بیعه الإمام علی ( علیه السلام ) بالخلافه

0

الأول : تطهیر جهاز الدوله :
أول عمل قام به الإمام ( علیه السلام ) فور تولیته لمنصب رئاسه الدوله هو عَزل وُلاه عثمان الذین سَخّروا جهاز الحکم لمصالحهم الخاصه ، وأُثروا ثراءً فاحشاً مما اختلسوه من بیوت المال ، وعزل ( علیه السلام ) معاویه بن أبی سفیان أیضاً .
ویقول المؤرخون : أنّه أشار علیه جماعه من المخلصین بإبقائه فی منصبه ریثما تستقر الأوضاع السیاسیه ثُمّ یعزله فأبى الإمام ( علیه السلام ) ، وأعلن أنّ ذلک من المداهنه فی دینه ، وهو مما لا یُقرّه ضمیره الحیّ ، الذی لا یسلک أیّ طریق یبعده عن الحقّ ولو أبقاه ساعه لکان ذلک تزکیه له ، وإقرارا بعدالته ، وصلاحیته للحکم .
الثانی : تأمیم الأموال المختلسه :
أصدر الإمام ( علیه السلام ) قراره الحاسم بتأمیم الأموال المختلسه التی نهبها الحکم المُباد .
فبادرت السلطه التنفیذیه بوضع الید على القطائع التی أقطعها عثمان لذوی قُرباه ، والأموال التی استأثر بها عثمان ، وقد صودِرت أمواله حتى سیفه ودرعه ، وأضافها الإمام ( علیه السلام ) إلى بیت المال .
وقد فزع بنو أمیه کأشدّ ما یکون الفزع ، فهم یرون الإمام ( علیه السلام ) هو الذی قام بالحرکه الانقلابیه التی أطاحت بحکومه عثمان ، وهم یطالبون الهاشمیین بردّ سیف عثمان، ودرعه، وسائر ممتلکاته التی صادرتها حکومه الإمام ( علیه السلام ) .
وفزعت القبائل القرشیه وأصابها الذهول ، فقد أیقنت أنّ الإمام سیصادر الأموال التی منحها لهم عثمان بغیر حقّ .
فقد کتب عمرو بن العاص رساله إلى معاویه جاء فیها : ما کنتُ صانعاً فاصنع إذا قشّرک ابن أبی طالب من کُلّ مال تملکه کما تقشر عن العصا لحاها .
لقد راح الحسد ینهش قلوب القرشیین ، والأحقاد تنخر ضمائرهم ، فاندفعوا إلى إعلان العصیان والتمرد على حکومه الإمام ( علیه السلام ) .
الثالث : اِلتیاع الإمام ( علیه السلام ) :
وامتُحِن الإمام ( علیه السلام ) امتحاناً عسیراً من الأُسَر القرشیه ، وعانى منها أشدّ ألوان المِحن والخُطوب فی جمیع أدوار حیاته .
فیقول ( علیه السلام ) : ( لقد أخافَتنی قُریش صغیراً ، وأنصبتنی کبیراً ، حتى قبض الله رسوله ( صلى الله علیه وآله ) ، فکانت الطامّه الکبرى ، والله المُستعان على ما تَصِفون ) .
ولم یعرهم الإمام ( علیه السلام ) اهتماماً ، وانطلق یؤسس معالم سیاسته العادله ، ویحقق للأمّه ما تصبوا إلیه من العداله الاجتماعیه .
وقد أجمع رأیه ( علیه السلام ) على أن یقابل قریش بالمِثل ، ویسدد لهم الضربات القاصمه إن خلعوا الطاعه ، وأظهروا البغی .
فیقول ( علیه السلام ) : ( مَالی وَلِقُریش ، لقد قتلتُهم کافرین ، ولأقتلنَّهم مَفتونین ، والله لأبقرنَّ الباطل حتى یظهر الحقّ من خَاصِرَتِه ، فَقُلْ لقریش فَلتضجّ ضَجیجَها ) .
الرابع : سیاسه الإمام ( علیه السلام ) :
فیما یلی عرضاً موجزاً للسیاسه الإصلاحیه التی اتبعها الإمام ( علیه السلام ) لإداره الدوله الإسلامیه وهی کما یلی :
أولاً : السیاسه المالیه :
کانت السیاسه المالیه التی انتهجها الإمام ( علیه السلام ) امتداد لسیاسه الرسول الأعظم ( صلى الله علیه وآله ) الذی عنى بتطویر الحیاه الاقتصادیه ، وإنعاش الحیاه العامه فی جمیع أنحاء البلاد ، بحیث لا یبقى فقیر أو بائس أو محتاج .
