البعثة في كلام أهل بيت الرسالة

ابراهیم شفیعی سروستانی

0

البعثة في كلام أهل بيت الرسالة

إشارة: لقد قيلت كلمات كثيرة في بعثة نبيّ الإسلام الأكرم، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، وقد تناول الشعراء والأدباء والحكماء والكتّاب، كلٌّ بحسب حاله، هذه الحادثة العظيمة نظمًا ونثرًا.

لكن لعلّه لا يوجد أحد استطاع أن يؤدّي حقّ هذا الموضوع كما فعل أهل بيت النبي الخاتم، صلى الله عليه وآله، الذين كانوا أوحد الناس في إدراك أسرار البعثة، وأبرز أهل عصرهم في فصاحة القول وبلاغته، وأن يتحدثوا عنها بما يليق بعظمة هذا الحدث.

ومن هنا رأينا من المناسب، بمناسبة ذكرى مبعث خاتم المرسلين، صلى الله عليه وآله، أن نقدّم إلى قرّائنا الأعزاء في مجلة «موعود» مختارات من كلمات اثنين من أبرز أعلام أهل بيت الرسالة؛ أمير البيان، مولانا علي بن أبي طالب، عليه السلام، وسيدة النساء البليغة، السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام.

وإذ نهنئ بهذه المناسبة السعيدة صاحب الثمرة الكبرى للبعثة، حضرة بقية الله الأعظم، أرواحنا له الفداء، وجميع شيعته المنتظرين، نلفت أنظاركم إلى مختارات من بعض خطب هذين العظيمين.

1. البعثة في كلام أمير المؤمنين علي، عليه السلام

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، في الخطبة الأولى من نهج البلاغة، متحدثًا عن الأنبياء، ومن بينهم خاتم الأنبياء:

فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة؛ من سقف فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تحييهم، وآجال تفنيهم، وأوصاب تهرمهم، وأحداث تتتابع عليهم. ولم يخلُ سبحانه خلقه من نبيّ مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة، رسل لا تقصّر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم.

فلم يثنهم عن ذلك قلة عددهم، ولا كثرة مخالفيهم، ولا وقوعهم في شباك الشيطان؛ فقاموا بأمر الله وأدّوا رسالته إلى الناس. وكان كل نبيّ سابق يبشّر بالنبي الذي يأتي بعده، أو يصف للأمم التي بعده صفات النبي اللاحق. وهكذا تعاقبت الأزمنة، وانقضت الدهور، ومضى الآباء وخلفهم الأبناء، حتى بعث الله سبحانه محمدًا، صلى الله عليه وآله، لإنجاز عدته وإتمام نبوته، مأخوذًا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريم ميلاده، وأهل الأرض يومئذٍ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره؛ فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة.

ثم اختار سبحانه لمحمد، صلى الله عليه وآله، لقاءه، ورضي له جواره، وأكرمه عن دار الدنيا، وأعفاه من مقاساة البلوى، فقبضه إليه مكرمًا، وأسكنه جنان فردوسه، وأعطاه منازل الشرف التي لا تنقطع.

فأكرمه الله بلقائه، وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملاً بغير طريق واضح، ولا علم قائم.

كتاب ربكم فيكم، مبينًا حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعِبَره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، ومفسرًا مجمله، ومبينًا غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه، وموسع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السنة نسخه، وواجب في السنة أخذه، ومرخّص في الكتاب تركه، وبين واجب بوقته، وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه، من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه موسع في أقصاه. (1)

ويصف الإمام علي، عليه السلام، في جانب من الخطبة الثالثة والثلاثين بعثة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، قائلًا:

بعث الله محمدًا، صلى الله عليه وآله، وليس أحد من العرب يقرأ كتابًا، ولا يدّعي نبوة. فساق الناس حتى بوّأهم محلتهم، وبلغ بهم منزلتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم. (2)

ويقول عليه السلام في الخطبة الرابعة والتسعين، واصفًا سلسلة الأنبياء الإلهيين:

فاستودعهم في أفضل مستودع، وأقرّهم في خير مستقر؛ تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام، كلما مضى منهم سلف قام منهم بدين الله خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد، صلى الله عليه وآله، فأخرجه من أفضل المعادن منبتًا، وأعز الأرومات مغرسًا؛ من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أمناءه. عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر؛ نبتت في حرم الله، وبُرئت في كرمته، لها فروع طوال، وثمر لا ينال.

وهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه. سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل؛ أرسله على حين فترة من الرسل، وهفوة عن العمل، وغباوة من الأمم.

رحمكم الله! فاعملوا على أعلام واضحة، فالطريق نهج يدعو إلى دار السلام، وأنتم في دار مستعتب، وفي مهلٍ وبقيةٍ من الزمن؛ والصحف منشورة، والأقلام جارية، والأبدان صحيحة، والألسن مطلقة.

التوبة مسموعة، والأعمال مقبولة. (3)

ويصف أمير المؤمنين، عليه السلام، في الخطبة الخامسة والتسعين، حال الناس قبل بعثة خاتم المرسلين، صلى الله عليه وآله، فيقول:

بعثه والناس ضُلّال في حيرة، وحاطبون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، واستزلّتهم الكبرياء، واستخفّتهم الجاهلية الجهلاء.

فبلغ، صلى الله عليه وآله، النصح إلى غايته، وسلك بهم الطريق المستقيم، ودعاهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. (4)

ويصف الإمام علي، عليه السلام، في جانب من الخطبة السادسة والتسعين، خاتم المرسلين قائلًا:

محلّه خير محل، ومنبته أشرف منبت، في معادن الكرامة ومماهد السلامة، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، وثنيت إليه أعنّة الأبصار. دفن الله به الضغائن، وأطفأ به الثوائر، ألّف به إخوانًا، وفرّق به أقرانًا، أعزّ به الذليل، وأذلّ به العزيز.

كلامه ترجمان كل مشكل، وسكوته بيان لأهل القلوب. (5)

وأخيرًا يقول عليه السلام في الخطبة المائة والعاشرة، في ذكر النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله:

صغّر الدنيا وصغّرها، وأهون بها وأهوّنها، وعلم أن الله سبحانه أبغضها، فحرمها على نفسه، وأعرض عنها بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لئلا يتخذ منها رياشًا، ولا يعتقد فيها مقامًا. وأدّى رسالة ربه، فلم يترك لنفسه ولا لأمته عذرًا، ونصح لأمته، وأنذرها، وبشّرها بالجنة ودعاها إليها.

نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم. ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة والنقمة. (6)

2. البعثة في كلام فاطمة الزهراء، عليها السلام

إن بضعة رسول الله، السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، التي تربّت في بيت الوحي، وسمعت صوت أجنحة جبرائيل، دخلت مسجد المدينة بعد رحيل النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وفي أعقاب الجفاء العظيم الذي ألحقته أمة النبي بأهل بيته، بقلب يعتصره الألم، وألقت على الناس الغافلين خطبة خالدة في تاريخ فصحاء العرب. وقد وصفت عليها السلام في هذه الخطبة، بأجمل بيان، بعثة النبي الأكرم ورسالته، صلى الله عليه وآله، وصوّرت حال أهل الجزيرة العربية قبل البعثة وبعدها.

تقول السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، في بداية خطبتها، حامدةً الله ومثنيةً عليه:

الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها.

وجعل الحمد وسيلةً إلى مزيد نعمه.

وجعل الثناء سببًا لتضاعف ثوابه، وزاد في عطائه بطول الاستزادة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمّن القلوب موصولها، وأنار في التفكر معقولها. الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الأوهام الإحاطة به، ومن الألسن صفته. أنشأ الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها.

خلقها بقدرته، وأبدعها بمشيئته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلا تثبيتًا لحكمته، وتنبيهًا على طاعته، وإظهارًا لقدرته، وتعبّدًا لبريته، وإعزازًا لدعوته. ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادةً لعباده عن نقمته، وحياشةً لهم إلى جنته. (7)

ثم تتابع عليها السلام في بيان الخلق والبعثة، فتقول:

وأشهد أن أبي محمدًا عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسماه قبل أن اجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علمًا بما يلحقها من القضاء، وإحاطةً بحوادث الأمور، ومعرفةً بمواقع المقدور.

ابتعثه الله إتمامًا لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذًا لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقًا في أديانها، عكّفًا على نيرانها، عابدةً لأوثانها، منكرةً لله مع عرفانها.

فأنار الله بأبي محمد، صلى الله عليه وآله، ظلمها، وكشف عن القلوب بهِمها، وجلى عن الأبصار غممها. ثم قبضه الله إليه رأفةً واختيارًا، ورغبةً وإيثارًا، فمحمد، صلى الله عليه وآله، من تعب هذه الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار.

