الإمام السجاد باعث الإسلام من جدید
بعد أن استشهد الإمام الحسین صلوات الله علیه مع أهل بیته وأصحابه ، واطمأن الأمویون – حینئذٍ – فقط ، إلى أن آل علی (علیهم السلام) قد انتهى أمرهم ، وطویت صفحتهم ، ولن تقوم لهم بعد – بزعم الأمویین – أیه قائمه ، ولن تبرق لهم فی الأفق أیه بارقه ، بعد ذلک ومع ذلک فقد استمروا فی اتباع سیاساتهم الرعناء تجاه أهل البیت (علیهم السلام) والأمه ، بهدف تکریس الأمر نهائیاً فی البیت الأموی ، ولکی یبقى العرش الأموی محتفظاً بوجوده وبتفوّقه ، ولکن قد خاب فألهم وطاش سهمهم ، فما کانت سیاساتهم تلک إلا وبالاً ودماراً عاد علیهم أنفسهم ، فإننا نستطیع أن نقول: إن سیاسات الأمویین تلک تتمثل بالخطوط التالیه:
۱- ملاحقه أهل البیت (علیهم السلام) إعلامیاً بالافتراء علیهم ، وتوجیه مختلف التهم الباطله إلیهم ، وتصویرهم على أنهم هم " المعتدون والظالمون الآثمون " ، الذین لا یتورعون عن أیه عظیمه ولا یمتنعون عن ارتکاب أیه جریمه ، وحتى قتل الحسین (علیه السلام) فإنه لم یکن إلا لأنه کان هو الجانی على نفسه ، والساعی إلى حتفه ، وهو المذنب والمعتدی ، وهم وحدهم الضحیه ، والمظلومون معه فی هذه القضیه .
ومن ذا الذی یستطیع أن یرد على دعایات الأمویین هذه ، أو یظهر التردید والتشکیک فیها ؟! ، أو بالأحرى من ذا الذی یستطیع أن یجهر بالحقیقه ، ولو من دون تعرض لدفع دعایات الأمویین ، ودحض افتراءاتهم وأکاذیبهم ؟! .
۲- سیاسه التجویع والحرمان لأهل البیت (علیهم السلام) وشیعتهم ، وحرمانهم من کل الإمتیازات ومصادره أموالهم ، وحتى هدم بیوتهم ، کی لا یجدوا اللقمه – لقمه العیش – إلا على موائد الأمویین ، ومن لف لفهم ، ودار فی فلکهم ، وإجبارهم – وخصوصاً شخصیات آل علی – على التوجه إلى الحکام فی وفادات منتظمه ، لاستجداء لقمه العیش ، ولحفظ کراماتهم ودمائهم ، حتى لا یعتبرهم الحکم فی موقف المعارضه ، فیستحل کل تصرف ضدهم ، مهما کان قاسیاً وشرساً وعنیفاً ، حتى إذا تأخرت أحیاناً وفاده بعضهم علیهم تجدهم هم أنفسهم یطالبون بذلک ، ویتساءلون عنه وعن سببه وسره ، إن لم یبادروا إلى استقدامهم بشکل مباشر وصریح ، وبذلک یکونون قد شغلوا تلک الشخصیات بالبحث عن لقمه العیش ، وصرفوا همتهم إلى هذا المجال ، بالإضافه إلى أنهم یستفیدون من ذلک سیاسیاً وإعلامیاً کما هو واضح .
۳- ثم هناک سیاسه الإضطهاد والملاحقه المره والشرسه لکل من یتصل بأهل البیت (علیهم السلام) ، أو یظهر منه المیل إلیهم ، الملاحقه التی لا تنتهی إلا بالتصفیات الجسدیه والنفسیه ، أو بما لا یقل سوءاً وفظاعه وبشاعه عن ذلک ، ویستفیدون بذلک أمرین :
الأول: الحرب النفسیه لآل علی أنفسهم ، ومحاوله جعل الیأس یتطرق إلى نفوسهم ، فلا یفکرون بعد بأیه حرکه ، ولا بالوقوف أی موقف یتعارض مع مصلحه الهیئه الحاکمه .
