الحریه فی الإسلام.. قراءه موجزه
وما هذا إلا للتشویش الذی حصل من قبل الأجانب على مفهوم الحریه ومؤداه، فکل دوله أو جماعه أو منظمه طرحت له مفهوما على قیاسها لیخدم تطلعاتها ونظریتها حول الوجود والمجتمع، ولازال الغرب وأمریکا یتمسکون بشعار الحریه لیدخلوا الى البلاد ویهتکوا ستر حرمتها وعزتها وینهبوا خیراتها وثمار أبنائها، فإن مضمون شعار الحریه عن الغرب وأمریکا موجع لقلوب غیرهم من الشعوب المستضعفه.
ولکن الإسلام حیث یشکل أرقى النظریات الإجتماعیه وأعدلها یطرح مفهوما واضحا للحریه ویجعلها تحت القانون والدستور الإلهی لأنه لا یمکن أن توجد حریه من دون قانون یحدد وظیفه الفرد فی المجتمع ووظیفه الحاکم اتجاه الفرد، فإن الله تعالى منحنا الحریه ما لم تتعارض مع حقوق الآخرین فإن الحریه ممنوعه إذا أدت الى الحد من حقوق الآخرین المشارکین لنا فی المجتمع فلا حریه فی الفساد وإشاعته فی الإسلام ولا حریه فی التبرج والتحرر الجنسی وإشاعه مراکز اللهو والخمر والأفلام الخلاعیه والمفاهیم الخطیره المنحطه ولا حریه فی المجتمع الإسلامی لاستیراد الثقافه الهادمه للمجتمع والمحطمه لعزائم أهله والمخدره لطاقات شبابه.
وأما لماذا یمنع التشریع الإسلامی هذه الأمور التی تعتبر عند بعض الناس من صلب الحریه؟ وللإجابه عن هذا التساؤل لابد من التذکیر: بأن الحریه لا تقوم إلا فی إطار القانون وإلا لکان المواطن مباحا له فعل کل شیء ما دام تحت إرادته الحره لأن کلمه الحریه على إطلاقها تفید بفعل ما یختاره الإنسان وما یبدو له من دون النظر الى الآخرین فلما جاءت القوانین والدساتیر الإلهیه والوضعیه حاولت أن توفق بین حقوق جمیع الناس فی الحریه فوضعت لها قوانین.
فلو فرضنا أن المواطن أباح لنفسه ما یمنع القانون منه فسوف لن یتمتع بحریته لأنه أزعج الآخرین ولو قابله الآخرون بالمثل فسوف لن یتمتع بحریته لوقوفهم عائقا أمامه فإن القانون الإسلامی یقر الحریه ما لم تتعارض مع حریه الآخرین فالحریه تنتهی عندما تبدأ حریه الآخرین ولو فرضنا أن الحریه بقیت بلا تقنین فإن هذا سیؤدی الى الفوضه والعبث والى عدم الحریه.
أما الإجابه عن التساؤلات التی طرحتها فی ما سبق فأقول: أما منع التبرج والخلاعه والمخدرات والمسکرات وکل أنواع الفساد والإفساد ومنع الأمور المنافیه للعفه، فإن منع هذه الأمور فی التشریع الإسلامی لم ینشأ من العبث واللهو بل منعت برمتها لأنها تتعارض مع حریه الآخرین ومع القانون المقنن للحریات إذ کل تشریع وقانون له غرض واضح خصوصا القوانین الإلهیه فإنها تنظر الى إسعاد المجتمع ونشر العدل فیه ورقیه حتى یصل الى دار البقاء بصوره إنسان ومخلوق جمیل لا بصوره القرده والخنازیر، ولو تکلمنا عن موضوع التبرج والفساد وباقی الأمور ونظرنا الى کل مفرده على حده بنظره المتأمل فی عواقب هذه المفاسد سنجدها تجر الویلات على حریات الآخرین وتمنعهم من السیر الى هدفهم بحریه فمثلا لو فرضنا أن المجتمع إسلامی ویتصرف تحت نظر الشریعه ویفعل ما تریده منه وفرضنا أن فتاه أحبت فی هذا المجتمع أن تستعمل حریتها الشخصیه -کما یقولون- وتخرج عاریه فإن هذا سیکون عائقا أمام أستعمل الآخرین لحریتهم حیث سیؤدی الى إفساد المجتمع وسیجد الآباء صعوبه فی تربیه أبنائهم وبناتهم وهذا سیتعارض مع حریه الآباء فی اختیار طریقه التربیه لأبنائهم وهکذا باقی المفاسد التی ذکرتها المتعارضه مع حریه المجتمع ومع القانون فلو أشعنا الفساد فی المجتمع الإسلامی تحت أسم الحریه فإن غالبیه المجتمع ستتضرر من هذا الفساد فأین الحریه هنا لا بد من مراعاه القانون الذی ینظر الى الأمور بنظره جامعه لا بالنظره الأنانیه والشخصیه.
فإن إشاعه الفساد الأخلاقی والتعری والتحرر الجنسی والتبرج فی المجتمع ستؤدی الى شلله ووقوعه فی شباک الشیطان وهذا یعود بالضرر على الشریحه الکبرى من المجتمع إذ أنه یحد من حریتها فی تربیه أبنائها وصفاء أنفسها ومحافظتها على العفه والطهاره التی یریدها الله لها فلذا نرى أن القانون الإسلامی من منطلق العداله والمحافظه على المجتمع یمنع هذه الأمور.
وأما الحریه فی نشر الأحزاب الملحده والفاسده والمادیه وشبکات الانترنت الفاسده التی تبث الثقافه المنحطه والبرامج التلفزیونیه الهادفه الى تخدیر شبابنا وبناتنا وسلب الهویه الإسلامیه عن أطفالنا فإن کل هذه الأمور لا یمکن أن تتم فی المجتمع الإسلامی تحت عنوان الحریه لتعارضها مع حریه أغلب أفراد المجتمع لأن لهم الحق فی المحافظه على أنفسهم ضد عناوین الفساد ولهم الحق فی الحفاظ على مستقبل أبنائهم ومجتمعهم ولتعارضها مع القانون الساعی الى نشل المجتمع من أوحال الماده والشیطان.