مواجهة النبي ﷺ للثقافة الجاهلية
إنّ من طرق التعلّم والانتفاع بالعظماء دراسة أسلوب سلوكهم وتصرفاتهم. ويُعدّ النبي محمد ﷺ من الشخصيات التي ينبغي دراسة سيرته وسلوكه؛ لأنه يمثل القدوة العملية للمسلمين وللأحرار من الناس في كل عصر وزمان، قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[1]
«لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة».
إنّ دراسة أسلوب سلوك النبي ﷺ إنما تهدف إلى إيجاد الدافع الداخلي اللازم للاقتداء به، إذ إنّ «الكثير من تعلّم الإنسان وسلوكياته يتمّ عن طريق ملاحظة الآخرين والتأثر بهم».[2]
وكان الإمام عليّ عليه السلام، الذي قضى أطول فترة من عمره مع رسول الله ﷺ، وأكثر الناس تأثراً به، يقدّمه بوصفه قدوةً للإنسانية جمعاء، فيقول:
«وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ…»[3]
أي: «إنّ وجود رسول الله ﷺ يكفيك ليكون قدوتك».
والإمام عليّ عليه السلام، الذي كان بنفسه من أصحاب أعظم الاستعدادات والمعارف الأساسية المتعلقة بالإنسان والعالم، ومن أصحاب أسمى الكمالات،[4] يقدّم النبي ﷺ قدوةً له ولجميع البشر على امتداد التاريخ، ويعدّه سبباً في ازدهار روحه السامية، فيقول:
«وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ»[5]
أي: «وأفضل عباد الله من اقتدى بنبيّه واتّبع آثاره».
لطف كنی، لطف شوم، قهر کنی، قهر شوم
با تو خوشم ای صنم لب شکر خوش ذقنم[6]
الرسائل
- يتأثر سلوك الإنسان بالنماذج والقدوات الموجودة في المجتمع.
- إنّ امتلاك القدوة الحسنة يوصل الإنسان إلى مقام القرب المعنوي.
يمكن أن تكون طريقة رسول الله ﷺ في مواجهة الجاهلية نموذجاً وقدوةً لنا أيضاً. ومن أجل التعلّم من هذا الجانب، لا بدّ من الالتفات إلى الظروف الخاصة لعصر رسالته، وسيادة ثقافة معينة على شبه الجزيرة العربية والعالم بأسره، وكيفية مواجهته ﷺ لتلك الثقافة المنحرفة.
«يمرّ الإنسان بمرحلة تُسمّى مرحلة جاهليته، ثم يمرّ بمرحلة أخرى ينقلب فيها الإنسان ويتغيّر».[7] وقد بُعث النبي ﷺ لينهي مرحلة الجاهلية في حياة الإنسان، ويبدأ مرحلة «ارتقاء الروح» ويبلغ بها غايتها المنشودة. ولإدراك حالة الجاهلية وأبعادها بصورة أفضل، نستعين ببعض آيات القرآن الكريم للوصول إلى نتيجة أوضح.
1. موقف أهل الجاهلية من وعود الله ووعيده
كان العربي في العصر الجاهلي لا يهتمّ بوعود الله ووعيده، قال تعالى:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾[8]
أي: «كانوا يظنون بالله ظنّاً غير الحق، كظنّ أهل الجاهلية».
وكان رسول الله ﷺ على دراية بالحالة الروحية والنفسية للناس في زمانه. وكان أكثر الناس آنذاك يستقبلون دعوة النبي ﷺ وهم خلو الذهن، فيتلقّون الرسالة دون ردّ فعل خاص. وكان النبي ﷺ، الذي كان «بمنزلة طبيب روح الإنسان من جانب الله تعالى»،[9] يستخدم الحكمة في مواجهة الظنون الباطلة، باعتبارها إحدى أدوات مكافحة الجاهلية.
