کربلاء ملحمه الخلود‎

0

 
فی الحدیث عن الإمام الباقر (علیه السلام) لجابر الجعفی[۱] : «واعلم بأنک لا تکون لنا ولیاً، حتى لو اجتمع علیک أهل مصرک، وقالوا إنک رجل سوء، لم یحزنک ذلک، ولو قالوا إنک رجل صالح لم یسرک ذلک، ولکن اعرض نفسک على کتاب الله، فإن کنت سالکاً سبیله، زاهداً فی تزهیده، راغباً فی ترغیبه، خائفاً من تخویفه، فاثبت وأبشر، فإنه لا یضرک ما قیل فیک، وإن کنت مبایناً للقرآن، فماذا الذی یغرک من نفسک» [2] .
إن مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) تستدعی دفع الثمن غالیاً، والضریبه عالیه التکالیف، لا لشیءٍ سوى أنهم یبنون حیاتهم، ویستشرفون آخرتهم، على أساس ما ورد عن محمد وآل محمد (صلى الله وعلیه وآله) وکم ضُیِّق علیهم، وکم صودروا وهجروا وسجنوا وأریقت دماؤهم فی سبیل أبسط البسیط، مما یدلل على روح الانتماء، لکنهم ثبتوا واستقروا واطمأنت أنفسهم.
کلنا یعلم أن حرکه التغییر تلفّ جمیع زوایا العالم، ولا استثناء فی ذلک أبداً لموقع دون موقع، ولا لموطن دون آخر، حتى أوربا التی کانت إلى عهد قریب تتباهى بالإنجازات فی مساراتها الفنیه والأدبیه والاقتصادیه وحتى السیاسیه، بعد الحسم العسکری الذی أعقب الحرب العالمیه الثانیه، باتت الیوم تعلن، ولو على ضرب من الخجل أنها باتت على مقربه من فتح الأبواب على مستقبل لا تعلم نتائجه.
کل ما فی الأرض الیوم من تحرک هنا وهنا، إنما یحرکه عامل الثروه، فأینما استقرت الثروه سُلط علیها الضوء، وتحرکت الجحافل باتجاهها، ونُصبت البوصله نحو محور الصفر فیها.
وهذه الحقیقه لم یعد یتنکر لها أحد ممن یسمع أو یقرأ أو یذهب إلى أبعد من ذلک قلیلاً، فیما لو ترک لنفسه مساحه للتفکیر والتأمل فیما یجری هنا أو هناک.
إنها الفوضى البشریه التی اختارها الإنسان لنفسه عندما انحرف بالمسار منذ الیوم الأول، عما نصّت علیه الآیات الشریفه وبینته الروایات الصادره عنهم (علیهم السلام) .
فالانحراف خطیر، وما دُفع هو أقل القلیل، وما سوف یُدفع هو أکثر وأکثر، ما لم تعِ الأمه دورها، وتلتف حول محورها، وتقرأ بدقه وعنایه ما لها وما علیها.
هذه المتغیرات تجذبنا إلى واحده من المساحات الثلاث من الفوضى:
۱ ـ الفوضى العشوائیه: ومع الأسف، فإن لأمه العرب النصیب الأوفر منها، حتى لو کان ظاهر المشهد یعطی شیئاً من التقدم والارتیاح، إلا أنه ینطوی فی داخله على الکثیر من المخاطر، فالعشوائیه لم تقُد فی یوم من الأیام صوره من صور النجاح التام، وإن غلفت فی حاله من حالاتها أو جانب من جوانبها بمثل ذلک.
۲ ـ الفوضى الموجَّهه: وهذه لها أثرها المباشر أیضاً فی خلخله المجتمعات، سواء اتحدت على نفسها بمسمى أمه أو دوله، أو بقیت تعیش حاله من التفرق والتشرذم، وإن حملت صفه المجتمع على نحو الخصوصیه.
