النیاحه على الإمام الحسین (ع)

0

 
فمنهم من کان شیعیاً ، ومنهم من کان سنیاً ، ومنهم من کان علمانیاً لا دین ولا مذهب له . وقد استطاع الشیعه فی کثیر من الأزمان على هذا العهد أن یتنفسوا الصعداء وأن ینالوا قسطاً وفیراً من حریتهم فی إقامه شعائرهم ، من النوح وإقامه المأتم على الحسین (علیه السلام) ، اما لکون السلطه القائمه شیعیه الحکام ، أو لکونها مؤلفه من حکام ضعفاء من غیر الشیعه لا تستطیع الضغط على هذه الفرقه المسلمه . فمثلاً عندما تولى السلطه على العراق الملوک الصفویون أو غیرهم من الحکام الایرانیین کان الإقبال على إقامه هذه المآتم والنیاحات عظیماً ، وکانت حریه الشیعه فی إحیاء هذه الذکرى الألیمه مضمونه ، وقد غالى الشیعه فی إقامتها ، والعکس بالعکس ، کلما قویت السلطه السنیه فی العراق کالحکومه العثمانیه وقع الضغط على الشیعه ، ومنعوا عن إقامه المناحات ومزاوله شعائرهم التقلیدیه فیها ؛ الأمر الذی کان یضطرهم الى إقامتها وإحیاء ذکریاتها سراً وداخل البیوت ، وفی سرادیب الدور ، وتحت طائله الخوف والجزع والتقیه .
وعلى سبیل المثال أقول : إن الشیعه کانوا على زمن الأسره الایلخانیه ،وخاصه على عهد ملکها محمد خدا بنده ، المتوفى سنه «715 هـ» ، الذی کان أول من جاهر من ملوک هذه الاسره بالتشیع لآل البیت ، وأول من أمر بتخلید اسماء الائمه الاثنی عشر ، فنقشت اسماؤهم على مسکوکاته .
وکذا على عهد ابنه أبی سعید . وأیضاً على عهد الأسره الجلائریه ، ثم عهد الملوک الصفویین ، ومنهم الشاه إسماعیل الذی ناصر الشیعه وأعلن المذهب الشیعی فی إیران والعراق رسمیاً . وکذا على عهد بعض السلاطین العثمانیین کالسلطان سلیمان القانونی المتوفى سنه «941 هـ» ، الذی زار کربلاء والنجف . وکذا علىعهد عدد من الأمراء الشیعه الآخرین ، الذین حکموا بعض أنحاء العراق ، على عهد عدد من الأمراء الشیعه الآخرین ، الذین حکموا بعض أنحاء العراق ، کدوله بنی مزید فی الحله وبنی شاهین فی البطیحه ، وبنی حمدان وآل المسیب فی الموصل ونصیبین .
أجل على عهد هؤلاء الملوک والأمراء صار الشیعه یتمتعون بحریتهم فی إقامه المأتم الحسینی ، غیر أنه على زمن سائر الخلفاء العثمانیین بعد استعاده العراق من الصفویین ، وخاصه السلطان مراد الرابع العثمانی ، الذی أسرف فی قتل الشیعه وسفک دمائهم ، وإحراق کتبهم وتعذیبهم ، فقد منعت إقامه هذه المآتم ، وطورد القائمون بها ، بید أن من خلفه من السلاطین أطلقوا بعض الحریه للشیعه فی إحیاء ذکریات الحزن على الحسین ، وإقامه شعائره ، بمختلف المظاهر ومتنوع التقالید التی درجوا علیها وتعودوا على إقامتها سراً ثم علناً منذ العهدین الأموی والعباسی . وإنما کانوا یقیمونها على ذینک العهدین تحت الستار والتقیه ، عدا على زمن بعض الخلفاء العباسیین الذین سمحوا لهم بإقامتها علناً کما مر فی الفصل السابق . وفی هذه العهود صار الشیعه یقیمونها بصوره علنیه وفی الأماکن العامه وغیرها ، فیبکی المجتمعون فیها على مصاب الامام الحسین واستشهاده بتلک الحاله المفجعه وینوحون علیه بقریض من الشعر ، ینشأه وینشئه الناشد منهم ، الذی کان یطلق علیه اسم « النائح » أو « خطیب المنبر الحسینی » .
