تکوین مجتمع المعرفه.. مسؤولیه من؟
فی حقیقه الأمر یحتاج تکوین مجتمع المعرفه إلى جمله من المطالب من بینها تبنی الحکومه والنخب المثقفه لهذا المطلب، واتفاق الطرفین على أهمیه نمو الوعی الاجتماعی، وحدوث طفره معرفیه فی الحیاه الاجتماعیه تدفع الأفراد لاتخاذ مواقف إیجابیه فی مختلف القضایا، وتتیح لکل واحد منهم القدره على المحافظه على مکتسباته الشخصیه، وعلى نجاحاته السابقه فی ظل الرؤیه النافذه، والأفق الممتد الذی یرنو إلیه والذی تهیّأ له من خلال النمو المستمر، والتواصل الحقیقی مع المعطیات المعرفیه یوماً بعد یوم، ومرحله تلو مرحله.
ومن المحزن حقاً أن یظن بعض الناس أن تکوین مجتمع المعرفه هو مسأله ترفیه أکثر من کونه قضیه أُمّه بأکملها، إما أن تأخذ بأسباب النهضه الحضاریه فتحسّن قیاده ذاتها، وتعید تقدیم نفسها للعالم بصوره تلیق بها، وإما أن تفقد القدره على الالتزام بشروط النهوض الحضاری، وحینها تغرق فی شبر ماء، وتصبح صیداً سهلاً لکلّ صیاد محترف، وأخشى أن أقول هاوٍ یضرب فی کل اتجاه، فإذا ما وقعنا فی مرمى صیده لم نُبْد أیّه مقاومه، واستسلمنا لقدرنا الذی اخترناه بأنفسنا فی فتره غاب فیها الضمیر، ونام فیها العقل، واختلط فیها الأمور على نحو مؤسف.
وإذا کان احتراف النجاح هو النتیجه الحتمیه للجهود المضنیه التی یبذلها مجتمع المعرفه، فإن احتراف الفشل والسیر بالمقلوب یصبح النتیجه الطبیعیه للمجتمع الفاقد للقدره على الحزم وضبط النفس، والأخذ بأسباب القوه، والتی من أهمها الاتصال العاطفی والعقلی مع قیم التعلم المستمر، ومبادئ الالتزام بالسّیر فی درب العلم دوناً عن سائر الدروب، والخطوط المبعثره لجهود الأُمّه والممزِّقه لوحده صفها دون مواربه.
ومما لا تخطئه عین البصیره ولا یتخطاه نظر العقل أنّ المجتمع الذی لا تتوفر فیه شروط مجتمع المعرفه یصبح کل فرد فیه معلماً، وکل عضو فیه فیلسوفاً، وکل صرعه فیه نموذجاً یستحق الحمد والتقدیر!!
قد توجد عناصر قویه ومتمیزه فی المجتمع الزاهد بقیم التعلّم المستمر، لکن هذه العناصر یظل دورها محدوداً ولا یرقى لیتحول لقوه ضغط تمنع استفحال الرغبه الجانحه فی مواصله النوم والاسترخاء الغیر مؤقت بزمن، ما أدى لاتهامنا بالتفریط بقیم التفوق ومقوّمات الحضاره، تلک التهمه التی یوجد ألف دلیل على صحتها، مع الأسف الشدید!!
وجود النخب المثقفه إذن لا یکفی وحده لصیاغه مجتمع معافىً، وجلب مناخ معرفی صحی ینعش الحیاه الفکریه للمجتمع بأسره، وإنما لابدّ أن تتدخل الدوله ممثله فی وزاراتها ومؤسساتها المختلفه لتنجز هذه المهمه وتقوم بهذا الجهد.
والمثقف فی هذه المرحله هو الشخص الذی یجنی ثمار تعبه ونتائج جهوده المسبقه.
حیث إنّ البنیه المعرفیه التحتیه لأی مجتمع من المجتمعات تصنعها النخب الفکریه (کمرحله تحضیریه)، تسبق الانتقال إلى مجتمع المعرفه وتمهد لها، وکلما کان دور المثقف أکثر ظهوراً وأداؤه أکثر قوه، وکلما زاد عدد الرموز الفاعله أسهم ذلک دون شک فی تسریع الانتقال إلى مجتمع المعرفه، وساعد على تقلیص المسافه الفاصله ما بین تحسین الأداء المجتمعی للأدوار المناطه بالأفراد وما بین الصوره المائله التی یعکسها الأداء غیر المنظم للمجتمع الذی لا ترقى به أدواته لبلوغ الأفق الذی نتحدث عنه.
فاعلیه المثقف إذن هی خط أحمر لکل مجتمع یرید أو یراد له أن ینهض ویستقیم.