السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها)، زينبُ الثانية (سلام الله عليها)

0

السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)؛ تجلٍّ من تجلّيات أهل البيت

إنّ شهر ربيع الثاني، الذي تصادف فيه ذكرى وفاة السيدة الجليلة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) عن عمر ناهز ثمانيةً وعشرين عامًا، يمثّل فرصةً مناسبة للتأمل في شخصية هذه السيدة الكريمة من أهل البيت (عليهم السلام)، والوقوف على أبعادها الروحية والعلمية والأخلاقية.

فاطمة المعصومة (عليها السلام)، تجلّي التجليات

من أبرز خصائص السيدة المعصومة (سلام الله عليها) أنّها كانت مظهرًا لتجلّيات أهل البيت (عليهم السلام).

فقد عاشت في كنف ثلاثة من المعصومين: الإمام موسى بن جعفر، والإمام علي بن موسى الرضا، والإمام محمد بن علي الجواد (عليهم السلام)، وتأثرت بأنوارهم ومعارفهم، حتى غدت من ألمع الشخصيات بين أبناء الأئمة، وتجسّد في مرقدها الشريف حضورٌ روحي مميّز لأهل البيت (عليهم السلام).

ويمكن تقسيم أبناء الأئمة الذين عُرفوا بالإمامة والنسب الشريف إلى فئات متعددة:

الفئة الأولى:
وهم أبناء الأئمة المعصومين الذين لم ينتفعوا، لأسباب مختلفة، من ذلك المحيط النوراني والملكي، بل انحرف بعضهم عن طريق الولاية؛ ومن أمثلتهم عبد الله الأفطح، الابن الأكبر للإمام الصادق (عليه السلام)، الذي ادّعى الإمامة، وكذلك جعفر الكذّاب، ابن الإمام الهادي (عليه السلام)، الذي ادّعى الإمامة، ونُسبت إليه في بعض الروايات بعض الانحرافات الأخلاقية.

الفئة الثانية:
وهم الذين يشكّلون الغالبية من أبناء الأئمة، ممن لم يكونوا، رغم صلاحهم واستقامتهم، في دائرة الشهرة والاهتمام التي نالها بعض الشخصيات، لكنهم كانوا على طريق الولاية والإمامة، ولهم مكانتهم وحرمتهم في نفوس المؤمنين، وقد دُفن الآلاف منهم في مختلف أرجاء إيران.

الفئة الثالثة:
وهم أولئك الذين برزوا بين أبناء الأئمة، وأصبحوا موضع اهتمام الناس، وأقيمت على قبورهم القباب والأضرحة، فأصبح مرقد الواحد منهم مزارًا لأهل البلد أو المدينة التي دُفن فيها؛ ومن أمثلتهم السيد محمد بن الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء، وحضرة عبد العظيم الحسني في مدينة الري.

الفئة الرابعة:
وهم الذين بلغ إشعاعهم الروحي والعلمي منزلةً سامية، فلم يصبحوا موضع اهتمام الناس فحسب، بل غدت مراقدهم من المواطن التي يستحضر فيها المؤمنون محبة أهل البيت جميعًا (عليهم السلام)، وأصبح التوجه إلى ضريحهم مظهرًا من مظاهر التعلق بمدرسة أهل البيت.

ومن هنا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في وصف مكانة السيدة فاطمة المعصومة:

«إِنَّ لِلَّهِ حَرَماً وَهُوَ مَكَّةُ، أَلَا إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ حَرَماً وَهُوَ الْمَدِينَةُ، أَلَا وَإِنَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَماً وَهُوَ الْكُوفَةُ، أَلَا وَإِنَّ قُمَّ الْكُوفَةُ الصَّغِيرَةُ، أَلَا إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمَّ، تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى، وَتُدْخَلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ».

وقد ورد هذا الحديث في بحار الأنوار، ج 57، ص 228، ح 59.