وفیما یلی فقرات مما ذکره المؤرخون عن إقامه شعائر العزاء على الحسین بعد العباسیین الى أوائل الحرب العالمیه الأولى :
۱ ـ ذکر کتاب « الحوادث الجامعه » لمؤلفه ابن الفوطی ضمن حوادث سنه «698 هـ» ، عن إطلاق الحریه للشیعه فی إحیاء ذکرى استشهاد الحسین (علیه السلام) وإقامه المناحات علیه على عهد السلطان غازان ، قوله : « ثم توجه ـ أی السلطان غازان ـ الى الحله ، وقصد زیاره المشاهد الشریفه فی النجف وکربلاء ، وأمر للعلویین والمقیمین بها بمال کثیر . ثم أمر بحفر نهر بأعلى الحله فحفر وسمی بالنهر الغازانی … » الخ .
ویستطرد الکتاب فیقول : « ثم توجه غازان للحله ، وقصد مشهد علی فی النجف فزار ضریحه الشریف ، وأمر للعلویین بشیء کثیر  ثم مضى الى مشهد الحسین بکربلا وفعل مثل ذلک ، وعاد الى أعمال الحله وقوسان متصدیاً وزار قبر سلمان الفارسی ، وأمر للفقراء المقیمین هناک بمال » .
۲ ـ وجاء فی الکتاب « ومضات من تاریخ کربلاء » للسید سلمان هادی آل طعمه صفحه «32» عند ذکر هجوم جیش تیمور لنک على بغداد ، ومناجزه سلطانها أحمد الجلایری ودخولهم سنه «795 هـ» الجانب الشرقی من بغداد « الرصافه » قوله : « أما أمراء تیمور بعد استیلائهم على خزائن السلطان توجهوا قاصدین زیاره مرقد أبی عبد الله الحسین بکربلاء ، یتبرکون به ، ویستجمعون قواهم . وبعد فراغهم من مراسم الزیاره أجزلوا بالنعم والهدایا علىالساده العلویین الملازمین لقبر أبی عبد الله الحسین (علیه السلام) ثم رحلوا بعد أن مکثوا فیها بعض الیوم ، واشترکوا فی بعض المناحات المقامه على الامام الغریب … » الخ .
۳ ـ جاء فی الصفحه «39» من کتاب « ثوره الحسین » لمؤلفه الشیخ محمد
مهدی شمس الدین عن موقف العثمانیین من مجزره کربلاء واستشهاد الحسین ، قوله : « وفی العصور التالیه لاحق العثمانیون هذه المآتم ومنعوا من إقامتها فی أحیان کثیره فکانت تقام سراً . وفیما بعد العثمانیین لوحقت هذه المآتم ثم منعتها السلطه فی بعض الأحیان ، وقیدتها بقیود کثیره ثقیله فی أحیان أخرى لأجل إفراغها من محتواها النقدی للسلطه القائمه … » الخ .
۴ ـ جاء فی الصفحه «60» من کتاب « تاریخ التعلیم فی العراق فی العهد العثمانی » تألیف عبد الرزاق الهلالی ، ما نصه : « ولا بد من الاشاره فی هذا الباب الى أن کتاتیب البنات کانت تکثر فی العتبات المقدسه ، والمدن التی أکثریتها من الشیعه ، بسبب ما تحتمه الضروره من وجود ملایات یقرأن مقتل الحسین فی شهر محرم أو فی الأشهر الأخرى ، أو قراءه الموالید فی المناسبات النسویه المختلفه … » الخ .
۵ ـ وجاء فی الصفحه «126» من الکتاب نفسه ، المطبوع فی بغداد ، سنه ۱۹۵۹ م ، قوله :
« أما الشعر فی المناطق الشیعیه فقد تأثر نتیجه للتعصب الذی کانت تبدیه السلطه الحاکمه ضدهم ، واتجه وجهه لم یتجه لها الشعراء من أبناء السنه . لذا کان الشعر فی مدح الامام الحسین یمثل التیارات الصاخبه ، التی کانت تعتلج فی نفوس الناس ویحاولون أن یأتوا بالجید من النظم ، الرصین من العباره … » الخ .
تأثیر النیاحه على الحسین (علیه السلام) فی الاقطار العالمیه
الآن وقد انتهیت من سرد حوادث تاریخ العزاء الحسینی والنیاحه علیه ، وإحیاء ذکرى مجزرته فی کربلاء منذ بدئها حتى العصور الأخیره ، وکذا الأدوار التی مرت علیها فی مختلف القرون والعصور والمراحل التی اجتازتها من مد وجزر على أیدی الحکام وأصحاب السلطه ، وتمسک الموالین لآل بیت النبوه بهذا التقلید ، الذی أصبح لدیهم من مستحبات شؤونهم التی یتقیدون بها فی شهری محرم وصفر من کل سنه ، وفی العشره الأولى من محرم بالأخص ، وکذا فی بعض أیام الاسبوع على طول السنه ، مما عودوا أنفسهم علیها ، وتوارثها الخلف عن السلف .
