الإمام الباقر (عليه السلام) حافظُ الدين

0

الإمام الباقر (عليه السلام) حافظُ الدين

لقد أدّى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حتى الإمام الباقر (عليه السلام) مهمّة حماية الإسلام من خطر الانحراف وصيانته من الأذى، وتحقيق صيانة الإسلام بوصفه منهجاً تشريعياً. أمّا جهود الأئمّة الذين جاؤوا بعد ذلك، فقد بدأت في مرحلتها الثانية مع نشاط الإمام الباقر (عليه السلام). وتميّز نشاطه المبارك بأنّه أعطى جماعة الشيعة شكلاً تفصيلياً خاصاً، ودفعها إلى الحركة. فأصبحت هذه الجماعة الشيعية تُعرف بوصفها جماعة مؤمنة وحافظة للخط الحقيقي للإسلام. وبعبارة أخرى، كان كلّ سعي الإمام يتمحور حول إعطاء الشيعة شكلاً خاصاً، وتحديد خصائصها، وتعريفها بوصفها جماعة مؤمنة وحامية للخط الحقيقي للإسلام.

وكان الفرق بين هاتين المرحلتين أنّ أئمّة المرحلة الأولى كشفوا معنى التشيّع في أجواء سياسية مخيفة ومضطربة، لأنّهم كانوا منشغلين بالتدبير لتحقيق هدفهم المهم، وهو حماية الإسلام من خطر الانحراف. بينما جاء أئمّة المرحلة الثانية، ولا سيما الإمام الباقر (عليه السلام)، لإعادة الشيعة إلى صورتها الحقيقية، ومنح الجماعة الشيعية، على المستوى العام، إطاراً تفصيلياً وشاملاً، وتنظيم برنامجها.

ولا يعني هذا أنّ أئمّة المرحلة الأولى لم يقوموا بأي عمل لإظهار الجماعة الشيعية، بل كان نشاطهم في هذا المجال نشاطاً ثانوياً وإيجاداً لنظام خاص، وقد قام الإمام علي (عليه السلام) بهذا النشاط على نحو خاص، وكان من شيعته أمثال سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومالك الأشتر وغيرهم.

نظرة الأمة إلى الإمام الباقر (عليه السلام)

كان مجيء الإمام (عليه السلام) مقدّمة للقيام بمهام تغيير الأمة؛ لأنّ الأمة كانت تعرفه بوصفه شخصاً متميّزاً من أبناء أولئك الذين بذلوا أرواحهم لإيقاف موجة الانحراف التي كادت تمحو معالم الإسلام. فقد ضحّوا بأنفسهم لكي يعلم المسلمون أنّ الحكّام الذين يحكمون باسم الإسلام كانوا بعيدين عن تطبيق الإسلام الحقيقي، بحيث كانت مفاهيم كتاب الله وسنّة رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله) في جانب، وهؤلاء الحكّام المنحرفون في جانب آخر.

وكانت مهمّة كشف حقيقة الحكّام وواقع انحرافهم وبيان بُعدهم عن الإسلام من وظائف أئمّة المرحلة الأولى، ومن خلال جهودهم وتضحياتهم تحقّقت هذه المهمة.

والآن عزم الإمام الباقر (عليه السلام) على إنضاج تلك المعاني والجهود، وإظهار أنّ تلك الأمور التي تحققت، وتلك التضحيات والفداءات العظيمة، لم تكن مجرد أعمال اختيارية قام بها بعض الأشخاص من أجل انتصار الإسلام، ولم تكن الغيرة والحميّة على الإسلام وحدهما هما الدافع إليها؛ بل كانت تلك النشاطات صورةً خاصةً من النشاطات التي واجهوا بها الظروف، من أجل تأسيس جماعة واعية تؤمن بالإسلام إيماناً صحيحاً قائماً على الوعي. ولهذه الجماعة معالم ومنطق وشروط خاصة، وينبغي أن تمتلك رؤية متميزة تطبّقها في مختلف شؤون الحياة الإسلامية.