الثانی: منع الناس من الإقتراب منهم ، والإستفاده من تعالیمهم ، والتخلق بأخلاقهم ، والتعرف على الإسلام الصحیح الذی عندهم ، فإن الناس إذا علموا أن الإقتراب من آل علی لا یعنی إلا الدمار والشقاء لهم ، ولکل من یلوذ بهم ، فإنهم سوف یجنبون أنفسهم ذلک ، ویؤثرون السلامه والراحه – کما هو طبع کل إنسان – على التعب والعناء ، إن لم یکن الدماء والفناء ، وعلى هذا الأساس ومن هذا المنطلق کان إصرارهم على لعن سید الأوصیاء أمیر المؤمنین (علیه الصلاه والسلام) على المنابر ، بل کانوا یعتبرون – کما یقول مروان – على ما یظهر إن بذلک استقامه ملکهم ، وبقاء سلطانهم ، فإن لعنه – والعیاذ بالله – إنما یعنی :
ألف: خوف من یعرف الحقیقه من الإتصال بأهل بیت علی (علیه السلام) وشیعته ، وحرمانه من ثم من الإستفاده من تعالیمهم ، والتخلق بأخلاقهم ، والسیر على منهاجهم ، الذی هو منهاج الإسلام الصحیح کما قلنا ، فإسلام علی (علیه السلام) لم تطّلع علیه الأمه ، ولم تعرفه کما یجب ، وإنما عرفت الإسلام الأموی إسلام المصالح والأهواء ، الإسلام الذی یستحل السلب والنهب ، وقتل النفوس البریئه ، وفعل کل عظیمه ، وارتکاب کل جریمه فی سبیل الملک والسلطان ، وفی سبیل المال واللذه .
وأما من لا یعرف الحقیقه – وهؤلاء من الأغلبیه الساحقه – کما سنرى ، فلسوف یصدق بأن هذه الشخصیه ومن یمت إلیها بصله أو رابطه شخصیه منحرفه حقاً ، ولیس من المناسب ولا من الصالح الدینی ولا الدنیوی الاتصال بها ، وبمن یمت ألیها بصله ، حتى لیتجرأ معاویه على القول لأهل الشام : إن علیاً (علیه السلام) لم یکن یصلی (۱) – والعیاذ بالله – ، وحتى إن عشره من قواد أهل الشام وأمرائهم إلى قیام الدوله العباسیه ما کانوا یعرفون أن للنبی (صلى الله علیه وآله) قرابه سوى بنی أمیه ، وقد حلفوا على ذلک لأبی العباس السفاح بأغلظ الإیمان (۲).
وغیر ذلک من الشواهد الکثیره جداً فی التاریخ الإسلامی ، فی عهد الأمویین وبعده .
باء: وشیعه علی وأهل بیته أیضاً یرون أنفسهم غیر مقبولین اجتماعیاً ، ولا یمکنهم ممارسه أی نشاط مهما کان ، فتخمد جذوه الثوره فی نفوسهم ، وینصرفون عن التخطیط لأی عمل یضر بصالح الهیئه الحاکمه .
جیم: کما أن الأمویین یکونون قد أخذوا بثارات بدر وغیرها ، وکذلک الجمل وصفین ، وشفوا غیظ قلوبهم من علی (علیه السلام) ، هذا الذی کان القضاء النازل علیهم ، والبلاء المبرم ، الذی لم یجدوا منه مناصاً ولا عنه محیداً .
۴- سیاسه التجهیل : التی کانت تتعرض لها الأمه بأسرها ، ویکفی أن نذکر : أن الناس والهاشمیین بالذات کانوا فی زمن السجاد (علیه السلام) ، لا یعرفون کیف یصلون ، ولا کیف یحجون (۳) .
وإذا کانت الصلاه ، التی هی الرکن الأعظم فی الإسلام ، ویؤدیها کل مکلف خمس مرات یومیاً ، کان لا یعرف حدودها وأحکامها من هم أقرب الناس إلى مهبط الوحی والتنزیل ، والذین یفترض فیهم أن یکونوا أعرف من کل أحد بالشریعه ، وأحکام الدین ، فکیف تکون حاله غیرهم من أبناء الأمه ، وما هو مقدار معرفتهم بالشریعه والدین إذن ؟ وما هو مدى معرفه الأمه وبالأخص من هم أبعد عن مصدر العلم والمعرفه بالأحکام الأخرى التی یکون التعرض لها والابتلاء بها أقل ؟! ، إننا نترک الجواب عن ذلک إلى أنس بن مالک الذی یقول – على ما رواه البخاری والترمذی – ما أعرف شیئاً مما کان على عهد رسول الله (ص) ؟ قیل: الصلاه ؟
قال: ألیس صنعتم ما صنعتم فیه (۴) ، وقال الزهری: دخلنا على أنس بن مالک بدمشق – وهو وحده – یبکی قلت: ما یبکیک ؟ قال : لا أعرف شیئاً مما أدرکت إلا هذه الصلاه ، وقد ضیعت (۵) .
