القیم الأخلاقیه فی النهضه الحسینیه
وقد اختصر رسول الله (صلى الله علیه وآله) الهدف الأساسی من البعثه بقوله المشهور: (إنّما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق).
قد واصل الأوصیاء والأئمه من أهل البیت (علیهم السلام) هذه المهمه لتترجم فی الواقع فی أعمال وممارسات وعلاقات، ولهذا کانت الأخلاق هی المحور الأساسی فی حرکاتهم، وقد جسد الإمام الحسین (علیه السلام) فی نهضته المبارکه المفاهیم والقیم الأخلاقیه الصالحه، وضرب لنا وأصحابه وأهل بیته أروع الأمثله فی درجات التکامل الخلقی.
وفیما یلی نستعرض أخلاق النهضه الحسینیه المبارکه لتکون نبراساً لنا فی الحیاه:
أولاً: مراعاه حرمه الکعبه رفض الإمام الحسین (علیه السلام) اللجوء إلى الکعبه لکی لا تستباح حرمتها، وکان یقول لمن طلب منه الالتجاء إلیها: (إنّ أبی حدثنی أنّ لها کبشاً به تستحل حرمتها فما أحبّ أن أکون أنا ذلک الکبش)(۱).
وقال لأخیه محمد بن الحنفیه: (یا أخی خفت أن یغتالنی یزید بن معاویه بالحرم فأکون الذی یستباح به حرمه هذا البیت)(۲).
وقال لعبد الله بن الزبیر: (یا أبن الزبیر لأن ادفن بشاطئ الفرات أحبّ إلیّ من أن ادفن بفناء الکعبه)(۳).
ثانیاً: الوفـاء بالعهـود والمواثیق
الوفاء بالعهود والمواثیق من الأخلاق الفاضله فی جمیع الأدیان إلهیه کانت أم وضعیه، وقد جسدت النهضه الحسینیه هذه القیم الأخلاقیه فی اشد المواقف خطوره، فبعد اتفاق الإمام الحسین (علیه السلام) مع الحر بن یزید الریاحی على أن یسایره فلا یعود إلى المدینه ولا یدخل الکوفه طلب منه الطرماح بن عدی أن ینزل قبیله طی لیلتحق به عشرون ألف طائی فقال له الإمام (علیه السلام): (انّه کان بیننا وبین هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف)(۴).
فقد وفّى (علیه السلام) بعهده وان کان قد أفقده عشرین ألف ناصر له وهو بحاجه إلى أی ناصر.
ثالثاً: الرحمه والشفقه على الأعداء
أنّ إتباع الحق یقاتلون من أجل هدایه الأعداء إلى المنهج الربانی لتحکیمه فی التصور وفی السلوک وفی واقع الحیاه، وهم لا یقاتلون انتقاماً لذواتهم وإنّما حبّاً للخیر ونصراً للحق، ولذا نجدهم رحماء شفوقین حتى مع أعدائهم لیعودوا إلى رشدهم ویلتحقوا برکب الحق والخیر، وقد جسد الإمام الحسین (علیه السلام) وأصحابه أروع ملاحم الإنسانیه والرحمه والعطف، ففی طریقه إلى کربلاء التقى بأحد ألویه جیش ابن زیاد وکان ألف مقاتل مع خیولهم وکانوا عطاشى، فأمر أتباعه بسقی الجیش وقال لهم: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخیل ترشیفا) وقد سقى الإمام الحسین (علیه السلام) بنفسه ابن طعان المحاربی(۵).
رابعاً: الإیثار ونکران الذات
أنکر أتباع الإمام الحسین (علیه السلام) ذواتهم وذابوا فی القیاده التی جسدت المنهج الإلهی فی واقعها المعایش، فلم یُبقوا لذواتهم أیّ شیء سوى الفوز بالسعاده الأبدیه، فکان الإیثار والتفانی من أهم الخصائص التی اختصوا بها.
لما رأوا أنهم لا یقدرون یمنعون الحسین (علیه السلام) ولا أنفسهم تنافسوا أن یقتتلوا بین یدیه(۶).
