الإصلاح السیاسی
لأوضاع البلاد السیاسیه تأثیر مباشر فی سائر الأوضاع الإقتصادیه والإجتماعیه، لأنّ السلطه السیاسیه تتحکّم فی سائر هذه المجالات وتتحکّم بها، وقد تتشکّل لتکون أداه للإصلاح أو وسیله للإفساد والإستیلاء على مقدرات البلد وثروات المجتمع، وهی بذاک تکون رأس الفساد وأسّ الإستبداد، لقمع أی صوت معارض أو رأی منتقد.
والفساد السیاسی، ظاهره فی معظم دول العالم سواء على صعید الإستبداد وإستعمال القوّه التعسّفیه بمعنى: (استخدام القوّه لتحقیق غرض یختلف عن الغرض الذی على أساسه تمَّ منح القوّه) (۱)، ولو کان هذا الإستبداد تحت غطاء رسمی أو ستار من المشروعیه القانونیه، أو کان الفساد بإستخدام السلطه للإستغلال المالی والسیطره على ثروات البلد، لتکون الحکومات حکومات نهب، والدوله کأنّها إقطاعیه شخصیه لحاکم، أو الحُکّام الذین همّهم جنی الثروات والأرباح الشخصیه، أکثر ممّا یهتمّون بالنفع العام ومصلحه المجتمع وتنمیه البلد وتقدّمه(۲) ، ولتکون کل مسارات الحکم وآلیات الدوله وبرامج السیاسه لخدمه هذه الأهداف، أو غطاءً شرعیاً لسرقات وإمتیازات غیر شرعیه.. وحتى تبدُّل الحکومات والإنقلابات العسکریه، یأتی ضمن هذا السیاق والتسابق للسیطره على مصادر المال والمزید من الإحتیال.
لم یعد الفساد السیاسی مختصاً بالدول المتخلِّفه، بل تجده فی أکثر دول العالم تقدّماً، ولکن بطرق أکثر دهاءً ووسائل أشدّ تعقیداً، ولکن تنتهی إلى أن یکون وراء الحکومات رجال أعمال وشرکات یستغلّون السلطه للوصول إلى مآربهم النفعیّه بمختلف الوسائل بما فی ذلک من إستغلال وإحتیال وإستخدام لوسائل غیر مشروعه.
یکفینا للدلاله على ذلک فضیحه (ووترگیت) وإستغلال الحرب على الإرهاب لإحتلال البلاد والتحکُّم بمصیرها، وحتى الدیمقراطیه والإنتخابات لم تعد – لوحدها – علاجاً أساسیاً للفساد – إنْ لم تردف بوسائل أخرى تُحصِّنُ العملیه الإنتخابیه وتمنع من الإستغلال والتحیُّز فیها – ، بل على العکس من ذلک فإنّ بعض النظم الدیمقراطیه عرضه لنفوذ المصالح الشخصیه أکثر من غیرها ، لأن هذه النظم تُسهِّل صعود الأغنیاء، أو أصحاب النفوذ، بل فی بعض البلدان، تدیم سیطره أصحاب النفوذ والإقطاعیات العرقیه والطائفیه، وبالتالی تتحوّل الدیمقراطیه إلى لعبه بید الأقویاء یتبادلون من خلالها الأدوار وتقاسم الثروات بالمحاصصه والتحالفات والتوافقات التی تمرّر بها القوانین وتدار بها البلاد.
ولا یمکن للقوى الحُرّه والنظیفه، بإمکانیاتها المادّیه المحدوده وعدم إستفادتها من المال العام وتسهیلات الدوله وفقدانها لمصادر التمویل الکبیره التی تمتلکها الأحزاب المسیطره أو عصابات السلطه، وبالتالی عدم قدرتها على مواجهه السیطره الإعلامیه والدعایه الهائله لهذه القوى.. لا یمکن لهذه القوى أن تخترق السیطره الحاکمه أو أن تجد منفذاً إلى المجالس التشریعیه وبالتالی التنفیذیه، لتبقى السلطه دوّاره بین حزبین، کما فی أمریکا وانکلترا وکثیر من الدول الأوروبیه، لعشرات السنین، أو بین عوائل أو قوى مؤثره معیّنه فی بلدان العالم الثالث.