وفي ذلك الوقت تهيأت الظروف التي جعلت جهود الإمام الباقر (عليه السلام) تتزايد، ليؤسّس ما بدأه أسلافه (عليه السلام)، وليستفيد من الإنجازات التي حققوها في هذا المجال.

وهكذا فإنّ الخط التاريخي الذي تجسّد بتضحيات وجهود أئمّة المرحلة الأولى، أوجد للإمام الباقر (عليه السلام) مكانة ومنزلة رفيعة لدى الأمة الإسلامية، ونحن نتعرّف إلى هذه المنزلة والمقام من خلال كثير من المسلّمات التاريخية.

وكان هشام، الذي كان خليفة في ذلك الوقت، عندما أشار إلى الإمام وسأل: من هذا الشخص؟ قيل له: هو الشخص الذي يعشق أهل الكوفة ويُفتنون به.

هذا الشخص هو إمام العراق

جاء في رواية حُبابة الوالبيّة أنّها قالت:

«رأيت في مكة رجلاً واقفاً بين الباب والحجر على مرتفع، وقد اجتمع الناس حوله بكثرة، وكانوا يستفتونه في مشكلاتهم، ويفتحون أمامه باب الأسئلة الصعبة، ولم يتركوه حتى أفتاهم في ألفي مسألة. ثم قام وأراد الانصراف، فنادى أحدهم بصوت خافت: ألا إنّ هذا هو النور الساطع… وسأل جماعة: من هذا؟ فأُجيبوا: هو محمد بن علي الباقر، الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).»

ورُوي عن الأبرش أنّ هشاماً أشار إلى الإمام الباقر (عليه السلام) وقال: «من هذا الذي اجتمع أهل العراق حوله ويسألونه؟» فقال:

«هذا نبيّ الكوفة، وابن رسول الله، وباقر العلوم ومفسّر القرآن. فاسأله عن المسألة التي لا تعرفها.»

وفي موسم الحج، كان آلاف المسلمين من العراق وخراسان وسائر المدن يطلبون منه الفتوى، ويسألونه عن مختلف أبواب المعارف الإسلامية، وكان ذلك دليلاً على مكانته في قلوب جماهير الناس. وكانت هذه الواقعة تكشف عن مدى نفوذ الإمام الواسع في قلوب الناس.

وكان الفقهاء الكبار المنتمون إلى المدارس الفكرية والعلمية يطرحون عليه المسائل الصعبة، ويدور بينهم وبينه نقاش كثير. وكان بعضهم يطلب الإجابة من الإمام ليضعه في موقف حرج، ويحاول إسكات الإمام أمام الناس. وكان بعضهم يسافر من مدينة إلى أخرى ليسأله ويطرح عليه مسألة في مجلسه. وتشير جميع هذه الأمور إلى أنّ برنامج الإمام (عليه السلام) كان قائماً على دقة كبيرة، وأنّ الناس كانوا يحبونه، وكان هو محباً للناس، وله نفوذ واسع في الأمة، وقد أحدث هذا الأمر ردود أفعال في كثير من المدن.

ويُستفاد من بعض النصوص أنّ قيادته الشعبية كانت تتجاوز العالم الإسلامي وتقسيماته الجماعية والقبلية. ولم يكن معنى ذلك أنّه كان يقود جماعة دون أخرى، بل إنّ الجماعات الجديدة التي كانت تدخل في الإسلام كانت تعترف أيضاً بقيادته وترتبط به روحياً.

ومع أنّ الاقتتال والصراع العنصري والقبلي كانا مشتعلين في عهد الأمويين بين قبيلتي «مضر» و«حمير»، فإننا نجد مع ذلك أنّ أبناء كلتا القبيلتين كانوا من أنصار الإمام (عليه السلام). حتى إنّ شعراء الشيعة الرسميين من كلا الطرفين، مثل الفرزدق التميمي المضري، والكميت الأسدي الحميري، كانوا متفقين في محبتهم للإمام (عليه السلام) وأهل البيت.

وقد جعل هذا القدر من العاطفة الشعبية والنفوذ الواسع الإمام الباقر (عليه السلام) وارثاً للجهود والتضحيات التي تجسدت في أعمال أئمّة المرحلة الأولى.