وهذه الفوضى الموجَّهه ربما یحرکها المال، کما یحصل فی کثیر من المواطن، وربما تکون السیاسه هی المحرک الأول، ولکل منهما رغبات ومصالح، وربما تحرکها أجهزه الاستخبارات الخاصه والعامه، المحلیه والدولیه فی وسط الأمه، لکنها فوضى مفتعله مختلقه تدار عن بعد، والناس یندفعون وراءها، ولکن یُعمَّى علیهم ما یراد بهم.
۳ ـ الفوضى الخلاقه: التی استنتجها الفکر الغربی لیقدمها بضاعه لشعوب العالم الثالث أو النامی المغلوب على أمره، بما تحمل الکلمه من معنى.
وهذه الفوضى الخلّاقه هی التی تسوس المنطقه الیوم، فتُسقط أنظمهً، وتأتی ببدیل، وإن کان البدیل لا یحمل من حظوظ النجاح وتقدیم الحلول للأمه ما فیه الکفایه.
وبغض النظر عن أن یکون الإنسان مع أو على أو بمرأى، لکن النتیجه ستتضح بعد حین، کما عاش من تقدمنا حاله الثورات التی جرت على أساس الانقلابات العسکریه وکان المشهد أسوأ نتائج. وإذا کان هؤلاء الذین یدیرون مشهدنا الیوم فی بعض المواقع التی حصل فیها التغییر، فإن ما یُستشرف هو الأسوأ ولیس الأحسن، اللهم إلا أن تتدخل ید اللطف، فتلطف بجمیع آحاد الأمه، ولا لطف فی هذا الکون إلا ما تمثل بالخلف الهادی من آل محمد «عج».
هذا الواقع الذی یلفّنا یُحدث فی المجتمع تکتلات تتعامل مع المشهد على أساس من واحده من ست جهات، أی أن حال الأمه أمام الفوضى الخلاقه المنتجه فی الظاهر، یتلخص فی الشرائح والاتجاهات التالیه:
۱ ـ الشریحه الأولى: اختارت الانسجام التام مع الوافد بکل أبعاده، الأدبیه والسلوکیه وما یترتب علیه من إفرازات، من تنظیمات وأحزاب وتکتلات وتوجهات، وربما مذهبیات مستحدثه، قد یأتی البعض منها على أنقاض ما قد یکون بعض المذاهب یعیش أواخر أیامه فیها، لکن هؤلاء الجماعه قد یصطفون هذا الجانب لأنفسهم، وهو الانسجام مع الوافد بکل مفرداته.
۲ ـ الشریحه الثانیه: وهم من یحاولون اتباع الطرق الخاصه المفضیه إلى اندکاک المجتمع فیها بکل مکوناته، وهذه المجموعه تختلف عن تلک التی تقدمتها، حیث إنهم یمتطون المقوله المشهوره «الغایه تبرر الوسیله».
۳ ـ الشریحه الثالثه: قد تنتهج فی التعامل مع ما هو موجود، الطرق الملتویه وغیر المألوفه، من قبیل ارتکاب الجریمه المنظمه، وما من حرکه حصلت فی الآونه الأخیره إلا وللأیادی القادره على تحریک مشرط الاستئصال على نحو الجریمه المنظمه المخفیه تاره والمعلنه تاره أخرى، نصیب واضح فیها.
۴ ـ التمرد على الأنظمه القائمه: وبظنی أن من الأفضل أن لا تَسأل الأنظمه من الشعوب: لماذا الحراک والتمرد والتظاهر؟ وفی بعض المواقع لماذا انتهاج أسالیب أکثر حده فی التعامل مع الأنظمه؟ والأجدى بها والأجدر أن تسأل نفسها هی: لماذا یحصل هذا؟ إن الشعوب تختلف فی حاجیاتها ومتطلباتها ورغباتها وآمالها وتطلعاتها، وبقدر ما تحمل الأمه من التطلعات، بقدر ما تُعدُّ من آلیه الحراک فی سبیل الوصول إلى ما تتطلع إلیه. وأعتقد أن من حق الشعوب جمیعاً على وجه الأرض أن تنشد الأفضل.