وذلک بتوزیع ثروات الأمّه توزیعاً عادلاً على الجمیع .
ومن مظاهر هذه السیاسه هی :
۱ – المساواه فی التوزیع والعطاء ، فلیس لأحد على أحد فضل أو امتیاز ، وإنّما الجمیع على حدٍّ سواء .
فلا فضل للمهاجرین على الأنصار ، ولا لأسره النبیّ ( صلى الله علیه وآله ) وأزواجه على غیرهم ، ولا للعربی على غیره .
وقد أثارت هذه العداله فی التوزیع غضب الرأسمالیین من القرشیین وغیرهم ، فأعلنوا سخطهم على الإمام ( علیه السلام ) .
وقد خفت إلیه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سیاسته فأجابهم الإمام ( علیه السلام ) : ( لو کان المال لی لَسوّیتُ بینهم فکیف ، وإنّما المال مال الله ، ألا وإنّ إعطاء المال فی غیر حقه تبذیر وإسراف ، وهو یرفع صاحبه فی الدنیا ، ویضعه فی الآخره ، ویُکرّمه فی الناس ، ویهینه عند الله ) .
فکان الإمام ( علیه السلام ) یهدف فی سیاسته المالیه إلى إیجاد مجتمع لا تطغى فیه الرأسمالیه ، ولا تحدث فیه الأزمات الاقتصادیه ، ولا یواجه المجتمع أی حِرمان أو ضیق فی حیاته المعاشیه .
وقد أدّت هذه السیاسه المشرقه المستمده من واقع الإسلام وهَدْیهِ إلى إجماع القوى الباغیه على الإسلام أن تعمل جاهده على إشاعه الفوضى والاضطراب فی البلاد ، مستهدفه بذلک الإطاحه بحکومه الإمام ( علیه السلام ) .
۲ – الإنفاق على تطویر الحیاه الاقتصادیه ، وإنشاء المشاریع الزراعیه ، والعمل على زیاده الإنتاج الزراعی الذی کان من أصول الاقتصاد العام فی تلک العصور .
وقد أکد الإمام ( علیه السلام ) فی عهده لمالک الأشتر على رعایه إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها .
فیقول ( علیه السلام ) : ( ولیکُن نظرک فی عِماره الأرض أبلغ من نظرک فی استجلاب الخراج ، لأنّ ذلک لا یُدرک إلاّ بالعماره ، ومن طلب الخراج بغیر عماره أخرب البلاد وأهلک العباد ، ولم یستقم أمره إلاّ قلیلاً ) .
لقد کان أهمّ ما یعنی به الإمام ( علیه السلام ) لزوم الإنفاق على تطویر الاقتصاد العام ، حتى لا یبقى أی شبح للفقر والحرمان فی البلاد .
۳ – عدم الاستئثار بأیّ شیء من أموال الدوله ، فقد تحرّج الإمام ( علیه السلام ) فیها کأشدّ ما یکون التحرّج .
وقد أثبتت المصادر الإسلامیه بوادر کثیره من احتیاط البالغ فیها ، فقد وفد علیه أخوه عقیل طالباً منه أن یمنحه الصله ویُرَفّهُ علیه حیاته المعاشیه ، فأخبره الإمام ( علیه السلام ) أنّ ما فی بیت المال للمسلمین ، ولیس له أن یأخذ منه قلیلاً ولا کثیراً ، وإذا منحه شیء فإنّه یکون مختلساً .
وعلى أیّ حال فإنّ السیاسه الاقتصادیه التی تَبنّاها الإمام ( علیه السلام ) قد ثقلت على القوى المنحرفه عن الإسلام ، فانصرفوا عن الإمام وأهل بیته ( علیهم السلام ) ، والتحقوا بالمعسکر الأموی الذی یضمن لهم الاستغلال ، والنهب ، وسلب قوت الشعب ، والتلاعب باقتصاد البلاد .
ثانیاً : السیاسه الداخلیه :
عنى الإمام ( علیه السلام ) بإزاله جمیع أسباب التخلف والانحطاط ، وتحقیق حیاه کریمه یجد فیها الإنسان جمیع متطلبات حیاته ، من الأمن والرخاء والاستقرار ، ونشیر فیما یلی إلى بعض مظاهرها :
۱ – المساواه :
 وتجسّدت فیما یأتی :
أ – المساواه فی الحقوق والواجبات .
ب – المساواه فی العطاء .
ج – المساواه أمام القانون .
وقد ألزم الإمام ( علیه السلام ) عُمّاله وَوُلاته بتطبیق المساواه بین الناس على اختلاف قومیّاتهم وأدیانهم .