وقد أتاحت تلك الجهود والتضحيات لأئمّة تلك المرحلة أن يقوموا ببيان وتقديم الإطار التفصيلي والواضح للتشيّع.

الإمام (عليه السلام) أبدع وضع النقط على الحروف

قلنا إنّ المهمة المهمة للإمام (عليه السلام) في هذه المرحلة كانت مواجهة الحاجة إلى توضيح الإطار التفصيلي للتشيّع، وبيان صفاته المميزة والبارزة، وذلك من خلال توسيع ونشر مفاهيم المدرسة من مستوى محدود وأشخاص معدودين إلى مستوى أوسع، من أجل تربية جماهير الناس من حيث الكيف والكم، وتجسيد الإسلام الحقيقي، والتفكير في حلول إسلامية منطقية لمختلف شؤون الحياة.

وكان يمكن للإمام الباقر (عليه السلام) أن يقوم بمهامه التاريخية في هذا المجال من خلال طريقين:

أ ـ طريق التعليم الواسع من داخل حوزته التي أسسها لهذا الغرض، كما أنشأ هذه الحوزة من أجل زيادة عدد العلماء وطلاب العلوم الإسلامية وتعليمهم آدابها.

كان الإمام الباقر (عليه السلام) في عصره المرجع الوحيد للعالم الإسلامي في العلوم الإسلامية، وكان علماء عصره يتواضعون أمام مقامه المقدس، وكان ذلك اعترافاً بمكانته العلمية السامية. وكانت حوزته قاعدة لمئات العلماء والمحدّثين الذين تربّوا على يديه.

قال جابر الجعفي: «روى لي أبو جعفر سبعين ألف حديث». وقال محمد بن مسلم: «ما أشكل عليّ من مسألة إلا سألت أبا جعفر (عليه السلام) عنها، حتى إنني سألته عن ثلاثين ألف حديث».

ويذكر ابن شهر آشوب عدداً كبيراً من بقية الصحابة والتابعين البارزين وكبار علماء وفقهاء الإسلام الذين رووا عن الإمام.

فمن الصحابة: «جابر بن عبد الله الأنصاري»، ومن التابعين: «جابر بن زيد الجعفي» و«كيسان السختياني»، ومن الفقهاء: «ابن المبارك» و«الزهري» و«الأوزاعي» و«أبو حنيفة» و«مالك» و«الشافعي» و«زياد بن المنذر»، ومن المصنفين والمؤرخين: «الطبري» و«البلاذري» و«سلامي» و«الخطيب البغدادي».

ب ـ طريق مواجهة الأمة بهذا الإطار

كان عصر أئمّة المرحلة الأولى تقريباً أول عصر يتركّز فيه مفهوم التشيّع باعتباره عقيدة لجماعة واعية، ويتخذ شكلاً واضحاً، وتُرسم حدود تلك العقيدة. وكان التشيّع يمتلك طريقاً خاصاً في تفسير الإسلام، وكان لا بد أن ينتشر في جميع طرق المجتمع الإسلامي.

مقوّمات الشيعة

يصف الإمام (عليه السلام) شيعته بمثل هذه الكلمات:

«إنّ شيعتنا، شيعة علي، يؤازروننا ببذل وسخاء ومن غير رياء، وهم متحدون ومتناصرون من أجل إحياء الدين. إذا غضبوا لا يظلمون، وإذا رضوا لا يتجاوزون الحد. وهم بركة لمن جاورهم، ويسلكون طريق المسالمة مع كل من يخالفهم.»

وفي موضع آخر يقول:

«شيعتنا يطيعون الله.»

لكن في بعض الأحيان كان مخالفو الإمام (عليه السلام)، الذين كانوا يقفون في مواجهته، يتخذون موقفاً تحدّياً، ولم يكونوا يقدّرون الأفكار والتصورات التي كان الإمام يعمل من أجلها، والتي كان كثير من الناس يؤمنون بها.

ومن هنا كان الإمام (عليه السلام) يطرح شعاراته بكل وضوح على مستوى الأمة.

