الصوم بین الصحه والإیمان
إذن فتلک حقیقه مقرَّره فی القرآن الکریم لا جدال فیها ، وباستقراء التاریخ نجد أن قدماء المصریین، وخاصه الکهنه ورجال الدین کانوا یصومون، وکانت مده الصیام من أسبوع إلى سته أسابیع.
وکان الصینیون القدماء یصومون أیضاً، کما أن الرومانیین لجأوا إلى الصوم طلباً للنصر على أعدائهم، ونلاحظ أیضاً إن الیهود یصومون، ویهتمون أکثر بالصوم عندما یتعرضون لخطر من الأخطار، أو وباء من الأوبئه الفتّاکه..
والنصارى أیضاً لهم طریقتهم الخاصه بالصوم..
والأغرب من ذلک أن بعض الحیوانات تصوم حفاظاً على نفسها وجنسها، واستجابه فطریه لظروفها وتکوینها.. بل إننا نرى بعض الأطباء ـ فی حالات معیّنه ـ یأمرون مرضاهم بالصیام جزئیاً أو کلیاً، لفترات محدده.. وقد یکون الصوم عن أنواع من الأطعمه والاشربه بعینها..
فلا عجب إن رأینا العالم الشهیر، الحائز على جائزه (نوبل) الیکسیس کارلیل یقول فی کتابه (الإنسان ذلک المجهول):
( إن کثره الطعام، وانتظامه، ووفرته، تعطل وظیفه أدّت دوراً عظیماً فی بقاء الأجناس البشریه، وهی وظیفه التکیّف على قله الطعام، ولذلک کان الناس یلتزمون الصوم فی بعض الأوقات…).
وفی دائره المعارف البریطانیه نقرأ الآتی:
(إن أکثر الأدیان، دانیها وعالیها، قد فرضت الصیام وأوجبته، فهو یلازم النفوس حتى فی غیر أوقات الشعائر الدینیه، یقوم به بعض الأفراد، استجابه للطبیعه البشریه فی بعض مظاهرها..).
والإسلام قد حبّب إلى المسلمین الصیام فی غیر أیام شهر رمضان أیضاً، فنجد النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، یجعل منه أمراً اختیاریاً فی مناسبات معیّنه ، کصیام یوم عرفه وصیام أیام من رجب وشعبان والمحرم.. واستحباب الصوم فی یومی الخمیس والاثنین.. من کل أسبوع وصیام الکفاره بمختلف أنواعه..
إن هذه الحقائق الباهره تجعل من الصوم عباده عظیمه، بعیده الأثر فی سلوک الإنسان وصحته، ونقاء روحه وجسده..
ماذا یحدث عندما یمتنع الإنسان عن الطعام والشراب أثناء الصوم ؟؟
الجانب السلبی :
۱ـ یحدث فی البدایه الشعور بالجوع ، حیث تخلو المعده من الطعام، وتنخفض نسبه السکر فی الدم.
۲ـ قد یحدث عقب ذلک بعض التهیّج العصبی فی الأیام الأولى من الصوم، بسبب خروج الإنسان على المألوف من العادات، وبعض التغیرات فی الأنسجه المتلفه بالجسم.. وهذه الظاهره قد لا تحدث لکثیر من الناس.
۳ـ قد یعقب ذلک شعور بالضعف وخاصه عند أولئک الصائمین الذین یبذلون جهوداً فوق العاده أثناء تأدیه وظائفهم، وأولئک الذین قد یهملون فی تعاطی وجبتی السحور والإفطار على الطریقه الصحیحه المناسبه لهم..
الجانب الإیجابی:
وهناک بعض الأمور الخفیه التی تحدث داخل جسم الإنسان دون أن نعرفها ، ففی الکبد مثلا کمیّه مخزونه من السکر للطوارئ ، وزیاده هذه الکمیه فی الکبد قد تکون لها آثار وخیمه ، أما عند الصوم فإن سکر الکبد یتحرک.. ویذهب إلى الدم والأنسجه للاستفاده منه أثناء الصوم.
کذلک یتحرک الدهن المخزون تحت الجلد أو فی الأماکن الأخرى وهی وسیله للتخلص من هذا العبء الزائد من الدهون التی تُسبّب السِمنه، وما تجرّه من مصائب ومضاعفات خطیره..
کذلک تتحرک بعض مواد العضلات والغدد وبعض البروتینات، ومن ثم نجد أن معظم الأعضاء تضحی بمادتها الخاصه ، للإبقاء على الوسط الداخلی، وسلامه القلب والجهاز العصبی..
وهکذا نرى أن الصوم ینظّف ویبدّل أنسجتنا..
لکننا نلاحظ الآتی: أن الذی یتم استهلاکه هی الأنسجه الزائده أو الأنسجه الغیر رئیسیه، فمثلاً:
العضلات تفقد ۴۰%
الطحال یفقد ۶۷%
الکبد یفقد ۵۴%
أما القلب فیفقد ۳% فقط
بینما أنسجه المخ والأعصاب لا تمسّ أبداً.