وقبل المعرکه وصل بُریر ومعه جماعه إلى النهر، فقال لهم حماته ـ بعد أن عجزوا عن قتالهم ـ : اشربوا هنیئاً مریئاً بشرط أن لا یحمل أحد منکم قطره من الماء للحسین، فکان جوابهم: (ویلکم نشرب الماء هنیئاً والحسین وبنات رسول الله یموتون عطشاً لا کان ذلک أبداً)(۷).
وفی شده العطش رفض العباس (علیه السلام) شرب الماء قبل الإمام الحسین (علیه السلام) وقال:
یا نفس من بعد الحسیـن هونی *** وبعده لا کنــــــت أن تکونـــی
هذا حسین وارد المنــــــــــون *** وتشربیـــن بــارد المعیـــن(۸)
فی کل نهضه هنالک قیاده وطلیعه وقاعده ترتبط بروابط مشترکه من أهداف وبرامج ومواقف، والقیاده دائماً هی القدوه التی تعکس أخلاقها على أتباعها، وفی النهضه الحسینیه تجسدت الأخلاق الفاضله فی العلاقات والروابط حیث الإخاء والمحبه والتعاون والود والاحترام بین القائد وأتباعه وبین الأتباع أنفسهم، فالأتباع ارتبطوا بالقیم والمثل ثم ارتبطوا بالقائد الذی جسّدها فی فکره وعاطفته وسلوکه، فالأتباع یتلقون الأوامر بقبول ورضى وطمأنینه.
خامساً:العلاقه بین القائد والأتباع
ومن هذه القیم کان الإمام الحسین (علیه السلام) یخاطب حامل لوائه وهو أخاه العباس: (یا عباس ارکب بنفسی أنت)(۹).
ویخاطب أتباعه قائلاً: (قوموا یا کرام)(۱۰).
ویخاطبهم أیضاً: (صبراً بنی الکرام فما الموت إلاّ قنطره تعبر بکم عن البؤس والضّراء إلى الجنان الواسعه)(۱۱).
ونتیجه لهذا الترابط الروحی بین القائد والأتباع رفض الأتباع أن یترکوا الإمام الحسین (علیه السلام) لوحده بعد أن سمح لهم بالتفرّق عنه، فهذا مسلم بن عوسجه یخاطب الإمام (علیه السلام) قائلاً: (أما والله لو علمت أنّی اقتل ثم أحیى ثم احرق ثم أحیى ثم أذرّى یفعل ذلک بی سبعین مرّه ما فارقتک حتى ألقى حمامی دونک)(۱۲).
وبعد الشهاده کان الإمام (علیه السلام) یقف على جسد جون وهو عبد أسود ویدعو لـه: (اللهمّ بیَّض وجهه وطیّب ریحه)(۱۳).
ویعتنق واضح الترکی وهو یجود بنفسه واضعاً خدّه على خدّه(۱۴).
سادسـاً: مواساه القیاده لأتباعها
شارک الإمام الحسین (علیه السلام) أنصاره فی السرّاء والضرّاء وفی آمالهم وآلامهم، وعاش فی وسطهم یتعرض لما یتعرضون له، ولم یضع فاصلاً بینه وبینهم، فکانت أمواله وأطفاله وعیاله معهم یبذلها من اجل الحقّ، وکان لأنصاره وأتباعه أسوه وقدوه وهو القائل: (نفسی مع أنفسکم، وأهلی مع أهلیکم فلکم فیّ أسوه)(۱۵).
سابعـاً: مراعاه العواطف والأحاسیس
فی ظروف القتال قد ینسى القاده العواطف والأحاسیس ویتعاملون بعقولهم لمعالجه الظروف العصیبه، ولکن الإمام (علیه السلام) راعى العواطف والأحاسیس لذلک، فقد رفض السماح لعمر بن جناده بالقتال بعد أن استشهد أبوه مراعاه لعواطف أمه، وهو ابن إحدى عشره سنه، إلى أن علم أنّ أمه هی التی أذنت له ودفعته للقتال(۱۶).
ثامناً: احترام وشائج القربى
تاسعـاً: صیانـه المرأه
احترام الإمام (علیه السلام) وشائج القربى حفاظاً منه على المفاهیم والقیم الأخلاقیه التی خرج من أجل تحقیقها فی الواقع، فحینما صاح شمر: أین بنو اختنا؟ أین العباس وأخوته، وکانت أمهم من عشیرته، فاعرضوا عنه ولم یجیبوه، فقال لهم الإمام (علیه السلام): (أجیبوه وان کان فاسقاً)(۱۷).