صلوات الله وبركاتُه على محمد، صلى الله عليه وآله، نبي الرحمة، وأمين الوحي والرسالة، والمصطفى من الخلق والمرتضى. (8)

ثم تتوجه عليها السلام إلى أهل المجلس، وتعدّد ما أنعم به النبي الخاتم، صلى الله عليه وآله، عليهم، فتقول:

أيها الناس! أنتم عباد الله، نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأمم.

وزعمتم أن لكم حقًا عند الله، وعهدًا قدّمه إليكم، واستخلفكم فينا، واستودعكم تأويل كتاب الله، وحججه الظاهرة، وأموره الباهرة، وأعلامه الزاهرة، وبراهينه الجلية، من الظلمات إلى النور، وصوت الهدى في الآذان، واتباعه سبيلًا إلى روضة الرحمة، والاستماع إليه نجاةً في الدنيا والآخرة.

وقد جعل الله بيان محارمه، وترخيص حلاله، ومباحه، ومستحباته، وشرائعه، بأوضح بيان، وأبلغ تعبير، ثم فرض الإيمان.

ومحا به عن قلوبكم رجس الشرك.

وبالصلاة تنزيهًا عن الكبر، والصيام تثبيتًا للإخلاص، والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق، والحج تشييدًا للدين، والعدل تنسيقًا للقلوب، وطاعتنا نظامًا للملة، وإمامتنا أمانًا من الفرقة، وحبنا عزًا للإسلام، والصبر معونةً على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامة، وبرّ الوالدين وقايةً من السخط، وصلة الأرحام منسأةً في العمر ومنماةً للعدد، والقصاص حقنًا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضًا للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييرًا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهًا عن الرجس، واجتناب القذف حجابًا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابًا للعفة، وحرّم الله الشرك إخلاصًا له بالربوبية.

فاتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه؛ فإنما يخشى الله من عباده العلماء. (9)

وتشير السيدة الزهراء، عليها السلام، في قسم آخر من خطبتها إلى الجهود التي بذلها والدها الكريم لنشر التوحيد والإسلام، فتقول:

أيها الناس، كما قلت في بداية كلامي:

أنا فاطمة، وأبي محمد، صلى الله عليه وآله، «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم».

إن تعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم. بلّغ الرسالة صادعًا بالنذارة، مائلًا عن مدرجة المشركين، ضاربًا ثبجهم بسيف التوحيد، هازمًا جموعهم، كاسرًا أصنامهم.

حتى انحسمت جموع الكافرين.

وطلع صبح الإيمان، وانجلى وجه الحقيقة، ونطق زعيم الدين، وخرست شياطين الكلام. (10)

وتصوّر عليها السلام حال الناس قبل البعثة، فتقول:

وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام.

تشربون الطرق، وتقتاتون القدّ، أذلةً خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم.

حتى أنقذكم الله بأبي محمد، صلى الله عليه وآله، بعد اللتيا والتي، وبعد أن مُني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، وكلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه عليًا، عليه السلام، في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه.

مكدودًا في ذات الله، مجتهدًا في أمر الله، قريبًا من رسول الله، سيدًا في أولياء الله، مشمرًا ناصحًا، مجدًا كادحًا، لا تأخذه في الله لومة لائم.

وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون، آمنون مطمئنون. (11)

وتشير فاطمة الزهراء، عليها السلام، في مواصلة كلامها، إلى الجفاء الذي أظهرته أمة محمد، صلى الله عليه وآله، تجاه أهل بيته بعد وفاته، فتقول:

فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، هاتفًا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافًا، وأحمشكم فألفاكم غضابًا، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم. (12)

پی‌نوشت‌ها

  1. شهیدی، سید جعفر، ترجمه نهج البلاغه، ص 6–7.
  2. همان، ص 34.
  3. همان، ص 87.
  4. همان، ص 88.
  5. همان.
  6. همان، ص 106.
  7. شهیدی، سید جعفر، زندگانی فاطمه زهرا، علیهاالسلام، ص 126–127.
  8. همان، ص 127–128.
  9. همان، ص 128–129.
  10. همان، ص 130.
  11. همان، ص 130–131.
  12. همان، ص 131.
Leave A Reply

Your email address will not be published.