هدف وغایه خلق الإنسان
فلقاء الله والرجوع إلیه ؛ هو الهدف الذی من أجله خُلق الإنسان ، والآیات لإثبات هذه الحقیقه کثیره ، قال تعالى : (( فَمَن کَانَ یَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْیَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ یُشْرِکْ بِعِبَادَهِ رَبِّهِ أَحَدَا)) (4) .
وقال أیضاً : (( إِنَّ الَّذِینَ لا یَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِینَ هُمْ عَنْ آیَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِکَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ )) (5) .
تأسیساً على ذلک یطرح هذا التساؤل : کیف یمکن للإنسان أن یحقّق هذا الهدف ، وما هو الطریق الموصل إلى لقاء الله سبحانه وتعالى ؟
فی مقام الإجابه نقول : إنّ الإنسان خُلق فی نشأه الابتلاء والامتحان ; قال تعالى: (( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیاهَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً )) (6) ، فکلّ شیء فی هذه النشأه لأجل امتحان الإنسان .
من هنا وضعه الله تعالى على مفترق الطریق ، لیختار لنفسه الاتجاه الذی یرید ، قال تعالى : (( إِنَّا هَدَیْنَاهُ السَّبِیلَ إِمَّا شَاکِرًا وَإِمَّا کَفُورًا )) (7) ، وقال تعالى:(( فَمَن شَاءَ فَلْیُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْیَکْفُرْ )) (8).
فإذا استطاع الإنسان أن یقف على الطریق الذی یوصله إلى الهدف الذی خلق من أجله فهو المهتدی ، وإلاّ فیکون من الضالّین .
وانطلاقاً من هذه الحقیقه ، یدعو الإنسان ربّه مرّات عدیده فی صلواته الیومیه (( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِیمَ )) (9) ، لأنّ أفضل الطرق وأحسنها وأقصرها للوصول إلى الهدف هو الصراط المستقیم ، وإذا لم یوفّق الإنسان لسلوک هذا الطریق ؛ فهو ضال لا محاله ، ولا تزیده سرعه المشی فی غیر الصراط المستقیم ؛ إلاّ بعداً عن الهدف .
وإلى هذا أشار الإمام الصادق (علیه السلام) بقوله : (( العامل على غیر بصیره کالسائر على غیر الطریق لا یزیده سرعه المشی إلاّ بُعداً )) (10) .
إذن فما هو الصراط المستقیم الذی یجب على السائر أن یسلکه للوصول إلى قرب الله ولقائه ؟
لقد بیّن القران الکریم ذلک بقوله تعالى : (( قُلْ إِن کُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِیمٌ )) (11) ، وکذلک قوله تعالى (( لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ لِمَن کَانَ یَرْجُو اللَّهَ وَالْیَوْمَ الآخِرَ وَذَکَرَ اللَّهَ کَثِیرًا )) (12) .
ومن الواضح أنّ الأنبیاء جمیعاً وعلى رأسهم خاتم الأنبیاء والمرسلین ؛ هم من الذین هداهم الله إلى الصراط المستقیم ، قال تعالى : (( کُلاًّ هَدَیْنَا وَنُوحًا هَدَیْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّیَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَیْمَانَ وَأَیُّوبَ وَیُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَکَذَلِکَ نَجْزِى الْمُحْسِنِینَ. وَزَکَرِیَّا وَیَحْیَى وَعِیسَى وَإِلْیَاسَ کُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِینَ . وَإِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَع َوَیُونُسَ وَلُوطًا وَکُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِینَ . وَمِنْ آبَائِهِم وَذُرِّیَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَیْنَاهُمْ وَهَدَیْنَاهُمْ إِلَى صِراط مستَقِیم . ذَلِکَ هُدَى اللَّهِ یَهْدِى بِهِ مَن یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ )) (13) .
على هذا یکون الصراط المستقیم الموصل إلى الله تعالى هو إتباع الخاتم (صلّى الله علیه وآله) ، ولا یتحقّق هذا الإتباع ؛ إلاّ بالأخذ بکل ما جاءنا عنه (صلّى الله علیه وآله) قال تعالى : (( وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا )) (14) ، وما ذلک إلاّ لأنّه (صلّى الله علیه وآله) (( وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْیٌ یُوحَى )) (15) .