وحیث إن إحیاء هذه الذکرى الحزینه وإقامه شعائرها التقلیدیه ، قد تعدت المرکز الرئیسی للحادث المحزن ـ أی العراق ـ الى سائر البلدان الاسلامیه ، وحتى کثیر من الأصقاع غیر الاسلامیه ، فإنی أفضل أن أختم رسالتی هذه بسرد بعض ما یجری فی هذه الأقطار خلال شهری محرم وصفر من کل سنه ، أو العشره الأولى من محرم ، أو یوم عاشوراء فقط ، من إحیاء ذکرى هذا الحادث المحزن .
إن کل من جاب عواصم وحواضر ومدن الأقطار الاسلامیه فی أرجاء المعموره ، سیما المجتمعات الشیعیه فی هذه الأقطار وبالأخص منها العراق ، والبلاد العربیه الأخرى ، والهند ، وإیران ، وأفغانستان ، وغیرها من الأقالیم الآسیویه ، وبعض بلدان افریقیه وجد المبانی ، الفخمه ، والعمارات الکبیره مقامه ، وتدعى عند العرب « الحسینیه » وعند الهنود « إمام بهره » وعند الفرس « مأتم سراً أو حسینیه أو تکیه » وسائر الأقطار تسمیها باسمها العربی « الحسینیه » وفی هذه المبانی التی یوقفها أصحابها على إقامه النیاحات فیها على الإمام الحسین (علیه السلام) ویوقفون علیها أوقافاً کثیره وصدقات جاریه ، تنفق إراداتها وأرباحها على إداره هذه الحسینیه . وفی هذه المبانی تقام مجالس العزاء والنیاحه لذکرى الامام الشهید (علیه السلام) . وفی هذه المجالس التی تغص بالمجتمعین والمستمعین من شتات المسلمین یرقى الخطیب المنبر ، فیفتتح کلامه بسرد آی من الذکر الحکیم ، وتفسیر علومها من أحادیث الرسول الکریم (صلى الله علیه وآله) والأئمه الطاهرین (علیهم السلام) ثم یتلو تاریخ مجزره کربلاء ، منذ البدایه حتى النهایه ، موجزاً أو تفصیلاً ، حسب مقتضیات المجلس وظروفه .
وهذا الخطیب الذی یطلق علیه فی أکثر البلدان العربیه والاسلامیه اسم « خطیب المنبر الحسینی » أو « روضه خوان » هو خطیب جرد نفسه لخدمه النیاحه على الحسین (علیه السلام) وآله ، وأحیاناً النوح على مصائب سائر الأئمه (علیهم السلام) أیضاً وقد جعل مهنته فی الحیاه هذه الخدمه الشریفه .
أما کلمه « رضوان خوان » فمشتقه من لفظتین عربیه وفارسیه ، فالروضه مأخوذه من اسم کتاب « روضه الشهداء » تألیف المولى الحسین بن علی الکاشفی ، المعروف بالواعظ البیهقی ، المتوفى سنه «910هـ» و « خوان »فارسیه بمعنى « القراءه » وتأتی جمله « روضه خوان » بمعنى « قارئ الروضه » .
وقد جرت العاده أن توزع فی هذه المجالس النیاحیه فی أولها أو فی آخرها المبردات ، أو الشای أو القهوه ، أو بعض المأکولات التی تتناسب وتلک المشروبات حسب فصول السنه من برد أو حر ، ونفقات هذه المجالس تبذل من موقوفات الواقفین أو من خیرات أصحاب البر .
وقد ثبت مما أوردته فی الفصول السابقه أن إقامه العزاءالحسینی والنیاحه على الامام الحسین (علیه السلام) وآله وصحبه ترقى بتأریخها الى عهد قدیم ، أی القرن الأول الهجری ، والى زمن وقوع هذه الفجیعه العظمى ، أی منذ استشهاد الامام (علیه السلام) وما یقرب من عهد الصحابه والتابعین لهم . وکما قلت فی تلک الفصول : إن هذا العزاء کان فی أول أمره محدوداً جداً وصغیر الحجم ، وکان یقام تحت التستر والخفاء والتقیه ، کما أن إقامه هذه النیاحه على الامام الشهید لم تکن کما یتصوره البعض من مستحدثات القرون الوسطى والأخیره ، مدعین أنها تولدت على عهد الملوک الصفویین ، وإنما هی قدیمه ولکنها على زمن الصفویین اتسع نطاقها ، واشتد إقبال الناس علیها .