احترم الإمام الحسین (علیه السلام) المرأه ووضعها فی مکانها اللائق، ولم یصطحب معه النساء إلاّ لإکمال مسیره الحرکه الإصلاحیه لإبلاغ أهدافها عن طریقهن.
والإمام ارجع أم وهب حینما أرادت أن تقاتل، وأرجع أم عمر بن جناده بعد أن أصابت رجلین(۱۸).
والتزمت النساء بالتعالیم الإسلامیه فی الحجاب وفی مقابله المصاب وبالصبر، فلم یشققن جیباً ولم یخمشن وجهاً، ولم یرتفع صراخهنّ أمام الأعداء.
عاشـراً: أخلاقیه الإعلام
لم یمارس الإمام الحسین (علیه السلام) الکذب والخداع والتمویه فی إعلامه، وإنّما رکز على حقائق معلومه للجمیع، فوضّح أهداف حرکته وهی إصلاح الواقع، وحینما جاءته الأخبار عن مقتل مسلم بن عقیل لم یخف الأخبار عن أصحابه وإنما اخبرهم بذلک وشجعهم على الانصراف، وکان بین فتره وأخرى یخبرهم انه سیقتل وتسبى حریمه، ولم یخبرهم انه سینتصر عسکریاً.
حادی عشر: رفض البدء بالقتال
القتال نهایه المطاف بعد أن تعجز الوسائل السلمیه وبعد أن یصل المسلمون إلى طریق مسدود فإمّا الذل وإمّا العزّ بالدفاع عن القیم والمبادئ الإسلامیه.
وقد رفض الإمام الحسین (علیه السلام) البدء بالقتال، ففی طریقه إلى کربلاء قابل أول طلائع الجیش فلو دخل معرکه معهم لهزمهم ولکنه رفض البدء بقتالهم وکان جوابه لزهیر بن القین:(ما کنت لأبدأهم بقتال)(۱۹).
وفی عاشوراء وقف شمر أمام معسکر الحسین (علیه السلام) وبدأ یکیل السباب والشتم للإمام، فأراد مسلم بن عوسجه أن یرمیه بسهم فقال له الإمام (علیه السلام): (لا ترمه فانّی اکره أن ابدأهم)(۲۰).
ومن أخلاق النهضه الحسینیه: قبول توبه المخالفین، ورفض الفتک بالأعداء، وعدم استخدام العبارات غیر المهذبه حتى مع قاده الحکم الأموی.
ــــــــــــــــــ
۱- الکامل فی التاریخ ۳۸:۴ .
۲،۳- بحار الأنوار ۳۶۴:۴۴، ۸۶:۴۵٫
۴- الکامل فی التاریخ ۵۰:۴٫
۵- الإرشاد: ۲۲۴ ، المفید.
۶- الکامل فی التاریخ ۷۲:۴٫
۷- معالی السبطین ۳۲۰:۱٫
۸- مقتل الحسین: ۳۳۶، المقرّم.
۹- إبصار العین فی أنصار الحسین: ۲۸ محمد السماوی.
۱۰، ۱۱- حیاه الإمام الحسین ۱۹۹:۳، باقر شریف القرشی.
۱۲- بحار الأنوار۳۹۳:۴۴٫
۱۳- اللهوف فی قتلى الطفوف: ۴۷٫
۱۴- إبصار العین فی أنصار الحسین: ۸۵٫
۱۵- الکامل فی التاریخ۴۸:۴٫
۱۶- تاریخ الطبری ۳۰۴:۴٫
۱۷- المنتظم فی تاریخ الأمم والملوک ۲۳۷:۵ .
۱۸- بحار الأنوار ۱۷:۴۵٫
۱۹- الکامل فی التاریخ۵۲:۴٫
۲۰- الإرشاد: ۲۳۴٫
وبهذه الأخلاق استطاعت النهضه الحسینیه أن تحقق النصر الحقیقی بعد أن أیقن المسلمون أنها نهضه سلیمه جاءت لإصلاح الواقع وتغییره بعد أن جسدت هذا الإصلاح وهذا التغییر فی سلوکها وأخلاقها.