دعاء أهل الجنّة

عباس عبیرى

0

دعاء أهل الجنّة

كان بيت فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) يلفّه السكون، وتخيّم عليه مسحة من الحزن والأسى. فما زال جرحُ رحيل رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله) غائراً في صدر المدينة، وما زالت فاجعة فقده تلقي بظلالها الثقيلة على أهلها.

جلست ابنة خاتم الأنبياء في زاوية من البيت، وقد ضمّت ركبتيها إلى صدرها، وغرقت في ذكريات الأيام الجميلة التي مضت؛ أيام المودّة والوحدة والصفاء، وأيام الأنس والفرح التي كانت تعيشها المدينة، حين كان أبوها الطاهر، رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيّاً يتردّد صدى أنفاسه في أرجائها.

رفعت رأسها، وأخذت تجيل بصرها في أنحاء البيت، وتتأمّل المواضع التي كان أبوها يجلس فيها، ثم عادت إلى شرودها، تستعيد في ذاكرتها تلك الأيام التي كان يأتي فيها النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بيتها برفقة أصحابه، فيطرق الباب و…

وفجأةً، قطع صوتٌ خفيف خيط أفكارها.

هيّأت حجابها، واتجهت نحو الباب، ثم فتحته. فإذا بشيخٍ مسنّ يقف وراءه. وما إن وقعت عيناه على ابنة رسول الله الطاهرة حتى خفض بصره وقال:

ـ السلام عليكِ.

عرفت فاطمة الرجل، فردّت سلامه وأكرمته، ثم قالت:

ـ يا سلمان، إنك تجفوني، وما أكثر تقصيرك في زيارتي!

ثم دعته إلى الجلوس وأجلسته في موضع يليق به.

كان سلمان، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، مطرقاً برأسه، يحدّق في الأرض. لكن تلك الأرض لم تكن في عينيه كغيرها من تراب المدينة؛ فكل ذرة منها كانت تحمل عبق خطوات محمد (صلى الله عليه وآله)، وتوقظ في قلبه ذكريات الأيام الزاهرة التي مضت. ذكرياتٌ كانت تستدرّ الدموع من عينيه، وتطلق من صدره آهات الشوق والحسرة.

ولمّا أدركت ابنة رسول الله ما يعتمل في قلب سلمان من حزن وحنين، قالت له:

ـ أتحبّ أن أُسمعك خبراً يسرّ قلبك؟

أجاب سلمان بشوق ظاهر:

ـ نعم، بأبي وأمي أنتِ.

فقالت سيدة نساء العالمين:

ـ بالأمس أغلقت أبواب البيت على نفسي، وجلست وحدي في حجرتي، أفكّر في أنّ الملائكة قد فارقتنا برحيل أبي الكريم، وأن أيام الوحي ونزول الملَك إلى هذا البيت قد ولّت وانقضت.

وبينما كنت غارقةً في هذه الأفكار المثقلة بالحسرة، إذا بالباب يُفتح فجأة، وتدخل عليّ ثلاث نسوة جليلات كريمات، فسلّمن عليّ وقلن:

«يا سيدة نساء العالمين، ويا فريدة الدهر، ويا قدوة الطاهرات، نحن حوريات الجنّة، وقد بعثنا ربّنا لخدمتك، وكنّا شديدات الشوق إلى لقائك».

فالتفتُّ إلى التي بدت أكبرهنّ سناً، وقلت:

ـ ما اسمك؟

فقالت:

ـ مقدودة، خلقني الله لمقداد، لأكون أنيسه وقرينته في الجنّة.

ثم التفتُّ إلى الثانية وسألتها:

ـ وما اسمك؟

قالت:

ـ سلمى، خلقني ربّي لسلمان، لأكون جليسَه وأنيسه في رياض الجنّة الغنّاء.

ثم نظرت إلى الثالثة وقلت:

ـ وبأيّ اسم تُدعين؟

قالت:

ـ ذَرّة، اسمي ذَرّة. خلقني الربّ القادر لأكون أنيس أبي ذرّ وقرينَه في الدار الآخرة.

ثم وضعن بين يديّ إناءً مملوءاً برُطَب الجنّة، كان أبيض من الثلج، وأطيب رائحةً من العنبر الأسود والمسك الخالص.

فأخذت لك منه شيئاً يسيراً، لأنك منّا، ولك مكانك بين أهل البيت.

ثم قامت فاطمة (سلام الله عليها) وغادرت الحجرة.

لم تسع الفرحة سلمان، وكأن قلبه لم يتّسع لكل ذلك السرور. فما كان يخطر بباله قطّ أن يدرك، وهو لا يزال في الدنيا، شيئاً من لذّة ثمار الجنّة.

ظلّ يحمد الله ويشكره، ويصلّي على النبي (صلى الله عليه وآله) وآله الطاهرين. وكان عقله يضجّ بالأسئلة، وقلبه يفيض بالشوق:

كيف يكون شكل تمر الجنّة؟ وهل يكون شكله وحجمه عجيبين كما كان لونه ورائحته؟ وكم حبّة من الرُّطَب أبقت لي سيدة الطاهرات؟…

وبينما كان غارقاً في أفكاره، عادت فاطمة (سلام الله عليها)، وأخرجت ما كانت قد ادّخرته لمحبّ آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ووضعته أمامه، ثم قالت:

ـ يا سلمان، أفطر بهذا، وائتني بنواته غداً.

