الرقابه الاجتماعیه فی الإسلام
والرقابه الاجتماعیه هی واحده من تلک القضایا المنسیه والمهمله من قبل الإسلامیین، ولا أخال أنّ مسألهً ذات خطوره عظمى تحتّل مرکزاً مهماً فی قائمه الواجبات الإسلامیه کمسأله الرقابه الاجتماعیه، وذلک لما للرقابه الاجتماعیه من أثر فعّال وواضح، وفاعلیه بعیده المدى فی ضبط المجتمع والحکومه، وفی فرض سیاده القانون، وسیطره النظام، بغیه توفیر السعاده التامه لأبناء الأمّه الإسلامیه.
وقد أمسى بحث الرقابه الاجتماعیه وتحقیقها حاجهً ضروریه ملحه، وحتمیّهً صارخه، ولا سیّما فی ظل الواقع المریر الذی یعیشه المسملون فی الوقت الراهن، حیث تنادی الجماعات السیاسیه العمیله بتطبیق الأنظمه الشیوعیه، وتسعى إلى إقامه الدوله الکافره على أنقاض الدول الشرعیه التی کانت قائمه فی بلادنا الإسلامیه.
وتتجلّى أهمیه الرقابه الاجتماعیه حینما نعی ونفهم أنّها العامل الوحید فی دفع الجهاز الحکومی إلى السلوک المستقیم, والسیر طبق بنود القانون، وإیقافه عن الانحراف واستغلال المنصب على مصلحه قضایا الأمه.
فالنظام الذی لا یخضع لرقابه اجتماعیه نظام متعسّف، والجهاز الحکومی الذی لا یراقب، ما هو إلاّ أفراد مستبدّون، وکلاهما خارج عن واقع الإنسانیه. وکذلک النظام العادل الذی یموت فی نفوس شعبه ضمیر الرقابه الاجتماعیه، هو الآخر سوف یموت أو یعطّل على أقل تقدیر.
هذا من جهه، ومن جهه أخرى فإنّ هذه الرقابه لبرهانٌ أخرى على أنّ الإسلام نزل موائماً لمتطلبات الحیاه الاجتماعیه، وملائماً لمقتضیات کرامه الإنسان وحریّته، قال تعالى: (ولتکن منکم أمّه یدعون إلى الخیر ویأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر أولئک هم المفلحون).
ولسنا هنا فی معرض الحدیث عن الرقابه بشکل مطلق، فإنّه مما لا تسعه هذه الوریقات، وإنّما نتکلم عن الرقابه الاجتماعیه فی ضبط الدوله الإسلامیه وجهازها الحکومی، وهو متمثّل بمتابعه تصرفات النظام، ثم باتباع وسیلتی اللاعنف أو العنف متى انحرف عن شیء من القانون.
فمتى انحرف الجهاز الحکومی تقصیراً فی تطبیق القانون أو استغلالاً للمنصب لمنافع شخصیه، أو أخرى لا تعود على الأمّه بالنفع، أو قصوراً فی فهم القانون، وما إلى ذلک من انحرافات تخالف الشریعه الإسلامیه.. متى حصل أیّ شیء من هذا، وجب على الأمّه أن تلفت نظر الجهاز الحکومی إلى مخالفته وإرجاعه إلى الحق، وإلاّ فدورها استعمال الوسائل العنیفه آخذهً بالأقل ضرراً وبمقدار ما تتطلبه الضروره.
وفی قانون الجهاز الحکومی فی الدوله الإسلامیه، تأتی الرقابه الاجتماعیه متمثّله وبصوره واضحه فی نظام (الحسبه) أو وظیفه المتحسبین. فمن واجب الحکومه أن توظّف من یقوم بمهمه الرقابه الاجتماعیه شریطه أن یتوفر المحتسب على العداله والمعرفه بشؤون وظیفته، وأن یکون متصفاً بالأمانه والکفایه کشرط عام یؤخذ به فی مجال التوظیف فی مختلف أنواعه ومجالاته.
والرقابه الاجتماعیه مضافاً إلى أنّها عامل من عوامل نشر المعروف ومنع المنکر، هی عامل مهمّ أیضاً فی صوغ المجتمع مجتمعاً إسلامیاً، وفی تطویره إلى وحدات اجتماعیه یضمّها إطار إسلامی عام، ویلاحم بین أجزائها تعلیم إسلام موحّد.
فالرقابه إذاً، تقوم بمهمّتین أساسیتین، هما: صوغ المجتمع مجتمعاً إسلامیاً، وتکوین الفرد بتأثیره فرداً من البنیان الإسلامی. ومن هنا ندرک أنّ إهمال الرقابه یؤثّر إلى حدّ کبیر فی تفسّخ المجتمع وتدهوره، وهو ما ینسحب تلقائیاً على تأخّر الفرد وانهیار شخصیته، ومن هنا قیل: (ما ترک قوم الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر إلاّ ذلّوا وسلط علیهم شرارهم).
هذه الحقائق تبلور سؤالاً فی النفس، وهو أنّه لماذا انحسرت الرقابه عن مجتمع المسلمین؟ ولماذا ابتعد المسلمون عنها، فقصّروا فی أداء هذه المسؤولیه الاجتماعیه الخطیره؟
إنّ الإجابه عن هذا التساؤل تترکّز فی عامل أساسی، وهو الاستکبار الکافر.. الاستکبار الذی حوّل أرض المسلمین إلى میدان للصراع بین حضاراته الکافره وبین الحضاره الإسلامیه، وهی فی أدوار ضعف القائمین علیها.
ومن الواضح أنّ الصراع بین حضارتین تملک إحداهما مختلف وسائل الدعایه، وجمیع قوى الإسناد السیاسی، وتفقد الأخرى تلک الوسائل وتلک القوى، حتماً سیغلّب الحضاره الأولى الغازیه على الحضاره الثانیه الضعیفه.
إنّ محاوله التوعیه إلى المقارنه بین واقع المسلمین بالأمس، یوم کانوا یفهمون واجبهم الشرعی، وواقع المسلمین الیوم، حیث یعیشون مخدّرین فی ظل عوامل مختلفه، لیست مما تخفى على أحد. وفی الحقیقه فلیس انتشار المنکرات الیوم بین صفوف المسلمین إلاّ لأننا أهملنا هذا الجانب الخطیر فی الوقوف أمام انتشار المنکر، ولیس ضیاع فلسطین ـ قلب العالم الإسلامی ـ وقیام حکومه إسرائیل الکافره، إلاّ واحده من نتائج الإهمال لمثل هذا الواجب الإسلامی المقدّس.