وهنا علینا أن نوازن بین أمرین: الحق والمطلب، فالحق لا ینبغی أن یتوقف فیه أحد ممن بیده القرار فی أن یقف مانعاً من وصوله لذی الحق، أما المطلب فهو الذی یبقى فی دائره النقاش فیما یصطدم بالمنفعه أو لا یصطدم.
فالقومیات فی الدول المختلفه إنما عُبّر عنها بالقومیات، لأنها تعیش حاله من القیمومه المتقوّمه على أساس من مجموعه من النُّظُم التی تبانت علیها فیما بینها، کلون العباده وطریقه النَّظْم فی داخل القبیله أو المنطقه، والانتماء المذهبی، وما إلى ذلک. وهناک مجموعه من الحقوق تلازم ذلک کله، وهی حقوق طبیعیه لا تحتاج إلى عملیه قیصریه، إنما لا بد أن تکون الولاده فیها طبیعیه تماماً. فکما أن للمسلم الحق، فکذلک المسیحی، من حقه أن ینفرد بدور عبادته، وکما أن أبناء المذاهب من حقهم أن یأخذوا حاله من الارتیاح والانفراد فی التعاطی مع سلوکیاتهم العبادیه، کذلک من حق أتباع المذاهب الأخرى أن یأخذوا مساحتهم، بل یفترض فی الأمه أن تغادر هذه المساحه من المطالبه بالمسجد أو الحسینیه أو سور المقبره، فهذه لیست «مطالب»، إنما هی «حقوق» طیبعیه ولا تحتاج أن یسعى أحدنا فی سبیل تحصیلها، أو أن ینحنی على الأیادی، بل إن هذه الحقوق مکفوله حتى فی الدول غیر المسلمه، فمن باب أولى أن تکفل لمن فی البلد المسلم.
فإذا تحصل المواطن «الأقلّی» على هذه الحقوق الطبیعیه، فسوف یعیش حاله من الاستقرار، وینأى بنفسه عن مساحه الشد والجذب.
ولنأخذ مثالاً بسیطاً مما عشناه فی هذه السنه، وسابقتها «1432» ففی العام الماضی کانت الشعائر الحسینیه فی مناطقنا یشوبها حاله من الشد والتوتر، وربما التوثب أیضاً من أکثر من طرف، على العکس من ذلک تماماً مما علیه الحال فی هذه السنه.
ثم نسأل: ما الذی تغیّر فی هذه السنه عن العام الماضی، عندما کانت القبضه فولاذیه یصعب فکها، ثم فتحت فی هذه السنه؟ بل ما الذی یقدمه لنا الحسین (علیه السلام) من خلال کربلاء؟ إنه لا یقدم لنا سوى الأدب، والسمو فی الأخلاق، والمحبه، وهذا ما نسمعه ونقرؤه ونتلقاه ونربی علیه أنفسنا. بل الأکثر من ذلک نستطیع أن نقول: یفترض أن نسجد لله سجده شکر طویله جداً، فی أن یبنی المجتمع نفسه بنفسه على أساس من روافده التی یعیش فیها. وأما المطالب فتبقى فی مساحه المشروع، مع الأخذ بنظر الاعتبار تقدیم الأهم على المهم، وترتیب الأولویات بحسب الأهمیه، ومع شدید الأسف، لا زلنا نعیش حاله من الخلط بین هذین المفهومین، الحق والمطلب.
فربما تکون الجماعه التی تشعر بحاله من الامتهان وضیاع الحق، تشعر کذلک بدافع للتمرد، وربما یکون التمرد على أساس من البعد الثانی وهو غیاب المطلب.
۵ ـ الانطواء على النفس: وهذه الجماعه لیست ولیده الیوم، إنما هی منذ زمن الإمام علی (علیه السلام) حیث دفع علی وأتباعه الضریبه، وکذلک فی زمن الإمام الحسن (علیه السلام) وأما فی زمن الإمام الحسین (علیه السلام) فحدِّث ولا حرج. بل حتى المشهد الذی نعیشه فی هذه العصور، قد یرى بعضنا یوماً ما أن هناک مبالغه فی رسم معالمه المتعلقه بیوم الطف، ولکن هذه النقله التقنیه العالیه، والتوظیف المهنی أو غیر المهنی فی الصراع المحموم، کشف لنا أن ما یمکن أن یقوم به الظالم، هو أکبر مما یمکن أن یتصوره الإنسان العادی.