وجاء في رواية أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) أدّى مناسك الحج برفقة الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي كان يرافق والده الإمام. وعندما وصلا إلى المسجد الحرام، اجتمع آلاف الناس في المسجد. فوقف الإمام الصادق (عليه السلام)، مع وجود هشام بن عبد الملك، أمام والده الكريم، وشرح للحاضرين مفهوم شيعة أهل البيت بوضوح تام.

وبيّن بصورة علنية وواضحة أنّ الشيعة هم الذين يتصفون بهذه الصفات والخصائص، وأنهم أصحاب مكانة روحية واجتماعية في المجتمع، وأنهم الورثة الحقيقيون لأهل البيت.

ولم يكن هذا الإعلان والصراحة على مستوى جماهير الناس، وفي حضور هشام بن عبد الملك، مبالغة أو مغامرة لم يحسب الإمام حسابها، بل كان منسجماً مع البرنامج الذي كانت حاجات تلك المرحلة تقتضيه. وكان في الحقيقة توضيحاً لما كان الناس يطلبونه من الأئمة، وما كان المسلمون يدركونه ويعرفونه.

فالمسألة لم تعد مجرد مسألة الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي قاتل بإخلاص من أجل حفظ الإسلام واستشهد في سبيله، بل كانت المسألة أرفع وأكبر من هذا التصور البسيط الذي كان لدى الناس. لقد كانت القضية قضية هدف وعقيدة وقيادة وتخطيط إلهي تجسدت في وجود الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي الآن تتجسد من جديد، وربما تستمر في عصور مختلفة وأجيال متعددة وتظهر من جديد.

وكانت هذه مسألة لا بد أن تلفت الأمة إليها، وأن تُفهمها بصورة واضحة ومفصلة وشاملة، لكي تحركها بعمق وتغيّر الواقع الذي تعيش فيه.

وليس هناك دليل أوضح على ذلك من دخول الإمام الباقر (عليه السلام) على الخليفة الأموي، عندما حاول الخليفة أن يسخر منه ويسأله باستهزاء، فقال له: «أأنت ابن أبي تراب؟» ثم حاول أن يحط من شأنه. لكن الإمام لم يهتم بهذه الأمور، بل وقف في مجلس الخليفة وألقى خطبة بيّن فيها قيادة أهل البيت، وأوضح بصورة علنية شرعيتهم في الحكم.

وهكذا جسّد الإمام، من خلال دعوته وتصريحاته الواضحة، ومن خلال هذا البرنامج الواسع، ومواجهته الصريحة للأمة بالأهداف الواضحة، عصراً جديداً.

الصعوبات التي واجهت برنامج الإمام (عليه السلام)

في ذلك الوقت كانت الحياة الإسلامية العامة، بصورة عامة، على وشك أن تؤدي إلى هدف آخر يتعارض مع عقيدة الإمام. وكان العصر الذي بدأ مع الإمام الباقر (عليه السلام) عصراً جديداً، ظهر فيه الانحراف السياسي في صورة هدف فكري، وكان ذلك الهدف الفكري امتداداً لذلك الانحراف السياسي.

لقد تطور الانحراف السياسي الذي عاصر أئمّة المرحلة الأولى، وخلال هذه المدة، أي خلال ثمانين عاماً، نشأ هدف فكري وعقائدي يختلف عن هدف الإمام وعقيدته، وكان على النحو الآتي:

1 ـ أُسندت المرجعية إلى الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين، مع أنّ هؤلاء المراجع أنفسهم كانوا يعلمون أنّ رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بأمر الله تعالى، اختار الإمام علياً (عليه السلام) للمرجعية السياسية والفكرية، باعتبار أنّ وجود الإمام علي (عليه السلام) كان متجذراً في كيان الدعوة، وكان بمنزلة العمود الفقري للدعوة الإسلامية، وأنّ خلفاءه من بعده كانوا جديرين بهذا المقام. وكان الناس يعلمون جيداً أنّ هذه المرجعية قد سُلبت من الإمام علي (عليه السلام) عندما اجتمعوا في السقيفة بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

2 ـ أما المرجعية الفكرية بوصفها مرجعية رسمية، فقد بقيت معطّلة من دون أنصار، ولم يكن هناك برنامج واضح لسدّ هذا الفراغ. وقد حدث ذلك في عهد أبي بكر وعمر وعثمان، حيث شعر الخلفاء الثلاثة بضرورة الرجوع إلى الإمام علي (عليه السلام) والاستعانة به لحل المشكلات التي كانت تعسر عليهم، وإن كانوا يحاولون تجنّب الرجوع إليه.