فیقول ( علیه السلام ) فی بعض رسائله إلى عماله : ( واخفضْ للرعیّه جناحک ، وابسط لهم وجهک ، وأَلِنْ لهم جانبک ، وآسِ بینهم فی اللحظه والنظره ، والإشاره والتحیه ، حتى لا یطمع العظماء فی حیفک ، ولا ییأس الضعفاء من عدلک ) .
۲ – الحریّه :
أمّا الحریّه عند الإمام ( علیه السلام ) فهی من الحقوق الذاتیه لکل إنسان ، ویجب أن تتوفر للجمیع ، شریطه أن لا تستغلّ فی الاعتداء والإضرار بالناس ، وکان من أبرز معالمها هی الحریّه السیاسیه .
ونعنی بها أن تُتَاح للناس الحریّه التامّه فی اعتناق أی مذهب سیاسی دون أن تفرض علیهم السلطه رأیا معاکساً لما یذهبون إلیه .
وقد منح الإمام ( علیه السلام ) هذه الحریّه بأرحب مفاهیمها للناس ، وقد منحها لأعدائه وخصومه الذین تخلفوا عن بیعته .
فلم یجبرهم الإمام ( علیه السلام ) ، ولم یتخذ معهم أی إجراء حاسم کما اتخذه أبو بکر ضده حینما تَخلّف عن بیعته .
فکان الإمام ( علیه السلام ) یرى أنّ الناس أحرار ، ویجب على الدوله أن توفر لهم حریتهم ما دام لم یخلوا بالأمن ، ولم یعلنوا التمرد والخروج على الحکم القائم .
وقد منح ( علیه السلام ) الحریّه للخوارج ، ولم یحرمهم عطاءهم مع العلم أنّهم کانوا یشکلون أقوى حزب معارض لحکومته .
فلما سَعوا فی الأرض فساداً ، وأذاعوا الذعر والخوف بین الناس انبرى إلى قتالهم حفظاً على النظام العام ، وحفظاً على سلامه الشعب .
ثالثاً : الدعوه إلى وحده الأمّه :
وجهد الإمام کأکثر ما یکون الجهد والعناء على العمل على توحید صفوف الأمّه ونشر الأُلفه والمحبه بین أبنائها .
واعتبر ( علیه السلام ) الأُلفه الإسلامیه من نعم الله الکبرى على هذه الأمّه .
فیقول ( علیه السلام ) : ( إنّ الله سبحانه قد امتَنّ على جماعه هذه الأمّه فیما عقد بینهم من حبل هذه الأُلفه التی ینتقلون فی ظلها ، ویأوون إلى کنفها ، بنعمه لا یعرف أحد من المخلوقین لها قیمه ، لأنّها أرجح من کُلّ ثمن ، وأجلُّ من کُلّ خطر ) .
فقد عنى الإمام ( علیه السلام ) بوحده الأمّه ، وتبنّی جمیع الأسباب التی تؤدی إلى تماسکها واجتماع کلمتها ، وقد حافظ على هذه الوحده فی جمیع أدوار حیاته .
فقد ترک ( علیه السلام ) حَقّه وسَالَم الخلفاء صِیانه للأمّه من الفرقه والاختلاف .
رابعاً : تربیه الأمّه :
لم یعهد عن أحد من الخلفاء أنّه عنى بالناحیه التربویه أو بشؤون التعلیم کالإمام ( علیه السلام ) ، وإنّما عنوا بالشؤون العسکریه ، وعملیات الحروب ، وتوسیع رقعه الدوله الإسلامیه ، وبسط نفوذها على أنحاء العالم .
وقد أولى أمیر المؤمنین ( علیه السلام ) المزید من اهتمامه بهذه الناحیه ، فاتخذ جامع الکوفه معهداً یلقی فیه محاضراته الدینیه والتوجیهیه .
وکان ( علیه السلام ) یشغل أکثر أوقاته بالدعوه إلى الله ، وإظهار فلسفه التوحید ، وبَثّ الآداب والأخلاق الإسلامیه مستهدفا من ذلک نشر الوعی الدینی ، وخلق جیل یؤمن بالله إیمانا عقائدیاً لا تقلیدیاً .
فقد کان الإمام ( علیه السلام ) المؤسس الأعلى للعلوم والمعارف فی دنیا الإسلام ، وقد بذل جمیع جهوده على إشاعه العلم ونشر الآداب والثقافه بین المسلمین ، وکان دوماً یذیع بین أصحابه قوله : ( سَلونی قَبلَ أن تفقدونی ، سَلونی عن طُرق السَّماء ، فإنّی أبصَرُ بها من طُرُق الأرض ) .

Leave A Reply

Your email address will not be published.