كانت فترة حياة الإمام السجاد عليه السلام من أصعب الفترات وأكثرها اختناقاً وقمعاً بالنسبة إلى أهل البيت والأئمة عليهم السلام، وقد فرض الأمويون قيوداً كثيرة على أئمة الشيعة. ولذلك لم تكن الظروف تسمح للإمام السجاد عليه السلام بعقد مجالس للبحث والتفسير والفقه وسائر العلوم.

وقد بيّن عليه السلام كثيراً من المعارف الإسلامية الأصيلة في قالب أدعية الصحيفة. ولذلك نرى أن أدعية هذا الكتاب تشتمل على أدقّ مباحث معرفة الله، ومعرفة الوجود، وعالم الغيب والملائكة، ورسالة الأنبياء، ومكانة النبي وأهل البيت عليهم السلام، والفضائل والرذائل الأخلاقية، والأحوال الخاصة للإنسان، وأساليب الشيطان في إضلال الناس، وتعظيم الأعياد وأيام الله المختلفة، والمسائل الاجتماعية والاقتصادية، والإشارات التاريخية والسيرة، والتنبيه إلى مظاهر قدرة الرب سبحانه وتعالى، والتذكير بنعم الله المختلفة وواجب الشكر والحمد، والآيات الآفاقية والأنفسية لله تعالى، وآداب الدعاء، والتلاوة، والذكر، والصلاة والعبادة، وعشرات الموضوعات المهمة الأخرى.

فالقالب هو قالب الدعاء والمناجاة، ولكن المضمون هو بيان الدين والقيم الأخلاقية والمعارف القرآنية والوظائف العبادية وآداب العبودية.

وتشتمل الصحيفة السجادية على أربعة وخمسين دعاءً. وبعض الأدعية طويل ومفصّل، وبعضها الآخر أقصر نسبياً.

وقد ذُكرت مناسبات هذه الأدعية ومواضعها وأوقات قراءتها في فهرس الصحيفة السجادية، ويمكن الرجوع إليه. ومن عناوين هذه الأدعية:

الدعاء في حمد الله والثناء عليه، والدعاء لحَمَلة العرش والملائكة، والدعاء للنفس والأقارب، والدعاء عند الشدائد والمحن، والدعاء للجوء إلى الله، والاستغفار، والإقرار بالذنوب، وطلب الحاجات، والدعاء عند المرض، والاستعاذة بالله من الشيطان، ومكارم الأخلاق، والدعاء بالصحة والعافية، والدعاء للوالدين والأبناء، والدعاء للجيران والأصدقاء، والدعاء للمرابطين وحماة الثغور، والدعاء للتوبة، والدعاء عند ضيق الرزق، والدعاء عند سماع صوت الرعد، والدعاء عند رؤية الهلال، والدعاء عند حلول شهر رمضان أو انقضائه، ودعاء يوم الفطر ويوم عرفة، ودعاء ختم القرآن، وغير ذلك.

وهكذا فإن الاستفادة من المناسبات بهذه الصورة تستوعب جميع أوقات المسلم الداعي والأنيس بالله؛ إذ إن لكل لحظة ولكل موقف منهاجاً ودستوراً للدعاء إلى الله تعالى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.