وکما مر فی تلک الفصول أیضاً : انه کلما توسع المذهب الشیعی فی العراق أو سائر البلدان العربیه والاسلامیه ، وخفت وطأه السلطات المعادیه له ، کلّما اشتد الموالون لآل الرسول (صلى الله علیه وآله) بإقامه ذلک العزاء وتلک النیاحه ، تحت اسم الرثاء أو النیاحه خاصه فی مشاهد الأئمه الاطهار (علیهم السلام) . وکما أثبت التاریخ أن جذور هذه النیاحات والمآتم کانت فی العراق ثم اتسع نطاقها وامتدت الى الشعوب والأمم الأخرى ، کمصر على عهد الفاطمیین ، وإیران على عهد الصفویین ، وسوریا والموصل ولبنان على عهد الحمدانیین ، والمغرب الأفریقی على عهد العلویین والادریسیین ، والهند على عهد کثیر من راجات الشیعه وملوکهم .
ولذلک أبدأ بوصف موجز جداً لما کان ولم یزل یجری فی البلاد العربیه ، ثم البلدان الاسلامیه والاقطار العالمیه ، من مراسم وشعارات مجالس الحزن ومجتمعات النیاحه على الحسین (علیه السلام) وبعض ما تناقلته المؤلفات وأقلام الکتاب من مغزى هذه الفاجعه العظیمه :
۱ ـ جاء فی الصفحه «135» من کتاب « نهضه الحسین » لمؤلفه السید هبه الدین الحسینی الشهرستانی ، ما عبارته : « وامتدت جاذبیه الحسین (علیه السلام) وصحبه من حضره الحائر الى تخوم الهند وأعماق العجم ، وما وراء الترک والدیلم والى أقصى من مصر والجزیره والمغرب الأقصى یرددون ذکرى فاجعته بممر الساعات والایام ، ویقیمون مأتمه فی رثائه ومواکب عزائه ، ویجدون فی إحیاء قضیته فی عامه الانام ، ویمثلون واقعته فی ممر الأعوام … » الخ .
۲ ـ قال جرجی زیدان فی ختام روایته « غاده کربلاء » ما نصه : « لا شک أن ابن زیاد ارتکب بقتل الحسین جریمه کبرى لم یحدث أفظع منها فی تاریخ العالم ، ولا غرو إذا تظلم الشیعه لقتل الحسین وبکوه فی کل عام ، ومزقوا جیوبهم وقرعوا صدورهم أسفاً علیه ، لأنه قتل مظلوماً » .
۳ ـ جاء فی الصفحه «162» من کتاب « نهضه الحسین » فی طبعته الخامسه ، بقلم نجل المؤلف السید جواد هبه الدین الحسینی الشهرستانی ، ما نصه : « اهتمام الأقطار الاسلامیه بعزاء الحسین : وهکذا أصبح المسلمون فی الیوم العاشر من محرم کل عام یحتفلون بذکرى عاشوراء ، إحیاء لذکرى شهید الطف الامام الحسین (علیه السلام) فی جمیع الأقطار الاسلامیه .. ویعتبر هذا الیوم عطله رسمیه لدى معظم هذه الدول ، ویشترک کثیر من رؤوساء الدول الاسلامیه فی مراسیمه .
