الاتجاه الإسلامی نحو الغرب.. عوامله وأخطاره

0

وربّ سائل یسأل: کیف تمکّنت ثقافه أجنبیه ملحده من تغییر القیم المتأصّله للهویه الإسلامیه؟ وهل إنّ ظاهره التغرّب الثقافی نابعه من الداخل، أم أنها مصطنعه ومفروضه من الخارج؟
یرغب الغرب دائماً فی أن یصوّر ظاهره التغریب على أنّها ناشئه فقط من تفوّق التقنیه الغربیه، وأنّ الحضاره الغربیه لمّا کانت هی الحضاره الأکمل، المتکفّله بحاجات الإنسان ورغباته، لا جرم کان إقبال الشعوب علیها، وبمن فیهم الشعوب الإسلامیه، نتیجه حتمیه وأمراً تکوینیاً نابعاً من الفطره!! 

وهذا أمر غیر صحیح، ومغرضٌ تماماً، فإنّنا لا نشک فی أنّ تقدّم التقنیه الغربیه، قد وجدت طریقها إلى أذهان الشرق نتیجه بعض أشکال تقدّم الغربیین، ولکن هناک عوامل أخرى مهدّت السبیل للاتجاه الغربی، وهیّأت الأرضیه الملائمه لنفوذ الغزو الثقافی إلى أعماق الأمه الإسلامیه، والتی سوف نحاول فی هذه الوریقات أن نلقی الضوء على أهمها: 

أولاً: التفوّق التقنی:
کان تفوّق التقنیه الغربیه ـ ولا سیّما فی المجال العسکری ـ من عوامل إیجاد الاتجاه الغربی فی بلاد المسلمین، ذلک أنّ استیراد التقنیه الحربیه من الغرب، لم یکن ممکناً من دون استیراد النظام الإداری والتعلیمی. ولم یتوقع الحکّام والمخطّطون الذین استوردوا عدّه الحرب من الغرب النتائج الوخیمه لعملهم هذا، ولم یعلموا أن استیراد الحصان یستوجب أحیاناً استیراد ثقافه الحصان، واستیراد الطائره یتضمن قبول ثقافتها، وهکذا.. 

ومن جهه أخرى، فإنّ البلدان الإسلامیه باستیرادها النظام الإداری والعسکری الغربی، اضطرت إلى الاعتماد على خرّیجی الغرب ودارسی العلوم الغربیه، فکان ذلک بدوره معزّزاً وموسّعاً للاتجاه الغربی والتغرّب الثقافی. 

ثانیاً: أسطوره التفوّق الغربی:
نتیجه لضغوط الاستکبار وسلطته السیاسیه والعسکریه، وکذلک تفوّق التقنیه الغربیه، خیّم على معظم الشعوب ـ الإسلامیه وغیرها ـ کابوس تفوّق الغربیین وأفضلیّه نمط حیاتهم، وأوجد ذلک عندهم شعوراً خطراً، هو الإیمان بتفوّق الغرب، وبروز عقده الحقاره، فقادهم ذلک إلى اقتباس کل ما هو غربی، ورفض کلّ ما هو محلّی، فعُزِی تفوّق الغرب فی التقنیه إلى ألبسه الغربیین وعاداتهم وأطوارهم وطریقه جلوسهم وقیامهم ومشیهم ورقصهم وسلوکهم الفردی والجماعی.. 

والحصیله النهائیه لهذه العملیه کانت استسلام المسلمین لآراء الغرب وأفکارهم، وکأنّهم فاقدون لأیّه هویه وإراده وقرار مستقل، وبالتالی دمارَ الهویه والشخصیه الإسلامیه، وفناءهما. 