وفي الحقيقة، فإنّ هذه الطريقة توفّر «المعرفة الحاصلة من أبعاد مختلفة، كالمعرفة العلمية والفلسفية والشهودية والأخلاقية»،[10] حتى يصل الإنسان إلى المقام الرفيع للإنسانية.
ولكي يخرج الناس من حالة الجاهلية ويُعالَج داء الجاهلية، فإنهم بحاجة إلى مرشد وطبيب، والنبي ﷺ كان في الوقت نفسه مرشداً وطبيباً:
«اخْتَارَهُ مِنْ مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ. هُوَ طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ».[11]
أي: «اختار الله نبيّه من بين مصابيح الظلمة وينابيع الحكمة. وكان طبيباً جوّالاً بطبّه، قد أحكم مراهمه وأتقن أساليبه في العلاج…».
وعلى هذا الأساس، أمر الله تعالى النبي ﷺ قائلاً:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ…﴾[12]
أي: «ادعُ، أيها النبي، إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة».
وفي آية أخرى، عُدَّ تعليم الكتاب والحكمة من وظائف الأنبياء.[13]
ولهذا كان النبي ﷺ يكرّس جميع جهوده لإعداد الناس، حتى يمتلكوا القدرة على الفهم والإدراك الصحيحين من الناحية العلمية والعقلية والأخلاقية، ثم يعملوا بما أدركوه. ويشير الإمام عليّ عليه السلام إلى ذلك بقوله:
«بعث الله النبي ﷺ والناس ضُلّالٌ في حيرة، فبالغ في نصيحتهم وإرشادهم، وصبر وثابر، ودعا الناس بالحكمة والموعظة الحسنة».[14]
إنّ دعوة النبي الحكيمة كانت في حقيقتها تهدف إلى توجيه الناس إلى وعود الله ووعيده، وتصحيح الظنون الخاطئة، وتهيئة الأرضية للمعرفة العلمية والعملية. ولذلك كان رسول الله ﷺ «يعرّف الحكمة بأنّها خشية الله أو معرفة الله، ويشير إلى أنّ الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بالمطر».[15]
غرق گشته عقل های چون جبال
در بحار وهم و گرداب خیال
بی محک پیدا نگردد وهم و عقل
هر دو را سوی محک کن زود نقل[16]
والحكمة هي الالتفات إلى وعود الله الحكيم ووعيده.
ای برادر! عقل یک دم با خود آر
دم به دم در تو خزان است و بهار[17]
الرسائل
- الحكمة هي المعرفة الحاصلة من أبعاد متعددة ومختلفة.
- من وظائف النبي ﷺ إصلاح رؤية الناس ونظرتهم، ولا سيما توجيههم إلى وعود الله ووعيده.
2. تغيير أساس الأحكام من الهوى إلى ما أنزل الله
كان أساس الأحكام في عصر الجاهلية هو الهوى والرغبات النفسية. وكانت مهمة رسول الله ﷺ أن يغيّر أساس الأحكام من الهوى إلى «ما أنزل الله». يقول الله تعالى لرسوله:
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ… أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ…﴾[18]
أي: «احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم… أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟».
بدأ رسول الله ﷺ أولاً بإصلاح الأفكار والتصورات الخاطئة لدى الناس بالحكمة، ثم سعى في المرحلة الثانية إلى السيطرة على أهوائهم النفسية، واستعان بالموعظة الحسنة، التي تعني «استخدام عواطف الإنسان في دعوته إلى الحق»،[19] لكي يصرفهم عن رغباتهم غير الصحيحة ويدعوهم إلى «ما أنزل الله»، وكانت هذه الدعوة هي الموعظة الحسنة.
وكانت موعظة النبي الحسنة «خالية من كل عنف أو استعلاء أو تحقير للطرف الآخر أو إثارة لحسّ العناد…»،[20] ولذلك كانت سبباً في إثارة العواطف الإنسانية الإيجابية، ودفع الناس إلى ترك أهوائهم النفسية، والرغبة في أداء التكاليف الإنسانية الصحيحة.
