المنهج التربوی العام فی العلاقات الأسریه
أولاً: الاتفاق على منهج مشترک
إنّ للمنهج المتّبع فى الحیاه تأثیراً على السلوک، فهو الذی یجعل الإیمان والشعور الباطنی به حرکه سلوکیه فی الواقع، ویحوّل هذه الحرکه إلى عاده ثابته. إنّ وحده المنهج تؤدّی إلى وحده السلوک، فالمنهج الواحد هو المعیار والمیزان الذی یوزن به السلوک من حیث الابتعاد أو الاقتراب من التعالیم والبرامج الموضوعه؛ فیجب على الوالدین الاتفاق على منهج واحد مشترک یحدّد لهما العلاقات والأدوار والواجبات فی مختلف الجوانب. والمنهج الإسلامی بقواعده الثابته من أفضل المناهج التی یجب تبنّیها فی الأسره المسلمه، فهو منهج ربّانی موضوع من قِبَل الله تعالى، المهیمن على الحیاه بأسرها، لا لبس فیه ولا غموض ولا تعقید ولا تکلیف بما لا یُطاق، وهو موضع قبول من الإنسان المسلم والأسره المسلمه، فجمیع التوجیهات والقواعد السلوکیه تستمد قوتها وفاعلیتها من الله تعالى. وهذه الخاصیه تدفع الأسره إلى الاقتناع باتّباع هذا المنهج، وتقریر مبادئه فی داخلها؛ فلا مجال للنقاش فی خطته أو محدودیته أو عدم القدره على تنفیذه؛ فهو الکفیل بتحقیق السعاده الأسریه التی تساعد على تربیه الطفل تربیه صالحه وسلیمه. وإذا حدث خلل فی العلاقات أو تقصیر فی أداء بعض الأدوار، فإنّ تعالیم المنهج الإسلامی تتدخل لإنهائه وتجاوزه.
ثانیاً: علاقات المودّه:
من واجبات الوالدین إشاعه الود والاستقرار والطمأنینه داخل الأسره، قال تعالى: (وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُم مِّنْ أَنفُسِکُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُم مَّوَدَّهً وَرَحْمَهً…)(۱).
فالعلاقه بین الزوج والزوجه أو الوالدین هی علاقه موده ورحمه، وهذه العلاقه تکون سکناً للنفس وهدوءاً للأعصاب وطمأنینه للروح وراحه للجسد، وهی رابطه تؤدّی إلى تماسک الأسره وتقویه بنائها واستمرار کیانها الموحّد، والمودّه والرحمه تؤدّی إلى الاحترام المتبادل والتعاون الواقعی فی حلّ جمیع المشاکل وإزاله العوائق الطارئه على الأسره، وهی ضروریه للتوازن الانفعالی عند الطفل، یقول الدکتور سبوک: (اطمئنان الطفل الشخصی والأساسی یحتاج دائماً إلى تماسک العلاقه بین الوالدین، ویحتاج إلى انسجام الاثنین فی مواجهه مسؤولیات الحیاه)(۲).
ویجب على الزوجین إدامه الموده فی علاقاتهما فی جمیع المراحل، مرحله ما قبل الولاده والمراحل اللاحقه لها، والموده أوجدها الله تعالى، فتکون إدامتها استجابه له تعالى وتقرباً إلیه، وقد أوصى الإمام علی بن الحسین علیه السلام بها فقال: ((وأما حقّ رعیتک بملک النکاح، فإن تعلم أن الله جعلها سکناً ومستراحاً وأنساً وواقیه، وکذلک کل واحد منکما یجب أن یحمد الله على صاحبه، ویعلم أن ذلک منه علیه، ووجب أن یحسن صحبه نعمه الله ویکرمها ویرفق بها، وإن کان حقک علیها أغلظ وطاعتک بها ألزم فیما أحببت وکرهت ما لم تکن معصیه، فإن لها حق الرحمه والمؤانسه وموضع السکون إلیها قضاء اللذه التی لابدّ من قضائها وذلک عظیم..))(۳).