ثالثاً: الاستعمار:
الاستعمار هو عامل آخر من العوامل الرئیسیه للغزو الثقافی، ذلک أنّ الاستکبار فی کلّ حملاته ضد المسملین کان یصطدم بعائقین کبیرین، هما: الإیمان والتعصب الدینی والمشاعر الإسلامیه القویه، والتقالید الراسخه القویه والفخر القومی والتاریخی.
ومن هنا عرف الاستکبار أنّه لن یقوى على البقاء، ومدّ جذوره فی ثقافه المسلمین، وترسیخ أسسه، إلاّ بعد إضعاف الإیمان بالدین والالتزام به، واقتلاع الثقافه الإسلامیه القومیه من جذورها، وإفراغ المسلمین من تاریخهم وثقافتهم ومحتواهم الدینی، فإنّ الذی لا أصاله له ولا أساس، یسهل ترویضه وتحویله إلى عبد وخادم للآخرین.
نعم، لقد لمس الاستکبار بوضوح التناقض القائم بین حضارته وبین الحضاره الإسلامیه، وأدرک أنّه ما دام الإسلام موجوداً فی المجتمع کقوّه حیّه، فسوف یبقى مهدداً بخطر الزوال والفناء، وسیواجه بتمرّد الناس وعصیانهم. ومنذ ذلک الحین أخذ یفکّر فی الحل، فلم یجد أنجح من القضاء على النظم والثقافه الإسلامیه، وفرض الأنظمه ونمط التفکیر والمعیشه الغربیه، وهذا یؤکّد لنا أن العلاقه بین الاستعمار والتغرّب الثقافی حقیقه لا سبیل إلى إنکارها. 

رابعاً: الاستبداد المحلی:
تجسّد الاتجاه الغربی والصیغ الغربیه فی البلدان الإسلامیه فی الحکّام والملوک المستبدّین، ففی معظم البلدان أجبر الحکّام المستبدون الناس على ترک المعاییر والقیم الأصیله، واختیار المعاییر والعادات الغربیه. وهذا العامل لأهمیته، ولارتباطه بالأوضاع الراهنه التی تجری فی معظم دول العالم الإسلامی، لا بدّ من تحلیله، وذلک بالالتفات إلى النقاط التالیه: 

۱- بما أن الهمّ الأوّل لمعظم حکّام الدول العربیه هو الحفاظ على تیجانهم وعروشهم، وفی الوقت نفسه تحکمهم نزعه التسلّط والتوسع وریاده الدول العربیه والإسلامیه وقیادتها، ولم یکن هؤلاء یتمتعون بقاعده شعبیه، اضطروا إلى الاعتماد على القوه، واللجوء إلى تأیید ومسانده إحدى القوى الکبرى لهم، ثم قمع انتفاضات أبناء بلدانهم المحقّه، بمساعده تلک القوى الکبرى، ولم یکن أمامهم سوى اتباع ما تملیه علیهم أمریکا رائده الاستکبار فی کافه المجالات، فکان الاعتماد على القوى الأجنبیه أساساً ودعامه لبقاء حکم هؤلاء المستبدین ودوامه. 

۲- إنّ فقدان هؤلاء لأی أساس أو أصل، وشعورهم بالدناءه والحقاره أمام الغربیین، أوقعهم فی وهم أنّ سر انتصار الغرب یکمن فی حضارته وثقافته وألبسته ورقصه، حتى أمست نساء الأمراء الإسلامیین سافرات من غیرحجاب، وباتت مصافحه الأجنبیات بروتکولاً عربیاً یمارسه کل حاکم أو مسؤول.. ولکن إن لم تستحِ فافعل ما شئت. 

۳- معظم هؤلاء المستبدین سیطرت علیهم الأوهام بشأن الجیش، فظنوا أن قوّه نظامهم واستقراره مرهونان بالجیش والآله الحربیه، ومن أجل الحصول على شرف إقامه قواعد عسکریه فی بلادهم کانت تبعیتهم للغرب والقوى الغربیه تزداد یوماً بعد آخر. 

۴- لقد مهّدت الأنظمه العربیه والإسلامیه الیوم السبیل أمام الاتجاه الغربی، وذلک لأنّ الاستبداد والتعنّت یقضی على الابتکار والإبداع والإنتاج، ویجرّ المجتمع نحو الذله والهوان والتملّق والریاء والنفاق والجبن والخوف، وبذلک یمهّد السبیل أمام تسلّط الأجانب. 

وبکلمه: فإنّ معظم الأنظمه العربیه والإسلامیه إمّا أنها تعمل على إبقاء الناس فی حاله من الجهل وانعدام الوعی والإحساس، لکی یهدأوا وینصاعوا لهم، وإما تفرض علیهم الصیغ الغربیه لإفراغهم من محتواهم وشخصیتهم، وتحویلهم إلى مخلوقات استهلاکیه فارغه ومتغرّبه، لکی یدعوهم یفعلون ما یشاؤون، ویغفلوا عن قضایاهم المصیریه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.