البصيرة والوعي بالموقف

ومن خصائص السيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) كذلك البصيرة والوعي بالموقف؛ إذ إنّ من يفقد هذه الخصلة قد يتخلّف عن نصرة إمام زمانه، ولا يحسن أداء تكليفه في الظروف الحساسة.

وللبصيرة، في مقام تشخيص التكليف أمام الأحداث، مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى:
أن يستطيع الإنسان، عندما تتصاعد الفتن وتختلط الأمور، أن يميّز الحق من الباطل، فلا يتحيّر ولا يتردد في معرفة الحق.

المرتبة الثانية:
أن يعرف أهل البصيرة متى يحين وقت نصرة الحق ومؤازرته، فلا يخطئون في تقدير اللحظة المناسبة. ومن ذلك ما وقع لبعض التوابين الذين كانوا يعلمون أنّ الحسين بن علي (عليه السلام) على الحق وأن يزيد على الباطل، لكنهم أخطؤوا في حساباتهم وتأخروا عن نصرة الإمام حتى فات الأوان.

المرتبة الثالثة:
أن لا يتراجع الإنسان عند نصرة الحق، بل يكون مستعدًا لبذل النفس والمال والأبناء والجاه في سبيله؛ كما فعل بلال وأبو ذر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقنبر وميثم وعبد الله بن خباب ورشيد الهجري وحجر بن عدي مع أمير المؤمنين (عليه السلام).

وهذه المراتب الثلاث من البصيرة هي التي أسهمت، وفق هذا التصور، في بلوغ السيدة المعصومة (سلام الله عليها) منزلةً رفيعة.

ففي زمن الفتنة التي أثارتها الفرقة الواقفية، والتي أنكرت إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)، عرفت السيدة المعصومة الحق ولم تتردد في إمامته.

ولم تتخلّف عن نصرة إمام زمانها ومؤازرته، بل خرجت في قافلة متجهة إلى طوس للالتحاق بأخيها الإمام الرضا (عليه السلام). ولم تتردد في تحمل مخاطر الطريق، فقد خرجت امرأة مع جماعة من الرجال في رحلة شاقة وخطيرة، وتذكر بعض الروايات أن القافلة تعرّضت لكمين في ساوة، واستشهد عدد من مرافقيها.

ذروة العرفان والسلوك

ومن خصائصها كذلك العرفان والعبادة القائمة على المحبة، الأمر الذي جعلها من الشخصيات البارزة في العبادة والسلوك الروحي.

فالعبّاد يتفاوتون في نصيبهم من العبادة بحسب مقدار معرفتهم وسلوكهم وفهمهم لمعانيها. ويمكن تقسيمهم إلى ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى:
أناس لا يدركون شيئًا من المعاني السامية والعرفانية للأذكار والأفعال العبادية، كالصلاة، لكنهم حين يقفون بين يدي الله يدركون أنهم يقفون أمام موجود مقدس عظيم؛ كطالب يقرأ مقالًا أمام شخصية كبيرة، فهو وإن لم يفهم جميع مضامين المقال، إلا أنه يدرك عظمة من يقف أمامه.

المرتبة الثانية:
أناس يدركون أنهم يقفون بين يدي موجود أعلى، ويفهمون معاني الأذكار والأفعال العبادية وحِكَمها، فيغرقون في جمالها الروحي ويستشعرون لذة العبادة.

المرتبة الثالثة:
وهم الذين، إلى جانب ما سبق، يصلون في عبادتهم إلى حال من الفناء في مشاهدة جلال الله وجماله، حتى يصبح وجودهم كله متوجهًا إلى العبادة.

وفي هذا السياق ورد في الحديث القدسي:

«مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَلِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ…»

وهو الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما ورد في الكافي، ج 2، ص 352.

وتُذكر إقامتها (سلام الله عليها) سبعة عشر يومًا في موضع يُعرف بـ«ستية» في قم، والذي اشتهر اليوم باسم بيت النور، حيث تفرغت للعبادة والمناجاة، بوصف ذلك من مظاهر سموّها الروحي وعبادتها.