وبعد عصر أنس بقلیل نجد الحسن البصری یقول : لو خرج علیکم أصحاب رسول الله (ص) ما عرفوا منکم إلا قبلتکم (۶).
وروى مالک فی الموطأ عن عمه عن جده مالک أنه قال : ما أعرف شیئاً مما أدرکت علیه الناس إلا النداء للصلاه (۷).
فنقل السیوطی فی شرحه عن الباجی قوله : یرید الصحابه ، وأن الأذان باقٍ على ما کان علیه ، لم یدخله تغییر ولا تبدیل بخلاف الصلاه ، فقد اخرت عن أوقاتها ، وسائر الأفعال دخلها التغییر انتهى (۸) .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : لو أن رجلین من أوائل هذه الأمه خلوا بمصحفیهما فی بعض هذه الأودیه لأتیا الناس الیوم ، ولا یعرفان شیئاً مما کانا علیه (۹) .
وبعد هذا.. فإن من الطبیعی أن یعتبر من حفظ عن رسول الله ( صلى الله علیه وآله ) بعض الأحادیث – أربعین حدیثاً مثلاً أو عرف بعض الأحکام – إن من الطبیعی أن یعتبر أنه أعلم الناس وأعظمهم فی وقته وعصره ، ولاسیما إذا أضاف إلى ذلک وزاد علیه ما شاءت له قریحته ، وسمحت به نفسه ، حیث لا رقیب علیه ولا حسیب ، ولا من یستطیع أن یمیز هذا عن ذاک .
ولذلک نجد أن سوق الکذابین والوضّاعین وحتى بعض من أسلم من أهل الکتاب ، نجد أن سوقهم قد راج ، وصاروا هم أهل العلم والمعرفه والثقافه للأمه ، حینما انضووا تحت لواء الحکام ، وأبعد أهل البیت (علیهم السلام) عن الساحه ، وأجبروهم على التخلی عنها ، حتى لنجد أن الإمام السجاد (علیه السلام) یقول فی دعائه الخاص بیوم الجمعه وعرفه (۱۰) :
(( اللهم إن هذا المقام لخلفائک وأصفیائک ، ومواضع أمنائک فی الدرجه الرفیعه التی اختصصتهم بها ، قد ابتزوها حتى عاد صفوتک وخلفاؤک مغلوبین مقهورین مبتزین ، یرون حکمک مبدلاً وکتابک منبوذاً وفرائضک محرفه ، عن جهات أشراعک ، وسنن نبیک متروکه.. )) (۱۱) .
بل نجد الإمام السجاد (علیه السلام) أیضاً یقول للقاسم : (( إیاک أن تشد راحله ترحلها هنا لطلب العلم ، حتى یمضی لکم بعد موتی سبع حجج )) (۱۲) ، وکان السجاد (علیه السلام) إذا سافر صلى رکعتین ثم رکب راحلته ، وبقی موالیه یتنفلون ، فیقف ینتظرهم ولا یمنعهم من ذلک مع أن النوافل فی السفر غیر مشروعه ، بل نجد أن علیاً (علیه السلام) قبل ذلک یشکو من عدم تمکنه من إظهار علمه ونشره ، فهو یتلهف ویقول : إن فی صدری هذا لعلماً جماً ، علمنیه رسول الله لو أجد حفظه ، کما أن الإمام الباقر (علیه السلام) یقول ما یقرب من هذا .
وعلی (علیه السلام) أیضاً یتنفس الصعداء على المنبر ویقول : (( سلونی قبل أن تفقدونی ، فإن بین الجوانح منی علماً جماً ، هاه هاه ألا لا أجد من یحمله)) .
وقال (علیه السلام) : (( لو أجد ثلاثه رهط استودعهم العلم ، وهم أهل لذلک لحدثت بما لا یحتاج فیه إلى نظر فی حلال ولا حرام ، وما یکون إلى یوم القیامه )) .
وکذلک هو یقول إنه لو حدثهم ببعض ما یعلم من الحق فی الکتاب الذی نزل به جبرئیل على محمد ، لتفرقوا عنه حتى یبقى فی عصابه حق قلیله (۱۳) .
فإذا کان هذا هو حال الأمه فی زمن علی (علیه السلام) ، ولم یکن الأمویون بعد قد تسلطوا على الأمه بشکل فعال ، فکیف کان حال الناس بعده فی زمن معاویه وزمن یزید ؟ ، الذی أخذ مسرف بن عقبه البیعه من أهل المدینه على أنهم خول له ، والذی قتل الحسین (علیه السلام) ، ونصب المنجنیق على الکعبه ، ثم بعده عبد الملک بن مروان ، والحجاج وغیرهم من جبابره وملوک بنی مروان ؟! .