ثمّ إنّ الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) حدّد کیفیه إتباعه من أجل السیر على الصراط المستقیم ، والخلاص من الضلاله بقوله : (( إنّی ترکت فیکم ما إن تمسّکتم به لن تضلّوا بعدی ؛ کتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض ؛ وعترتی أهل بیتی ، ولن یفترقا حتّى یردا علیّ الحوض فانظروا کیف تخلفوننی فیهما)) حیث بیّن (صلّى الله علیه وآله) : أنّ المنجی من الضلاله هو التمسّک بالقرآن والعتره الطاهره (علیهم السلام) معاً .
ولذا نقرأ فی الدعاء : (( اللهمّ عرّفنی نفسک ، فإنّک إن لم تعرّفنی نفسک لم أعرف رسولک ، اللهمّ عرّفنی رسولک ، فإنّک إن لم تعرّفنی رسولک لم أعرف حجّتک ، اللهمّ عرّفنی حجّتک فإنّک إن لم تعرّفنی حجّتک ضللت عن دینی )) (16) .
فالذی ینجی الإنسان من الضلاله ویهدیه الصراط المستقیم ، هو معرفه الله والرسول والحجّه فی کلّ زمان ، ثمّ إنّ القرآن بیّن لنا حقیقه أخرى فیما یرتبط بالإنسان حیث قال : (( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِی أَحْسَنِ تَقْوِیم . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِینَ )) (17) .
فالإنسان وهو فی نشأه الدنیا یعیش فی أسفل السافلین ، فعلیه بعد أن تبیّن له الهدف والطریق أن یصعد من الأسفل إلى الأعلى (( إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ )) (18) ، ولیس هذا الصعود مکانیاً بل هو معنوی ، ذلک أنَّ الارتفاع والصعود إلى الأعلى تاره یکون مکانیاً ، کما لو صعد الإنسان على مرتفع من الأرض مثلاً ، وأخرى یکون معنویاً ، کما فی قوله تعالى فی حق إدریس (علیه السلام) : (( وَرَفَعْنَاهُ مَکَانًا عَلِیًّا )) (19) ، إذ لیس المراد هو الارتفاع المکانی ، بل ارتفاع مکانته عند الله تعالى .
من هنا نجد أنّ القرآن الکریم والروایات الوارده عن النبی الأکرم (صلّى الله علیه وآله) ، ذکرت أنّ هذا الصعود إلیه تعالى یحتاج إلى حبل ، قال تعالى : (( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا )) (20) ، وللوقوف على هذا الحبل الذی أمرنا القرآن بالاعتصام به ، نرجع مرّه أخرى إلى حدیث الثقلین المتواتر بین الفریقین ، لنقف على حقیقه هذا الحبل ، وما هو المقصود به ؟
قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فی خطبته المشهوره ، التی خطبها فی مسجد الخیف فی حجّه الوداع : (( إنّی مخلّف فیکم الثقلین ، الثقل الأکبر القرآن ، والثقل الأصغر عترتی وأهل بیتی ، هما حبل الله ممدود بینکم وبین الله عزّ وجلّ ، ما إن تمسّکتم به لم تضلّوا )) (21) .
حیث عبّر الرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) عن القرآن والعتره ؛ بأنّهما حبل واحد لا حبلان ، وهذا معناه أنّ التمسّک بالعتره لیس شیئاً وراء التمسّک بالقرآن الکریم ، بل هما حقیقه واحده ، لکن الفرق بینهما أنّ العتره هم القرآن الناطق ، وأنّ القرآن هو العتره الصامته .
لذا ورد عن الإمام الصادق (علیه السلام) فی ذیل قوله تعالى : (( إِنَّ هَذَا الْقُرآنَ یَهْدِی لِلَّتِی هِیَ أَقْوَمُ )) (22) : – إنّه یهدی إلى الإمام – (23) .
ومنه یتّضح معنى ما قاله أمیر المؤمنین علی (علیه السلام) : (( ذلک الکتاب الصامت ، وأنا الکتاب الناطق )) (24) ، فلا یعنی بذلک أنّه هو الناطق باسم القرآن ، بل عنى أنّه هو القرآن المتجسّد ، ولذا ورد عن الفریقین عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : (( علی مع الحق والحق مع علی ، یدور معه حیثما دار )) (25) ، أی یدور الحق حیثما دار علی ، لأنّه هو القرآن الناطق ، أی هو التجسید الحی لکتاب الله فی واقع الناس وحیاتهم .
وعلى هذا الأساس نستطیع أن نفهم ما ورد فی تفسیر العیاشی عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال : (( الصراط المستقیم أمیر المؤمنین علیه السلام )) ، وکذلک ما ورد فی المعانی عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال : (( هی الطریق إلى معرفه الله ، وهما صراطان ، صراط فی الدنیا وصراط فی الآخره ، فأمّا الصراط فی الدنیا فهو الإمام المفترض الطاعه ، من عرفه فی الدنیا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذی هو جسر جهنّم فی الآخره ، ومن لم یعرفه فی الدنیا زلّت قدمه فی الآخره فتردى فی نار جهنّم )) .