وحین تمر هذه الذکرى بالمسلمین فی العشره الأولى من محرم أو فی الیوم العاشر منه ، فإنه تغمر غالبیه العالم الاسلامی موجه من الأسى ، ویخیم علیه سحاب من الحزن کأن الامام الحسین قد قتل حدیثاً ، وکأن أشلاء آله وأنصاره لا تزال على منظرها المؤلم فوق تلک الترب ، وکأن دم أولئک الضحایا من الشهداء لم یزل یفور على تلک الأرض .. فیثیر فی نفوس المسلمین کل تلک المشاعر والأحزان ، مما جعلت معظم الحکومات العربیه والاسلامیه تحافظ على حرمه هذه المناسبه ، وتلاحظ شعور المسلمین نحوها … ومن أجل ذلک تصدر أوامرها بغلق دور اللهو واللعب ، وحانات الخمور والشرب والمسارح ، وأمثالها مما تحمل طابع اللهو والطرب ، کما تقلص على غرارها ما فی برامج الأذاعه والتلفزیون خلال العشره الأولى من المحرم ببرامج تتسم بالطابع الدینی والروحی والعلمی ، مجرداً من کل أسباب اللهو والطرب … کل ذلک رعایه لشعور المسلمین ، واحتراماً لمکانه هذه الذکرى . کما هو الحال فی العراق وإیران وفی الهند والباکستان وعدید من الدول الاسلامیه الأخرى …
والمسلمون إذ یحتفلون بهذه الذکرى الدامیه ببالغ الاسى وعظیم الألم ، إنما یشیدون فیها بموقف الامام الحسین فی ساحه الطف ، ویمجدون مواقف آله وأصحابه وما قدموه فی ذلک الموقف ، من جسیم التضحیه ، وعظیم البساله التی أدهشت الأجیال ، وأذهلت التاریخ .
ثم هم إذ یعبرون فی إیحائهم لهذه الذکرى الدامیه عن شعورهم نحو الامام الشهید ، فانهم یختلفون فی هذا التعبیر حسب معتقداتهم فیه وفی حرکته ، واستشهاده ؛ وباختلاف مدارکهم وعاداتهم .
فمنهم من یعتبره عیداً مجیداً ؛ لأن الفضیله فیه قد انتصرت على الرذیله ، وأن الامام بموقفه ذاک من یزید قد أسند تعالیم جده سید الرسل … وجدد مجد شریعته السمحاء … کما هو الحال لدى المسلمین فی بعض أنحاء المغرب العربی بشمال افریقیه ، الذین یعتزون بهذه الذکرى .
ومنهم من یندفع مع العاطفه الى إیلام نفسه وإیذائها بمختلف الوسائل والأسالیب ، کضرب نفسه بالسلاسل أو بالتطبیر ، ظناً منه أن هذا النحو من الأیذاء من دلائل المواساه أو الاقتداء بأولئک الشهداء … کما هو الحال فی بعض أنحاء العراق ، وإیران ، والهند ، والباکستان » .
ویستطرد الکاتب کلامه فی الصفحه «164» من کتاب فیقول : « والى جانب ما تقدم تلبس مدن العتبات المقدسه فی العراق وإیران ، والمساجد المهمه والأماکن المتبرکه فی الهند والباکستان وغیرها من الأقطار والمناطق التی یتعصب أهلها فی الحب والولاء لآل البیت النبوی حله من السواد ، کشعار الحزن والحداد … وتبتعد عن مظاهر الزینه والبهرجه ، ومباعث الأنس والانشراح .
هذه هی الحاله فی العشره الأولى من شهر محرم الحرام عند المسلمین بالنسبه لهذه الذکرى إن لم یکن الشهر کله من کل عام . وفی الأقطار الاسلامیه کالعراق ، وإیران ، والهند ، والباکستان الى ما بعد العشرین من صفر ، حیث تستکمل هذه الذکرى یومها الأربعین . ولها زیارتها الخاصه ، ومراسیمها المختصه فی کربلاء بالعراق … حیث یؤمها أکثر من ملیون زائر فی یوم واحد لزیاره قبر الحسین (علیه السلام) والطواف حول ضریحه فی ذکرى اربعینه..وتطوف المواکب الزاخره حول مشهده للیمن والبرکه » .
۴ ـ جاء فی الصفحه «280» من « موسوعه العتبات المقدسه » قسم کربلاء ، ما نصه : « أن الکاتبه الانجلیزیه القدیره ( فرایا ستارک ) کانت قد کتبت فصلاً صغیراً عن عاشوراء فی کتابها المعروف باسم « صور بغدادیه » وتبدأ هذا الفصل بقولها : إن الشیعه فی جمیع أنحاء العالم الاسلامی یحیون ذکرى الحسین ومقتله ویعلنون الحداد علیه فی عشره محرم الأولى کلها ، حتى یصل بهم مد الأحزان البطیء الذی یستولی على أنفسهم الى أوجه بمواکب العزاء التی تخرج فی الیوم الأخیر ، حامله النعش بجثته المذبوحه » .
ثم تشیر الکاتبه الى مواکب العزاء والسبایا التی تمثل فیها وقائع معرکه کربلاء کلها ، وهی تقول :
« إن هذه المواکب التی تقام فی بغداد والمدن المقدسه یعرف مجیئها من بعید ، بصوت اللطم على الصدور العاریه » .