نعم.. لقد صار أولئک الوضاعون والکذابون وأصحاب المصالح ، وحتى مسلمه أهل الکتاب هم مصدر الثقافه والمعرفه ، وهم معلموا الأمه ، وهداتها .
وقد ساعد الحکام على ذلک ، ووفروا لهم الحمایه الکافیه والمال ، وساعدوهم فی کل ما یریدون ویشتهون ، وذلک لأمور:
الأول: إن هؤلاء کانوا یخدمون العرش الأموی بشکل فعال ، ویؤیدونه بمختلف المختلقات والافتراءات ، على شکل روایات تتخذ صفه القداسه فی نفوس الناس ، وتترسخ فی وجدانهم ، لأنها منسوبه إلى نبی الأمه الأعظم (صلى الله علیه وآله وسلم) .
الثانی: إنهم قد وجدوا فیهم ما یقدمونه للناس على أنه البدیل عن أهل البیت (علیهم السلام) ، فلا یعیش الناس فی الفراغ النفسی والعقائدی والتشریعی الذی سوف یترکه إبعاد أهل البیت (علیهم السلام) عن المجال العملی العام .
الثالث: وهو الأهم : إن السیاسه الأمویه کانت قائمه أساساً على إبعاد الناس عن الإسلام الصحیح ، وحتى على القضاء على الشخصیه النبویه فی نفوس الناس قضاءً مبرماً ونهائیاً ، هذه الشخصیه التی سوف لن یکون تعرف الأمه علیها على حقیقتها فی صالح العرش الأموی على الإطلاق .
ولذلک نجد أنه کانت ثمه رقابه کامله على سنه النبی (صلى الله علیه وآله) وسیرته ، وحتى على سیره أصحابه ولاسیما الأنصار منهم ، کما یظهر من کتاب الموفقیات للزبیر بن بکار ، وعلى سیره الإمام علی وأهل البیت (علیهم السلام) وسلوکهم ومفاهیمهم وتعالیمهم بشکل أخص ، ومحاوله التعتیم علیها أو التشکیک فیها ، وحتى قلبها رأساً على عقب إن أمکن ذلک ، وقد أشرنا إلى ذلک بشیء من التفضیل فی مقال سابق فلا نعید .
وقد ساعدهم على ذلک سیاستهم الخاصه تجاه صحابه النبی (صلى الله علیه وآله) ، وتجاه حدیث النبی ، والتی کانت تقضی بالمنع عن التحدیث عنه (صلى الله علیه وآله) إلا بنوع خاص من الأحادیث ، وبمنع کبار الصحابه من السفر إلى البلاد لتثقیف الناس ، حتى مات هؤلاء الصحابه وانقرضوا أو کادوا ، ولم یبق إلا بعض الصغار منهم ، والذین لم یعرفوا الکثیر منه (صلى الله علیه وآله) ولم یعایشوه بالشکل الواعی والکافی ، بل إنک لتجد أن بعض کبارهم کان یعاشره البعض سنه فلا یسمعه ، یقول قال رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، وکان یجعل هذا من میزاته وحسناته ، ویفوز بکثیر من المدح والثناء علیه (۱۴).
کانت تلک لمحه خاطفه عن الوضع الذی کانت تعیش فیه الأمه فی زمن الإمام السجاد (علیه السلام) ، وکانت تلک بعض الخیوط السیاسیه للحکم الأموی آنذاک .
وفی هذا الجو بالذات کان على الإمام السجاد (علیه السلام) أن یقوم بمهمه إمامه الأمه وهدایتها إلى الإسلام ، الإسلام الصحیح إسلام محمد (صلى الله علیه وآله) وعلی (علیه السلام) ، إسلام القرآن ، ولقد کانت مهمته هذه فی غایه الصعوبه والخطوره .
فقد عرفنا موقف الحکم الأموی منه ، ومن أبیه وجده ، وعمه ، ومن أهل بیته وشیعته ، وکل من یلوذ بهم بسبب أو نسب .
وإذا أضفنا إلى ذلک : أن الإمام الحسین (علیه السلام) کان أعظم شخصیه فی الأمه الإسلامیه ، ولم تنس الأمه بعد ما سمعته من النبی (صلى الله علیه وآله سلم) فی حقه ، مع ما عرفته فیه طیله سبعه وخمسین عاماً من السلوک المثالی ، والإستقامه على الحق ، والعلم والوعی الذی لا یقاس ولا یضاهى ، وغیر ذلک من الصفات الفضلى ، والسجایا النبیله .