وكان رسول الله ﷺ، من خلال موعظته الحسنة، يحذّر الغافلين والجاهلين من أنّ السلوك السيئ يترتب عليه عواقب مؤلمة، وكان يحاول أن يجعل كلامه قابلاً للتصديق من خلال الاستناد إلى المبادئ الاعتقادية لدى الناس.
ويصف القرآن الكريم النبي ﷺ بأنّه «مُذَكِّر»، ويبيّن أنّ من وظائفه التذكير، قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[21]
أي: «ذكّرهم، فإنّ التذكير ينفع المؤمنين».
وهذا التذكير هو الموعظة الحسنة التي «تُحدث تغييرات إيجابية في الإنسان».[22]
وكان النبي ﷺ يمتلك شروط الواعظ للناس، وهي الإيمان والتقوى والنمو الروحي، وكان يستفيد من هذه الصفات على أفضل وجه.
محرم این هوش جز مدهوش نیست
مرزبان را مشتری جز گوش نیست[23]
ولو لم يكن النبي ﷺ متصفاً بهذه الصفات، لما استطاع إصلاح عقائد الناس وأهوائهم النفسية. فقد كان واعظاً عاملاً بما يعظ به، ولذلك كانت كلماته مؤثرة: «إنّ الكلام إذا خرج من القلب دخل القلب».
لقد بنى رسول الله ﷺ نفسه أولاً وزكّاها، حتى يتمكن في المرحلة الثانية من إبعاد الناس عن الشهوات والرغبات النفسية.
چون ببندی شهوتش را از رغیف
سر کند آن شهوت از عقل شریف
همچو شاخی که ببری از درخت
سرکند قوت ز شاخ نیکبخت[24]
الرسائل
- لمواجهة الأهواء النفسية ينبغي الاستعانة بالموعظة.
- ينبغي أن يكون الواعظ مؤمناً ومتقياً ومتربياً تربية دينية.
3. مواجهة الحمية والتعصب الجاهلي
إنّ أبرز خصائص عصر الجاهلية هي الحمية والتعصب تجاه معلومات قليلة ورغبات لا أساس لها. ويصف القرآن الكريم الحمية بأنّها من صفات الكافرين:
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾[25]
أي: «حين جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية».
ويذكر الإمام عليّ عليه السلام بعض مظاهر هذه الحمية والتعصب على النحو الآتي:
- طال نوم الأمم وغفلتها.
- أدّت الفتن إلى إيجاد الفوضى والاضطراب.
- تعطّلت مشاعل الهداية.
- ظهرت علامات الهلاك وآثاره.[26]
ولمواجهة هذه الجاهلية، استخدم رسول الله ﷺ الأداة والأسلوب المناسبين لها، أي «المجادلة بالأسلوب الحسن». ومن المعلوم أنّ الناس لا يتساوون في موقفهم من تلقّي الرسالة؛ فبعضهم خالي الذهن، وبعضهم يعيش حالة الشك والتردّد، وفريق منهم يعيش حالة الإنكار.
والمنكرون لا يكونون مستعدين لسماع الرسالة المطلوبة أو قبول الحقائق، وأحياناً يصل عدم استعدادهم إلى حدّ المقاومة والعناد.[27]
حمیتی بُد جاهلیت در دماغ
بانگ شومی بر دمنشان کرد زاغ[28]
ولم يملّ النبي ﷺ أبداً من مقاومة الناس للرسالة النبوية، بل سعى إلى حملهم على قبول الحقائق المسلّمة. وكان أسلوبه في ذلك هو «الاستناد إلى الحقائق والأصول التي يقبل بها الطرف المقابل».[29]
وكان المنكرون عاجزين عن إنكار أصولهم المقبولة لديهم، فكانوا يضطرون إلى التراجع خطوةً إلى الوراء، وتتكوّن لديهم رؤية جديدة إلى حدّ ما. وكانت هذه الرؤية الجديدة تحرّك عقل المنكر وتدفعه إلى التفكير والحركة، وتفتح أمامه آفاقاً جديدة، وتجعله مستعداً لقبول الحقائق الإلهية المسلّمة.