فمثلاً، کان بعضهم یتعجب عندما یقف على هذا المشهد الحسینی فی کربلاء، وهو أنّ الحسین (علیه السلام) خرج ذلک الیوم إلى القوم، یسألهم أن یسقوا طفله ماءً، وأن الکبار إذا کان لهم ذنب، فما ذنب الصغار؟ لکن السهم أسرع إلى نحر الرضیع قبل أن یبل شفتیه بشربه ماء. ولو أن المشهد وقف عند هذا الحد لقلنا: کفى، إلا أنه أخذ بعداً أکثر مأساویهً فی مثل هذا الیوم، بناءً على الروایه التی ذکرت أن الإمام زین العابدین (علیه السلام) جاء إلى کربلاء لیواری القتلى، فی حین أن بنی أمیه على کثره من سقط منهم من الجیف فی محاربه الحسین (علیه السلام) إلا أنهم لم یغادروا مسرح المعرکه إلا وقد دفنوها. لکن الحسین (علیه السلام) وأهل بیته وأصحابه بقوا صرعى على الرمضاء دون غسل ولا دفن، فالمشهد مأساوی ودموی، وبظنی أن ما یقوم به البعض من الظلمه فی الأنظمه المعاصره، إنما هو بمثابه استجداء للدروس من ذلک الیوم، فکلما تصوروا مشهد الطف هانت المشاهد أمامهم، وراحوا یرتکبون ما یرتکبون.
فمما فعله الإمام زین العابدین (علیه السلام) فی ذلک الیوم، أنه قام بجمع أشلاء الحسین (علیه السلام) فالحسین (علیه السلام) لم یدفن کتله واحده، فضلاً عن الرأس الذی طافوا به فی الأقطار، فقد قطع خنصره من أجل خاتم، بل قطعت یده کلها من الکف أو من الکتف على بعض الروایات، وهی التی حملها الإمام زین العابدین (علیه السلام) وألحقها بالجسد. وما عساک أن تتصور جسد قتیلٍ على الأرض، یُقلب على وجهه، ویذر التراب على ظهره، لتستقر حوافر الخیل علیه؟!
بل إن المشهد المأساوی لم ینته عند هذا الحد، فعندما دفن الإمام زین العابدین (علیه السلام) جسد الإمام الحسین (علیه السلام) وجسد ولده علی الأکبر، جاء لیبحث عن الطفل عبد الله الرضیع، وکانت زینب قد أخبرته أن الحسین (علیه السلام) دفنه بین الخیام، فأخرجه، ولکن بأیه حال؟ لقد أخرجه مقطوع الرأس! فلم یکفهم السهم الذی حز وریده، إنما أخرجوه واحتزوا رأسه. والسبب فی ذلک أن بعض القبائل أرادت أن تدخل مجلس ابن زیاد، لتفتخر أنها قتلت هذا الطفل الرضیع!.
إن هذه المشاهد المأساویه هی ضریبه التفرج، وقد کانت مشاهد کربلاء تجری، وحاله التفرج هی سیده الموقف.
۶ ـ أما الجماعه السادسه فهی التی یتسلل إلیها الیأس حتى تؤول بها الأمور إلى الانتحار لتتخلص من هذه الدنیا، وحاله الانتحار لها أسباب وصور کثیره، ولیس هناک مبرر شرعی لها أبداً، ومن قتل نفسه فهو إلى النار، کائناً من کان، لأنه لا ینتحر إلا بعد أن یتخلى عن ثوابت الإیمان، لکن حادث الانتحار قد یُسَیَّس ویُستغل من قبل جماعه أو حزب أو تنظیم أو دوله، ویجیر لصالح هدف مرسوم له. وبالنتیجه إن أصل الانتحار تعبیر عن حاله من الیأس والإحباط.