وحینما استشهد الإمام الحسین (علیه السلام) مع أهل بیته وأصحابه ، إعتبر الأمویون والناس : أن أهل البیت (علیهم السلام) قد انتهى أمرهم ، وأفل نجمهم ، فلا الأمویون یخافونهم ، ولا غیر الأمویین یرجونهم ، هذا عدا عن عدم جرأه أحد على الإتصال بهم ، وعدا عن الجهل المطبق بالإسلام ، فکانت الرده عن أهل البیت (علیهم السلام) والإبتعاد عنهم عامه وشامله ، وحتى لیقول الإمام الصادق (علیه السلام) : ارتد الناس بعد قتل الحسین إلا ثلاثه : أبو خالد الکابلی ، ویحیى بن أم الطویل ، وجبیر بن مطعم (لعل الصحیح: حکیم بن جبیر) ، ثم إن الناس لحقوا وکثروا (۱۵).
إذن.. فلابد للإمام للسجاد (علیه السلام) أن یبدأ العمل من نقطه الصفر تقریباً ، ولاسیما عقائدیاً ، ویعید الإسلام من جدید ، ویوجه الناس نحو تعالیمه وأحکامه ، ویعید للناس عقیدتهم التی کانت قد تعرضت للکثیر من التحریف ، وأن یعید لهم ثقتهم بأهل بیت نبیهم (علیهم السلام) .
والخلاصه: أن یبدأ تماماً کما بدأ النبی(صلى الله علیه وآله) فیما سبق من نقطه الصفر ، والإمام السجاد (علیه السلام) هو خلیفه ذلک النبی الأعظم (صلى الله علیه وآله ) ، ولابد له أیضاً من الحفاظ على العلویین ، وکل من یتشیع لهم ، ولابد له بالإضافه إلى ذلک : من أن یکسر ذلک الطوق الحدیدی الذی ضربه الحکم حولهم ، لاحتواء کل تصرفاتهم ونشاطاتهم ، ولابد له کذلک من إعاده ثقه الأمه بأهل البیت (علیهم السلام) ، وتوجیهها نحوهم واعتبارهم المصدر الأصفى لتعالیم الإسلام ، الإسلام القرآنی الصحیح ، ومصدر کل المعارف والعلوم النافعه والأفکار الراقیه ، والأخلاق الفاضله الکریمه .
ولقد نجح (علیه السلام) فی کل ذلک أیما نجاح ، رغم قسوه الظروف ورغم الأخطار الجسیمه التی کان یواجهها ، حیث لم یکن له أیه حمایه أو رعایه من أی جهه کانت ، ومن أی نوع کانت .
نعم .. لقد نجح فی ذلک نجاحاً باهراً ، حتى إنه عندما خرج ولده زید على الحکم الأموی ، بایعته الآلاف الکثیره وإن کانوا قد ترکوه ولم یثبتوا معه ، ثم توالت الثورات الشعبیه العارمه واحده بعد الأخرى ، وأغلبها کان بدوافع دینیه ، وشعور مذهبی .
ویکفی أن نذکر أن من نتائج جهوده (علیه السلام) – بالإضافه إلى کل ما سبق – : أن هیأ الجو على النحو الأکمل والأفضل لمدرسه الإمامین بعده : الباقر والصادق (صلوات الله علیهما وعلى آبائهما وأبنائهما الطاهرین ) .
وأما عن أسلوب عمله وجهات جهاده ونضاله ، فإننا لا نستطیع فی هذه العجاله أن نلم بکل جوانبها ومجالاتها ، فضلاً عن دقائقها وتفصیلاتها ، ولذلک فنحن نکتفی بالإشاره إلى الأمرین التالیین :
الأول: بالإضافه إلى أنه کان یوجه الأمه من خلال سلوکه وتصرفاته ومواقفه ، فإنه کان أیضاً یوجه الأمه من خلال أدعیته ، التی کان یضمنها مختلف المعارف الإسلامیه : عقائدیاً – وهو الأهم – وسیاسیاً وأخلاقیاً وغیر ذلک ، ولم یکن بإمکان أحد أن یعترض علیه ویقول له : لا تدع ربک ، فإن ذلک سوف یکون مستهجناً ومرفوضاً من کل أحد ، حیث یرونه – بحسب الظاهر – لا یتعرض لدنیا هؤلاء الحکام ، وإنما شغل نفسه بعباده ربه ، وتصفیه وتزکیه نفسه .