وبعد انتهاء عصر الصحابة بدأ عصر التابعين، وأخذ يقترب تدريجياً عصر جديد، وهو عصر تابعي التابعين.

وفي ذلك العصر واجهت الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي مسائل أدّت، بصورة جديدة، إلى استمرار هذا الفراغ الفكري والسياسي.

وكان سبب هذا الشعور العوامل التالية:

أ ـ التابعون: كان التابعون، وهم أبناء ذلك العصر، يُعدّون من مصادر المعرفة الإسلامية، لكنهم كانوا قد ابتعدوا عن الكتاب والسنة بسبب البعد الزمني عن عهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). فقد ابتعد ذلك الجيل عن زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وظروفه وعلاقاته، ومن هنا جاء يوم واجهوا في القرآن مشكلات كانت نتيجة طبيعية للبعد عن عصر رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله).

ب ـ كانوا يعتقدون أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يُربِّ أحداً لإدارة مدرسة الرسالة، ولم يُعدّ أحداً للمرجعية الفكرية والسياسية، ولم يخصّ أحداً بتربية عقائدية معينة، بل إنّ كل ما قام به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حسب رأيهم، كان أن ترك قيادة الدعوة للأمة، وضمّ المهاجرين والأنصار بعضهم إلى بعض لكي يتولوا قيادة الدعوة من بعده.

ج ـ بعد أن اتسعت الحياة الإسلامية وانضمت، نتيجة الفتوحات العسكرية، إلى جماعات وأراضٍ ودول مختلفة، ظهرت أحداث وظروف وجماعات متعددة، واضطربت الأفكار وظهرت تعقيدات لم يكن من الممكن التنبؤ بها. ولم تكن هناك حلول للنصوص التشريعية المفقودة التي كانوا ينقلونها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنشأت ضرورة الرجوع، إلى جانب الكتاب والسنة، إلى أدلة ووسائل أخرى، مثل الاستحسان والقياس وغيرهما من أنواع الاجتهاد التي تُعدّ من ملكات المجتهد. وأدى ذلك إلى دخول الأذواق والأخلاقيات الشخصية في عملية التشريع.

وقد دفعت هذه الوسائل الثلاث المسلمين إلى إدراك ضرورة البحث عن مصدر فكري ينسجم مع تلك الظروف والأوضاع الجديدة، لأنّه لم يكن هناك نص في كثير من المسائل، وكان لا بد من البحث عن حل لها.

ويقول الشهرستاني في هذا المجال:

«نعلم قطعاً أنّ الحوادث والوقائع في العبادات والمعاملات والأعمال كثيرة لا تُحصى ولا تُحصر، ونعلم قطعاً أنّه ليس في جميع الوقائع نصّ موجود، فإذا كانت النصوص محدودة، فإنها لا تستوعب الأمور غير المحدودة، فلا بد إذن من الاجتهاد والقياس والعمل بهما، بحيث يكون لكل حادثة اجتهاد.»

وفي مثل هذه الظروف لم يكن من الممكن أن يقبلوا بالمرجعية الفكرية وينسبوها إلى أهل البيت، لأنّ المرجعية الفكرية تنتهي إلى القيادة السياسية، وإذا مُنحت المرجعية الفكرية لأهل البيت، فإنّهم سيحصلون على أقوى سلاح يمكّنهم بسهولة من الوصول إلى المرجعية السياسية.

ومن هنا نرى في هذا العصر بداية نشاطات وتوسّع مدارس تعتمد أحياناً على «الرأي»، وأحياناً على القياس والاستحسان، وأحياناً على المصالح المرسلة والعرف. وظهرت اتجاهات كان ظهورها يتعارض مع خط مرجعية أهل البيت (عليهم السلام)، وكانت تدل بوضوح على أنّ هذه الظاهرة قد بلغت في المجتمع الإسلامي مرحلة متقدمة وترسخت جذورها.