وقد رکّز أهل البیت علیهم السلام على إدامه علاقات الحبّ والمودّه داخل الأسره، وجاءت توصیاتهم موجهه إلى الرجل والمرأه على السواء.
قال رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلّم: ((خیرکم خیرکم لنسائه وأنا خیرکم لنسائی))(۴).
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: ((رحم الله عبداً أحسن فیما بینه وبین زوجته))(۵).
وقال رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلّم: ((من اتّخذ زوجه فلیکرمها))(۶).
فأقوال أهل البیت علیهم السلام وتوصیاتهم فی الإحسان إلى المرأه وتکریمها عامل مساعد من عوامل إدامه الموده والرحمه والحبّ.
وقد أوصى أهل البیت علیهم السلام المرأه بما یؤدّی إلى إدامه المودّه والرحمه والحبّ إن التزمت بها، ومنها طاعه الزوج، قال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((إذا صلّت المرأه خمسها، وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها فلتدخل من أی أبواب الجنّه شاءت))(۷).
وقال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((ما استفاد امرؤ فائده بعد الإسلام أفضل من زوجه مسلمه، تسرّه إذا نظر إلیها، وتطیعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها فی نفسها وماله))(۸).
وشجّع رسول الله الزوجه على اتباع الأسلوب الحسن فی إدامه المودّه والرحمه، بالتأثیر على قلب الزوج وإثاره عواطفه. جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله علیه وآله فقال: إن لی زوجه إذا دخلت تلقّتنی، وإذا خرجت شیّعتنی، وإذا رأتنی مهموماً قالت: ما یهمّک، إن کنت تهتمّ لرزقک فقد تکفّل به غیرک، وإن کنت تهتمّ بأمر آخرتک فزادک الله همّاً. فقال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((بشّرها بالجنه وقل لها: إنکِ عامله من عمّال الله ولکِ فی کل یوم أجر سبعین شهیداً، وفی روایه أن لله عزّ وجلّ عمالاً وهذه من عمّاله، لها نصف أجر الشهید))(۹).
وقال الإمام محمد بن علی الباقر علیه السلام: ((جهاد المرأه حسن التبعّل))(۱۰).
ومن العوامل المساعده على إدامه الموده والحب وکسب ودّ الزوج، هی الانفتاح على الزوج واستجابتها إلى ما یرید، قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق علیه السلام: ((خیر نسائکم التی إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحیاء، وإذا لبست لبست معه درع الحیاء))(۱۱).
فهی منفتحه على زوجها مع تقدیر مکانته، وبعباره أخرى التوازن بین الاحترام وعدم التکلّف.
وحدّد الإمام علی بن الحسین علیه السلام العوامل التی تعمّق المودّه والرحمه والحب داخل الأسره، فقال: ((لا غنى بالزوج عن ثلاثه أشیاء فیما بینه وبین زوجته، وهى الموافقه لیجتلب بها موافقتها ومحبّتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استماله قلبها بالهیئه الحسنه فی عینها وتوسعته علیها. ولا غنى بالزوجه فیما بینها وین زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال، وهی صیانه نفسها عن کل دنس حتى یطمئن قلبه إلى الثقه بها فی حال المحبوب والمکروه، وحیاطته لیکون ذلک عاطفاً علیها عند زله تکون منها، وإظهار العشق له بالخلابه والهیئه الحسنه لها فی عینیه))(۱۲).
وعلاقات المودّه والرحمه والحبّ ضروریه فی جمیع مراحل الحیاه، وخصوصاً فی مرحله الحمل والرضاعه، لأن الزوجه بحاجه إلى الاطمئنان والاستقرار العاطفی، وإنّ ذلک له تأثیر على الجنین وعلى الطفل فی مرحله الرضاع کما سیأتی.
ثالثاً: مراعاه الحقوق والواجبات:
وضع المنهج الإسلامی حقوقاً وواجبات على کل من الزوجین، والمراعاه لها کفیل بإشاعه الاستقرار والطمأنینه فی أجواء الأسره.
ومن أهم حقوق الزوج هو حقّ القیمومه، قال الله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ…)(۱۳).