ویظهر أن الحکام أنفسهم أیضاً قد اطمأنوا إلى أنه (علیه السلام) لیس فی صدد التخطیط والعمل ضدهم ، ولا یفکر فی الخروج علیهم ، فراق لهم انصرافه عن دنیاهم ، بل لقد أصبح له عندهم مکانه عظیمه واحتراماً خاصاً لم یکن لأحد من أهل البیت قبله ، ولا کان لأحد منهم بعده ، ولذلک تجد الثناء العاطر ینهال علیه من کل جانب ومکان ، من قبل من ترضى عنهم الهیئه الحاکمه ، وتعتبرهم من أعوانها .
ولقد فاتهم أنه کان فی الظاهر یدعو الله ، ولکنه کان فی واقع الأمر یدعو إلى الله ، ویوجه نحوه ویعرّف الناس سبیله ، ویضمن کلامه الکثیر من التعالیم الإلهیه ، والمعارف الدینیه التی تهمهم فی أمر دینهم ودنیاهم ، کما اتضح ذلک جلیاً فیما بعد ، وأنه کان یقود عملیه التغییر الشامل فی بنیه العقیده للأمه الإسلامیه بأسرها .
الثانی: اهتمامه (علیه السلام) المتمیز بشراء الموالی وعتقهم ، حتى لیقول البعض (۱۶) " وعرف العبید ذلک فباعوا أنفسهم له ، واختاروه وتفتلوا من أیدی الساده لیقعوا فی یده ، وجعل الدولاب یسیر، والزمن یمر، وزین العابدین یهب الحریه فی کل عام ، وکل شهر وکل یوم ، وعند کل هفوه ، وکل خطأ ، حتى صار فی المدینه جیش من الموالی الأحرار ، والجواری الحرائر ، وکلهم فی ولاء زین العابدین ، قد بلغوا خمسین ألفاً أو یزیدون".
ویقول أیضاً: " فهو یشتری العبید لا لحاجه إلیهم ، ولکن لیعتقهم ، وقالوا : إنه اعتق مئه ألف " (17) .
ودعا (علیه السلام) مملوکه مرتین فلم یجبه وأجابه فی الثالثه ، فقال له : یا بنی ، أما سمعت صوتی ؟
قال: بلى.
قال: فما بالک لم تجبنی؟
قال: أِمنْـتُکَ .
قال: الحمد لله الذی جعل مملوکی یأمننی (۱۸) .
وکان (علیه السلام) لا یضرب مملوکاً ، بل یکتب ذنبه عنده ، حتى إذا کان آخر شهر رمضان جمعهم وقررهم بذنوبهم ، وطلب منهم أن یستغفروا له الله کما غفر لهم ، ثم یعتقهم ویجیزهم بجوائز ، وما استخدم خادماً فوق حول .
وقال السید الأمین : ولقد کان یشتری السودان وما به إلیهم من حاجه ، یأتی بهم عرفات فیسد بهم تلک الفرج ، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم ، وجوائز لهم من المال (۱۹) .
ونحن نلاحظ هنا الأمور التالیه :
أولاً: إنه یخاطب ممالیکه بـ (یا بنی) ، وکان یهدف إلى إعطاء النظره الصحیحه للإسلام تجاه الممالیک ، وأنه یعتبرهم بمنزله الإخوه والأبناء ، وإن الإسلام الذی یفرض على الإمام السجاد (علیه السلام) أن یعامل ممالیکه معامله یأمنوه معها ، یختلف عن ذلک الإسلام الذی یدعیه الآخرون الذین یعتبرون الموالی أحقر وأذل من الحیوان .
وثانیاً: إن کتابه إساءاتهم ، ثم محاسبتهم علیها وعتقهم حینه ، إنما یهدف إلى تنبیههم إلى أخطائهم ، وترسیخ ذلک فی نفوسهم ، ولاسیما حینما تطرح کقضیه حاسمه فی أسعد لحظات حیاتهم : اللحظات التی ینالون فیها حریتهم ، التی هی فی الحقیقه هویه وجودهم .
فهم إذن قد نالوا أعز ما فی الوجود من غیر استحقاق ، وفی هذا ضغط نفسی من نوع معین ، لیحاولوا الإرتفاع بأنفسهم إلى درجه الإستحقاق والجداره ، ویبعث فی نفوسهم روح العمل الجاد فی سبیل التکامل فی الفضائل الإنسانیه ، والإلتزام بالتعالیم الأخلاقیه الإسلامیه .