تناول سلمان، محبّ النور، هدية سيدة الطاهرات، وأخذ يتأمّلها لحظات، وهو يردّد عبارات الشكر والثناء. ثم نهض، وودّع ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وانطلق إلى بيته.

وكعادته، أخذ يشقّ طريقه في أزقّة المدينة صامتاً، لا يكلّم أحداً. غير أنّ شيئاً في المدينة كان قد تغيّر؛ فالطرقات والناس لم يعودوا كما كانوا في الأيام السابقة.

فأينما مرّ سلمان، فاحت في المكان رائحة عطرة زكيّة من ثمار الجنّة. وكان المارّة والباعة المتجوّلون يرمقونه بدهشة، حتى إنّ بعضهم كان يقول:

ـ يا سلمان، إنك تنشر في الجوّ رائحة المسك الخالص! أتحمل معك عطراً؟

لم يكن سلمان يدري ماذا يقول. فاكتفى بابتسامة وسلام ووداع مختصر، ثم أسرع الخطى حتى بلغ بيته، وأغلق على نفسه الباب، مبتعداً عن صخب الدنيا وأهلها، وأقبل على العبادة.

ومرّت الساعات، وأقبل المساء، وارتفع صوت الأذان في أرجاء المدينة معلناً دخول وقت الإفطار.

وكان سلمان يرى في تناول تلك الثمرة الجنّية كرامةً عظيمة وتوفيقاً من الله، فصلّى، وبسط مائدته، واستعدّ للإفطار.

ولمّا مدّ يده إلى الرُّطَب، عاد إلى ذهنه قول فاطمة (سلام الله عليها):

«يا سلمان، أفطر بهذا، وائتني بنواته غداً».

تناول هدية فاطمة، وأخذ يبحث عن نواتها ليحتفظ بها حتى الصباح، لكنه لم يجد شيئاً!

توقّف حائراً:

كيف يمكن أن تكون ثمرة التمر بلا نواة؟! هل عبث بها أحد؟ وكيف ستكون وصية ابنة رسول الله المعصومة (صلى الله عليه وآله)؟

ظلّت هذه الأسئلة تؤرقه، وظلّ أمرها يشغل باله طوال الليل حتى أشرقت شمس الصباح.

وما إن مضت ساعة من النهار حتى أسرع سلمان إلى بيت فاطمة (عليها السلام)، وطرق الباب. ولمّا أُذن له بالدخول، قال على الفور:

ـ يا ابنة أكرم رسل الله، لقد كان الرُّطَب بلا نواة!

فقالت فاطمة (سلام الله عليها):

ـ إنّ تلك الثمرة من نخلة غرسها الله لي في الجنّة، أما تعلم أنّ ثمار الجنّة لا نوى لها؟

ثم سكتت برهة، وأردفت قائلة:

ـ يا سلمان، إنّ نساء الجنّة يقرأن دعاءً علّمنيه أبي من قبل، وأنا أقرؤه كل صباح ومساء. وببركة هذا الدعاء لم تستولِ الحمّى على جسدي إلى يومي هذا.

كان سلمان يصغي إليها بكل جوارحه، وقد أشرق وجهه بشوق عظيم إلى معرفة ذلك الدعاء.

ثم ذكرت له فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) دعاء أهل الجنّة:

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله النور، بسم الله نور النور، بسم الله نورٌ على نور، بسم الله الذي هو مدبّر الأمور، بسم الله الذي خلق النور من النور، الحمد لله الذي خلق النور من النور، وأنزل النور على الطور في كتابٍ مسطور، في رقٍّ منشور، بقدرٍ مقدور، على نبيٍّ محبور. الحمد لله الذي هو بالعزّ مذكور، وبالفخر مشهور، وعلى السراء والضراء مشكور، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

ومعناه:

باسم الله الرحمن الرحيم.

باسم الله الذي هو النور، وباسم الله نور النور، وباسم الله نورٌ على نور، وباسم الله الذي يدبّر شؤون الأمور، وباسم الله الذي خلق النور من النور.

الحمد لله الذي خلق النور من النور، وأنزل النور ـ أي الوحي ـ على جبل الطور، في كتاب مكتوب، وصحيفة منشورة، وبقدر مقدّر، على نبيّ مكرّم.

الحمد لله الذي يُذكر بالعزّة، ويُعرف بالفخر والمجد، ويُحمد ويُشكر في السراء والضراء. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

حفظ سلمان الدعاء عن ظهر قلب، وحمد الله تعالى، ثم ودّع ابنة رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله)، وعاد إلى بيته.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح بيت سلمان، صاحب رسول الله وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، مقصداً للمرضى والمبتلين. فكان أهل المدينة يأتونه من كل ناحية، يتعلّمون دعاء أهل الجنّة، ثم يجدون ـ بإذن الله وبركته ـ الراحة والعافية من آلامهم.

وقد روى سلمان بعد ذلك لأحد أصحابه المخلصين قائلاً:

«والله، لقد علّمت دعاء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) لأكثر من ألف شخص من أهل مكة والمدينة، كانوا مصابين بالحمّى، فما زالوا يدعون به حتى استعادوا عافيتهم، وبرئوا من مرضهم ببركته».

الهامش

1 ـ أُعدّ هذا المقال بالاستفادة من المصادر التالية:

  • مدائن القصائل والمعاجز، السيد علي الحسيني شمس الدين، ج 2، ص 13 و14.
  • مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي، ترجمة أحمد طيبي شبستري، ص 156.
Leave A Reply

Your email address will not be published.