فالواجب على الزوجه مراعاه هذا الحق، لأن الحیاه الأسریه لا تسیر بلا قوامه، والقوامه للرجل منسجمه مع طبیعه الفوارق البدنیه والعاطفیه لکل من الزوجین، وأن تراعی هذه القوامه فی تعاملها مع الأطفال، وتشعرهم بمقام والدهم.
وأهم الحقوق بعد حق القیمومه کما جاء فی قول رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((حق الزوج على المرأه أن تطیعه ولا تعصیه، ولا تصدّق من بیتها شیئاً إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن کانت على ظهر قتب (۱۴)، ولا تخرج من بیتها إلاّ بإذنه…))(۱۵).
ومن حقوق الزوج، قال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((حق الرجل على المرأه إناره السراج، وإصلاح الطعام، وأن تستقبله عند باب بیتها فترحّب به، وأن تقدّم إلیه الطشت والمندیل، وتوضّئه، وأن لا تمنعه نفسها إلاّ من علّه))(۱۶).
ولأهمیه مراعاه هذا الحق، قال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((لا تؤدّی المرأه حقّ الله عزّ وجلّ حتّى تؤدّی حق زوجها))(۱۷).
ووضع المنهج الإسلامی حقوقاً للزوجه یجب على الزوج مراعاتها، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام: ((حق المرأه على زوجها أن یشبع بطنها، ویکسو جسمها، وإن جهلت غفر لها))(۱۸).
وأجاب رسول الله صلّى الله علیه وآله على سؤال خوله بنت الأسود حول حق المرأه فقال: ((حقّکِ علیه أن یطعمکِ ممّا یأکل، ویکسوکِ ممّا یلبس، ولا یلطم ولا یصیح فی وجهک))(۱۹).
ومن حقّها مداراه الزوج لها وحسن صحبته لها، قال أمیر المؤمنین علیه السلام فی وصیته لمحمد بن الحنفیه: ((إنّ المرأه ریحانه ولیست بقهرمانه، فدارها على کل حال، وأحسن الصحبه لها فیصفو عیشک))(۲۰).
ومن حقّ الزوجه وباقی أفراد العائله هو إشباع حاجاتهم المادیه، قال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((الکادّ على عیاله کالمجاهد فی سبیل الله))(۲۱).
وقال صلّى الله علیه وآله: ((ملعون ملعون من یضیع من یعول))(۲۲).
وقال صلّى الله علیه وآله: ((حقّ المرأه على زوجها أن یسدّ جوعتها، وأن یستر عورتها، ولا یقبّح لها وجهاً، فإذا فعل ذلک فقد أدّى والله حقّها))(۲۳).
والالتزام بحقوق الزوج من قبل الزوجه، وبحقوق الزوجه من قبل الزوج ضروره لإشاعه الاستقرار فى أجواء الأسره، فیکون التفاعل إیجابیاً، ویدفع کلا الزوجین للعمل من أجل سعاده الأسره، وسعاده الأطفال، واستقرار المرأه فی مرحله الحمل والرضاعه، ومرحله الطفوله المبکره، یؤثّر فی استقرار الطفل واطمئنانه والانطلاق فی الحرکه على ضوء ما هو مرسوم له من نصائح وإرشادات وتوجیهات، فینشأ مستقر الشخصیه سویّاً فی أفکاره وعواطفه وسلوکه.
رابعاً: تجنّب إثاره المشاکل والخلافات:
إنّ المشاکل والخلافات فی داخل الأسره تخلق أجواءً متوتره ومتشنّجه تهدّد استقرارها وتماسکها، وقد تؤدّی فی أغلب الأحیان إلى انفصام العلاقه الزوجیه، وتقویض الأسره، وهی عامل قلق لجمیع أفراد الأسره بما فیها الأطفال، حیث تؤدّی الخلافات والأوضاع المتشنّجه بین الوالدین إلى خلل فی الثبات والتوازن العاطفی للطفل فی جمیع المراحل التی یعیشها بدءاً من أشهر الحمل الأولى، والسنین الأولى بعد الولاده، والمراحل اللاحقه بها.