۵ ـ جاء فی الصفحه «297» من الموسوعه سالفه الذکر قسم کربلاء ، نقلاً عن رحله « جون أشر » الانجلیزی منقولاً عن المؤرخ « غیبون » بعد سرد مجزره کربلاء ، فیقول : « إن الشیعه من المسلمین فی العالم یقیمون فی کل سنه مراسیم العزاء الألیمه تخلیداً لبطوله الحسین واستشهاده فینسون أرواحهم فیها من شده ما ینتابهم من الحزن والأسى » .
۶ ـ نقلت مجله « العلم » النجفیه عن جریده « حبل المتین » الفارسیه التی کانت تصدر فی الهند مقالاً کتبه الدکتور جوزف الفرنسی ، عن المسلمین فی أنحاء العالم وتقسیمهم الى فرقتین : شیعیه وسنیه ، وما اتصف به الشیعه من التقیه ، قال فیه : « ویقیم الشیعه المآتم تحت الستار ، یبکون فیها على الحسین ، فأثرت هذه المآتم فی قلوب هذه الطائفه الى حد أنه لم یمر علیها زمن طویل حتى بلغت الأوج فی الشرق ، ودخل فی هذه الطائفه بعض الوزراء وکثیر من الملوک والخلفاء ، فبعضهم أخفى ذلک تقیه ، وبعضهم أظهره جهاراً » .
ویستطرد الکاتب الفرنسی فیقول : « ویمکن القول بأنه لا یمضی قرن أو قرنان حتى یزید عدد الشیعه على عدد سائر فرق المسلمین . والعله فی ذلک هی إقامه هذه المآتم التی جعلت کل فرد من أفرادها داعیه الى مذهبه ، الیوم لا توجد نقطه من نقاط العالم یکون فیها شخصان من الشیعه إلا ویقیمان فیها المأتم ، ویبذلان المال والطعام ، رأیت فی میناء « مارسال » فی الفندق شخصاً واحداً عربیاً شیعیاً من أهل البحرین ، یقیم المأتم منفرداً ، جالساً على الکرسی ، بیده الکتاب یقرأ ویبکی ، وکان قد أعد مائده من الطعام فرقها على الفقراء .
هذه الطائفه تصرف فی هذا السبیل الأموال على قسمین : فبعضهم یبذلون فی کل سنه من أموالهم خاصه فی هذا السبیل بقدر استطاعتم ما یقدر بالملایین من الفرنکات ، والبعض الآخر من أوقاف خصصت لإقامه هذه المآتم ، وهذا المبلغ طائل جداً » .
ثم یواصل الکاتب الفرنسی کلامه ویقول : « فلهذا ترک جمع غفیر من عرفاء هذه الفرقه أسباب معاشهم واشتغلوا بهذا العمل ، فهم یتحملون المشاق لیتمکنوا من ذکر فضائل کبراء دینهم ، والمصائب التی أصابت أهل هذا البیت ، بأحسن وجه وأقوى تقریر على رؤوس المنابر وفی المجالس العامه . وبسبب هذه المشاق التی أختارتها هذه الجماعه فی هذا الفن یفوق خطباء هذه الفرقه على جمیع الطوائف الاسلامیه » .
ویستطرد الکاتب فیقول : « إن العدد الکثیر الذی یرى الیوم فی بلاد الهند من الشیعه هو من تأثیر إقامه هذه المآتم . فرقه الشیعه حتى فی زمن السلاطین الصفویه لم تسع فی ترقی مذهبها بقوه السیف بل ترقت هذا الترقی المحیر للعقول بقوه الکلام الذی هو أشد تأثیراً من السیف ، ترقت الیوم هذه الفرقه فی أداء مراسیمها المذهبیه بدرجه جعلت ثلثی المسلمین یتبعونها فی حرکاتها ، جم غفیر من الهنود والفرس وسائر المذاهب أیضاً شارکوهم فی أعمالهم » .
ویواصل الکاتب قوله بهذه العباره : « ومن جمله الأمور السیاسیه التی ألبسها روساء فرقه الشیعه لباس المذهب منذ عده قرون ، وصارت مؤثره جدً لجلب قلوبهم وقلوب غیرهم ، هی أصول التمثیل باسم المأتم والتعزیه فی مأتم الحسین » .