ولعلّ من أسرار ورود الرواية التي تتحدث عن فتح ثلاثة من أبواب الجنة إلى قم، ما يُنسب إلى بركة وجود السيدة المعصومة (سلام الله عليها) من آثار روحية ومعنوية في هذه المدينة.

وجود مبارك ذو أثر عالمي

ومن خصائص السيدة المعصومة (سلام الله عليها)، وفق هذا الطرح، أنّ وجودها المبارك تجاوز أثره حدود زمانها ومكانها.

فعلى الرغم من قصر عمرها الشريف، فإنّ آثار وجودها امتدت عبر القرون، وأصبح مرقدها الشريف منذ دفنها في مدينة قم محطّ اهتمام العلماء والخواص من أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

ثم نشأت الحوزة العلمية في قم إلى جوار مرقدها، وأصبحت هذه المدينة مركزًا مهمًا للدراسة والبحث في العلوم الدينية ونشر المعارف الإسلامية.

ومع مرور الزمن، اتسعت هذه المؤسسة العلمية، وازداد عدد طلاب العلوم الدينية فيها، وتوسعت مجالات البحث والتأليف ونشر المعارف وإعداد العلماء والباحثين وإيفادهم إلى مختلف أنحاء العالم.

بانـية ذات كرامات

ومن الخصائص التي تُذكر للسيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) مقامها في التوسل والكرامة.

ولفهم هذا المقام، لا بد من الإشارة إلى بعض الفروق بين المعجزة والكرامة، رغم اشتراكهما في كونهما من الأمور الخارقة للمألوف.

أولًا:
المعجزة تقترن بادعاء النبوة أو الإمامة، ويأتي النبي أو الإمام بالمعجزة لإثبات صدق دعواه أمام الناس. ومن ذلك معجزة القرآن الكريم التي جاء بها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وما ورد في قصة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الاحتجاج على إمامته.

ثانيًا:
تقترن المعجزة بالتحدي وإقامة الحجة؛ كما في قوله تعالى:

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾

فالأنبياء والأئمة يحتجون بالآيات الخارقة لإثبات مقامهم وحجيتهم.

ثالثًا:
تظهر المعجزة في مقام الهداية وإقامة الحجة على الناس، بينما تكون الكرامة، في الغالب، في مقام تكريم عبد صالح آمن الناس بصلاحه ومكانته، ثم يلجؤون إليه بالتوسل إلى الله تعالى في طلب كشف الكرب وقضاء الحوائج.

أما من حيث المصدر، فالمعجزة والكرامة كلتاهما بإذن الله تعالى؛ غير أنّ العبد الصالح، نتيجة قربه وسلوكه وعبوديته، قد يبلغ مقامًا يصبح فيه مظهرًا لأسماء الله الحسنى وآثار صفاته، من غير أن يعني ذلك اتحادَه بذات الله تعالى أو اتصافه بصفات الألوهية.

ولهذا قال عيسى (عليه السلام) كما حكى القرآن الكريم:

﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
(آل عمران: 49).

كما يذكر القرآن الكريم معجزة عيسى (عليه السلام) وكرامة مريم (عليها السلام) في سياقات متقاربة. فقد قال تعالى في عيسى:

﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
(آل عمران: 46).

وقال سبحانه في مريم (عليها السلام):

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(آل عمران: 37).

ومن ذلك يُستفاد، في هذا الفهم، أنّ الذكورة والأنوثة ليستا معيارًا في إمكان ظهور الكرامات والآيات الخارقة، وإنما المدار على العبودية والقرب من الله تعالى.

والسيدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها)، وإن لم تكن نبيّةً ولا إمامًا، فإنّ مكانتها الروحية ومنزلتها في التوسل والكرامة تحظيان بمكانة رفيعة في التراث الشيعي. ولذلك يقصدها محبو أهل البيت (عليهم السلام) بالتوسل إلى الله تعالى، ويرجون ببركة مقامها الشريف تفريج الكروب وقضاء الحوائج.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفة أوليائه ومحبتهم، وأن يوفقنا للاقتداء بسيرتهم والاستمداد من أنوار هدايتهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.