الإخلاص لله تعالى وموانعه
ولا بدَّ من الإشاره هنا إلى أنَّه لا ملازمه بین صحه العباده فی الظاهر وقبولها فی الواقع، فحتَّى ولو کانت النیَّهُ خالصهً من الرِّیاء الظاهری، بحسب ما ذکره الفقهاء إلاَّ أنَّها لا تکون صحیحهً مع الشِّرک الباطنی فی الواقع، وغیر مقبوله لدى اللَّهِ سبحانه.
قال الله تعالى ملکُهُ العزیز: ((وما أمروا إلا لیعبدوا الله مخلصین له الدین حنفاء ویقیموا الصلاه ویؤتوا الزکاه وذلک دین القیمه)).
وقال سبحانه: ((وأقیموا وجوهکم عند کل مسجدٍ وادعوه مخلصین له الدین)).
ورُوی عن مولانا ومقتدانا رسول الله (ص) قولُه: «قال الله تعالى: الإخلاص سِرٌّ من أسراری استودعتُهُ قلبَ مَنْ أحببتُ من عبادی».
تعریفُ الإخلاص:
قال العارف السالک الأنصاری قُدس سرُّه الشریف «الإخلاصُ تصفیه العملِ من کل شوب» وقیل عن الإخلاص أنَّه «تنزیه العملِ أن یکونَ لغیر الله فیه نصیب».
وقیل «هو أن لا یریدَ عامِلُهُ علیه عوضاً فی الدارَیْن».
ونُقل عن الشیخ المحقق محی الدین العربی أنَّه قال «ألا لله الدِّینُ الخالصُ عن شوب الغَیْریَّه والأنانیه، لأنَّک لِفَنَائِکَ فیه بالکلیه، فلا ذاتَ لک، ولا صفهَ، ولا فِعْلَ، ولا دین، وإلاَّ لَمَا خَلُصَ الدِّینُ بالحقیقه، فلا یکون لله».
الإخلاصُ علامهُ أهل الإیمان:
یُعبِّر الإخلاص عن شدَّه الإیمان وقُوَّه الیقین، وکُلَّما کان حاضراً فی العمل کُلَّما کان توفیقُ الله حاضر.
والمؤمن یتمیَّز عن غیره فی جمله ما یتمیَّز، بابتغاء وجه الله تعالى لنیل رضاه، بینما غیره له أهداف شتَّى.
یقول الله تعالى عزُّه، رداً على شبهات الیهود والنصارى: ((ولنا أعمالنا ولکم أعمالکم ونحن لهمخلصون)).
وأمر سبحانه بینَّه(ص) بالعباده المُخْلِصه کعلامهٍ له ولأُمَّته من بعده، قال: ((إنا أنزلنا إلیک الکتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدین * ألا لله الدین الخالص)).
وهکذ، فإنَّ أعمال أهلِ الإیمان مرتبطه بنیَّتهم وإخلاصهم وحبِّهم لمعبودهم الخالق جلَّ جلاله، لا یُشْرکون فی حبِّه أحد، فی مقابل عباده أهل الشِّرْک والعقائد الفاسده الَّذین یتوجَّهون ویستعینون بمخلوقات یجعلونها لله نظیر، والعیاذ بالله.
فَمَنْ عظُم عنده وجهُ الله اکتفى به عمَّا فی السَّموات والأرض، ورُوی عن النَّبی الخاتم (ص): «اعملْ لوجهٍ واحد یکفیک الوجوه کلَّه».
وحتَّى المؤمنین، تتفاوت درجاتهم بحسب إخلاصهم، وفی النصِّ المبارک الوارد فی تنبیه الخواطر: «بالإخلاص تتفاضل مراتب المؤمنین».
وهکذا درجات جنَّات النَّعیم، جعلنا الله تعالى من أهله، یقول مولانا علیُّ بن أبی طالب (ع): «کُلَّما أخلصتَ عمل، بلغتَ من الآخره أمل».