وما ورد عن الإمام السجّاد (علیه السلام) : (( لیس بین الله وبین حجّته حجاب ، ولا له دون حجّته ستر ، نحن أبواب الله ، ونحن الصراط المستقیم ، ونحن عیبه علمه وتراجمه وحیه ، ونحن أرکان توحیده ، ونحن موضع سرّه )) (26) .
بعد أن تبیّن أنّ الإنسان مسافر إلى الله تعالى ، وکادح کدحاً للوصول إلیه والقرب منه واللقاء به ، وأنّ ذلک لا یتحقّق إلاّ من خلال إتباع القرآن والعتره الطاهره ؛ اللذین هما حبل الصعود إلیه سبحانه ، أشار القرآن إلى زاد هذا السفر الإلهی ، حیث قال : (( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَى )) (27) .
قال أمیر المؤمنین (علیه السلام) : (( أوصیکم عباد الله بتقوى الله التی هی الزاد وبها المعاذ ، زادُ مبْلِغ ، ومعاذ منجح ، دعا إلیها أسمع داع ، ووعاها خیر واع ، فأسمع واعیها ، وفاز داعیها )) (28) .
وقد أشار القرآن الکریم إلى أن خیر مطیه یمتطیها الإنسان ؛ لکی یصل إلى هدفه هو قیام اللیل ، قال تعالى : (( وَمِنَ اللَیلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَهً لکَ عَسَى أَن یَبْعَثکَ رَبُّکَ مَقَامًا محْمُودًا )) (29) ، وقال تعالى : (( قُمِ اللَیلَ إِلاَّ قَلِیلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِیلاً * أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً )) (30) .
فتحصّل إلى هنا ، أنّ أفضل مرکوب یمتطیه الإنسان للسیر إلى الله تعالى هو قیام اللیل ، وأن أفضل الزاد هو التقوى ، وأن أفضل طریق هو الصراط المستقیم .
وبهذا یتضح دور التقوى فی حیاه الإنسان ، وموضعها فی منظومه الشریعه الإسلامیه ، إذ کثیراً ما یقع الحث على التقوى من دون أن یتضح للسائر إلى الله موقع ذلک ، وموضعه فی حیاه الإنسان .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) المؤمنون: ۱۱۵ .
(۲) العلق : ۸ .
(۳) الانشقاق : ۶ .
(۴) الکهف : ۱۱۰ .
(۵) یونس : ۸ .
(۶) الملک : ۲ .
(۷) الإنسان : ۳ .
(۸) الکهف : ۲۹ .
(۹) الفاتحه : ۶ .
(۱۰) الأصول من الکافی، لثقه الإسلام أبی جعفر محمد بن یعقوب بن إسحاق الکلینی الرازی: ج۱ ص۴۳ / کتاب فضل العلم، باب من عمل بغیر علم، الحدیث: ۱ .
(۱۱) آل عمران : ۳۱ .
(۱۲) الأحزاب : ۲۱ .
(۱۳) الأنعام: ۸۴ ـ ۸۸ .
(۱۴) الحشر : ۷ .
(۱۵) النجم: ۳٫
(۱۶) مفاتیح الجنان: ص۵۸۸، الدعاء فی زمن الغیبه.
(۱۷) التین : ۴ ـ ۵ .
(۱۸) فاطر : ۱۰ .
(۱۹) مریم : ۵۷ .
(۲۰) آل عمران: ۱۰۳ .
(۲۱) بحار الأنوار: تألیف العلم العلاّمه الحجّه فخر الأمّه المولى الشیخ محمد باقر المجلسی (قدّس سرّه): ج۹۲، ص۱۰۲٫ مؤسسه الوفاء، بیروت ـ لبنان.
(۲۲) الإسراء : ۹ .
(۲۳) أصول الکافی: ج۱ ، ص۲۱۶، کتاب الحجّه، باب إنّ القرآن یهدی للإمام. الحدیث ۲٫
(۲۴) بحار الأنوار: ج۳۹ ، ص۲۷۲ .
(۲۵) بحار الأنوار : ج۳۸ ، ص۱۸۸ .
(۲۶) نقلت هذه الروایات عن المیزان فی تفسیر القرآن
(۲۷) البقره: ۱۹۷ .
(۲۸) نهج البلاغه: الخطبه ۱۱۴٫
(۲۹) الإسراء: ۷۹ .
(۳۰) المزمّل: ۲ ـ ۴٫