وثالثاً: إن ذلک یجعل له – بشکل طبیعی – مکانه خاصه فی نفوسهم ، والنظر إلیه نظره خاصه فیها کل الاحترام والتقدیر، واعتباره نوعیه أخرى ، تختلف عما یعرفون ویعهدون ، وهذا یؤهلهم فی المستقبل إلى الإستماع إلى تعالیمه ، واحترام آرائه التی هی تعالیم وآراء الإسلام ، ثم السیر على منهاجه واتباع سلوکه .
ورابعاً: وأما إعطاؤهم المال فی هذا الظرف بالذات ، فبالإضافه إلى أنهم یکونون عاده فی أمس الحاجه إلیه فی هذا الظرف بالذات ، حیث لا یملکون فیه من حطام الدنیا شیئاً ، ویمنعهم بذلک من اتباع الأسالیب الملتویه من أجل الحصول علی لقمه العیش ، فبالإضافه إلى ذلک هو یؤکد على إنسانیه تعالیم الإسلام ، وإنه یعیش قضیه الإنسان ، ویتفاعل معها ، ویهتم اهتماماً حقیقیاً بحلها ، ولا یتاجر بآمال الناس وآلامهم ، وبکراماتهم کما هو شأن غیره ممن لم یعد أمرهم خافیاً على أحد .
وخامساً: لقد کان من نتیجه هذه السیاسه التی لا نجدها بهذا الشمول والسعه لدى غیره ، أن صار الموالی یعتبرون أهل البیت (علیهم السلام) هم المثل الأعلى للإنسان وللإسلام ، وکانوا مستعدین للوقوف إلى جانبهم فی مختلف الظروف ، ولا نعدم بعض الشواهد التی تظهر أن الموالی کانوا ینتصرون للعلویین إذا رأوهم تعرضوا لظلم أو لبغی من قبل السلطات ، کما یظهر لمن راجع کتاب عمده الطالب فی أنساب آل أبی طالب لابن عنبه ، وغیره .
وسادساً وأخیراً : إن ذلک کان إدانه لمنطق الأمویین القائم على أساس تفضیل العربی وإعطائه کل الامتیازات ، وحرمان غیره منها بکل صوره ، واعتباره أذل وأحقر من الحیوان ، حتى کان یقال : لا یقطع الصلاه إلا کلب أو حمار أو مولى ، ومنعوهم من الإرث کما فی موطأ مالک ، ومن العطاء ومن القضاء ، ومن الولایه وإمامه الجماعه ، ومن الوقوف فی الصف الأول منها ، واعتبر غیر العربی لیس کفؤاً للعربیه ، وأباحوا استرقاقهم ولا یسترق غیرهم ، إلى غیر ذلک مما لا مجال لتتبعه واستقصائه .
وإذا لاحظنا أن العرب قبل الإسلام لم یکن لهم شأن یذکر ، ولا کان لهم حکم ولا سلطان ، وإنما کان الحکام هم غیرهم ، فإن من الطبیعی أن ترضی هذه السیاسه غرور العربی ، الذی أصبح یرى نفسه حاکماً على ملک الأکاسره وغیرهم ، وذلک ربما کان یزیده عنفاً وغلواً فی معاملته القاسیه لغیر العرب .
ومن الجهه الأخرى ، فإن من الطبیعی أن یحس غیر العرب بالغبن وبالمظلومیه وعدم حفظ حقوقهم ، فکان هذا سبباً لتعاطفهم مع الدعوه العباسیه التی تسببت فی الإطاحه بالعرش الأموی ، وعلى الأخص حینما رأى غیر العرب أنه لم ینصفهم ویعاملهم معامله عادله وحسنه إلا علی بن أبی طالب (علیه السلام) ، ثم جاء الإمام السجاد (علیه السلام) وغیرهم من أئمه أهل البیت (علیهم السلام) لیعلن رفض الإسلام لمنطق الأمویین هذا القائم على أساس التمییز العنصری البغیض ، وأن هذا لا یمثل رأی الإسلام الصحیح ، ولا ینسجم مع منطلقاته فی التعامل والتفضیل القائم على أساس العمل فقط : ( إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاکُمْ ) [الحجرات : ۱۳] و: ( فَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ خَیْراً یَرَهُ ، وَمَنْ یَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّهٍ شَرّاً یَرَهُ ) [الزلزله : ۷- ۸] .