ويصف الإمام عليّ عليه السلام هذا الجهد الذي بذله النبي ﷺ بقوله:
«أَرْسَلَهُ دَاعِيًا إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِدًا عَلَى الْخَلْقِ، فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَلَا مُقَصِّرٍ…»[30]
أي: «أرسله الله داعياً إلى الحق وشاهداً على الخلق، فبلّغ رسالات ربّه من غير ضعف ولا تقصير».
وللناس نوعان من الوعي:
أ) البصيرة.
ب) النظرة.
فإذا كان لدى الناس تعصّب جاهلي خاص، فإنّ ذلك يعود إلى نوع رؤيتهم للكون ونظام الحياة. وبما أنّ رؤيتهم خاطئة، فإنّهم يقاومون رسائل رسول الله ﷺ، وإذا تمّ إصلاح بصيرتهم، فمن المؤكد أن تتكوّن لديهم طريقة نظر جديدة تنعكس على سلوكهم وتصرفاتهم.
در نبی انذار اهل غفلت است
کان همه اتفاق هاشان حسرت است[32]
وكان النبي ﷺ مأموراً بتنفيذ أمر الله تعالى، ولذلك كان يقف صامداً أمام أشدّ ردود الأفعال:
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[33]
أي: «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن. إنّ ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين».
ونأمل أن نستفيد نحن أيضاً، في مواجهة جاهلية عصرنا، من هذه الأساليب بالكيفية المطلوبة، إن شاء الله.
الرسائل
- إنّ عناد المنكرين في مواجهة النبي ﷺ يرجع إلى فساد بصيرتهم ونظرتهم.
- من وظائف النبي ﷺ إصلاح بصيرة المنكرين ونظرتهم.
الهوامش
[1] الأحزاب/21.
[2] الأخلاق الإسلامية، مسعود أذربايجاني.
[3] نهج البلاغة، الخطبة 160.
[4] ترجمة وتفسير نهج البلاغة، محمد تقي جعفري، ج2، ص253.
[5] نهج البلاغة، الخطبة 160.
[6] ديوان شمس.
[7] تمثيلات، محيي الدين حائري الشيرازي، ج1، ص29.
[8] آل عمران/154.
[9] تمثيلات، محيي الدين حائري الشيرازي، ج1، ص24.
[10] ترجمة وتفسير نهج البلاغة، ج17، ص87.
[11] نهج البلاغة، الخطبة 108.
[12] النحل/125.
[13] الجمعة/2.
[14] نهج البلاغة، الخطبة 95.
[15] نهج الفصاحة، الأحاديث 1299 و1301 و1302.
[16] مثنوي معنوي، مولوي، الدفتر الرابع.
[17] المصدر نفسه، الدفتر الأول.
[18] المائدة/50.
[19] الأخلاق الإسلامية، ص187.
[20] تفسير نمونه، ناصر مكارم الشيرازي، ج11، ص456.
[21] الذاريات/55.
[22] ترجمة وتفسير نهج البلاغة، ج15، ص88.
[23] المصدر نفسه، الدفتر الأول.
[24] المصدر نفسه، الدفتر السادس.
[25] الفتح/26.
[26] نهج البلاغة، الخطبة 89.
[27] ترجمة وتفسير نهج البلاغة، ج15، ص89.
[28] مثنوي مولوي، الدفتر الثالث، البيت 395.
[29] ترجمة وتفسير نهج البلاغة، ج15، ص89.
[30] نهج البلاغة، الخطبة 116.
[31] الأخلاق الإسلامية، ص197.
[32] مثنوي مولوي، الدفتر الرابع.
[33] النحل/125.