والمفقود عاده من الأنسجه لا یمسّ الجوهر، وإنما یتناول الماده الزائده أو المضره..
ویلاحظ أیضاً أن النبض الطبیعی للقلب یتراوح بین ۷۰ـ ۸۸ نبضه مثلاً، أما أثناء الصوم فیقلّ الدم الذاهب إلى المعده، وبالتالی یقلّ الجهد الذی یبذله القلب ، وینخفض النبض أحیاناً إلى حوالی ۶۰ نبضه فقط .. وفی ذلک راحه للقلب ، وتخفیف من العبء علیه ، وهذا هام خاصه بالنسبه لکبار السن ومرضى القلب والضغط .. فما أروع قول الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم) : (( صوموا تصحّوا )).
الصوم والدواء:
فی عصرنا کثُر تعاطی الأدویه أو العقاقیر المختلفه ، وخاصه تلک التی تتعلق بتخفیف الآلام والأرق والتوتر ، ومعظم هذه الأدویه لها آثار جانبیّه ، فضلاً عما یتخلف عنها فی الجسم من سموم ومرکبات ضاره وللأسف فإن کثیراً من الناس یتعاطى هذه الأدویه دون استشاره الطبیب فی بعض الأحیان.
لکن ما العلاقه بین الصوم والأدویه التی نتعاطاها ؟؟
یقول الدکتور ( ماک فادون ) ، وهو من الأطباء العالمیین الذین اهتموا بدراسه الصوم وأثره.. یقول:
( أن کل إنسان یحتاج إلى الصوم وان لم یکن مریضا ً.. لان سموم الأغذیه والأدویه تجتمع فی الجسم فتجعله کالمریض ، وتُثقله ، فیقلّ نشاطه.. فإذا صام الإنسان خفّ وزنه ، وتحلّلت هذه السموم من جسمه بعد أن کانت مجتمعه ، وما أن تذهب عنه حتى یصفو صفاء تاماً.
ومع ذلک یستطیع الصائم ـ إذا أراد ـ أن یستردّ وزنه ، ویجدد جسمه فی مده لا تزید على العشرین یوماً بعد الإفطار، لکنه یکون قد تخلّص من أعباء السموم، ویبدأ یشعر بنشاط وقوه لا عهد له بهما من قبل ).
والجدیر بالذکر ، أن هذا الطبیب عالج بالصوم کثیراً من الأمراض المختلفه ، وذکر أسماء المرضى وأمراضهم وتاریخ علاجهم ، إلا إنه قرّر أن انتفاع المرضى بالصوم یتفاوت حسب أمراضهم، فأکثر المرضى استفاده من الصیام، المصابون بأمراض المعده، فالصوم یسارع فی شفائها، والتخفیف من أعراضها المتعبه، وکذلک المصابون ببعض أمراض الدم والجلد والروماتزم وغیرها.
ولقد قامت بالفعل فی العالم الأوروبی مصحّات عدیده یُتّخذ الصوم فیها کعلاج رئیسی لکثیر من الأمراض وخاصه اضطرابات الهضم والبدانه وبعض أمراض القلب والکبد والبول والسکری وارتفاع ضغط الدم.
ولا شک أن بعض الأمراض یُزیدها خطوره أنواع معینه من الطعام مثل زیاده الأملاح أو الدهون أو المواد السکریّه، تلک العلاقه بین الصحه العامه والطعام علاقه أکیده لا خلاف علیها، ولهذا نرى الأطباء یکتبون وصفات بالطعام الذی یناسب المریض، ویحرمونه من بعض الأطعمه التی قد تزید حالته سوءاً.
فیستطیع کل صائم أن یجعل من هذا الشهر الکریم فتره للعلاج والوقایه من کثیر من الأمراض.
طعام الإفطار:
یقول الرسول الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم) :
(( إذا افطر أحدکم ، فلیفطر على تمر ، فانه برکه ، فإن لم یجد فالماء ، فانه طهور…)) صدق رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) .