ویقول الکاتب بعد ذلک : « فرقه الشیعه حصلت من هذه النکبه على فائده تامه ، فألبست ذلک لباس المذهب . وعلى کل حال التأثیر الذی یلزم أن یحصل على قلوب العامه والخاصه فی إقامه العزاء والمأتم قد حصل : فمن جهه یذکرون فی مجالس قراءه التعزیه المتواصله وعلى المنابر المصائب التی وردت على رؤساء دینهم ، والمظالم التی نزلت على الحسین مع تلک الأحادیث المشوقه الى البکاء على مصائب آل الرسول ، فبیان تلک المصائب للأنظار أیضاً له تأثیر عظیم ، ویجعل العام والخاص من هذه الفرقه راسخ العقیده فوق التصور . وهذه النکات الدقیقه أصبحت سبباً فی أنه لم یسمع بأحد من هذه الفرقه من ابتداء ترقی مذهب الشیعه أنه ترک دین الاسلام ، أو دخل فی فرقه إسلامیه أخرى . هذه الفرقه تقیم المآتم بأقسام مختلفه ، فتاره فی مجالس مخصوصه ومقامات معینه ، وحیث إنه فی أمثال هذه المجالس المخصوصه والمقامات المعینه یکون اشتراک الفرق الأخرى معهم أقل ، أوجدوا المآتم بوضع خاص ، فعملوا فی الأزقه والأسواق ، وداروا به بین جمیع الفرق . وبهذا السبب تتأثر قلوب جمیع الفرق منهم ومن غیرهم بذلک الأمر الذی یجب أن یحصل من البکاء . ولم یزل هذا العمل شیئاً فشیئاً یورث توجه العام والخاص الیه حتى أن بعض الفرق الاسلامیه الأخرى وبعض الهنود قلدوا الشیعه فیه ، واشترکوا معهم فی ذلک . وهذا العمل فی الهند أکثر رواجاً منه فی جمیع الممالک الاسلامیه ، کما أن سائر فرق الاسلام هناک أکثر اشتراکاً مع الشیعه فی هذا العمل من سائر البلاد .
ویظن أن هذا العمل بین الشیعه قد جاء من ناحیه سیاسه السلاطین الصفویه ، الذین کانوا أول سلسله استولت على السلطه بقوه المذهب ، ورؤساء الشیعه الروحانیون أیدوا هذا العمل ، وأجازوه شیئاً فشیئاً.
ومن جمله الأمور التی صارت سبباً فی ترقی هذه الفرقه وشهرتها فی کل مکان ، هو إزاده أنفسهم بالرأی الحسن ، بمعنى أن هذه الطائفه بواسطه مجلس المآتم واللطم والدوران وحمل الأعلام فی مأتم الحسین جلبت الیها قلوب باقی الفرق ، بالجاه والاعتبار ، والقوه والشکوکه » .
ویختم الکاتب کلامه بقوله :
« لهذا نرى أنه فی کل مکان ولو کانت جماعه من الشیعه قلیله ، یظهر عددها فی الأنظار بقدر ما هی علیه مرتین ، وشوکتها وقدرتها بقدر ما هی علیها عشرات المرات وأکثر أسباب معروفیه هؤلاء القوم وترقیهم هی هذه النکبه .
ومصنفو أوربا الذین کتبوا تفصیل مقاتله الحسین وأصحابه وقتلهم ، مع أنه لیس لهم عقیده بهم قط ، أذعنوا بظلم قاتلیهم وتعدیهم ، وعدم رحمتهم ، ویذکرون أسماء قاتلیهم بالاشمئزاز ، وهذه الأمور طبیعیه لا یقف أمامها شیء ، وهذه النکبه من المؤیدات الطبیعیه لفرقه الشیعه » .
۷ ـ جاء فی الصفحه «200» من کتاب « المجالس السنیه » المار ذکره ، نقلاً عن رسال الحکیم والفیلسوف الالمانی فی رسالته عن النهضه الحسینیه وتأثیرها على العالم الاسلامی ، قول هذا الفیلسوف عن تأثیر إقامه المآتم الحسینیه على حیاه المسلمین وتقدمهم ، قوله :
« ولیس لواحده من الروابط الروحانیه التی بین المسلمین الیوم تأثیر فی نفوسهم کتأثیر إقامه مآتم الحسین ، فإذا دام انتشار وتعمیم هذه المآتم بین المسلمین مده قرنین آخرین لا بد أن تظهر فیهم حیاه سیاسیه جدیده ، وان الاستقلال الباقی للمسلمین الیوم نصف أسبابها هو اتباع هذه النکبه وسنرى الیوم الذی یتقوى فیه سلاطین المسلمین تحت ظل هذه الرابطه ، وبهذه الوسیله سیتحد المسلمون فی جمیع أنحاء العالم تحت لواء واحد ؛ لأنه لا یرى فی جمیع طبقات الفرق الاسلامیه من ینکر ذکر مصائب الحسین وینفر منها بسبب دینی ، بل للجمیع رغبه طبیعیه بشکل خاص فی أداء هذه المراسیم المذهبیه ، ولا یرى فی المسلمین المختلفین فی العقائد سوى هذه النکبه الاتحادیه .