فالشعور بالأمن والاستقرار من أهم العوامل فی بناء شخصیه الطفل بناءً سویّاً متزناً، وهذا الشعور ینتفی فی حاله استمرار الخلافات والعلاقات المتشنجه.
والمنهج الإسلامی مبتنٍ على أُسلوب الحثّ والتشجیع على الوقایه من حدوث الخلافات أو معالجه مقدماتها أو معالجتها بعد الحدوث، وأسلوب الردع والذمّ للممارسات الخلافیه، أو التی تؤدّی إلى الخلافات.
قال رسول الله صلّى الله علیه وآله: ((خیر الرجال من أُمّتی الذین لا یتطاولون على أهلیهم، ویحنّون علیهم، ولا یظلمونهم))(۲۴).
وشجّع الإمام محمّد الباقر علیه السلام على تحمّل الإساءه، لأن ردّ الإساءه بالإساءه یوسّع دائره الخلافات والتشنّجات، فقال علیه السلام: ((من احتمل من امرأته ولو کلمه واحده، أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنّه))(۲۵).
وشجّع رسول الله صلّى الله علیه وآله الرجل على الصبر على سوء أخلاق الزوجه فقال: ((من صبر على سوء خُلُق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أیوب على بلائه))(۲۶).
والصبر على الإساءه من الزوجه أمر غیر متعارف علیه لولا أنّه من توجیهات رسول الله صلّى الله علیه وآله، فیکون محبوباً ومرغوباً من قِبَل الزوج المتدیّن ولیس فیه أی إهانه لکرامته، فیصبر عن رضا وقناعه.
وشجّع الإمام جعفر الصادق علیه السلام على التفاهم لتجنّب الخلافات الحادّه، فقال: ((خیر نسائکم التی إن غضبت أو أغضبت قالت لزوجها: یدی فی یدک لا أکتحل بغمضٍ حتى ترضى عنّی))(۲۷).
وعن الإمام محمد الباقر علیه السلام: ((وجهاد المرأه أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغیرته))(۲۸).
ونهى رسول الله صلّى الله علیه وآله الزوجه عن الممارسات التی تؤدّی إلى حدوث الخلافات فقال: ((من شرّ نسائکم الذلیله فی أهلها، العزیزه مع بعلها، العقیم الحقود، التی لا تتورّع عن قبیح، المتبرّجه إذا غاب عنها زوجها، الحصان معه إذا حضر، التی لا تسمع قوله، ولا تطیع أمره، فإذا خلا بها تمنّعت تمنّع الصعبه عند رکوبها، ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنباً))(۲۹).
ونهى صلّى الله علیه وآله الزوجه عن تکلیف الزوج فوق طاقته، فقال: ((أیّما امرأه دخلت على زوجها فی أمر النفقه وکلّفته ما لا یطیق لا یقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ أن تتوب وترجع وتطلب منه طاقته))(۳۰).
ونهى رسول الله صلّى الله علیه وآله عن المنّ على الزوج فقال: ((لو أن جمیع ما فی الأرض من ذهب وفضه حملته المرأه إلى بیت زوجها، ثم ضربت على رأس زوجها یوماً من الأیام، تقول: من أنت؟ إنّما المال مالی، حبط عملها، ولو کانت من أعبد الناس، إلاّ أن تتوب وترجع وتعتذر إلى زوجها))(۳۱).
وحذّر رسول الله صلّى الله علیه وآله من مواجهه الزوجه زوجها بالکلام اللاذع المثیر لأعصابه، فقال: ((أیّما امرأه آذت زوجها بلسانها لم یقبل منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنه من عملها حتى ترضیه…))(۳۲).
ونهى رسول الله صلّى الله علیه وآله عن الهجران باعتباره مقدمه للانفصام وانقطاع العلاقات، فقال: ((أیما امرأه هجرت زوجها وهی ظالمه حشرت یوم القیامه مع فرعون وهامان وقارون فی الدرک الأسفل من النار إلاّ أن تتوب وترجع))(۳۳).