ومن الشواهد المعاصره على ذلک، التونسی محمد بو عزیزی، الذی انتحر فی أحد شوارع تونس، حیث نجد أن الحدث تعرض للتحلیل، مع أنه حاله انتحار من الدرجه الأولى، وقد ثار هذا المنتحر فی وجه نظام اقتصادی سیئ، من أجل لقمه العیش، ولم یکن فی حسبان بو عزیزی أن ما قام به سوف یؤدی إلى الإطاحه بواحد من أعتى الأنظمه وأکثرها إجراماً فی الوطن العربی. إلا أن هناک جماعه استطاعت أن توظف الحدث وتستفید منه.
وقد یسأل سائل: هل أن المشهد التونسی الیوم أفضل مما کان علیه بالأمس؟
لا شک أنه سوف یُسوَّق البرلمان الحر، والانتخابات الحره، وحکومه الشراکه الوطنیه، وغیرها من العناوین، لذهنیه المواطن العربی أو الشرق أوسطی أو حتى العالمی، لکن النتیجه واحده، إن لم تکن أسوأ، وهذا لا یعنی أن الإنسان لا ینشد الأفضل، بل من حق أی جماعه أو أمه أن تنشد الأفضل، إلا أن هذا هو الواقع.
لقد تحرک الإمام الحسین (علیه السلام) من أجل إیجاد حاله التغییر للرجوع إلى المحور، لأن الأمه اندفعت بعیداً، فأرادها أن تستقر من حیث الحرکه على أساس من المحوریه، التی دفع الضریبه الباهضه من أجلها، وهی الرجوع للکتاب والسنه، انطلاقاً من قوله (صلى الله وعلیه وآله): «إنی تارک فیکم الثقلین، کتاب الله وعترتی أهل بیتی». ففی کل زمن یفترق الکتاب عن العتره، وفی أی مجتمع تجد التجزئه بین الکتاب والعتره، علیک أن تنعى حاله تلک الأمه أو المجتمع. فلا یمکن أن نقرأ القرآن ونستنطقه ونسیر بهدیه ما لم نمسک بحجزه الثقل الآخر، وهذه حقیقه نبویه ثبتها الرسول الأعظم (صلى الله وعلیه وآله) وأرادتها السماء للأمه، فالقرآن أصول وقواعد وکلیات، والتفریع الذی یسوس حیاه الإنسان بالمباشره هو عباره عن السنه الطاهره المطهره، ومن عسى أن یکون أمیناً علیها إلا من نزل الوحی فی بیته، وجاء النص بعصمته؟ وهو محصور فی أهل بیت النبوه (علیهم السلام) .
لقد تقضت العشره الأولى من المحرم، المصبوغه بالمأساه، ومن حقنا أن نلتقط أنفاسنا ونسأل: ما الذی أخذناه من عاشوراء؟ وما الذی ترکه عاشوراء فینا؟ وما الذی نستشرفه فی القادم من الأیام بناءً على الزاد الذی أخذناه من مأدبه الحسین بن علی (علیه السلام) ؟
إن مصباح الحسین یشع بأنواره، ولکن کم استهدینا به؟ وما هی المساحه التی أضأناها من خلاله فی داخلنا وفی المجتمع من حولنا؟
وسفینه النجاه، وهی أکبر السفن، هل قطعنا التذکره التی تسمح لنا بالرکوب فیها، من خلال ما قُدِّم فی عاشوراء؟
فی الزمن السابق کانت عاشوراء لا تقرأ إلا باللغه العربیه والفارسیه والأوردو، لتمرکُز الشیعه فی هذه الأمم الثلاث، ولکن بحمد الله، شاء من شاء وأبى من أبى، فقد صار المشهد الحسینی والعاشورائی والکربلائی یدخل فی بیوت جمیع القومیات على وجه الأرض، فلأول مره فی هذه السنه یستمع تفاصیل المشهد الحسینی من یتکلم أغرب اللغات، فمن کان یتصور أن اللغه السواحلیه التی ینطق بها الکثیر من الأفارقه وأصحاب الحدود البحریه فی المحیط الهندی إلى تخوم المحیط الأطلسی، تصدح بمقتل الحسین بکل تفاصیله؟
ومن ذا یستمع بأذن صاغیه، ووعی کامل، لمقتل الإمام الحسین (علیه السلام) فی کربلاء ثم لا یتأثر ولا یؤثر؟ اللهم إلا أن یکون حجراً.