الحسین أشبه الروحانیین بحضره المسیح ، ولکن مصائبه کانت أشد وأصعب . کما أن أتباع الحسین کانوا أکثر تقدماً من أتباع المسیح فی القرون الأولى ، فلو أن المسیحیین سلکوا طریقه أتباع الحسین ، أو أن أتباع الحسین لم تمنعهم من ترقیاتهم عقبات من نفس المسلمین ، لسادت إحدى الدیانتین فی قرون عدیده جمیع المعموره ، کما أن من حین زوال العقبات عن طریق أتباع الحسین أصبحوا کالسیل المنحدر یحیطون بجمیع الملل وسائر الطبقات » .
۸ ـ جاء فی الصفحه «381» من « موسوعه العتبات المقدسه » قسم کربلاء ، ما نصه :
« فی سنه ۱۹۴۳ م » کتب المستر ستیون لوید ـ خبیر الآثار القدیمه فی بغداد لعده سنوات ـ کتابه الموجز عن تاریخ العراق ، باسم « الرافدان » وقد حلل فی عده من صفحاته تحلیلاً بارعاً موقف الامام علی من معاویه ، وخرج منه الى مقتل الحسین فی کربلاء ، وهو یقول :
« إن الفظاعه التی اقترفت فی المعرکه ، والفزع الذی أصاب المسلمین بقتله ؛ یکونان أسس المسرحیه الألیمه التی تثیر الطوائف الشیعیه فی العالم الاسلامی کله الى حد الحنق الدینی فی عشره عاشوراء من کل سنه » .
وبعد أن یستطرد الکاتب فی سرد حادث استشهاد الامام الحسین وآله وصحبه یقول :
« وتعد قبورهم ـ أی قبور الأئمه الأطهار (علیهم السلام) ـ فی الفرات الأوسط وخراسان نماذج بدیعه للفن الاسلامی الرفیع ، کما یعد کل واحد منها حججاً للزوار الشیعه » .
والخلاصه : فانه أینما وجدت الأسر الشیعیه على اختلاف قومیاتها ومللها ، ولغاتها ، وجدت معها مراسیم العزاء الحسینی ، ومآتمه ، وشعائره ، ومواکبه ، ومجالسه ، ونیاحاته بصورها المختلفه ، وأنواعها المتعدده ، وبمظاهرها الموسعه أو تشکیلاتها المحدوده ، وبصوره خفیه أو علنیه ، حسب ظروف تلک الأسر الاجتماعیه .
وتقام هذه المناحات على الحسین (علیه السلام) من قبل الشیعه على الغالب فی العشره الأولى من المحرم ، وبالأخص یوم العاشر منه فی کل سنه .
وحین یهل هلال شهر محرم یستعد المسلمون الشیعه فی مختلف أنحاء المعموره للتعبیر عن شعورهم إزاء هذه الذکرى الدامیه ، حیث یحتفلون بهذه المناسبه الألیمه ، متذکرین مصارع آل النبی (صلى الله علیه وآله) فی مجزره الطف ، فی حزن عمیق ، وشجن عظیم ، ومستعرضین مواقف الحسین ومن استشهد معه بما یناسبها من الإشاده والتکریم .
أکرر فی هذا المقام وأقول : إن من یتصور أن هذه الشعائر والمظاهر فی العزاء الحسینی إنما هی من محدثات العصور الأخیره فإنه على خطاء لأن هذا التعبیر عن شعور التأثیر والتألم تجاه مصرع الحسین (علیه السلام) ـ کما مر فی الفصول السابقه ـ إنما یرتقی فی تاریخه الى القرن الأول الهجری ، غیر أنه کان فی أول أمره محدوداً جداً وصغیر الحجم ، یقام بمحضر أخص الناس بالحسین والأئمه الأطهار ، للتخفیف عن عظم المصاب .

Leave A Reply

Your email address will not be published.