وهذه التوجیهات إن روعیت رعایه تامه فإنها کفیله بالحدّ من التوترات والتشنّجات، وإذا لم یستطع الزوجان مراعاتها فالأفضل أن یکون النقاش الحاد والمتشنّج بعیداً عن مسامع الأطفال، وأن یکون تبادل النظره السلبیه وتبادل الاتهامات والإهانات بعیداً عن مسامعهم، وأن یوضّح للأطفال أن الخلافات شیء طبیعی، وأنهما ما زال یحبّ بعضهما بعضاً، ویجب علیهما حسم الخلافات وإنهائها فی أسرع وقت.
خامساً: التحذیر من الطلاق:
حذّر الإسلام من الطلاق وإنهاء العلاقه الزوجیه للآثار السلبیه التی یترکها على الزوجین وعلى الأطفال وعلى المجتمع، فالطلاق مصدر للقلق عند الأطفال ومصدر للاضطراب النفسی والعاطفی والسلوکی، حیث أن الطفل بحاجه إلى الحبّ والحنان من کلا الوالدین على حدّ سواء، بل مجرّد التفکیر بالطلاق یولّد القلق والاضطراب فی أعماقه، فیبقى فی دوامه من المخاوف والاضطرابات التی تنعکس سلباً على ثباته العاطفی وعلى شخصیته السویّه، وقد وضع الإسلام منهجاً فی العلاقات وإدامتها للحیلوله دون الوصول إلى قرار انفصام العلاقات الزوجیه وتهدیم الأسره، فحذّر من الطلاق فی مواضع مختلفه، قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): ((أوصانی جبرئیل علیه السلام بالمرأه حتّى ظننت أنه لا ینبغی طلاقها إلاّ من فاحشه مبیّنه))(۳۴).
وقال الإمام جعفر الصادق علیه السلام: ((ما من شیء ممّا أحلّه الله عزّ وجلّ أبغض إلیه من الطلاق، وأن الله یبغض المطلاق الذوّاق))(۳۵).
والذوّاق هو السریع النکاح، السریع الطلاق.
وقال علیه السلام: ((إن الله عزّ وجلّ یحبّ البیت الذی فیه العرس، ویبغض البیت الذی فیه الطلاق، وما من شیء أبغض إلى الله عزّ وجلّ من الطلاق))(۳۶).
وحثّ الإسلام على اتخاذ التدابیر الموضوعیه للحیلوله دون وقوع الطلاق، فدعا إلى توثیق رباط المودّه والمحبّه، ودعا إلى حلّ المشاکل والخلافات التی تؤدّی إلى الطلاق، فأمر بالعشره بالمعروف، قال الله تعالى: (.. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن کَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَکْرَهُواْ شَیْئًا وَیَجْعَلَ اللّهُ فِیهِ خَیْرًا کَثِیرً)(۳۷).
وحثّ على الإصلاح وإعاده التماسک الأسری، قال الله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَهٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَیْهِمَا أَن یُصْلِحَا بَیْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَیْرٌ…)(۳۸).
فالصلح أولى من عدمه، وبما أن القلوب تتقلّب، وأن المشاعر تتغیّر من وقت لآخر، ومن طرف لآخر، فإن الإسلام حثّ على إجراء مفاوضات الصلح قبل القرار بالانفصال، قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَیْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَکَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَکَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن یُرِیدَا إِصْلاَحًا یُوَفِّقِ اللّهُ بَیْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ کَانَ عَلِیمًا خَبِیرً)(۳۹).
وإذا لم تنفع کل محاولات الإصلاح وإعاده العلاقات إلى مجاریها، وإذا لم تتوقف التشنّجات والتوتّرات إلاّ بالطلاق، فقد یکون الطلاق سعاده لکلا الزوجین، ولکنّه یؤثّر على نفسیه الطفل، وینعکس على سلوکه، ولهذا منح الإسلام فرصه جدیده للعوده إلى الحیاه الزوجیه، فأعطى الرجل حق العوده أثناء العدّه دون عقد جدید، وبعد العدّه بعقد جدید.