الإخلاص فی العمل أشدُّ منه:
ورد عن أبی عبد الله (ع) فی قوله تعالى: ((لیبلوکم أیکم أحسن عملاً))، قال: لیس یعنی أکثَرَکُمْ عمل، ولکنْ أصوبکُم عمل، وإنَّما الإصابهُ خشیهُ اللَّهِ، والنیَّهُ الصادقهُ والخَشْیَهُ، ثمَّ قال: الإبقاءُ على العمل، حتَّى یَخْلُصَ أشدُّ من العمل، والعملُ الخالصُ الَّذی لا تریدُ أن یحمِدَکَ علیه أحدٌ إلاَّ الله تعالى، أفضلُ من العمل، ألا وإنَّ النیَّهَ هی العملُ، ثمَّ تلا قولَهُ عزَّ وجلَّ: ((قل کل یعمل على شاکلته))، یعنی على نیَّته.
لعلَّ البعض یظنُّ أنَّ الإخلاص مسألهٌ بسیطه یُمکنُ تحصیلها بأدنى جهد، لکنَّ الَّذی یعرف طبیعه النَّفس البشریه وهواها ورغباتها وشهواتها یتلمَّس عظیم المعاناه الَّتی تُصاحب العمل لیکون صافیاً خالصاً قربه إلى الله تعالى.
والمؤمن بالغیب هو الأقدر والأجدر لتحصیل هذه الدرجه المعنویَّه العالیه.
رُوی عن أمیر المؤمنین (ع) قولُه: «تصفیه العمل، خیرٌ من العمل».
وعن الإمام الباقر (ع) قوله: «الإبقاء على العمل أشدُّ من العمل».
قال الراوی: وما الإبقاء على العمل؟
قال (ع): «یصل الرَّجل بصِلهٍ، ویُنْفِق نفقهً لله وحده لا شریک له، فتُکتب له سِرّ، ثمَّ یذکرها فتُمْحى فتکتب له علانیه، ثمَّ یذکرها فتُمْحى وتُکتب له ریاء».
لذلک أراد الإسلام أن یُعلِّم أتباعه الإخلاص الحقیقی فدعاهم ودرَّبهم على عباده السرِّ، فی سائر المجالات، وجعلها أجراً وثواباً أفضل من عباده العلن.
واشتُهر عن مولانا رسول الله (ص) قوله: «أعظم العباده أجر، أخفاه».
وفی بحار الأنوار أیض، عن الإمام الصَّادق (ع) قال: «إذا کان یوم القیامه، نظر رضوان خازن الجنَّه إلى قومٍ لم یمرُّوا به، فیقول: مَنْ أنتم؟ ومن أین دخلتم؟! قال: یقولون: إیَّاک عنَّ، فإنَّا قومٌ عبدنا الله سِرّ، فأَدْخَلَنا الله سِرّ».
أیُّها الحبیب، ألا ترى معی أنَّ صلاه علی (ع) تُضاهی ظاهرَ صلاهِ المنافق، فی أجزائها وشرائطها وشکلها الخارجی؟!
نعم!!! إلاَّ أنَّ هذا یعرج بعمله إلى الله سبحانه، وذاک یغور فی جهنَّم وبئسَ المصیر.
إنَّ تقدیمَ أهلِ بیت العصمه (ع) رغیفاً أو أقراصاً من الخبز للفقیر، بعد تحمُّل جوعِ یومین أو ثلاثه، قد تفعَلُهُ أنت من دون صعوبه ومشقَّه… لکن هیهات لأمثالنا من النیَّه الخالصه الصادقه!!!
فالأشیاء لیست بشکلها بل بروحها وقصدها ـ ولقد قالوا فی العلوم العقلیه، أن شیئیَّه الشیء بصورته لا بمادته، وهذا هو معنى الحدیث المشهور «نیَّهُ المؤمنِ خیرٌ من عمله» «ألا وإنَّ النِّیهَ هی العمل» وجمیعُ الأعمالِ فانیهٌ فی النیَّه، ولا استقلالیه له.
إنَّ تخلیص الأعمالِ من جمیع مراتب الشِّرک والریاء… ینحصر فی إصلاحِ النَّفس، وإلاَّ یبقى الإنسانُ یعیشُ فی البیت المظلم للنفس، ولا یکون مسافراً إلى الله تعالى، بل یبقى مُخلَّداً فی الأرض.