وإذ تتمّ السیطره على السلطه، تتحوّل المجالس إلى أدوات لتمریر القوانین والأنظمه الضامنه لمصالح الطبقات أو الأحزاب الحاکمه، والقضاء إلى جهاز صامت ساکت عن الحق، والإعلام مُشتَرى، والأحزاب والهیئات السیاسیه ومنظمات المجتمع المدنی موزّعه وموجّهه من قبل أصحاب النفوذ.. هذا إن لم تکن السلطه مطلقه والحکومات مستبده، فلا أحزاب ولا حرِّیات ولا صحافه حُرّه ولا قضاء مستقل، وکل شیء یجری على ما یرام، کما یُرید الحُکّام وما یشتهون.
ولیس الفساد فی الحکم بجدید، بل هو قدیم قدم الإنسان، ومنذ أنْ لم تکن حکومات، کان الصراع من أجل السیطره والنفوذ والثروات وراء جلّ الجرائم والحروب، ولذلک نجد أنّ التعرّض لمعالجه الفساد بهذا الجانب کان موضع إهتمام الشرائع الإلهیّه والجهود البشریه المُصلحه عبر التاریخ.
ویرجع إصلاح الحاله السیاسیه أو فسادها إلى المبادئ الحاکمه فی الحکم وولایه الأمر قبل أی شیء آخر، ومن ثمّ القوانین والأنظمه التی تُنظِّم العملیه السیاسیه، وأخیراً مدى فاعلیّه وسلامه الوسائل والآلیات التنفیذیه.
وتتّجه عملیات الإصلاح السیاسی فی العالم الیوم إلى التأکید على محاور أساسیه، هی:
۱- وضع حدود للسلطه السیاسیه، من حیث الصلاحیات والإمتیازات، والعمل على منع تمرکز السلطه وإطلاق الید للمسؤولین فی العمل، والعمل على توزیع السلطات.
۲- العمل على شفافیه الحکم والکشف عن المعلومات التی تخص المیزانیه وسائر التصرُّفات المالیه.
۳- تقویه أجهزه الرقابه والمحاسبه الحکومیه والقضائیه والشعبیه والإعلامیه.
۴- تقویه حضور الأُمّه والرأی العام، من خلال منظمات المجتمع المدنی والصحافه والمؤسسات المستقله لمکافحه الفساد.
۵- إستقلال القضاء وتوفیر فرص الشکوى والمقاضاه للناس ضدّ المسؤولین وغیرهم.
۶- المساواه أمام القانون ومنع أشکال التمیُّز والتحیُّز(۳).
وقد عالج الإسلام الفساد السیاسی، على مختلف المستویات، ابتداءً بوضع الأُسس الصحیحه للولایه والحکم، ومن ثمّ ترصُّد منافذ ومسارب الفساد وملاحقه کل صور الإستبداد، وتحریم کل أنواعه، ووضع العقوبات علیها، ومن ثمّ والأهم من کل ذلک، تقویه دور الأُمّه، على مستوى إعطاء الشرعیّه للحکم والتشریع والمراقبه والمحاسبه، حتى أنّنا یمکن أن نجد فی الإسلام، وفی ما عرضه القرآن منظومه متکامله للإصلاح السیاسی.
……………………………..
(۱)- انظر: الفساد والإصلاح, د.عبدالرازق الشیخ داود, ص۸۸٫
(۲)- الفساد والحاکم, سوزان- روزکرمان, ص۲۰۷٫
(۳)- سوره البقره: ۳۰٫
المصدر: کتاب نظریه الإصلاح من القرآن الکریم.