فلیس من لغه الیوم، من اللغات الحیه المعروفه أو غیر المعروفه، إلا وهی تعرض المشهد الحسینی، وتصدح بذکر عاشوراء، من الإنکلیزیه والألمانیه والفرنسیه والإیطالیه والرومانیه والروسیه والصینیه والیابانیه والسواحلیه، وما إلى ذلک من اللغات، وهذا هو الفتح الکبیر.
لقد أرادوا أن یطفئوا النور، وأن یحطموا المصباح، وأن یغرقوا السفینه، لکن الربان حکیم، بل إن الإمام الحسین (علیه السلام) سید الحکماء. فعندما جاء بعنصر المرأه لتشارک فی الطف، وجاء بالطفل والرجل الکبیر الذی یرفع حاجبیه عن عینیه بعصابه، ثم یرسم تلک الملحمه، فإنه کان یدرک ما یحصل، ویستشرف المستقبل. وعندما یصر على حمل النساء بقوله: شاء الله أن یراهن سبایا، فهو یرى أنه سبی الکرامه، إذ لم یحدثنا التاریخ أن سبیاً أحدث ثوره أقوى من مستوجبها، إلا ما حصل فی ثوره الطف، وکانت زینب رائده تلک الملحمه بعد الواقعه.
أسأل الله تعالى أن ینفعنا فی عاشوراء، وأن یثبتنا على هدیه، وأن یجعلنا متحابین على أساس منه. وقد قلت فی أحد الأماکن: فی یوم عاشوراء تمازجت دموعنا، واختلطت أیادینا، لکننا لا نرید أن یکون ذلک أمراً وقتیاً آنیاً، إنما نریده حیاً باقیاً فی مسیره حیاتنا، کی نصل إلى نتیجه.
وفی الختام أود أن أذکّر أن لیله الأحد القادم سیکون هناک خسوف کلی للقمر فی مناطق کثیره، وجزئی فی مناطق أخرى، ولا بد من صلاه الآیات، وسیکون ذلک بعد صلاه المغرب والعشاء إن شاء الله تعالى، وأرجو أن یهتم الجمیع بصلاه الآیات، لا سیما النساء، لأننا نلاحظ أن الکثیر منهن یتسامحن بها، وهو ما نلاحظه من خلال الوصایا، فأکثر ما یرد فی وصایا النساء قضاء صلاه الآیات، وهو مؤشر على التسامح فی هذه الصلاه الواجبه.
نسأله تعالى أن یوفقنا وإیاکم لکل خیر، وأن یأخذ بأیدینا لما فیه الأفضل، وأن یحفظ لنا حاله الأمن والأمان والاستقرار، وأن یهبنا حاله من الانفتاح على بعضنا، ونحن الیوم بمسیس الحاجه أن ینفتح بعضنا على الآخر حتى فی إطار أتباع مدرسه أهل البیت (علیهم السلام) . وعلى الآخر أیضاً أن ینفتح علینا، سواء کان بصفه المسؤولیه أم غیرها.
والحمد لله رب العالمین.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[۱] وکلنا یعرف من هو جابر، إنه واحد من قامات العلم والمعرفه، الذین نهلوا من مدرسه أهل البیت الصافیه، وذهبوا بفکرهم إلى مسافات بعیده، وإلى یومنا هذا یعتبر ما روی من طریق جابر واحده من الرکائز التی بنى الفکر الحدیث فی الغرب بنیانه على أساسها فی الجانب المعرفی.
[۲] تحف العقول، ابن شعبه الحرانی: ۲۸۴٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.