فکان کل ذلک قد هیأ الأجواء لتعاطف غیر العرب مع الدعوه ضد الأمویین ، کما أنه فی نفس الوقت قد خفف من غلوائهم وحقدهم ، ولهذا فإننا لا نجد تطرفاً کثیراً فی معامله غیر العرب للعرب حینما حکموهم فی الدوله العباسیه فی فترات متعدده ، وإن کان للظروف الخاصه الأخرى أثراً کبیراً أیضاً فی هذا المجال .
وهکذا.. فإن علی بن الحسین ( قد قام بمهمه شاقه جداً وخطیره جداً ، مهمه بعث الإسلام فی الأمه من جدید ، فی حین أنه لم یکن یعترف بإمامته فی وقت ما غیر ثلاثه أشخاص ، وهیأ الظروف والأجواء وأعاد العلاقات والروابط والصلات بین أهل البیت (علیهم السلام) وبین الأمه رغم جهد الحکام المستمر والمستمیت لقطعها ، والقضاء علیها .
نعم.. لقد قلب کل الموازین رأساً على عقب کما أوضحناه بأسلوبه الحکیم ، والهادئ الرصین.. صلوات الله علیه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرین .
ویلاحظ : أنه قد فعل کل ذلک ونجح فیه أعظم النجاح ، بصوره متمیزه وفریده ، قد خفیت على الحکم ، وعلى کل أجهزته بصوره تامه ، ولعل ذلک هو ما یفسر لنا ما نجده مع اهتمامهم بإبراز عظمته (علیه السلام) ، وسعه علمه وفضله حتى من قبل المتعاطفین مع الحکم والموالین له ، حتى لیقول یحیى بن سعید والزهری: ما رأیت قرشیاً قط أفضل من علی بن الحسین (۲۰) .
والحمد لله رب العالمین.
————————————
(۱) تاریخ الطبری ج۴ ص۳۰ والکامل لابن الأثیر ج۳ ص۳۱۳ والفتوح لابن الأعثم ج۳ ص۱۹۶ وصفین لنصر بن مزاحم ص۳۵۴ وشرح النهج للمعتزلی ج۸ ص۳۶ وأنساب الأشراف بتحقیق المحمودی ج۲ ص۱۸۴ ونقله المحمودی عن تاریخ دمشق لابن عساکر ج۳۸ رقم ۱۱۳۹ وترجمه الإمام علی لابن عساکر بتحقیق المحمودی ج۳ ص۹۹ والغدیر ج۱۰ ص۱۲۲و۲۹۰ عن بعض من تقدم..
(۲) راجع: الحیاه السیاسیه للإمام الرضا(ع) للمؤلف ص۵۴٫
(۳) راجع: کشف القناع عن حجیه الإجماع ص۶۷٫
(۴) ضحى الإسلام ج۱ ص۳۸۶ وراجع: الصحیح من سیره النبی(ص) للمؤلف ج۱ ص۲۸٫
(۵) جامع بیان العلم ج۲ ص۲۴۴وراجع: الصحیح من سیره النبی(ص) للمؤلف ج۱ ص۲۸ حول مصادر أخرى.
(۶) جامع بیان العلم ج۲ ص۲۴۴/۲۴۵٫
(۷) الموطأ ( المطبوع مع تنویر الحوالک ) ج۱ ص۹۳ وجامع بیان العلم ج۲ ص۲۴۴٫
(۸) شرح الموطأ للزرقانی ج۱ ص۲۲۱ وتنویر الحوالک ج۱ ص۹۳-۹۴ عن الباجی.
(۹) الزهد والرقائق لابن المبارک ص۶۱٫
(۱۰) الصحیفه السجادیه، دعاء رقم ۴۸٫
(۱۱) راجع: الصحیح من سیره النبی(ص): التمهید.
(۱۲) کشف القناع عن حجیه الإجماع ص۶۶٫
(۱۳) راجع المصدر السابق ص۶۶-۶۹٫
(۱۴) راجع: الصحیح من سیره النبی(ص) (التمهید) والحیاه السیاسیه للإمام الحسن(ع) الفصل الثانی کلاهما للمؤلف.
(۱۵) راجع: رجال الکشی ص۱۲۳و۱۱۵ وغیره.
(۱۶) زین العابدین ص۴۷، لعبد العزیز سید الأهل.
(۱۷) المصدر السابق ص۷٫
(۱۸) کشف الغمه ج۲ ص۲۹۹٫
(۱۹) أعیان الشیعه ج۴ ص۴۶۸٫
(۲۰) أنساب الأشراف بتحقیق المحمودی (ع) ج۳ ص۱۴۶و۲۰۷٫