فالأمعاء ـ کما یقول الدکتور أنور المفتی ـ تمتصّ المواد السکریه الذائبه فی أقلّ من خمس دقائق فیرتوی الجسم ، وتزول أعراض نقص السکر والماء فیه لأن سکر الدم ینخفض أثناء الصوم فیؤدی إلى الشعور بالجوع وإلى بعض التوترات أحیاناً، وهذا سرعان ما یزول بتناول المواد السکریه .. وهنا تظهر الحکمه النبویه الشریفه فی البدء بتعاطی ماده سکریه کالتمر بالذات.. ولو علمنا ما یشمل علیه البَلَح بأنواعه المختلفه، لأدرکنا أکثر وأکثر تلک الحکمه النبویه العالیه ، فالدراسات الغذائیه علیه أثبتت الآتی :
أولاً ـ یحتوی البلح (التمر) على مواد سکریه تبلغ نسبتها ۷۰% ، ومعظم تلک السکریات الموجوده فی التمر من نوع السکریات المحوّله ، مثل سکر الفاکهه الذی یسمونه (الفرکتوز) ، وهذا السکر سهل الهضم وسهل الاحتراق ومن ثم تتولد عنه طاقه عالیه دون أن تُکلّف الجسم عناءً شدیداً فی تحویلها أو هضمها أو تمثیلها الغذائی ، وبالطبع فإن هذا السکر یختلف عن السکر الذی نستعمله فی طعامنا واعنی به سکر القصب (السکروز)، وقد ثبت من دراسات أجرَتْها منظّمه الصحه العالمیه على (السکروز) (أی سکّر القصب والشمندر)، أنّ لزیاده استعماله علاقه ببعض أمراض القلب والشرایین، وما یتّصل بالسمنه من مضاعفات..
ثانیاً ـ یحتوی التمر على معادن کثیره هامه أشهرها:
ـ أشهرها البوتاسیوم والصودیوم والکالسیوم. والماغنسیوم.
وهی معادن لها أهمیتها فیما یتعلق بالعملیات الکیماویه فی جسم الإنسان.
کما أن هناک تفاصیل أخرى لا مجال لذکرها هنا لذا نرى الحکمه النبویه فی تفضیل التمر والماء.
نصائح ضروریه للصائم:
إن هناک نصائح هامه من الخیر لنا جمیعاً الالتزام بها:
۱ ـ تناول قدراً من التمر المحلّى بالسکر وقد مرّ ذکر ذلک ..
۲ ـ لا تفاجئ المعده بالطعام مباشره ، فمن الأفضل أن تؤدّی صلاه المغرب .
۳ ـ إبدأ بتناول کمیّه معقوله من (الحساء) لتنبیه المعده فتبدأ بالإفرازات الهاضمه.
۴ ـ تجنّب التوابل وشرب الکثیر من الماء أثناء الطعام لأنه یخفف ترکیز الإفرازات الهاضمه ، ویبطئ من عملیه الهضم، وله آثار سلبیه أخرى.
۵ ـ تجنّب الدهنیات الکثیره لأنها قد تؤدی إلى البدانه وعسر الهضم ، وتساهم فی أمراض الشرایین والقلب.
۶ ـ لا تتخم المعده بالطعام.
۷ ـ امضغ الطعام مضغاً جیداً وفتّتْه تفتیتاً جیداً ، فانه أمر حیوی حتى یسهل هضمه بعد ذلک فی المعده .
۸ ـ یجب ألا تکتفی بنوع واحد من المواد الغذائیه، فلا بد أن تکون الوجبه شامله للعناصر الغذائیه المختلفه، حتى تحصل على الغذاء المتوازن..
السحور:
السحور ضروره بالنسبه للصائم وخاصه أولئک الذین یبذلون جهوداً مضاعفه فی العمل أثناء النهار، ولذا نرى قول رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) : (( تسحّروا ، فإن فی السحور برکه )) ویقول فی حدیث آخر : (( استعینوا بطعام السحور على صیام النهار ، وبقیلوله النهار على قیام اللیل )) .. ویقول (صلى الله علیه وآله وسلم) : (( لا یزال الناس بخیر ما عجّلوا الفطر ، وأخروا السحور )) وفی هذا لا شک توازن زمنی بین الوجبتین .
کما أوصى الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) بالنوم فی القیلوله ، وهذه مسأله حیویّه ، تمنع عن الصائم التراخی والکسل ، الناشئین عن قله النوم واضطرابه.
وهناک نصائح عامه بالنسبه للسحور نستطیع أن نوجزها فی النقاط التالیه:
۱ـ أن تکون وجبه السحور خفیفه.
۲ـ عدم النوم بعد تناول السحور مباشره.
۳ـ عدم الإکثار من الدهون والنوم مباشره بعدها.
۴ـ المشویات أفضل بکثیر من المقلیات لأن الأخیره تحتوی على نسبه کبیره من الدهون.
۵ـ أن تشمل وجبه السحور الصوره الغذائیه المتکامله أو المتوازنه .
۶ـ إذا کُنت ممن یتعاطون بعض الأدویه ، وقادراً على الصوم فلا تنسَ أن تأخذ دواءک.
۷ـ استعمال الفرشاه أو السواک لتنظیف الأسنان هام وحیوی قبل النوم ، فبالإضافه إلى أن ذلک سنّه محبّبه ، فهو له فوائد صحیّه کثیره.
هذا بالنسبه للشخص العادی ، وهناک أفراد قد تقلّ احتیاجاتهم من الطعام عن ذلک ، ولا یشعرون بأدنى مشقه ، فلا بأس أن یتخذوا الأسلوب المناسب .