وجعل للرجل حق العوده بعد الطلاق الأول والثانی، فإذا لم تنجح محاولات إعاده العلاقه الزوجیه، وتمّ انفصالهما یجب على الوالدین مراعاه مشاعر الطفل ومنحه الحنان والحبّ، ویجب علیهما توفیر کل الظروف التی تساعده على الإیمان بسلامه أخلاق والده أو والدته، حیث حرّم الإسلام البهتان والغیبه وکشف المساوئ، وبهذا الأسلوب یستطیع الطفل تحمّل صدمه الطلاق، أمّا إذا لم یُتّبع هذا الأسلوب، وحاول کل من الوالدین کشف مساوئ الآخر أمام الطفل، فإن الطفل سوف یبغض الحیاه، ویحتقر نفسه، وتنعکس على عواطفه تجاه والدیه، فهو یحبّهما ویبغضهما فی آن واحد بعد اطلاعه على مساوئهما، فیبقى یعیش فی دوامه من القلق والاضطراب وتزداد همومه یوماً بعد یوم، وتنعکس سلباً على علاقاته الاجتماعیه، وعلاقاته الأسریه فی المستقبل.
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الروم: ۲۱٫
(۲) مشاکل الآباء فی تربیه الأبناء، د. سبوک، المؤسسه العربیه للدراسه والنشر، ط۳، ۱۹۸۰، ص۴۴٫
(۳) تحف العقول، الحرّانی، المکتبه الحیدریه، النجف، ط۵، ۱۳۸۰هـ، ص۱۸۸٫
(۴) من لا یحضره الفقیه، الصدوق، ج۳، دار صعب، بیروت ۱۴۰۱هـ، ص۲۸۱٫
(۵) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۸۱٫
(۶) مستدرک الوسائل، النوری، المکتبه الإسلامیه، طهران ۱۳۸۳هـ، ج۲، ص۵۵۰٫
(۷) مکارم الأخلاق، الطبرسی، منشورات الشریف الرضی، قم، ط۲، ۱۴۱۰هـ، ص۲۱۰٫
(۸) مکارم الأخلاق، ص۲۰۰٫
(۹) مکارم الأخلاق، ص۲۰۰٫
(۱۰) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۷۷٫
(۱۱) الکافی، الکلینی، دار التعارف، بیروت، ط۳، ۱۴۰۱هـ، ج۲، ص۳۲۴٫
(۱۲) تحف العقول، ص۲۳۹٫
(۱۳) سوره النساء: ۳۴٫
(۱۴) ما یوضع فوق سنام الجمل للرکوب.
(۱۵) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۷۷٫
(۱۶) مکارم الأخلاق، ص۲۱۵٫
(۱۷) مکارم الأخلاق، ص۲۱۵٫
(۱۸) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۷۹٫
(۱۹) مکارم الأخلاق، ص۲۱۸٫
(۲۰) مکارم الأخلاق، ص۲۱۸٫
(۲۱) عده الداعی، أحمد فهد الحلّی، مکتبه الوجدانی، قم، ص۷۲٫
(۲۲) عده الداعی، ص۷۲٫
(۲۳) عده الداعی، ص۸۱٫
(۲۴) مکارم الأخلاق، ۲۱۶ـ۲۱۷٫
(۲۵) مکارم الأخلاق، ۲۱۶٫
(۲۶) مکارم الأخلاق، ص۲۱۳٫
(۲۷) مکارم الأخلاق، ص۲۰۰٫
(۲۸) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۷۷٫
(۲۹) مکارم الأخلاق، ص۲۰۲٫
(۳۰) مکارم الأخلاق، ص۲۰۲٫
(۳۱) مکارم الأخلاق، ص۲۰۲٫
(۳۲) مکارم الأخلاق، ص۲۱۴٫
(۳۳) مکارم الأخلاق، ص۲۰۲٫
(۳۴) من لا یحضره الفقیه، ج۳، ص۲۷۸٫
(۳۵) الکافی، ج۶، ص۵۴٫
(۳۶) الکافی، ج۵، ص۵۴٫
(۳۷) سوره النساء: ۱۹٫
(۳۸) سوره النساء: ۱۲۸٫
(۳۹) سوره النساء: ۳۵٫