وتولّى أهل البيت (عليهم السلام) مهمة الرد على تلك الادعاءات وتكذيبها، وبسبب تصديهم لهذه الاتجاهات الفكرية، أكدوا خصائص مذهبهم الذي يمتلك مركزية وقوة.

يقول ابن جُميع:

«دخلت على جعفر بن محمد، وكان ابن أبي ليلى وأبو حنيفة معي.» فقال جعفر بن محمد لابن أبي ليلى: «من هذا الرجل؟» فأجاب:

«إنّه رجل بصير بالدين وذو نفوذ فيه.»

فقال الإمام (عليه السلام): «لعله يقيس برأيه؟»

ثم التفت إلى أبي حنيفة وقال:

«يا نعمان، حدّثني أبي عن جدي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، حين أمره الله تعالى أن يسجد لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. فمن قاس الدين برأيه، قرنه الله تعالى بإبليس يوم القيامة؛ لأنّه اتبع الشيطان في القياس.»

ثم قال الإمام جعفر (عليه السلام)، كما ورد في رواية ابن شبرمة:

«أيّهما أعظم: قتل النفس أم الزنا؟»

قال: «قتل النفس.»

فقال الإمام (عليه السلام):

«إنّ الله تعالى يقبل في قتل النفس شاهدين، بينما لا بد في الزنا من أربعة شهود.»

ثم سأله:

«أيهما أعظم: الصلاة أم الصيام؟»

قال: «الصلاة.»

فقال الإمام (عليه السلام):

«فما تقول في الحائض التي تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ ويحك، كيف تقيس؟ فاتق الله، ولا تقس الدين برأيك.»

وقد أدت هذه المواجهة التي خاضها أهل البيت (عليهم السلام) إلى تقليل تأثير أهل الرأي، كما مهّدت لظهور مدارس أخرى تسير في طريق وخط مخالف لهم. وظهرت مدرسة الحديث التي عملت على حفظ الأحاديث والسنة وآثار وفتاوى الصحابة والتابعين، وبدأت في الدعوة إليها وتعزيزها. وفي الوقت نفسه كانت تنتقد أهل الرأي، فكانت هذه المدرسة رد فعل على ما نتج عن مدرسة أهل الرأي من التوسع في الأخذ بالرأي والإعراض عن الأحاديث.

وقد وقف أهل البيت (عليهم السلام) ضد أهل الرأي، وتمسكوا في ذلك بشعارهم المعروف:

«إنّ دين الله لا يُقاس بالعقول.»

ذلك أنّ مدرسة أهل الرأي كانت تسير في طريق يؤدي إلى تحليل التشريع الإسلامي وإضعافه والقضاء عليه، وفي مرحلة لاحقة كانت تؤدي إلى فقدان التشريع الإسلامي لخاصيته وصلابته وأصالته التي تتميز بها عملية التشريع.

وفي المقابل، عندما كانت مدرسة أهل الحديث تواجه جمود الشريعة، ويُؤخذ بظاهر النصوص، كانت خاصية المرونة وقابلية التطبيق على الظروف الاجتماعية المختلفة تتراجع وتفقد مكانتها.

الهوامش

1 ـ المقصود أنّه جعل مذهب التشيّع عاماً وشاملاً، ووسّعه من الناحيتين العلمية والعملية، بحيث أصبح تعلّمه سهلاً لكل فرد، وأصبح اتباعه مقبولاً لدى كل من يمتلك ثقافة إسلامية وعقلاً مذهبياً.

2 ـ مرآة الجنان.

3 ـ بحث في الولاية ـ صدر.

4 ـ بحث في الولاية.

5 ـ سلم الوصول، ص 295.

6 ـ الأصول العامة للفقه، ص 329، نقلاً عن حلية الأولياء، ج 3، ص 197.

7 ـ الاجتهاد والتقليد، من مقدمة محمد مهدي الآصفي، ص 17 ـ 18.

المصدر: الحياة التحليلية لأئمتنا وقادتنا، الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام).

Leave A Reply

Your email address will not be published.