عمل المرأه.. بین التصور الإسلامی والتصور الغربی
– قصه خروج المرأه الأوروبیه إلى العمل فی المصانع:
ترجع القصه إلى عهد الثوره الصناعیه التی قلبت الأوضاع کلّها فی أوروبا حیث خرج الرجال إلى العمل فی المدینه، وترکوا مواطنهم الریفیه، وترکوا نساءهم بلا معیل ینفق علیهنّ، وانشغلوا بحیاتهم فی المدینه، وانبهروا بلذّاتها ومُتعها، وقضوا شهواتهم بلا ثمن ولا مسؤولیه، فاضطرّت المرأه إلى الخروج للعمل فی المصانع شیئاً فشیئاً بحثاً عن لقمه العیش والتقطها أصحاب المصانع کی یضربوا بها حرکات العُمّال المطالبه بتخفیض ساعات العمل وزیاده الأجور للعُمّال من الرجال، فشغَّلها أصحاب المصانع ساعات طویله من العمل وأعطوها أجراً أقل من الرجل الذی یقوم معها بنفس العمل فی نفس المصنع، وقسوا علیها إلى أقصى حد، واستغلوا حاجتها إلى المال أسوأ استغلال دونما ضمیر أو خلق.
وجاءت الحرب العالمیه الأُولى وقتل عشره ملایین من الشباب الأوروبیین والأمریکان، وواجهت المرأه قسوه المحنه بکل بشاعتها، فقد وجدت ملایین من النِّساء أنفسهنّ بلا عائل، إمّا لأن عائلهنّ قد قُتل فی الحرب أو شوِّه، أو جُنَّ أو مرض مرضاً عصبیاً، فکان حتماً على کل إمرأه أن تعمل وإلا جاعت وجاع صغارها، کما أصبحت المصانع فی حاجه إلى مَن یُشَغِّلها بعدما غابت الأیدی العامله من الرجال، وکان على المرأه أن تواجه أصحاب المصانع ومَن تبقّى معهم من الرجال وهؤلاء جمیعاً لا یریدون أیدی عامله فقط، وإنما یریدون جسد المرأه، وکان امتحاناً قاسیاً سقط فیه أکثر نساء أوروبا، فبذلت المرأه نفسها للراغبین تحت إلحاح الجوع الذی لا یرحم، وکذا تحت تأثیر الشهوه الجنسیه التی لا تجد مَن یطفئها بسبب النقص الهائل فی عدد الرجال الذی خلَّفته الحرب التی حصدت ملایین الشباب، ولم یکن عند الأوروبیین حل دینی لتلک المشکله، فدینهم یحرم تعدد الزوجات وهو الحل الإسلامی لمثل هذه الحاله الإستثنائیه.
وهکذا سارت المرأه فی طریقها المحتوم تبذل نفسها للراغبین، وتعمل فی المصنع والمتجر وتشبع رغائبها ورغائب الذائب، وبذلت المرأه نفسها وکبریاءها وأنوثتها واستقرارها الأسری وحقّها فی الحیاه الکریمه، والثمن هو نصف أجر العامل من الرجال.
یقول الأستاذ محمد قطب: لو کان فی أوروبا تشریع سماوی یوجب على الرجل کفاله المرأه فی جمیع أحوالها، لما وُجدت إمرأه تتعرّض للموت جوعاً فتضطر إلى الهجره من الریف إلى المدینه للعمل من أجل قوتها وقوت صغارها.. ولو کان عند الرأسمالیه الأوروبیه ضمیر، ما استغلت وضع المرأه التی اضطرت للعمل ولما أعطتها نصف أجر الرجل وهی تقوم بنفس العمل الذی یقوم به.. ولو کان الرجل الأوروبی لم یفسد، لما شملت قضیه حقوق المرأه عندهم حقّها فی الفساد والإنحراف الذی کان الرجل قد ناله منذ الثوره الفرنسیه، ولما تابعته المرأه فطالبت به کحق مشروع تحت مسمّى "حق المرأه فی إبداء عواطفها" الذی تطور إلى "حق المرأه فی أن تهب نفسها لمن تشاء" أی حقّها فی البغاء!
– ثانیاً: عمل المرأه فی التصور الإسلامی
نستطیع أن نقول بثقه بالغه إنّ الشریعه الإسلامیه أعطت المرأه حق مزاوله المهن إلا ما لا یلیق بکرامتها أو عفّتها، وما لا یناسب طبیعتها وفطرتها، وفرق کبیر بین حق المرأه فی أن تعمل وبین الإیجاب والإلزام أن تعمل لکسب المال.
فالإسلام الذی یجیز للمرأه مزاوله المهن والحرف والتجارات والعقود، لا یُلزم المرأه أن تعمل أو تتوظف ولا یسمح بإجبارها على ذلک، وکل مَن یدرس نظام النفقات الواجبه فی الإسلام یقف على عظمه هذا النظام، فالمرأه لم یکلفها الإسلام بالنفقه على نفسها، أو على بیتها، ولکن النفقه تکون على الأب أو المُعیل حتى تتزوّج فینتقل الواجب إلى الزوج. وفی حاله عدم وجود المُعیل، یجب على الدوله أن توفِّر لها معاشاً راتباً یجعلها تعیش حیاه کریمه.
ویرى المحققون من العلماء أنّ عمل المرأه خارج بیتها جائز شرعاً، لأنه لیس لأحد أن یحرم بغیر نص شرعی صحیح صریح، والأصل فی الأشیاء والتصرفات العادیه الإباحه کما هو معلوم، کما أنه لیس جائزاً فی حالات الضروره القصوى أو حالات الحاجه الإقتصادیه فحسب. کما یؤکدون أنّ للمرأه العامله الحق الکامل فی المساواه فی الأجر بالرجل الذی یقوم بنفس ما تقوم به.
– أعظم وظائف المرأه
وکون الإسلام یمنع إجبار المرأه على خوض غمار الحیاه لا یعنی انتقاصاً من قدرها بل على العکس من ذلک، فالإسلام فعل ذلک تقدیراً منه لمهمّتها الأساسیه فی تربیه النشء والعنایه بالبیت والزوج، وهی حقاً مهمه شاقه تحتاج إلى جهد کبیر وعمل متواصل ومعاونه من الزوج والأبناء.
ولاریب أنّ عمل المرأه الأوّل والأعظم الذی لا ینازعها فیه منازع ولا ینافسها فیه منافس، هو القیام بشأن بیتها وزوجها من حسن تبعُّلها له وحسن رعایتها لأولادها، ولا شک أنها وظیفتها الکبرى التی هیّأها الله لها بدنیاً ونفسیاً، ویجب ألا یشغلها عن هذه الرساله العظیمه شاغل مادی أو أدبی مهما کان، فإن أحداً لا یستطیع أن یقوم مقام المرأه فی هذا العمل الخطیر، الذی علیه یتوقّف مستقبل الأُمّه وبه تتکوّن أعظم ثرواتها وهی الثروه البشریه.
ورحم الله شاعر النیل حافظ إبراهیم حین قال:
الأُم مدرسه إذا أعددتها*****أعددت شعباً طیب الأعراق