آثار الإخلاص الغَیْبیَّه:
لا شک أنَّ للإخلاص کما لسائر الأعمال الخیِّره والعبادات الجلیله الَّتِی أُمرنا بها آثاراً قد نرى أن نشعر ببعضه، لکنْ لا شک ما خفی علینا أعظم وأجلَّ.
وقد ورد فی حقِّ الإخلاص ما یُبْهر العقول من أمور لا نملِکُ لها تفسیراً إلاَّ أنَّها رحمهٌ من الله العزیز الجبَّار، ولا یُمکن تفسیر مثل هذه البرکات بموازین العقل والمنطق السائدین عند أهل الدُّنْی.
فبعد المراقبه الشدیده، یَثْبت المرء على الإخلاص لیوم أو یومین… أمَّا مَنْ وُفِّق لأکثر من ذلک فسوف یرزقه الله رزقاً لا یوزن بذهب ولا بفضه.
ورد عن سَیِّدنا المصطفى (ص): «ما أخلص عبدٌ لله عزَّ وجلَّ أربعین صباحاً إلاَّ جرت ینابیع الحکمه من قلبه على لسانه».
وفی تسدید الله عزَّ وجلَّ للمؤمن المخلص، رُوی عنه (ص): «قال الله عزَّ وجَلَّ: لا أطَّلع على قلبِ عبدٍ، فأعلم منه حبَّ الإخلاص لطَّاعتی لوجهی، وابتغاء مرضاتی إلاَّ تولَّیْتُ تقویمه وسیاسته».
قصَّه للعبره والاقتداء:
فی سیاق قصَّه موسى وشعیب، على نبیِّنا وآله وعلیهما السلام، ورد:
… فلَّما دخل على شعیب إذا هو بالعشاء مهیَّ، فقال له شعیب: اجلسْ یا شاب فتعشَّ، فقال له موسى: أعوذ بالله، قال شُعیب: ولِمَ ذاک، أَلَسْتَ جائع؟!
قال: بلى، ولکنْ أخاف أن یکون هذا عوضاً لِمَا سقیتُ لهم، وإنَّا أهلَ بیتٍ لا نبیع شیئاً من عمل الآخره بملء الأرض ذهب، فقال له شعیب: لا والله یا شاب، ولکنَّها عادتی وعاده آبائی نقری الضَّیْف ونُطعم الطعام. قال: فجلس موسى یأکل.
* * *
ومضات: الإخلاص هو تصفیه العمل من کل شَوْب، فلا یَعْتبر عمله من کَسْبه، فکیف یطلب علیه ثواب، بل هو محض موهبه أجراها الله جلَّ جلاله على یدیه، وهو العبد الَّذی لا حول له ولا قوَّه إلاَّ بربِّه تبارک وتعالى.
* * *
نصوص مبارکه تتعلَّق بالموضوع
قال الله تعالى: * ((إلا الذین تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دینهم لله فأولئک مع المؤمنین وسوف یؤت الله المؤمنین أجراً عظیماً)) (سوره النِّساء: ۱۴۶).
((قل إنی أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدین)) (سوره الزُّمر: ۱۱).
وفی حقِّ سَیِّدنا یوسف، على نبیِّنا وآله وعلیه السلام، قال تعالى: ((کذلک لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصین)) (سوره یوسف: ۲۴).
وعن رسول الله (ص): «لیست الصلاهُ قیامک وقعودک، إنَّما الصلاه إخلاصک وأنْ ترید بها وجهَ الله».
وعن مولانا أمیر المؤمنین (ع) قوله: «الإخلاص غایه الدِّین». «الإخلاص أعلى الإیمان».
وعن مولانا الحسن العسکری (ع): «لو جُعلتْ الدُّنیا کلُّها لقمهً واحدهً، ولقَّمْتُها مَنْ یعبد الله خالص، لرأیتُ أنِّی مُقصِّرٌ فی حقِّه».